دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -625ه - العدد1426جمادي الأوليمن26- م2005يوليو من3 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:22:18 ك الساعة - 01/07/2004 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
كتبها في ليلة واحدة وعلي خلفيتها قامت آثاره الرائعة :
الحكم
كتب كافكا قصة الحكم في 23سبتمبر 1912 كجزء من يومياته التي حرص علي تسجيلها طيلة أربعة عشر عاما، كتبها في جلسة واحدة امتدت من العاشرة مساء الأحد 22 سبتمبر وحتي السادسة صباح الاثنين .23
ويعتبر كافكا الحكم عمله الفني الحاسم، ونقطة انطلاق مؤثرة في حياته الأدبية، ومثالا رائعا يحتذي به في الكتابة 'هكذا فقط يمكن الكتابة، فقط في مثل هذا السياق، وبهذا الانفتاح الكامل للجسد والروح' وعلي خلفيتها قامت آثاره القصصية الكبري كافة، وروايتا المحاكمة والقلعة. ويعتقد الكثير من المحللين أن تلك الآثارما هي إلا تطوير ساحر في البنية الاساسية لقصة الحكم، فالوالد فيها هو النمط الأولي للطغاة والمستبدين في معظم أعمال كافكا.
ويمكن الجزم أن الحكم تمثل حالة متفردة تصل إلي حد الإبهام في تاريخ الأدب الأوروبي الحديث، فبرغم أنها نص متواضع بعض الشيء، لاتكشف القراءة الأولي له بأنه سيغدو أثرا باقيا، فإنه لم يحظ أي عمل من أعمال كافكا بمثل ماحظي به من دراسات وشروحات!! القصة لا تعالج مشكلة راهنة، بل تتناول موضوعا أبديا، قديما قدم البشرية، وهو صراع الأجيال بين الآباء والأبناء.
مترجم 'الحكم' هو ابراهيم وطفي أحد من أوقفوا حياتهم علي ترجمة أعمال كافكا، ومن الصعب أن يمر عدد كامل عن كافكا بدون الحديث عنه ، في عام 1957 قرأ قصة المسخ، سيطرت علي مشاعره وهو لايعرف لماذا. شعر أنها نص أدبي هام، وأن كافكا سيلعب دورا في حياته. في مطلع 1963 انتقل من سوريا إلي أوروبا وبعد أن تعلم الألمانية كان أول كتاب يبتاعه مجموعة قصص لكافكا، وفي دراسته للأدب الألماني الحديث ركز وطفي علي دراسة آثار كافكا، ومنذ ذلك الحين لم تنقطع علاقته به، وقد قرأ عنه ما يقرب من مائة كتاب وعدة مئات من المقالات ولايمر أسبوع دون أن يقرأ عنه جديدا، وهنا نقدم ترجمته البديعة لنص 'الحكم'.

كان الوقت ضحي يوم من أيام الآحاد في أجمل ربيع. وكان جيورج بندمان، التاجرالشاب، يجلس في حجرته الخاصة في الطابق الثاني في أحد المنازل المنخفضة المبنية بشكل غير متين، والتي امتدت علي طول النهر في سلسلة طويلة دون أن تتميز من بعضها بعضا سوي في الارتفاع واللون.
كان قد انتهي للتو من كتابة رسالة إلي صديق صبا مقيم في الخارج. أغلقها علي مهل وكأنه يلهو، ثم راح، متكئا بمرفقيه علي المكتب، يسرح نظره من النافذة الي النهر والجسر والروابي التي اكتست بخضرة خفيفة علي الضفة الأخري.
وراح يتذكر كيف كان هذا الصديق قد هرب بكل معني الكلمة إلي روسيا قبل أعوام طويلة، إذ لم يكن راضيا عن معيشته في بلاده. والآن أصبح يملك متجرا في بطرسبورج كان في البداية يبشر بالخير،لكن دلائل الكساد بدت عليه منذ فترة طويلة، كما راح الصديق يشكو أثناء زياراته التي أصبحت تتباعد عن بعضها بعضا دائما أكثر. وهكذا راح يكدح في الغربة علي غير جدوي. ولم تكن اللحية الغريبة لتغطي سوي تغطية سيئة الوجه المعهود منذ سنوات الطفولة، والذي بدا لون بشرته الأصفر يشير إلي وجود مرض في طور النشوء. وكما روي، لم يكن علي اتصال حقيقي بجالية بلاده هناك، كما أنه لم يكن ليخالط تقريبا أهل البلاد، وأعد نفسه هكذا لعزوبية دائمة..
ماذا أردت أن تكتب لمثل هذا الرجل الذي شق لنفسه طريقا خاطئة فيما يبدو؟ يمكنك أن ترثي لحاله، لكن لا يمكنك أن تساعده. هل عليك، ربما، أن تنصحه بأن يعود الي بلاده، وينقل عمله إلي هنا، ويعيد جميع العلاقات الودية القديمة لم يكن ثمة عائق أمام ذلك ويعتمد، فيما عدا ذلك، علي معونة الأصدقاء؟ لكن هذا لن يعني شيئا آخر سوي أنه يقال له في الوقت نفسه، وكلما زاد اللطف زادت الإغاظة، أن محاولاته السابقة إنما قد أخفقت، وأن عليه أن يكف عن هذه المحاولات، وأن يعود ويدع الجميع يحملقون إليه بدهشة لكونه قد عاد أدراجه إلي الأبد، وأن أصدقاءه وحدهم هم الذين يفهمون شيئا، وأنه ظل طفلا، وأن عليه ببساطة أن يتبع الأصدقاء الناجحين الذين بقوا في البلاد، وهل كان مازال من المؤكد أن هناك هدفا ما لكل هذه العذابات التي لابد أن تكون قد سببتها له؟ بل ربما لا يتسني أصلا إحضاره إلي بلاده فهو نفسه قال إنه لم يعد يفهم الظروف في الوطن وهكذا يكون قد ظل في غربته، رغم كل شيء، وازداد شعوره بالاغتراب نتيجة إحساسه بالمرارة من النصائح والاصدقاء. لكنه لو قبل النصيحة فعلا ، وأثقل عليه هنا طبعا ليس عمدا وإنما بسبب الواقع ولم يجد طريقه لا بالاشتراك مع أصدقائه، ألم يكن من الأفضل له بكثير أن يظل في الغربة كما كان؟ هل كان يمكن لك أن تفكر في مثل هذه الظروف بأن من شأن هذا الصديق أن يحرز هنا فعلا أي تقدم؟
لهذه الأسباب لم يكن في مقدورك، فيما إذا أردت أن تحافظ أصلا علي الاتصال به عن طريق الرسائل، أن تبلغه أخبارا حقيقية يمكن تقديمها دون حياء إلي أبعد من تربطنا به علاقة معرفة. وها قد مضي الآن علي الصديق أكثر من ثلاثة أعوام لم يقم في غضونها بأية زيارة الي الوطن، وقد علل ذلك تعليلا واهيا فعزاه إلي اضطراب الظروف السياسية في روسيا، التي لا تسمح إذا تبعا لهذا التعليل بأقصر غياب لصاحب متجر صغير، في حين أن مئات الآلاف من الروس يتجولون في العالم بكل هدوء. لكن في غضون هذه الأعوام الثلاثة طرأت تغييرات كثيرة بالنسبة الي جيورج. فعن حادث موت والدته الذي وقع قبل نحو عامين، وعن كونه يعيش منذ هذا الحادث مع والده العجوز في منزل مشترك، كان قد وصل نبأ ما إلي أسماع الصديق، الذي عبر في رسالة عن تعزيته بأسلوب جاف لا يمكن أن يكون سببه سوي أن الحزن في الغربة علي مثل هذا الحدث يصبح غير قابل للتصور كلية. ولكن جيورج منذ ذلك الحين راح يدير مثل كل الأمور الأخري محله التجاري أيضا بحزم أكبر. ربما كان والده، عندما كانت والدته علي قيد الحياة، قد أعاقه عن القيام بنشاط شخصي حقيقي، لأن هذا الوالد لم يكن ليقر في المحل التجاري بأي رأي آخر غير رأيه هو. وربما كان الوالد قد أصبح أكثر تحفظا منذ وفاة الوالدة رغم كونه ظل يعمل في المتجر، ربما الأمر الذي كان مرجحا كثيرا كان مصادفات سعيدة قد لعبت دورا أكثر أهمية بكثير، ولكن علي كل حال تطور المتجر في غضون هذين العامين تطورا غير متوقع أبدا. وقد وجب مضاعفة عدد العاملين، وتضاعف حجم المبيعات خمس مرات، ومما لا شك فيه أنه كان من المتوقع إحراز تقدم جديد..
لكن الصديق لم يكن ليملك أية فكرة عن هذا التغيير. وفيما مضي، ربما لآخر مرة في رسالة التعزية تلك، كان يحاول أن يقنع جيورج بالهجرة الي روسيا، ويفيض في الحديث عن الفرص الموجودة في بطرسبورغ بالنسبة إلي فرع التجارة بالذات الذي يزاوله جيورج. كانت الأرقام ضئيلة قياسا إلي الحجم الذي كان متجر جيورج قد بلغه الآن. لكن جيورج لم يكن ليرغب في أن يكتب للصديق عن نجاحه الذي حققه في عمله. والحق أن من شأن مثل هذه الكتابة أن تعطي الآن إنطباعا غريبا.
وهكذا أصبح جيورج يقتصر في كتابته الي الصديق علي ذكر مجرد وقائع لا أهمية لها، مثلما تتجمع في الذاكرة بشكل غير منتظم عندما يروح المرء يتذكر في يوم من أيام الآحاد الهادئة، ولم يكن يبغي شيئا آخر سوي أن يبقي الصورة علي حالها، الصورةالتي كان الصديق قد كونها عن مدينته في هذه الفترة الطويلة وعاش معها. وهكذا كان يحدث لجيورج أن يعلم الصديق بخطوبة إنسان لا أهمية له مع فتاة تساويه في عدم الأهمية، ثلاث مرات في رسائل متباعدة، حتي يبدأ الصديق يهتم فعلا بهذه المسألة الغريبة، علي العكس تماما مما كان جيورج يقصد إليه.
لكن جيورج كان يفضل أن يكتب له مثل هذه الأمور علي أن يعترف أنه هو نفسه كان قد عقد خطبته قبل شهر علي آنسة تدعي فريدا براندنفلد والتي هي فتاة من أسرة موسرة. وكان غالبا ما يتحدث مع خطيبته عن هذا الصديق وعن العلاقة الخاصة التي تربطه به عن طريق المراسلة. لن يحضر إذا حفل زفافنا أبدا، قالت، 'إنه لمن حقي أن أتعرف علي جميع أصدقائك' 'لا أريد أن أزعجه'، أجاب جيورج، 'أفهميني بشكل صحيح. من شأنه أن يحضر علي الأرجح، هذا ما أظنه علي الأقل. لكن من شأنه أن يشعر أنه حضر مكرها وأن يشعر أنه أصيب بضرر، وربما يحسدني، ويسافر وحيدا وهو غير راض بالتأكيد وغير قادر أبدا علي إزالة عدم الرضا هذا. وحيدا.. هل تعلمين ماذا يعني هذا؟'. 'نعم، ألا يمكنه إذا أن يعلم عن زواجنا بطريقة أخري؟' 'هذا ما لا أستطيع أن أحول دونه طبعا، لكنه أمر غير مرجح نظرا لطريقة حياته' 'إذا كان لديك مثل هؤلاء الأصدقاء، جيورج، كان عليك ألا تخطب أبدا. 'أجل . هذا ذنبنا كلينا، لكنني الآن أيضا لا أريد غير ذلك'. وعندما استطاعت، وهي تتنفس بصعوبة تحت قبلاته، أن تقول: 'ومع ذلك فإن الأمر ليزعجني في الواقع'، رأي هو فعلا إنه ليس ثمة حرج في كتابة كل شيء الي الصديق. 'هكذا أنا، وهكذا عليه أن يقبلني'، قال في نفسه، 'ولا أستطيع أن أقطع من ذاتي إنسانا ربما يكون جديرا أكثر مني بصداقته'.
وفعلا أعلم صديقه في الرسالة الطويلة التي كتبها في ضحي يوم الأحد هذا بعقد الخطوبة الذي تم، أعلمه بالكلمات التالية: 'أما أطيب خبر فقد احتفظت به الي الختام. لقد عقدت خطوبتي علي الآنسة فريدا براندنفلد التي هي من أسرة موسرة استوطنت هنا بعد رحيلك بفترة طويلة، أي أنه من المستبعد أن تعرفها إذا. وستوجد فرصة لإعلامك تفاصيل عن خطيبتي، أما اليوم فيكفيك أنني سعيد، وأنه لم يتبدل شيء في علاقتنا من هذه الناحية سوي أنك ستجد الآن في، بدلا عن صديق عادي كلية، صديقا سعيدا. وبالإضافة الي ذلك، فإنك ستجد في خطيبتي، التي تهديك خالص تحياتها، صديقة مخلصة، الأمر الذي ليس عديم الأهمية بالنسبة إلي عازب. أعلم أن أمورا شتي تمنعك من القيام بزيارة لنا. لكن أليس من شأن زفافي أن يكون الفرصة الملائمة لتخطي جميع العوائق؟ ولكن مهما يكن، فلتتصرف دون مراعاة وكما تري مناسبا لك'.
كان جيورج قد جلس الي طاولة مكتبه فترة طويلة وهو يحمل هذه الرسالة في يده وقد استدار بوجهه الي النافذة. وكان بالكاد قد رد بابتسامة ساهية علي أحد المعارف الذي كان مر به وألقي عليه التحية من الشارع.
وأخيرا وضع الرسالة في جيبه، وخرج من غرفته وعبر ممرا صغيرا ودخل الي غرفة والده التي لم يكن قد دخلها منذ أشهر. ولم يكن هناك أي اضطرار يدعو إلي ذلك ، إذ أنه كان علي اتصال مستمر مع والده في المتجر.
كانا يتناولان طعام الغداء في أحد المطاعم في الوقت نفسه، ومساء كان كل منهما يتناول ما يشاء، لكنهما كانا يجلسان بعد ذلك فترة وجيزة في حجرة الجلوس المشتركة، ويروح كل منهما يقرأ جريدته في معظم الأحيان، إذا لم يكن جيورج مع أصدقائه، كما كان يحدث في أغلب الأحيان، أو لم يكن الآن يزور خطيبته.
واستغرب جيورج كم كانت غرفة الوالد مظلمة حتي في هذا الضحي المشمس. مثل هذا الظل إذا كان يلقيه الجدار العالي الذي كان يرتفع في الطرف الآخر من الفناء الضيق. كان الوالد يجلس بجوار النافذة، في زاوية تزينها تذكارات متنوعة تذكر بالوالدة المغفور لها، ويقرأ الجريدة التي أمسكها بشكل مائل أمام عينيه محاولا بذلك أن يعوض عن ضعف ما في عينيه. وكان علي الطاولة بقايا طعام الإفطار الذي بدا أنه لم يؤكل منه كثيرا.
'أه، جيورج!' قال الوالد وهو ينهض علي الفور ويتقدم نحوه. وانفتح دثار النوم الثقيل الذي كان يرتديه، وتطايرت أطرافه حوله. 'مازال والدي عملاقا، فكر جيورج في ذات نفسه.
ثم قال: 'الغرفة معتمة بشكل لايحتمل'.
'نعم، الغرفة معتمة'، أجاب الوالد.
'والنافذة أغلقتها أيضا؟'
'أفضل الأمر هكذا'.
'الحر شديد في الخارج'، قال جيورج، وكأنه يفكر بما سبق، وجلس. رفع الوالد أطباق طعام الافطار ووضعها علي كومودينو.
'أردت في الواقع أن أقول لك فقط'، استطرد جيورج قائلا وهو يتابع شارد الذهن حركات الرجل العجوز، 'أنني كتبت أخيرا إلي بطرسبورج عن خطوبتي'. وسحب الرسالة قليلا من جيبه ثم تركها تعود إلي مكانها.
'إلي بطرسبورج؟' سأل الوالد.
'إلي صديقي'، قال جيورج وهو يبحث عن عيني الوالد.. 'إنه في المتجر إنسان آخر كلية'، فكر جيورج في ذات نفسه، 'كيف يجلس هنا مفرشخا ويصالب ذراعيه فوق صدره'.
'نعم، إلي صديقك'، قال الوالد مشددا.
'تعلم، أيها الوالد، إنني أردت باديء الأمر أن أخفي عنه نبأ خطوبتي، رفقا به، وليس لأي سبب آخر. وأنت تعلم بنفسك أنه إنسان صعب. وقد قلت في نفسي، لا شك أنه يقدر أن يعلم نبأ خطوبتي من طرف آخر، وإن كان هذا أمرا غير مرجح بسبب طريقة حياته الانعزالية لا أستطيع أن أمنع وصول الخبر إليه لكنه لن يعلمه مني'.
'والآن غيرت رأيك؟' سأل الوالد، ووضع الجريدة الكبيرة علي حافة النافذة، وعلي الجريدة وضع النظارة التي غطاها بيده.
'نعم، غيرت الآن رأيي. قلت في نفسي: إذا كان صديقك حميما لي، فستكون خطوبتي السعيدة سعادة له أيضا. ولهذا السبب لم أعد أتردد في إعلامه خبرها. لكنني أردت أن أعلمك ذلك قبل أن أبعث الرسالة'.
'جيورج' قال الوالد وقد سحب فمه الخالي من الأسنان في العرض، 'اسمع! لقد أتيت إلي بسبب هذه المسألة، لكي تستشيرني، لاشك أن هذا يشرفك. لكن الأمر لا شيء،وأسوأ من لا شيء، إذا لم تقل لي الآن الحقيقة كاملة . لا أريد أن أثير أمورا ليس هذا موضعها. لقد جرت بعض الأشياء البشعة منذ وفاة الوالدة الغالية. ربما يأتي وقت للحديث عن هذه الأشياء، وربما يأتي هذا الوقت بأبكر مما نظن. في المتجر تفوتني بعض الأمور، ربما لا تحجب عني لا أريد الآن أن أفترض أبدا أنها تحجب عنيٌ، لم تعد قوتي تكفي، وذاكرتي أصيبت بالوهن، لم أعد أستطيع فهم كل الأمور الكثيرة. هذا أولا هو مجري الطبيعة، وثانيا لقد انعكس عليٌ وفاة الوالدة أكثر بكثير مما إنعكس عليك. لكن لأننا الآن لدي هذا الموضوع بالذات، لدي هذه الرسالة، فإنني أرجوك ياجيورج بألا تخدعني. إنه لأمر قليل الأهمية لا يستحق زفرة، لا تخدعني إذا. هل لديك فعلا هذا الصديق في بطرسبورج؟'
نهض جيورج وهو يشعر بإرتباك. 'دعنا من اصدقائي. فألف صديق لا يعوضني عن والدي. هل تعلم ماذا أري؟ أري أنك لاتصون نفسك بما فيه الكفاية. لكن العمر يطلب حقه. في المتجر لا غني لي عنك. وهذا ماتعرفه تمام المعرفة. لكن إذا كان من شأن المتجر أن يهدد صحتك، فإنني أغلقه غدا والي الأبد. هذا لا يجوز. علينا أن نضع لك طريقة حياة أخري، إنما طريقة مغايرة كلية إنك تجلس هنا في العتمة، في حين أنه يمكن أن يكون لديك ضوء جميل في غرفة الجلوس. إنك ترشف من طعام الإفطار بدلا من أن تغذي نفسك بشكل صحيح. تجلس والنافذة مغلقة، في حين أنه يمكن للهواء أن ينعشك. لا، أيها الوالد! سأستدعي الطبيب وسنمتثل لإرشاداته. وسنتبادل الغرف. تنتقل الي الحجرة الأمامية، وأنتقل إلي هنا. ولن تشعر بالتغيير، فسينقل كل شيء إلي هناك. لكن ثمة متسعا من الوقت لكل شيء، والآن استلق قليلا في السرير، فأنت بحاجة ماسة إلي الراحة. تعال، سأساعدك في خلع ملابسك، وسوف تري أنني أستطيع ذلك. أما إذا أردت أن تذهب فورا الي الغرفة الأمامية، فإنه يمكنك أن تستلقي في سريري مؤقتا. وسيكون ذلك عين الصواب'.
كان جيورج واقفا إلي جانب والده الذي كان قد خفض رأسه ذا الشعر الأشيب المنفوش.
'جيورج' قال الوالد بصوت منخفض دون أن يقوم بحركة. وعلي الفور جثا جيورج الي جانب الوالد وشاهد الحدقتين في وجهه المتعب موجهتين إليه وقد اتسعتا في زاويتي العينين.
'ليس لديك صديق في بطرسبورج. لقد كنت دائما مهرجا، ولم تتحفظ أمامي أيضا. كيف يمكن أن يكون لديك صديق هناك بالذات! إنني لا أستطيع أن أصدق هذا أبدا'.
'تذكر مرة أخري ياوالدي'، قال جيورج ورفع الوالد من كرسيه وخلع عنه ثوب النوم بعد أن وقف خائر القوي، 'قريبا سيكون قد مضي ثلاثة أعوام علي زيارة صديقي لنا. ومازلت أذكر أنك لم تستلطفه بشكل خاص. وقد أنكرته أمامك مرتين علي الأقل، رغم أنه كان يجلس لدي بالذات في حجرتي. ولقد فهمت كراهيتك له كل الفهم. فلصديقي طريقته الغريبة. لكنك بعد ذلك تجاذبت معه أطراف الحديث علي خير وجه. كنت آنذاك فخورا بأنك كنت تستمع إليه وتوميء برأسك وتسأل. وإذا ما فكرت مليا، فلا بد أنك ستتذكر. لقد روي آنذاك قصصا لا تصدق من الثورة الروسية (1) عندما كان في سفرة عمل وشاهد أثناء اجتماع صاخب في كييف قسا يقف علي شرفة وقد حز صليب دم عريضا في كف يده، ورفع هذه اليد وتحدث الي الجمهور. وأنت نفسك أعدت رواية هذه القصة أحيانا.
في هذه الأثناء كان جيورج قد استطاع أن يججلس الوالد مرة أخري،
وأن يخلع عنه برفق سروال الفانلة الذي كان يرتديه فوق السروال الداخلي الكتاني، وأن يخلع الجوارب أيضا. وعندما شاهد الملابس غير النظيفة بصورة خاصة، أتهم نفسه بأنه قد أهمل الوالد. فمن المؤكد أن واجبه كان يقضي أيضا أن يسهر علي تبديل الوالد لملابسه. وهو لم يكن قد تحدث مع خطيبته بشكل واضح صريح، كيف يريدان ترتيب مستقبل الوالد، لكنهما كانا قد افترضا ضمنا أن الوالد سيبقي وحده في المسكن القديم. غير أن جيورج قرر الآن بسرعة وبكل تصميم أن يأخذ الوالد معه الي المسكن المقبل. وقد بدا تقريبا، إذا نظر عن كثب، أنه يمكن للرعاية التي علي الوالد أن يلقاها هناك أن تأتي متأخرة.
علي ذراعيه حمل الوالد الي الفراش. وقد تملكه شعور رهيب عندما لاحظ، أثناء الخطوات القليلة الي السرير، أن الوالد إنما يلعب علي صدره بسلسلة الساعة. ولم يتمكن من وضعه في السرير علي الفور، لأنه كان يمسك بهذه السلسلة بقوة.
لكنه ما كاد يرقد في السرير حتي بدا كل شيء علي مايرام. غطي نفسه ثم سحب اللحاف الي ما فوق الكتفين. ورفع بصره الي جيورج ونظر إليه نظرة لم تكن غير ودية.
'أليس كذلك؟ إنك تتذكره؟' سأله جيورج وأومأ إليه برأسه مشجعا. 'هل أنا الان مغطي بشكل جيد؟'، سأل الوالد، وكأنه لا يستطيع أن يتحقق فيما إذا كانت قدماه مغطاتين بشكل كاف.
'يناسبك إذا في السرير'، قال جيورج ولف اللحاف حوله بشكل أفضل.
'هل أنا مغطي بشكل جيد؟' سأل الوالد مرة أخري وبدا أنه يترقب الجواب علي نحو خصوصي.
'أهدأ وكفي! إنك مغطي بشكل جيد'.
'كلا!' هتف الوالد، بحيث أن الجواب اصطدم بالسؤال، ألقي اللحاف الي الوراء بقوة حتي أن هذا انفتح وهو يطير، ثم وقف الوالد منتصبا في السرير، وقد مد إحدي يديه حتي لمست سقف الغرفة الواطيء 'أردت أن تغطيني، أعلم هذا أيها الأرعن، لكنني مازلت غير مغطي. وهي آخر قوة لي أيضا، كافية لك، بل كثيرة! إنني لأعرف صديقك كل المعرفة. وهو قمين أن يكون ابنا يستجيب له قلبي. لهذا السبب خدعته أيضا طوال هذه السنوات. أم لأي سبب آخر؟ هل تظن أنني لم أذرف الدمع عليه؟ لهذا السبب تحجز نفسك في المكتب: لا يسمح بالازعاج. الرئيس مشغول .. فقط لكي تستطيع كتابة رسالتك الصغيرة الباطلة الي روسيا. لكن من حسن الحظ أنه لا ينبغي لأحد أن يعلم الأب كي يسبر غور الابن. وكما ظننت الآن أنك هزمته، هزمته بحيث أنك تستطيع أن تجلس عليه بمؤخرتك وهو لا يبدي حراكا، وهنا قرر السيد ابني ان يتزوج!'
ورمق جيورج والده ذا المنظر المهول. والصديق في بطرسبورج، الذي بدا أن الوالد يعرفه فجأة معرفة جيدة، استحوذ علي مشاعره كما لم يفعل من قبل قط. رآه ضائعا في روسيا الشاسعة . رآه واقفا علي باب المتجر الفارغ المنهوب. بني الرفوف المحطمة والبضائع الممزقة وأذرعة الغاز المتساقطة، كان بالكاد يقف. لماذا ارتحل هكذا بعيدا!
'لكن أنظر إلي'، نادي الوالد. وجري جيورج نحو السرير، وهو شارد الفكر تقريبا، لكي يفهم كل شيء، لكنه توقف في منتصف الطريق.
'لأنها رفعت فساتينها'، بدأ الوالد يقول مترنما، 'لأنها رفعت فساتينها هكذا، هذه البلهاء المقرفة'، ورفع قميصه عاليا بحيث أمكن رؤية الندبة علي فخذه التي تعود إلي سنوات الحرب، 'لأنها رفعت فساتينها هكذا وهكذا وهكذا رحت تتودد إليها، ولكي تتمكن من إشباع رغباتك دون مضايقة، دنست ذكري الوالدة، وخنت الصديق، وألقيت والدك في الفراش لكي لا يقدر أن يبدي حراكا. لكن هل يقدر أن يبدي حراكا أم لا؟'
ونهض طليقا علي أتم وجه، وطوح بساقيه. وأشرق وجهه الذي ظهرت عليه علائم الإدراك.
كان جيورج يقف في زاوية بعيدا عن الوالد قدر الإمكان. وكان قد عقد العزم قبل فترة طويلة علي مراقبة كل شيء بدقة متناهية كي لا يمكن مباغتته علي وجه من الوجوه بطريقة غير مباشرة من الوراء أو من الأعلي. وتذكر الآن، مرة أخري، العزم الذي كان قد نساه، ونساه ثانية، مثلما يدخل المرء خيطا قصيرا في ثقب إبرة.
'لكن الصديق لم يغدر به!' هتف الوالد مؤكدا ذلك بسبابته التي راح يهزها يمنة ويسرة. 'لقد كنت وكيله هنا'.
'ممثل هزلي!' لم يتمالك جيورج نفسه إلا أن يقول، لكنه أدرك الضرر علي الفور. متأخرا جدا عض علي لسانه وقد تحجرت عيناه حتي هصره الألم.
'نعم، طبعا قمت بتمثيل مسرحية هزلية! مسرحية هزلية! كلمة حسنة! أي عزاء آخر بقي للوالد الأرمل؟ قل ولتكن في لحظة الجواب مازلت ابني الحي ماذا بقي لي في غرفتي الخلفية، مطاردا من قبل العاملين لدي غير المخلصين، هرم حتي العظم؟ وابني راح يسير عبر العالم يحيط به التهليل، يعقد الصفقات التي هيأت لها، ويتشقلب مسرة ولهوا، وانصرف، أمام والده بوجه كتوم لرجل فاضل! هل تظن أنني لم أحبك، أنا الذي خرجت منه؟'
وفكر جيورج: 'سوف ينثني الآن. ليته يقع ويتحطم!' وأزت هذه الكلمة عبر رأسه.
وانحني الوالد، لكنه لم يقع. وإذ لم يقترب جيورج منه كما توقع، استوي ثانية.
'أبق حيث أنت! إنني لا أحتاج إليك. تظن أنك مازلت تملك القوة للمجيء الي هنا ولا تحجم إلا لأنك تريد ذلك. أنك لمخطيء! إنني مازلت الأقوي بكثير. ربما كنت سأضطر للتراجع لو كنت وحدي، لكن الأم أعطتني قوتها، ومع صديقك اتفقت بشكل رائع، وزبائنك هنا في جيبي!' 'لديه جيوب حتي في قميصه!' قال جيورج في ذات نفسه، وظن أنه يستطيع إحراجه بهذه الملاحظة في كل العالم. ولم يفكر بهذا سوي لحظة، إذ أنه كان دائما ينسي كل شيء'.
'اشبك فقط ذراعك بذراع خطيبتك وتعال للقائي! إنني أكنسها من جانبك، ولا تدري كيف!'
وقلص جيورج وجهه كما لو كان لا يصدق هذا. أحني الأب رأسه إيجابا بإتجاه زاوية جيورج مؤكدا بذلك صحة ما قاله.
'كم سليتني اليوم عندما أتيت وسألت فيما إذا كان عليك أن تكتب لصديقك عن الخطوبة، أنه يعلم كل شيء، أيها الفتي الغر، أنه يعلم كل شيء! لقد كتبت له لأنك نسيت أن تنتزع مني أدوات الكتابة. ولهذا السبب فإنه لا يأتي منذ سنوات. أنه ليعرف كل شيء أفضل منك نفسك بمائة مرة. رسائلك يجعدها في يده اليسري دون أن يقرأها، في حين يرفع رسائلي في يده اليمني ويقرأها!'
ولوح بذراعه فوق رأسه علامة الحماسة. وهتف: 'إنه يعلم كل شيء بصورة أفضل ألف مرة!'.
'عشرة آلاف مرة!' قال جيورج لكي يضحك علي الوالد، لكن الكلمة أصبحت ذات وقع جد خطير وهي مازالت في فمه.
'منذ سنوات وأنا أترقب أن تأتي بهذا السؤال! هل تظن أنني أهتم بشيء آخر؟ هل تظن أنني أقرأ جرائد؟ هاك!' وألقي الي جيورج بورقة جريدة كانت قد حملت بطريقة ما إلي السرير. جريدة قديمة مجهولة الاسم كلية بالنسبة الي جيورج.
'كم ترددت طويلا قبل أن تصبح راشدا! كان لابد للوالدة أن تموت، ولم تستطع أن تشهد اليوم السعيد، والصديق يهلك في روسياه. لقد كان قبل ثلاثة أعوام ممتقع اللون يطرح جانبا، وأنا، أنك لتري كيف هو حالي.
لديك عينان تري بهما!'
'كنت تترصدني إذن'، هتف جيورج.
بلهجة مواسية قال الوالد عرضا: 'هذا ما كنت تريد أن تقوله علي الأرجح سابقا. أما الآن فإنه لم يعد مناسبا'.
وبصوت عال: 'الآن تعلم إذا ماذا كان يوجد عداك، قبل الآن لم تكن تعلم سوي عن نفسك! لقد كنت في الحقيقة طفلا بريئا، لكن الأكثر حقيقية هو أنك كنت إنسانا شيطانيا! لهذا فأعلم: إنني أحكم عليك الآن بالموت غرقا!'
وشعر جيورج أنه مطرود من الغرفة. والخبطة التي وقع بها الوالد وراءه علي السرير وصلت الي أذنيه. وعلي السلالم التي أسرع علي درجاتها وكأنها سطح مائل باغت وأذهل خادمته التي كانت علي وشك الصعود لكي ترتب المنزل. 'ياعيسي!'. هتفت وغطت وجهها بمئزرها، لكنه كان قد ذهب، من البوابة قفز قفزا، وساقته قدماه فوق الشارع الي المياه.. تمسك بسور الجسر مثلما يتمسك جائع بالغذاء. وقفز فوقه قفزة الرياضي المتفوق الذي كانه في شبابه مفخرة لوالديه وللحظة تمسك بيدين أصابهما الوهن، ومن بين قضبان السور لاحت له سيارة عامة من شأن دويها أن يطغي بسهولة علي سقوطه، وهتف بصوت منخفض: 'أيها الوالدان العزيزان، لعمري قد أحببتكما دائما' وترك نفسه يسقط إلي أسفل.
وفي هذه اللحظة سرت فوق الجسر حركة مرور لا متناهية حقا.
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: