|
|
| السنة - | 625 | ه - العدد | 1426 | جمادي الأولي | من | 26 | - م | 2005 | يوليو | من | 3 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:26:59 ص |
 |
الساعة - |
 |
01/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| رسائل |
 |
|
|
الإنسان يملك حريته.. ما عليه إلا أن يقول:
أنا نفسي!
 | | في سن الثالثة عشرة |
|
في أحد أيام 1916 بدأ كافكا في تدوين نص خاص في يومياته،هذا النص يعطي صيغا وتعابير دقيقة تساعد في تحليل قصة الحكم كان يكتب جملة ويتركها شهورا طويلة ويعود إليها ليضيف جملة جديدة أو فقرة كاملة، وانتهي من النص بعد عشر سنوات، أي في عام .1923ويعتبر إبراهيم وطفي هو أول من جمع فقراتها وترجمها باعتبارها نصا واحدا بعنوان 'لكل إنسان خاصيته'.
النص أو الوثيقة يعتبر دراسة في تشخيص السلوك. كيف يستطيع الانسان أن يحقق ذاته بالقفز علي الخطوط الحمراء. تلك الخطوط الصارمة التي يصنعها الوالدان والاخوة الكبار والمدرسون والذين يملكون سلطة أعلي لإصدار الأوامر. أفعل هذا ولاتفعل ذاك.
كما أن تلك الخطوط الصارمة نصنعها نحن أحيانا ونظل في إحساس ثقيل بالإثم حتي تأتي اللحظة التي نبوح فيها، ساعتها نحقق خاصيتنا إذ أننا نتحدث باعتبارنا مذنبين نرغب في دخول خانة الشرفاء. كافكا متسامح للغاية وهو يفتح تلك الخانة علي اتساعها لكل من يرغب فيها..
لكل إنسان خاصيته، وهو مدعو للعمل والتأثير بمقتضي هذه الخاصية. لكن ينبغي له أن يستسيغ خاصيته. وما خبرته هو أنهم سعوا، في المدرسة وفي البيت، لطمس خاصية الفرد.
بهذا سهلوا عمل التربية، كما سهلوا حياة الطفل أيضا، لكن كان علي الطفل قبل ذلك أن يعاني من الألم الناتج عن القسر.
فمثلا لن يستطيعوا أبدا أن يفهموا فتي غارقا عند المساء في قراءة قصة مثيرة بأن عليه أن يقطع القراءة وينام. كان يقال لي مثلا في مثل هذه الحالة أن الوقت أصبح متأخرا، وأنني أضر عيني، وانني لن أتمكن من الاستيقاظ إلا بمشقة، وأن القصة الرديئة السخيفة لاتستحق هذا، وصحيح أنه لم يكن في مقدوري أن أفند هذا بشكل واضح، ولكن في الواقع فقط لأن كل هذا لم يكن ليقترب من تخوم ما هو جدير بالتفكير. إذ أن كل شيء كان لا متناهيا أو دخل في اللامحدود بحيث أصبح معادلا للامتناهيا، الوقت كان لامتناهيا، ولم يكن في مقدوره إذا أن يكون متأخرا. وبصري كان لا متناهيا، فلم يكن في ميسوري إذا أن ألحق به ضررا. حتي إن الليل كان لا متناهيا، فلم يكن ثمة حاجة إذن للقلق بسبب الاستيقاظ الباكر. وأنا لم أكن لأقيس الكتب بسخافتها وحكمتها، وإنما بقدرتها علي أن تأسرني أم لا. وهذا الكتاب كان يأسرني. ولم أكن لأستطيع أن أعبر عن كل هذا بهذه الكيفية. لكن النتيجة كانت انني قد أصبحت أثير الازعاج بتوسلاتي للسماح لي بالاستمرار في القراءة، أو أنني كنت أقرر متابعة القراءة حتي من دون إذن. تلك كانت خاصيتي. وكانت هذه الخاصية تقمع بأن يقفل الغاز وأترك من دون ضوء. وتوضيحا كان يقال لي: الجميع ينامون، وينبغي عليك أنت أيضا أن تنام. وقد شاهدت ذلك وكان علي أن أؤمن به رغم أنه كان غير معقول.
*****لا أحد يرغب في اجراء إصلاحات كثيرة مثلما يرغب الاطفال.
لكن بغض النظر عن هذا القمع المستحسن إلي حد ما، فقد ظلت هنا، كما في كل مكان تقريبا، شوكة لم يكن أي استشهاد بالآخرين قادرا علي مجرد ثلمها. إذ إنني ظللت أؤمن أن لا أحد في العالم كان يحب أن يقرأ في هذا المساء بالذات مثلما كنت أحب.
والاستشهاد بالآخرين لم يكن قادرا علي نقض هذا، وخاصة أنني رأيت أن أهلي لم يصدقوا وجود رغبة في القراءة لدي لاتقهر.
وفقط شيئا فشيئا وبعد فترة طويلة وربما بعد أن خفت الرغبة، أصبح لدي نوع من الايمان أن كثيرين كانوا يملكون الرغبة نفسها بالقراءة ومع ذلك يدعون هذه الرغبة تكبت.
لكنني لم أكن أشعر آنذاك إلا بالظلم الذي لحق بي. كنت أذهب إلي الفراش وأنا حزين، ونشأت بدايات الكره الذي سيطر إلي حد ما علي حياتي في الأسرة، ومنها علي حياتي بكاملها. صحيح أن منع القراءة هو مجرد مثال، لكنه مثال معبر، إذ أن تأثير هذا المنع كان تأثيرا بالغا.
*****لم يدرك أهلي خاصيتي. لكنني إذ كنت أحس بها، فقد أصبحت أعتبر هذا السلوك إزائي بمثابة 'إدانة'.
ولكن إذا أدانوا هذه الخاصية الظاهرة، فكم كانت سيئة إذن تلك الخاصيات التي كنت أخفيها لأنني نفسي كنت أري فيها بعض الاثم! كنت مثلا أطالع مساء دون أن أحفظ دروس اليوم التالي. ربما كان هذا بحد ذاته شيئا سيئا جدا بصفته إهمال واجبات، لكنه لم يكن بالنسبة إلي إدانة مطلقة. ولم يكن يهمني سوي الإدانة النسبية. لكن قبل هذه الإدانة لم يكن هذا الإهمال أسؤأ من المطالعة الطويلة بحد ذاتها، وذلك لأن نتائجه كانت محدودة جدا بسبب خوفي الشديد من المدرسة ومن كل سلطة. وما كنت أهمله بين الفينة والأخري بسبب المطالعة، كنت أستدركه بسهولة صباحا في البيت أو في المدرسة، إذ كانت ذاكرتي قوية آنذاك.
لكن الأهم هو أن الإدانة التي لاقتها خاصيتي المتعلقة بالمطالعة الطويلة عكستها بوسائلي الخاصة علي خاصيتي الخفية المتعلقة بإهمال الواجب، ووصلت بهذا إلي أكثر نتيجة ثقلا علي النفس. كان حالي مثل حال شخص يمس لمجرد الإنذار فحسب بسوط ذي رؤوس متشعبة يقال إنه لايسبب ألما، لكن هذا الشخص يفك الرؤوس ويغرزها في جسده رأسا رأسا، ويروح بناء علي خطة وضعها بنفسه يخز داخله ويخمشه، في حين ما تزال اليد الغريبة تمسك قبضة السوط بهدوء.
لكنني وان لم أعاقب نفسي بشدة في مثل هذه الحالات آنذاك أيضا، فإنه من المؤكد علي كل حال أنني لم أنتفع من خاصياتي تلك الفائدة الحقيقية التي تعبر عن نفسها بالثقة الدائمة بالذات.
بل كانت نتيجة إظهار خاصية ما هي إما أن أكره المضطهد أو أن أنكر وجود هذه الخاصية. وكانت هاتان النتيجتان ترتبطان أيضا مع بعضهما بعضا بشكل كامل.. لكنني إذا ما أخفيت خاصية ما، فإن النتيجة كانت أن أكره نفسي أو أن أكره قدري، أري نفسي رديئا مدانا.
وعلاقة هاتين الفئتين من الخاصيات تغيرات ظاهريا تغيرا كبيرا مع مضي الزمن. فالخاصيات المعلنة عنها راحت تزداد كلما أصبحت أقترب من الحياة المفتوحة لي. لكن هذا لم يجلب لي خلاصا، والخاصيات المخفية لم تنقص، وتبين لدي الرصد الدقيق أنه لم يكن بالإمكان أبدا الاعتراف بكل شيء. حتي من الاعترافات الكاملة ظاهريا في الماضي ظهرت فيما بعد الجذور في الداخل. ولكن حتي لو لم يكن الأمر هكذا، فإن خاصية مخفية واحدة كانت كافية لزعزعتي إلي درجة لا أستطيع معها أن أمسك في أي مكان وألقي سندا رغم كل محاولات التكيف الأخري. لكن الأسوأ من هذا: حتي لو لم أحتفظ بسر لدي وألقيت كل شيء بعيدا عني بحيث صرت نقيا كل النقاء، فإن من شأن نفسي أن تمتليء في اللحظة التالية بالبلبلة القديمة، إذ أن السر حسب رأيي لن يكون قد أدرك وقدر بشكل كامل، ومن ثم أعيد إلي من قبل المجموع وفرض من جديد.
لم يكن هذا خداعا، وإنما مجرد شكل خاص من الإدراك أن لا أحد، بين الأحياء علي الأقل، يستطيع أن يتخلص من ذاته.
*****عندما يعترف أحدهم، مثلا، أنه بخيل، فإنه في هذه اللحظة يكون قد حرر نفسه من البخل كما يبدو أمام الصديق، أي أمام شخص ذي شأن يعطي حكما عليه. ولايهم هنا كيف يتقبل الصديق الأمر، أي إذا كان سينكر وجود البخل، أو يقدم نصائح عن كيفية التخلص منه، أو حتي إذا كان سيدافع عنه. وحتي أنه ربما كان ليس هاما فيما إذا قطع الصديق صداقته نتيجة للاعتراف. المهم بالأحري هو أن المرء قد باح بسره إلي المجموع ليس بصفته نادما، وإنما بصفته مخطئا شريفا، ويأمل أن يكون بهذا قد ظفر مرة أخري بالطفولة الجميلة والطليقة. لكن المرء لم يظفر إلا بجنون قصير ومرارة كثيرة فيما بعد. إذ في مكان ما علي الطاولة بين البخيل وصديقه هناك المال الذي يريد البخيل أن يأخذه والذي يحرك يده نحوه دائما بسرعة متزايدة. وفي منتصف الطريق يضعف تأثير الاعتراف، لكنه يظل منقذا، لكن ليس أكثر من ذلك، بل علي العكس أنه يكشف فحسب عن اليد التي تتحرك إلي الأمام. أن الاعترافات التي تؤثر ليست ممكنة إلا قبل الفعل أو بعده. أن الفعل لا يترك شيئا يقوم إلي جانبه. وبالنسبة إلي اليد التي تجمع المال لايوجد إنقاذ بالكلمة أو بالندم. إما أنه يجب إزالة الفعل أي اليد أو أنه ينبغي علي المرء..الآثار الكاملة مع تفسيراتها (1) الحكم
ترجمة:إبراهيم وطفي
|
|
|
|