|
|
| السنة - | 614 | ه - العدد | 1426 | ربيع الأول | من | 8 | - م | 2005 | إبريل | من | 17 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
02:18:16 ك |
 |
الساعة - |
 |
15/04/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| أحداث |
 |
|
|
أندريه ريمون
عاشق القاهرة
أيمن فؤاد سيد
بدأ اهتمام الفرنسيين بتاريخ مصر وتاريخ القاهرة منذ قدوم الحملة الفرنسية إلي مصر عند منقلب القرن الثامن عشر الميلادي وكان أهم ما خلفته هذه الحملة هو المؤلف الضخم 'وقف مصر LE Sescription de e'Egypte والذي تحتل فيه القاهرة وتاريخها مكانة واضحة بفضل الوصف الطوبغرافي الذي قدمه ادم فرنسوا جومار Edme Frangors Jomand وخريطة القاهرة وشرحها، الذي نستطيع عن طريقه أن نحدد بدقة موضع المعلم أو الأثر أو الشارع الذي ذكر. ومنذ أن بدأ المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية نشاطه في القاهرة سنة 1881م، كان من أهم مشروعاته، في مجال الدراسات العربية، القيام بدراسة تاريخية وأثرية لعواصم مصر الاسلامية وجدية إليها جاستون ماسبيرو Gaston Maspero أول مدير للمعهد. وكانت باكورة هذا المشروع الدراسة الرائدة التي أصدرها بول رافيس Poul Rovaisse سنة 1889 عن العصر الفاطمي الكبير والأحياء المجاورة له 'اعتمادا علي المقريزي. وبعد أربع سنوات، في سنة 1892، استطاع بول كازانوفا Poul Casanova بعد دراسة القسم المتعلق بقلعة الجبل من 'خطط' المقريزي أن يطابق معطيات المقريزي مع المعلومات الي أمكنه استنتاجها من دراسة الموقع وخرج بدراسته المتميزة 'تاريخ ووصف قلعة القاهرة'. ثم قام جورج سالمون Goozges Salmon بدراسة عن موقع العاصمة الطولونية ومنطقة بركة الفيل، أتمها سنة 1902، بعنوان 'دراسات في خطط القاهرة: قلعة الكبش وبركة الفيل'. وأخيرا، ختم كازانوفا هذه السلسلة بدراسته 'إعادة لغة تخطيط مدينة الفسطاط أو مصر' اعتمادا علي معطيات ابن دقماق المقريزي. التي صدرت عام .1919
وبعد ذلك تسلم راية البحث في تاريخ القاهرة وخططها جيل آخر من المستشرقين الفرنسيين يأتي علي رأسه جاستون فييت Gaston Wiet، أحد أعلم العارفين بتاريخ القاهرة وخططها، حتي نصل إلي جيل أندريه ريمون Andre Roymond وجان كلودجارسان Jean - Claude Garcen، وأخيرا سيلفي دنوا Syluie Denoir وجوليان لوازو Julien horseau.
واذا كان كل الذين أتينا علي ذكرهم قد اهتموا بدراسة تاريخ العاصمة المصرية منذ تأسيس الفسطاط وحتي سقوط دولة المماليك في سنة 923 ه/ 1517م، فإن أندريه ريمون، علي العكس منهم، وجه كل اهتمامه إلي دراسة القاهرة في العصر العثماني وعلي الأخص حتي نهاية القرن الثامن عشر، فجلي بذلك تاريخ هذه الفترة الذي ظل زمنا طويلا بعيدا عن الدراسات الأكاديمية الجادة.
ولكن كيف ومتي وجه ريمون اهتمامه إلي دراسة القاهرة، والقاهرة العثمانية بصفة خاصة؟ لقد كانت كل الدلائل تشير إلي أن أندريه ريمون سيتركز مجال انضمامه في دراسة تاريخ تونس في العصر الحديث، فبعد حصوله علي الأجر يحاسيون في باريس سنة 1947، وهي الشهادة التي تؤهل للتدريس في المدارس الثانوية والانخراط في دراسات أخري متقدمة، كانت أمامه سبل مفتوحة للتدريس في شمال افريقيا، فطلب أن يذهب إلي تونس لا إلي الجزائر، التي كانت تعد حينئذ أراضي فرنسية ووصل إلي تونس في أكتوبر سنة 1947 والتحق للعمل كمدرس في ليسيه كارنو، أكبر معاهد التعليم الفرنسية في تونس حينئذ، ولكنه بدأ يدرك بعد سنتين من العمل في هذا الليسيه عدم جدوي تواجده في وسط فرنسي، فطلب الانتقال إلي المدرسة الصادقية، المدرسة الثانوية الوطنية، وكانت مرحلة مهمة في حياته أتاحت له التعرف عن قرب علي القضايا الوطنية التونسية والاحتكاك بالواقع التونسي، الأمر الذي ساعد علي تغيير هدفه الدراسي ووجهه إلي الاهتمام بدراسة تاريخ تونس كدولة عربية قبل الفترة الاستعمارية. هكذا بدأ اهتمامه بتاريخ تونس في القرن التاسع عشر، وهي دراسة صعبة لأن هذه الفترة لم يكن يعرف عنها حينئذ الا الشيء القليل ولم يكن قد نشر شيء مهم من وثائقها، كما أن الحولية العربية الوحيدة التي تسجل تاريخ هذه الفترة لم تكن قد نشرت بعد. فقد أراد ريمون أن يفهم كيف كان يعمل المجتمع التونسي المحلي، وكيف أدي تطور التاريخ التونسي إلي الانتداب. هكذا ذهب ريمون لمقابلة شارل أندريه جوليان أول شخصية مؤثرة في حياة ريمون وأكبر متخصص في تاريخ مقاومة الاستعمار في جامعة السربون الذي لم يتحمس كثيرا للموضوع، غير أن شارل جوليان نصحه اذا كان مهتما بالفعل بدراسة هذا الموضوع فعليه أن يتوجه إلي كلية سانت أنطوني بأكسفورد وأنه مستعد لتوفير منحة له هناك. ووجد هذا الاقتراح قبولا كبيرا لدي ريمون، فقد كان في أكسفورد في ذلك الوقت فريق متميز من الأساتذة علي رأسهم السير هاملتون جب وريتشارد والزز وجوزيف شاخت وجوفري لويس ثم ألبرت حوراني ابتداء من عام .1951
كانت الفترة التي أمضاها ريمون في أكسفورد قاطعة في توجهه بفضل محاضرات ألبرت حوراني، يقول ريمون: 'لقد كان حوراني هو الذي جعلني أفهم تاريخ الدولة العثمانية في الاطار الذي أتممت فيه فيما بعد دراساتي. فكل مجري حياتي الدراسية كمؤرخ للعالم العربي الحديث كان نتيجة لتدريسه وأنموذجه. فقد تكونت في فرنسا كمؤرخ عام، أما تكويني كمؤرخ للعالم العربي فإني مدين به إلي ألبرت حوراني، وإلي أكسفورد التي درست فيها العربية بطريقة منطقية'. كان الموضوع الذي اختاره ريمون لدكتوراه الفلسفة تحت إشراف حوراني هو سياسة بريطانيا في تونس من 1830 إلي 1881' التي لم ينشرها أبدا، وانما استخلص منها بعض المقالات لأنشرها في السنوات 1955 و 1961 و 1964، توضح عمق الأبحاث التي قام بها من خلال الوثائق البريطانية الرسمية والأوراق الشخصية ل Glodes ton و Granuille. وفي عام 1953 ألحقه شارل أندريه جوليان بال enrs في باريس حيث تمكن من انجاز تحرير رسالته التي ناقشها في أكسفورد سنة 1954 ومرة أخري تمكن ريمون بفضل شارل أندريه جوليان من الحصول علي منحة في ال IFFAD بدمشق كان الهدف الرئيسي منها هو تحسين لغته العربية والتعرف علي الشرق الأدني. وكاعتراف منه بفضل شارل أندريا جوليان أشرف في عام 1964 مع بيير مارتيلو علي نشر كتاب تذكاري Melange مهدي إليه.
*********
وفي سنة 1955 حصل ريمون علي وضع Leusionnaire في المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، فكانت هذه السنة هي أول تعرف له علي مصر والقاهرة، فاتصل قبل مغادرته اليها بجاستون فييت المتخصص الكبير في تاريخ مصر الاسلامية، وطلب منه معاونته في اختيار موضوع لدكتوراه الدولة، التي كانت تتطلب في هذا الوقت كتابة رسالتين، فنصحه فييت ان يكتب رسالته الرئيسية عن 'تونس في القرن التاسع عشر' والرسالة الصغيرة عن 'الطوائف في مصر اعتمادا علي تاريخ الجبرتي' وكان من المفترض أن تمتد اقامة ريمون في القاهرة لثلاث أو خمس سنوات، إلا أن اندلاع حرب السويس في أكتوبر سنة 1956 وضع نهاية لاقامته الأولي في مصر حيث أغلق المعهد الفرنسي لفترة غير قصيرة. ولكن ريمون عاد للتردد علي القاهرة بعد استقرار العلاقات المصرية الفرنسية، وكانت هذه الزيارات قاطعة في توجيه أبحاثه حيث أغرم بالقاهرة وتاريخها، فبدأ أثناء هذه الزيارات في البحث عن مصادر ذات طبيعة مختلفة عن تلك التي استخدمها الجيل السابق من المؤرخين، حيث يذكر في مقدمة كتاب 'حرفيو وتجار القاهرة' أن بلاشير ولاووست هما اللذان فتحا أمامه طريق الشرق، وأن ماسينيون وفييت هما اللذان اقترحا عليه أن يكرس أبحاثه عن مصر، وكان لفييت التأثير القاطع، فقد كان فييت في ذلك الوقت أحد أعلم الباحثين بتاريخ مصر الاسلامية من خلال دراساته العديدة المعمقة ونشراته للمقريزي وابن إياس وللكتابات والنقوش التاريخية والمساجد الأثرية.
وقد أتاح فييت لريمون أن يستخدم برحابة صدر بطاقاته الشخصية التي جمعها خلال قراءاته الطويلة عن تاريخ القاهرة وتاريخ مصر. وقد عبر ريمون عن امتنانه الكبير لفييت ليس فقط من خلال الاشارات المتعددة إلي مؤلفاته، وإنما باستكمال ونشر الترجمة التي أعدها فييت لفصل 'أسواق القاهرة' في خطط المقريزي ونشرها باسمهما سنة 1979 وتظهر المقالات الأولي التي كتبها ريمون عن مصر في نهاية خمسينات القرن الماضي مدي تمكنه من المصادر الأدبية والحوليات المنشورة وغير المنشورة، وعلي الأخص 'عجائب الآثار' للجبرتي والكنوز التي لاتنفد لكتاب 'وصف مصر' La Descuptau de e'Egypte، ودفعة ذلك إلي تحويل موضوع دراسته لتتناول رسالته الرئيسية دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمصر في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فلم يكن يريد أن يعمل في موضوع محدود مثل ذلك الذي اقترحه عليه جاستون فييت عندما التقاه في باريس قبل توجهه إلي القاهرة، غير أن تناول هذا الموضوع كان سيتوقف علي توافر المعلومات والوثائق التي تتيح له القيام بهذه الدراسة، فكان عليه أن يبحث عن مصادر ذات طبيعة مختلفة.
*********
في هذه الفترة، وبالتحديد في سنة 1962، صدر في كامبردج ما سوستش كتاب مهم هو كتاب ستانفورد شو عن 'التنظيم الإداري والمالي لمصر العثمانية'، الذي كان عاملا حاسما في توجهه. فقد أظهر شو أنه من الممكن استخدام الأرشيف العثماني، الذي لم يكن قد درس بعد بطريق موسعة. فكان عليه أن يقتحم مجال الأرشيف، ولم يكن هدفه هو تناول الأرشيف من الزاوية الديموجرافية والإدارية والمالية فقط، وإنما كمصدر لإعادة بناء المجتمع المصري في هذه الفترة، تماما مثلما استخدام الباحثون الغربيون الوثائق العدلية التي تعادل الوثائق التي وجدها. وكان عليه أن يقيم منهجه الخاص، لأن هذا النمط من البحث لم يعرف من قبل في هذا المجال، وكان غرضه هو عمل دراسة كمية يستخرجها من الوثائق الغنية بالتفاصيل عن المواريث والتي اكتشفها في سجلات المحاكم الشرعية. وكان ريمون قد سبق له أثناء وجوده في فرنسا منذ سنة 1953 أن استغل ذلك في العمل في أرشيف باريس ومكتباتها حيث اكتشف ضمن وثائق الحملة الفرنسية علي مصر المحفوظة في أرشيف فانسان 'قائمة بالطوائف المهنية في القاهرة سنة 1801' تقدم تعدادا لمنظمات التجار والحرفيين في مدينة القاهرة سجلت لسلطات الاحتلال الفرنسي، وهو ما يدل علي أنه كان يسعي إلي إيجاد أنماط أخري من المصادر لم يكن الكثيرون يعرفون أين يبحثون عنها.
هنا كان تأثير كلود كامي، الذي أصبح المشرف الرسمي علي رسالته عن مصر، عميقا، فكلود كان من أوائل الذين اكتشفوا أهمية تطبيق التاريخ الاقتصادي والاجتماعي علي العالم العربي الاسلامي، وأرشد العديد من الدارسين إلي أهمية دراسة التاريخ الاقتصادي. حاول ريمون في هذه الرسالة أن يطبق علي دراسة الفترة المبكرة في التاريخ المصري الحديث منهجا سبق أن استخدمه جون سوفاجيه في دراسة تاريخ سوريا وحلب علي وجه الخصوص في العصور الوسطي، منهج يرتكز علي الربط بين العمل الأرشيفي ودراسة العمران الأثري. فدراسة وآثارها وبنائها العمراني تكمل في رأيه المعلومات التي توفرها لنا المصادر المكتوبة عن البناء الاجتماعي وبالتالي فإن هذه المصادر يجب استخدامها معا بطريقة متوازنة.
يقول ريمون: كنت عند وجودي في القاهرة أمضي نصف وقتي في مطالعة أرشيف المحاكم الشرعية، والنصف الآخر في التجول في المدينة القديمة لأعيد تصور وضع القاهرة الذي كانت عليه في العصر العثماني. ولكن هذه الابحاث لم تكن دون مخاطرة، حيث تشكك السكان في غرضه فهو لايهتم بالآثار المملوكية الضخمة التي تجذب السياح وإنما بآثار صغيرة ليست في حالة جيدة أو ليست آثارا علي الاطلاق، وأحيانا كان الناس يقذفونه بالطوب، وكانت الجولة تنتهي عادة في نقطة الشرطة حيث شرح لهم طبيعة عمله. وفي أحيان أخري كان الناس يهتمون بنشاطه وينتهي الأمر بدعوته علي فنجان من القهوة حيث كان يحصل بسبب فضول المصريين ومناقشتهم علي تبادل مهمه للمعلومات ساعدته كثيرا في عمله هكذا درس ريمون آليات الاقتصاد باستخدام المصادر المحلية، وهي مصادر في غاية الثراء مقارنة بالمصادر الخارجية كتقارير القناصل أو أوصاف الرحالة. فقد كشفت دراسة سجلات المحاكم الشرعية عن نشاط اقتصادي، هو تجارة التوابل، كان في طريق حتما إلي الزوال، وأن طبقه كبار التجار التي كانت تسيطر علي المجتمع المصري في ذلك الوقت، تمكنت من احلال منتج جديد هو البن محل تجارة التوابل، أصبح مدار تجارة ذات أهمية دولية.
*********
كانت المرحلة التالية في دراسته للقاهرة هي دراسة بناء المدينة وتطورها، وكان لابد له من عقد مقارنات بينها وبين مدن عربية كبيرة أخري في العصر العثماني. فقد كانت أحد أكبر الصعوبات التي واجهته عند دراسته لتاريخ القاهرة الاقتصادي والاجتماعي، عدم وجود دراسات مماثلة يمكن أن يقارن بها النتائج التي توصل إليها. وهذا ما دفعه بعد ذلك إلي زيارة المدن العربية الكبري في العصر العثماني: دمشق وحلب وكذلك فارس والجزائر وتونس وايضا الموصل وبغداد. وكانت نتيجة هذه الزيارات بالاضافة إلي دراسة المصادر هو تأليفه كتابين أحدهما بالانجليزية هو Great Avale Cihies ثم وسعة بالفرنسية بعنوان Grandes uilles eveb صدرا سنتي 1984، .1985
لقد تركزت دراسات اندريه ريمون علي القاهرة في محاولته ايجاد اجابات لاسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل مثل: كيف كانت تمارس المدينة نشاطها كمدينة؟ فقد كان الشائع حتي هذا الوقت أن المدينة بمعني الكلمة لم توجد إلا في أوروبا حيث يوجد مجتمع مدني يتمتع بحكم ذاتي جزئي تشرف عليه إدارة يتولاها مسئولون منتخبون، فأراد ريمون أن يكتشف الآليات التي سمحت باستمرار ضمان حياة مجتمعات المدينة العربية الاسلامية. فقام في أحد أوائل مقالاته بمناقشة حالة محددة لهذه الآلية هي: سقاءؤ القاهرة' has Parteus deau du Cairo، حيث أوضح كيف أن تنظيما جادا لنقل وتوزيع مياه النيل سمح بحل مشاكل تزويد السكان بالماء رغم أن المدينة بنيت بعيدا عن مجري النهر لتجنيبها الأخطار التي يمكن أن يسببها الفيضان وتحول مجري النهر. وأعطي في مقال آخر قدمه إلي الندوة الدولية لألفية القاهرة عنوانه: العمران المدني ومشاكل العمران في القاهرة في الفريقين 17 و 18: نظرة أعم عن الطريقة التي نظمت بها مدينة كبيرة كالقاهرة حياة المجتمع المدني في غياب الموسسات البلدية الرسمية.
كان النوع الثاني من الأسئلة التي بحث لها ريمون عن أجوبة طبوغرافية، هي أين أقامت الفئات المختلفة لسكان القاهرة وأين مارسوا مختلف الأنشطة الاقتصادية؟ فحاول في مقاله 'التوزيع الجغرافي للأحياء السكنية لأرستقراطية القاهرة في القرن الثامن عشر' (1963) أن يظهر كيف بدل البكوات والأوجاقات أماكن إقامتهم من فترة إلي أخري، وكيف عكست هذه التنقلات علاقتهم مع الحكومة العثمانية ومع مجموع المدينة في خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1650 و 1750 حيث انتقلوا تدريجيا من جوار القلعة مركز الحكم العثماني وكذلك من مركز المدينة القديمة الفاطمية حيث الأسواق الشعبية والورش الي الفضاء الواسع عند بركة الفيل وبركة الأزبكية.
وتناول في مقال آخر عنوانه 'الحارات والحركات الشعبية في القاهرة في القرن الثامن عشر' آلية التغيير في المدينة، فمن خلال دراسة الأحياء الشعبية، حيث تمارس الطبقات الفقيرة بعض أنماط النشاط الاقتصادي المتواضعة، أظهر كيف أمكن لهؤلاء السكان أن يعبأوا أحيانا في حركات جماعية بفضل المؤسسات الخاصة لهذه الأحياء كطوائف التجار والحرفيين وفرق الصوفية تحت قيادة قادة شعبيين لمقاومة الظلم الواقع عليهم من جانب السلطات، وان استغلوا في حالات أخري من قبل البرجوازيين أو جماعة العلماء للدفاع عن فائدتهم الطبقية.
وسنجد أنه منذ أول مقالات ريمون بدأ يظهر فيها عنصر متواتر في أعماله عن القاهرة ألا وهو 'خريطة القاهرة' إللي عملها علماء الحملة الفرنسية. فهذه الخريطة المتفردة والتفصيلية لمدينة اسلامية قبل القرن التاسع عشر، ستظهر باطراد مع بعض التعديلات في جميع مقالات وكتب ريمون بحيث يستطيع من خلال استخدامه لها أن تتعرف علي مكان وجود الأسواق أو الحارات أو الحمامات، وأماكن إقامة التجار الشوام والاتراك والمغاربة، ومختلف أنواع العمائر الدينية أو ذات الطابع الاجتماعي. فقد استخدم ريمون هذه المؤشرات العمرانية بمهارة حاذقة لا ليظهر إلي النور موضوعا غامضا هو التغييرات التي أثرت في هيئة المدينة وحجم سكانها. فلا أحد يجهل الصعوبات التي تواجه من يريد ان يقدم تقديرا لسكان مدينة، شرقية أو غربية، قبل استخدام نظام تعداد الأنفس الدوري. لقد استخدم ريمون توزيع الحمامات والاسبلة ليقدم تقديرا تقريبيا لحجم السكان، وأثبت أن توزيع الحمامات والاسبلة علي احياء القاهرة الكبري يتناسب تقريبا مع عدد السكان الذين يستخدمونها لضروراتهم اليومية، مستفيدا في ذلك من الطريقة التي اتبعها روبير لفتران في دراسته عن، مدينة استانبول في القرن السابع عشر'.
وبالاضافة إلي ذلك اعتبر ريمون أن انتقال 'المدابغ' من مركز المدينة تجاه الأطراف في القاهرة وحلب وتونس علامة علي امتداد هذه المدن، ويري ريمون أنه يمكننا الربط بين انتقال المدابغ في القاهرة وبناء واحد من أهم آثار القاهرة العثمانية هو جامع الملكة صفية الذي تم بناؤه في سنة 1109 ه/ 1610 متاخما للحد الغربي للمدابغ القديمة.
ولا يجب أن ننسي المقالات العديدة التي ساهم بها ريمون في دراسة تاريخ القاهرة وعلي الأخص في العصرين المملوكي والعثماني مثل: 'الحمامات العامة في القاهرة في نهاية القرن الثامن عشر' و'مساحة القاهرة وسكانها في مطلع القرن الخامس عشر'، و'أسبلة القاهرة في العصر العثماني' و 'جغرافية حارات القاهرة من القرن الخامس عشر وفقا لخطط المقريزي وسكان القاهرة في القرن الثامن عشر' و'تحديد' مواقع جماعات القاهرة من المقريزي إلي وصف مصر' ومقاله عن 'الربع. أحد أنماط السكن الجماعي في القاهرة خلال العصر العثماني' ثم دراسته الهامة عن 'القاهرة في زمن العثمانيين' في كتاب 'قصور ودور القاهرة في العصر العثماني' وأخيرا وليس آخرا خطط المقريزي والبناء العمراني للقاهرة المملوكية'
*********
وشهد العقد الأخير للقرن العشرين ظهور الدراسات العامة التي خصصها ريمون لتاريخ القاهرة، فقد وجد أن الوقت قد حان ليسجل خلاصة قراءاته عن القاهرة منذ فتح العرب المسلمين لمصر سنة 640 وإنشاء مدينة الفسطاط ثم اقامة العسكر والقطائع، وهو التطور التدريجي الطويل الذي تمخض في النهاية عن ميلاد مدينة القاهرة الفاطمية، ثم اتحاد هذه المدن المتعاقبة نهائيا مع تشييد صلاح الدين لقلعة الجبل. فكتب في سنة 1993 كتابه Lr Cairo الذي تناول فيه تاريخ القاهرة منذ إنشاء الفسطاط وحتي نمو المدينة واتساعها في القرن العشرين.
وفي سنة 1995 أصدر كتابه قاهرة الانكشارية he Cairo des Janissaires. L'appogee de la vulle attonane sres Abd al. Rehm'au Katk huda الذي ركز فيه علي ازدهار المدينة العثمانية في عهد عبدالرحمن كتخدا صاحب المنشآت العديدة والاصلاحات المتنوعة للعديد من آثار المدينة القديمة.
ونتيجة للأبحاث التي قام بها في أرشيف الحملة الفرنسية في المحفوظ في Vincenne. قرب باريس بعد خروجه من مصر في أعقاب حرب السويس تجمعت له مادة غنية وظفها في مناسبة مرور قرنين علي دخول الحملة إلي مصر في كتابه 'مصريون وفرنسيون في القاهرة، 1798 1801 الذي اصدره المعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة سنة .1998
وفي عام 2000 أشرك ريمون معه خمسة من كبار المتخصصين في تاريخ القاهرة والمدن والعواصم القديمة التي حلت القاهرة محلها، في كتابة المادة العلمية لكتاب ضخم غني بالصور الفوتوغرافية واللوحات والخرائط التوضيحية عنوانه LE CAIRO صدر عن دار نشر Hadelles & Mazeuod كتب كل منهم ووثق مرحلة من مراحل تطور تاريخ القاهرة وامتدادها العمراني، كما ظهرت في عام 2003 ترجمة إنجليزية صدرت عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لهذا الكتاب.
أما آخر أعمال ريمون التي أصدرها عن القاهرة فكانت نشرة بالاشتراك مع الصديق الباحث المصري المجد الدكتور محمد عفيفي ل 'التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان' لاسماعيل الخشاب، وهو سجل لما كان يجري في ديوان القاهرة الذي أنشأه بونابرت ولكن في الفترة المتأخرة التي تولاها الجنرال مينو. وقصة اكتشاف مخطوط الكتاب بقسميه تدل علي مدي تتبع اندريه ريمون للمصادر وبحثه عنها.
ولا يسعني إلا أن أتقدم بالتهنئة إلي العالم الجليل أندريه ريمون علي هذه الانجازات الرائعة عن تاريخ القاهرة في العصر العثماني، سائلا المولي عز وجل أن يمتعه بالصحة والعافية وأن يستمر في إثراء المكتبة بالدراسات التي تزخر بها بطاقاته وأوراقه عن تاريخ القاهرة.
أستاذ التاريخ الإسلامي
|
|
|
|