|
|
| السنة - | 614 | ه - العدد | 1426 | ربيع الأول | من | 8 | - م | 2005 | إبريل | من | 17 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:26:37 ص |
 |
الساعة - |
 |
15/04/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| نقطة عبور |
 |
|
|
عندما هاتفني صديق عزيز بعد ظهر الخميس، بالتحديد قبل الغروب، مفتتحا حديثه بتساؤل فزع 'ايه اللي بيجري في الحسين'، وعندما عرفت منه بعضا مما جري هرعت علي الفور إلي المنطقة التي أْعتبرها ركني الركين، والتي لم تعرف أحداث عنف علي أي مستوي في ذروة السنوات الصعبة التي أنتهت عام ستة وتسعين، ثمة حرمة لهذا المكان الذي أعتبره المركز الروحي لمصر، كنت مدفوعا بالقلق علي وطن بأكمله، وعلي مكان حميم وبشر أعزاء أحبهم وأريد أن أطمئن عليهم، كان الحزن والقلق علي الوجوه، وكان مكان الحادث محاطا بسياج أمني كثيف، صور عديدة وخواطر شتي حاصرتني، غير أن السؤال الأبرز، لماذا جري ذلك؟ من المنفذ؟
بالنسبة للشق الثاني سرعان ما جاءت الاجابة من أجهزة الامن المصرية التي تحركت بسرعة وكفاءة ومن خلال بحث علمي دقيق وتعاون بعض المواطنين أمكن تحديد شخصية مرتكب الجريمة الارهابية، وعندما نشرت صورته صباح الثلاثاء الماضي رحت أتمعن فيها محاولا أن أنفذ إلي ما وراء الملامح لعلي استشعر أمرا. يمكني القول انني قرأت كل ما كتب تعليقا علي الحادث، ويمكن القول ان ما قرأته يتوزع علي الاتجاهات التالية.
فريق يري أن الحادث نتاج المناخ الذي ساد مصر خلال المرحلة الماضية القريبة وأن التظاهرات التي قامت بها بعض القوي السياسية المنادية بالاصلاح أدت إلي شحن المناخ وإثارة أفرزت مثل هذا الحادث.
آخرون يرون أن الحادث جري لأن خطوات الاصلاح السياسي التي تتم من أعلي ليست كافية، وأن منع المظاهرات السلمية أدي إلي مثل هذا الحادث، والحل هو التسريع بعمليات الاصلاح بحيث تكون شاملة..
آخرون يرون ان الحادث سببه ما يجري في الوطن العربي من قهر مستمر، قتل يومي للعراقيين وقمع دموي للفلسطينيين، وتهديد صريح بهدم المسجد الأقصي، هذه المشاهد اليومية أدت إلي إحساس عميق بالقهر يعبر عن نفسه في مثل هذا الحادث.
رأي آخر عبر عنه أحد الكتاب قائلا بضرورة التركيز علي الشأن المصري، والابتعاد عن الهموم القومية مثل العراق وفلسطين التي تسبب الاهتمام بها في مثل هذا الحادث.
أغرب ما سمعته عبر الفضائيات أن الحكومة المصرية مستفيدة من الحادث وربما تكون وراءه لإجهاض حركات الإصلاح التي تتنامي في المجتمع، وأقول بغرابة هذا التفسير الدال علي مدي الشطط الذي يمكن أن تصل إليه التحليلات.
التحقيقات لم تنته بعد وبالتالي أتفق مع رأي المؤرخ والفقيه القانوني طارق البشري في أن إصدار الأحكام والتعليقات النهائية كما عبر عن ذلك في هذا العدد لم يحن أوانه بعد، غير أن التفكير والتدقيق فيما جري يقتضي قدرا كبيرا من التجرد والنأي عن تفسير الحادث ميلا لهذا الطرف أو ذاك، إذ أننا في مواجهة أمر مستجد علي حركات العنف التي توقفت منذ عام ستة وتسعين، هذا الشاب المولود عام سبعة وثمانين كان عمره وقتئذ تسع سنوات، أي أننا أمام جيل جديد لاينتمي إلي الذين تسببوا في أحداث العنف الماضية، هذا الشاب ينتمي إلي منطقة عشوائية علي مشارف القاهرة لانعرف نحن الكتاب أو الإعلاميين عنها شيئا وهذا الفقر المدقع الذي رأينا ملامحه في محتويات الشقة التي لاتوجد بها محتويات يستدعي عوالم هامشية أخري تحيط بالقاهرة وفي قلبها وتوجد في سائر انحاء مصر، مجتمع كامل لأغلبية مجهولة من الإعلام وأجهزة التخطيط ولا أثر لها علي مشاريع الحكومة، وأخطر ما يواجه هذا الجيل الجديد شبح البطالة. الاخطر من البطالة وافتقاد فرص العمل عدم الوجود في عمل، تقذف الجامعات والمعاهد والمدارس بمئات الألوف كل سنة إلي الشارع بدون الأمل في وجود فرص للعمل، أما مناهج التعليم فتمضي وفقا لاستراتيجية صيغت من أجل مجتمع لم يعد له وجود وأهداف لم تعد قائمة، إضافة إلي ظهور أنواع جديدة من التعليم تعد الصفوة الذين يحظون بالعمل في الشركات الاستثمارية، أخطر ما يمكن ان يواجه به مجتمع هو إفتقاد الامل لدي الأغلبية، وخروج الملايين التي لاتملك من أمرها شيئا من الخطط الموضوعة والأهداف المعلنة، في مصر واقع آخر غير موجود علي خريطة اهتمامات الحكومة، ومتروك للمجهول، والوقوف عند عتبة المجهول واليأس معا يؤدي إلي الانتحار بأكثر من صورة، لذلك أتمني أن يوضع الأمر في إطار اشمل من البحث في وقائع الجريمة الشؤم عن سبب يدعم هذه الرؤية أو تلك، لقد قيل تخفيفا ان الحادث فردي، وأخطر ما فيه انه فردي، اذ كم حادث فردي يمكن ان يقع من ملايين المهمشين المهملين الذين لم يعد لديهم إلا اليأس حتي وإن كانوا في مقتبل العمر، ما جري لايخص الأمن وحده ولكن يجب ان يوضع في دائرة البحث الدقيق من جانب الكافة، أصحاب الخبرة، وكل من يخفق قلبه بالحب والخوف علي وطننا.
|
|
|
|