دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -625ه - العدد1426جمادي الأوليمن26- م2005يوليو من3 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:13:41 ك الساعة - 01/07/2004 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
ضرورة كافكا
محمود الورداني
لم يكن غريبا أن يحتل كافكا هذه المكانة علي صفحات أخبار الأدب منذ صدورها وأن تنشر له كل هذه النصوص، فهو واحد من كبار الأدباء الذين أثروا، وانتقل تأثيرهم من جيل إلي جيل، بل إن بعض هذه الأجيال تأثر به دون أن يقرأ كثيرا من نصوصه، إنما من خلال المتأثرين المباشرين به.
واللافت للنظر أن المتأثرين به لم يقلدوه، بل تأثر أكثرهم بالرؤية العامة لكافكا، وأضافوا إليها وطوروها، وهو التأثير الذي يمكن تلمسه في أدباء كثيرين من أرجاء كوكبنا، وليس في بلادنا وحدها، ربما لأن هؤلاء وأولئك وجدوا أنفسهم فيه، وشعروا به يعبر عن أشواقهم ومخاوفهم بكل هذا اليسر، يكاد أن يكون كافكا موقف من العالم، وليس مجرد كاتب انخرط في التجديد الجمالي وأنجز فيه الكثير، يكاد أن يكون 'حالة' تشبه الإشراق الصوفي و'طريقة' في المكابدة، و'محاولة' لمواجهة الرعب المسيطر.
وعلي الرغم من أن هناك الكثير مما يمكن قوله عن كافكا، إلا أنه­ مثل نصوصه­ يبعث علي الحيرة، فمن أين أبدأ، وكيف يملك هذا النحيل الواسع العينين والذي كتب كل هذه النصوص في أحد عشر عاما فقط، كيف يملك كل هذا السحر المتسلل حتي آخر الروح.
في بداية الأمر، وفي النصف الثاني من الستينيات، تعرفت عليه من خلال ترجمات الصديق الفنان الكبير الدسوقي فهمي في ملحق الراحل عبدالفتاح الجمل في المساء، سحرني شأن كثيرين في أبحاث عن كلب والججحر وغيرهما من القصص إلي جانب رائعته القصيرة 'أمريكا' برسوم الفنان الكبير الدسوقي فهمي ثم في مجلة جاليري 68، وبعد ذلك ترجم له د. مصطفي ماهر عملين فطوٌق أعناق قراء وكتٌاب الستينيات ومن بعدهم بدين كبير وهما 'القضية' و'القصر'.
تأكد سحر كافكا بهذه النصوص، وتأكدت محبته علي الرغم من أن حياته كانت مجهولة في ذلك الحين، كان مجرد تشيكي يكتب بالألمانية، دون أن أفهم السبب، غامض تقريبا وربما قيل أنه يهودي، إلا أن هذا لم يكن مهما، فالنصوص المتاحة كانت خالية من الإشارات الدينية أو الصهيونية التي كان ممكنا أن تصنع حاجزا.
أما ما كان مؤكدا فهو هذه الدقة والصفاء والكتابة الموٌقعة من جراء هذه الدقة الفريدة، والإحكام وعدم التزيد والخلو من الحواشي والرفض الحازم للمجاز المباشر، يملك كافكا رعبا لا حد له من أولئك الأشرار المتربصين بنا دون أن نقترف ذنبا. لذلك فإن سحره يكمن في دقته وصفائه، وفي الوقت نفسه في الارتباك والغموض الذي يسود كامل النص. أود أن أؤكد علي ذلك، فأحد أشد سمات كافكا سحرا هو الدقة والغموض في الوقت نفسه. وربما لهذا السبب، أي سهولة نثره وجمله الواحة شبه التقريرية، كانت أمرا يمكن التأثر به دون أن تدري، فهو واضح صافي، والمشكلة هي الغموض الذي يسود النص في النهاية. كافكا إذن كان بالنسبة لي حالة من الإشراق الصوفي لا تتكرر ولا يمكن التأثر بها إلا بوصفها حالة كلية إن جازت العبارة، إحساس ما، موقف ضد الرعب الذي يسببه الأشرار والكراهية التي يضمرونها لنا.
وعندما ترجم كتاب روجيه جارودي 'واقعية بلا ضفاف' كان يضم دراسة طويلة عن كافكا، وفي هذا الوقت بالتحديد تأثر أكثر أبناء هذه الأجيال بالماركسية، لذلك كانت دراسة جارودي الذي كان مايزال ماركسيا، إلا أن رؤيته اتسعت لتعيد اكتشاف كافكا بوصفه كاتبا ضد الظلم والشر والقمع والقهر والرعب، بوصفه ساعيا للتمرد علي كل ما يكبل الإنسان. أتذكر أن هذه الدراسة كانت مفيدة للغاية بالنسبة لي، فقد أدركت لماذا أنا مسحور، كل هذا السحر به ولا أملك أن أرد سطوته التي تصل إلي أعماق الروح. كافكا خائف دوما، بل مرعوب ومهدد دائما، ليس من قوي ميتافيزيقية، بل من واقع عيني، حتي لو كان التحول إلي صرصار مقلوب علي ظهره ينتظر الموت والكنس إلي خارج بيته.
واستمرت علاقتي بكافكا بعد ذلك، حتي علي الرغم من قراءتي لكتاب كبار أحببتهم وهم مختلفون مع كافكا أشد الاختلاف فما الذي يجمع تولستوي وفوكز وفلوبير وبروست مثلا بكافكا؟ صحيح انني لم أعد قراءته إلا مؤخرا بفضل الانجاز الضخم الذي قدمه الناقد والمترجم السوري الكبير إبراهيم وطفي الذي لم أتشرف بمعرفته، قضي وطفي جانبا كبيرا من حياته متوفرا وعاكفا علي قراءته وترجمته والكتابة عنه وعن العلاقة بين أعماله وحياته علي نحو لم أصادفه من قبل.
ولما كنت قد قرأت قبل هذا بفترة قصيرة رسائله إلي ميلينا التي ترجمها الصديق الدسوقي فهمي، ومجموعة تضم أقاصيص قصيرة وكتابات غير كاملة ونصوص متناثرة تحت عنوان 'سور الصين العظيم' فإن وعن قراءة ما كتبه وترجمه إبراهيم وطفي أعادت اكتشاف كافكا مرة ثالثة.
أثارني بشدة مثلا ما كنت قد لاحظته من قبل ولم أجد تفسيرا له، وهو أن أغلب نصوصه غير كاملة، بل انه كان قد أوصي صديقه ماكس برود بحرقها قبل رحيله. لم ينشر كافكا في حياته إلا جانبا قليلا جدا من أعماله. لم يكن ما يهمه إذن أن يصدر كتبا، بل مجرد أن يواجه الرعب ويدينه ويعريه ويكشف وجهه القبيح المختفي خلف السلطة الأبوية والسياسية والاجتماعية.
أتاح لي إبراهيم وطفي أن أتأمل حياته والأماكن التي عاش فيها وعلاقته بأبيه وفشله في علاقته بكل النساء اللائي عرفهن والطريقة التي كان يكتب بها وسيرته الذاتية وتواريخ كتابة أعماله.
أدركت أن كافكا كتب نصا واحدا ليدافع عن نفسه، كل أعماله نص واحد متكرر، إلا أنه يسبب آلاما متجددة غائرة. الجنود الذين يحتلون مدينة في إحدي قصصه يبدون في البداية مجرد عابرين، لكنهم سرعان ما يحتلونها ويذلون أصحابها، مستعمرة العقاب وتلك الآلة الجهنمية المسلطة علي الأبرياء، الصبي كارل روسمان الذي ارتكب الخطيئة الأزلية حين أكل ببراءة من تفاحة آدم فألقي به إلي الجحيم الأمريكي، كا وهو الحرف الأول من اسمه كما هو واضح وقد تحول إلي حشرة ذات صباح لعين، هو نفسه من يحاكم في جريمة غامضة لم يرتكبها، وهو نفسه أيضا من نجده متوجسا وهو يتأمل القلعة.
نص واحد متكرر في منمنمات ذات إيقاع واحد، إلا أن كل منمنمة عالم كامل.
كان كافكا الذي سعي طوال عمره القصير إلي انتزاع حقه في الكتابة، وبسببها فشل في كل شيء، إلا أنه أخلص لها ومنحها كل نفسه، كان يكتب دائما في حالة إلهام متوقد، أنهي قصته الأولي 'الحكم' في ست ساعات متواصلة، علي مدي 11 عاما كتب آلاف الصفحات من النصوص والرسائل والكتابات العصية علي التصنيف وأغلبها غير كامل ولم يقم بتحقيقه وإعادة تحريره.
وإذا كنت قد قرأته في بدايات شبابي المبكرة، إلا أنني أعدت قراءة الكثير من أعماله في كهولتي. ولشد ما أدهشني أنه مايزال طازجا كأنه كتب في أيامنا هذه. كأنه يعيش بيننا ويواجه ما نواجهه. لذلك مازال هذا النحيل بعينيه المرعوبتين صالحا لإثارة كل هذا التوجس والخوف من أن آلات العقاب المنصوبة للجميع، ومن القضايا التي يمكن تلفيقها للجميع، ومن هذا العالم الذي يبدو كأنه 'ماكيت' لعالم آخر غامض مختفي في مكان ما.
سأكون أكثر إيغالا في المباشرة وأقول إن كافكا عالج الدولة البوليسية في أكثر صورها وحشية وانتهاكا للخصوصية، غير أنه لم يفعل ذلك متعمدا، أو راغبا في مجرد الإدانة وحدها، كان كافكا يتحدث عن نفسه. عن علاقته بأبيه وبعمله والنساء اللائي عشقهن والبشر الذين عاش بينهم. أكاد أجزم أنه كان من الذكاء والحساسية بحيث لم يتورط ونصوصه تشهد علي ذلك­ في أن يربط مثلا بين سلطة الأب وسلطة الدولة علي نحو ميكانيكي.
كافكا إذن­ فيما أظن­ قريب منا إلي أقصي حد، ومازالت ملامح العالم التي كانت سائدة في بدايات القرن الماضي، هي نفسها التي نعيشها في بدايات هذا القرن. لم تستطع الإنسانية أن تتجاوز محنتها، ولا حققت الأمن وأجهزت علي الاغتراب، بل ازدادت المحن وتجاوزت الدولة القامعة كل كوابيس كافكا وعذاباته، لو استيقظ كافكا الآن وأطل علينا لمات رعبا مرة أخري بلا أي مبالغة.. فقط لننظر حولنا في أركان الكوكب الذي نعيش فيه.
بقي أن أشير إلي ما تردد حول 'صهيونية' كافكا، وأذكر أنني قرأت عددا من المقالات القومية لباحثة عراقية أظن أن اسمها بديعة أمين كتبت في مجلة آفاق عربية العراقية في أواخر السبعينيات، واستشهدت بنصوص لكافكا تؤيد صهيونيته ومشاركته يهود أوروبا في الحلم بأرض الميعاد. والحقيقة أنني منذ هذا الوقت وأنا غير مقتنع بأي إشارات تدل علي أن كافكا كان صهيونيا، وبالنسبة لي حسم كتاب العلامة إبراهيم وطفي هذه القضية نهائيا، فقد أورد نصوصا محددة ووقائع بعينها أقنعتني تماما.
إن كافكا أوسع كثيرا من أن نسجنه في قفص العنصرية الصهيونية، فهو لم يكن أصلا قادرا علي الحلم بأي عدالة أو سعادة أو بهجة تتحقق في أرض ميعاد سوء في فلسطين أو في أي مكان آخر، فضلا عن النصوص القاطعة التي أوردها إبراهيم وطفي في المجلد الأول من عمله الضخم.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: