|
|
| السنة - | 625 | ه - العدد | 1426 | جمادي الأولي | من | 26 | - م | 2005 | يوليو | من | 3 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:00:17 ك |
 |
الساعة - |
 |
01/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| أحداث |
 |
|
|
كتاب وشعراء : بعضهم أحبه و آخرون كرهوه لكنهم اتفقوا علي أهميته
كافكا أول المحرضين علي الكتابة
من المؤكد ان كافكا لن يتركك في حالك بعد ان تنتهي من قراءته، معظم المبدعين يشعرون بأنه يضعهم في انفاق مظلمة تبدو بلا نهاية، كأنها اقدارهم التي فرضت عليهم، تماما مثل ابطال كافكا الذين يجدون انفسهم في سجن واسع هو سجن العالم، وفي نهايته حائط المدينة الالهية المتخيلة، ذلك الحائط الذي وجد 'ترومان' نفسه في مواجهته حينما ثار علي الاقدار العليا وحاول الهروب.. ربما 'نفد' ولكن ابطال كافكا لاينفدون فالقوانين القدرية لامجال فيها للخطأ ويمكن محاكمتك بدون تهمة واضحة كما حدث مع جوزيف وستجد نفسك تائها بلا عون هذا علي مستوي الاجواء، ولكن علي مستوي الكتابة نفسها كلهم يعتبرونه كاتبا مهما.. تخلي عن الاطر الكلاسيكية وأسس مدرسة خاصة باسمه، لو ان رائحته فقط رائحته مستك سيصيح احدهم وهو يشير اليك: 'كافكاوي' في المساحة التالية يتحدث المبدعون والكتاب عن علاقتهم به، كيف بدأت وكيف توطدت وهل كان صاحب تأثير كبير عليهم وفي اختلاف شهاداتهم وتنوعها تكمن اهمية كافكا وثراؤه وقدرته علي أن يجعلنا نتحدث عنه دون توقف.
إبراهيم عبدالمجيد :
طعم الحيرة
عرفت كافكا من طه حسين.. كان ذلك في وقت مبكر جدا. كنت في السابعة عشرة من عمري أقرأ فيهم كتب طه حسين والعقاد التي ضمت مقالاتهما القديمة كتب مثل خصام ونقد، ونقد واصلاح، وبين بين، لطه حسين، وبين الكتب والناس، وخلاصة اليومية، ويسألونك، للعقاد. كنت أعتبر كل فعال في الكتاب دليلا لقراءة ما، أو من كتب عند المقال، من الأدباء العرب والأجانب، أو الفلاسفة، أو غيرهم.
كانت كتب العقاد تغلق عليٌ الطريق، ليس لصعوبتها، ولكن لطبيعة العقاد فيما يبدو. كان يوجه كثيرا من النقد أقرب إلي الانتقاد، ويتعامل مع الكثيرين بتعال يخيفني منهم. علي العكس كان طه حسين، منفتحا حنونا يقدر المواهب التي يكتب عنها، ومنه عرفت اندريه جيد وسارتر وكامي وكافكا. بالضبط من كتابه 'ألوان' الذي كان يضم مقالات القديمة في مجلة الكاتب المصري.
ظل طعم مقال طه حسين عن كافكا ومقاله عن البيركامي لا يفارقني. لاحظ ذلك. أقول طعم المقال، واحساس بأنني دخلت عالما ملغزا موحيا أشبه بالوقوف علي شاطيء البحر عند غسق المساء!!
بعد عامين أقيم أول معرض كتاب في القاهرة عام .1968 اقترضت عشرة جنيهات من صديق لي في الاسكندرية وقطعت تسكرة بقطار الدرجة الثالثة ذهابا وعودة وأتيت الي المعرض. كان لي صديق يدرس بالمعهد العالي الصناعي بالمطرية ذلك الوقت، صار أستاذا فيما بعد بالمعهد نفسه يسكن بالمطرية. قضيت عنده الليل وصحبني في اليوم التالي الي المعرض الذي كان يقام بأرض الجزيرة مكان الاوبرا الحالي.. كانت الجنيهات العشر شيئا كبيرا ذلك الوقت. قضيت النهار كله بالمعرض انتقي الكتب حتي حانت ساعة اغلاق المعرض فوجدت وأنا انصرف رواية 'القضية' بترجمة الدكتور مصطفي ماهر أمامي كانت نقودي قد نفدت وأخذت أبحث عن صديقي 'سعيد المصري' حولي فلا أجده.. أناديه فلا أجده وهم يصرفون الناس من المعرض والرواية في يدي وليس معي مليم واحد.
وأنا غير قادر علي العودة بدون الرواية. لقد صارت جزءا مني وفي اللحظة التي هممت فيها بارجاعها، وكانت صعبة جدا، ظهر صديقي فاشترينا الرواية وخرجت ناسيا كل الكتب التي اشتريتها ولا أري إلا رواية القضية في يدي. لقد ظفرت بكنز كبير.
قرأت الرواية في القطار وقرأتها في البيت أكثر من مرة وأمضني البطء المسيطر علي ايقاعها وشعرت بتباطيء الزحف من حولي وعرفت كيف تكون الكتابة عن المصير الإنساني، والأهم كيف تصبح اللغة من نسيج الحالة. قرأت بعد ذلك القلعة بترجمة مصطفي ماهر أيضا وأمريكا بترجمة الدسوقي فهمي ولما بدأت أتابع المجلات الثقافية رأيت أن كافكا يحتل دائما مساحة كبيرة من مقالاتها. هل كان لذلك معني؟ بالذات إذا نظرنا إلي الأفكار السياسية التقدمية التي كانت تملأ الأرض والسماء.
ربما. لكن الأوفق هو حالة الهزيمة التي كنا فيها بعد عام ..1967 كانت هزيمة يمكن تجاوزها، وكان كافكا، بالنسبة لي، مثل طبيب يقول لي أن هناك حيرة أكبر وعذاب أكبر هو حيرة الوجود وعذابه حيرة الكائن الضئيل، الفرد، وعذابه، في كون واسع لا يمكن قص مغاليقه. قرأت مئات المقالات عن كافكا، بعضها يعتبره حداثيا غربيا من فعل الشيطان، وبعضها يعتبره حداثيا محتما علي نظام الحياة الرأسمالية، لكن الذي كان يشدني هو وضع أعمال كافكا وسط الوجود كله. لا أعرف في أي من أعمالي تجد أثرا لكافكا، لكن من المؤكد أن كثيرا من قصص القصيرة تحمل نكهته، وربما روايات مثل الصياد واليمام والبارة الأخري، لكن لا يمكن أن يكون كافكا وحده هو الذي فعل ذلك، لقد تداخل معه دستويفسكي والبيركامي ودنيو بوتزاتي. وستويفسكي في قصة قصيرة مثل 'المثل' أو 'الشبية' في بعض الترجمات، وكامي في 'الغريب' طبعا، ودنيوبوتزاتي في 'صحراء التتار' التي لها قصة أخري. لقد انجذبت بشدة إلي المعني العميق للابداع بالجو الذي أشاعه كافكا في رواياته، ولما بدأت في قراءة الفلسفة الوجودية بالجامعة لم يكن الأمر صعبا. كان كافكا قد مهد الطريق للفهم والاصح للإحساس بطعم العالم الصعب، الكبير الذي لا نهاية له، طعم حيرة الكائن العاقل الوحيد في الموجودات، ليس لأنه يريد أن يفهم فقط، ولكن لأنه أيضا يحس.
أحمد أبو خنيجر:
كن حذرا وأنت معه
كافكا كاتب مقبض بامتياز، أجواء عوالمه تدفعك للانقباض أثناء وبعد القراءة، وتخلف بداخلك حالة من السوداوية، ولذلك لا أستطيع أن قرأ له مجموعة 'علي بعضها'، وإنما أقرأ له قصة كل فترة، كما أن الرجوع إليه يتم علي فترات متباعدة عكس كتاب آخرين بسبب الحالة التي يسببها لي، أشعر دائما أن هناك قدرا مسيطرا علي معظم أعماله، قدر كوني بدون تدخل من البشر لإيقافه، تشعر كأن الناس يستمتعون بما يحدث للشخص المعاقب في قصته 'مستعمرة العقاب' مثلا.
ثم أنني أتساءل: هل هو بريء من دعاوي الصهيونية؟ ما حقيقة علاقته بإسرائيل وما نظرته الحقيقية إلي العرب، هناك قصص له مثل ' أولاد أرو والعرب' هذا يجعلني أنظر إلي الدعاية التي خلفه خاصة وأنها روجت له بعد وفاته، هل هو جدير بهذه الدعاية؟ هناك كتاب، آخرون أعظم منه بمراحل تمت قراءتهم علي مستوي أوسع منه وهم يستحقون مكانة أكبر.
عموما يمكنك أن تقرأ كافكا، ولكن احذر علي حالتك النفسية.
جمال الجمل :
الكراهية الخلاقة!
لعناتي في هذه الحياة المرتبكة ليست قليلة، بعضها يمكن الحديث عنه بعد حين، وبعضها لايمكن الحديث عنه أبدا، وبعضها يمكن الحديث عنه عبر الأقنعة المستعارة، وبقليل من الجرأة أقول بعد سنوات من الخداع أن كافكا هو واحد من أقنعتي العديدة لتمويه اللعنة، لكنه علي كل حال يكاد يكون اللعنة الوحيدة التي لا أخشي الحديث عنها في أي وقت.. ثمة تشابهات عديدة سحبتني إليه، وثمة خلافات أكثر حررتني منه..!!
قد يذهب كثيرون إلي تأمل حياة ذلك الأديب التشيكي الممزق بين متناقضات وضغوطات شكلت روحه الكابوسية ونظرته السوداوية تجاه العالم، وقد يغضب أحدهم من تطرفه الكاره للحياة العادية، وقد يتحدث آخرون عن تعاطفه مع الحركة الصهيونية، وقد يركزون علي طباعه النافرة ونظرته السوداوية المتشائمة، وقد..، وقد..
لكنني لا أري ضرورة لكل هذا الحديث عن رجل معذب لاأعرفه، ولا أهتم كثيرا بمعرفة حياته وظروفها إلا باعتبارها قصة مجرد قصة تكمل جانبا من عالمه الأدبي المميز والمشحون بنوع خاص من "الكراهية الخلاقة!!
قد يبدو مصطلح الكراهية الخلاقة مستفزا لكثير من الأخلاقيين الأسوياء أو المدرسيين المحافظين أو سواهم، لكنني أراه استثناء مذهلا يحدد طبيعة العلاقة الغامضة التي ربطتني طويلا بهذا الاسم الذي تحول إلي أيقونة تتجاوز حدود تجربة انسان تشيكي اسمه فرانتس هيرمان كافكا عاني من تجربة اغتراب مركب ليس بينه وبين وطنه التشيكي وثقافته الألمانية وديانته اليهودية وفقط، بل بينه وبين محيطه الاجتماعي وعائلته وذاته أيضا..
كافكا بالنسبة لي لم يكن شخصا.. ربما كان "حالة أو معني، أو كما قلت من قبل لعنة أو "مرآة سحرية، أري فيها ظلالا شائهة للكوابيس التي أشعر بها ولا أراها، وربما كان دلالة رمزية أو شيفرة وجع لم أعرف كيف أصفه فأسميته اصطلاحا كافكا.. كرهته كثيرا، وانجذبت إلي عالمه وكأنني محكوم بأقداره الضاغطة الغبية، كان في أقرب تعريف بالنسبة لي لعنة عصرية.. لاتشبه اللعنات الاغريقية الكلاسيكية بنبلها الأسطوري وقدريتها المحتومة وأبطالها الخوارق.. كنت أشعر في عالمه بضآلة تخنقني، وأشم رائحة روحي وهي تحترق، فبدأت رحلة العناد ضد سوداويته بروح أكثر عبثية هي التي قادتني إلي عالم ألبير كامي لأضع قدمي علي أول الطريق للتحرر من كوابيس كافكا متماهيا مع سيزيف وميرسو.
ربما يلتقي كافكا وكامي في المصير الدامي للبطل في نهاية أعمالهما، فكل أبطالهما تقريبا مقتولون أو منتحرون، لكن الموت عند كافكا كان يشعرني بعجز لا فكاك منه، وكان يلقي بغبار لزج من مزيج الفحم والقار علي نوافذ الشمس وخضرة الحدائق، فيما كان الموت عند كامي يعلمني قيمة الحياة ويحرضني علي التحدي.. لا الانسحاق، وباستثناء رواية اللجنة لصنع الله ابراهيم حاولت أن أقنع نفسي أن معظم الأعمال العربية الممسوسة بشياطين كافكا مجرد أعمال رخيصة استسهلت استيراد الواقع السوداوي لتركيبه جاهزا علي وجدان العرب المهشم في أعقاب نكسة 67.
لم أعش النكسة في الواقع بقدر ما استشعرتها في الإبداعات المتفرقة لجيلي الستينات والسبعينات، وارتبطت عندي هزيمة يونيو بأجواء كافكا، وبدا الواقع كله وكأنه كابوس نحكيه أكثر مما نعيشه بالفعل، ومع موت عبد الحليم حافظ وزيارة السادات للكنيست الاسرائيلي بدأت أتذوق الطعم الواقعي للنكسات، وبدأت أعرف الطريق إلي التمرد كسبيل للاحتجاج علي قوي عاتية أسرفنا كثيرا في الحديث عن بطشها بنا، وبدأت أفتش في الأرض اليباب عن زهرة توحي بالأمل، وكما كان سيزيف رفيقي الدائم في رحلة التمرد السرمدية هبوطا وصعودا، كان ميرسو مرآة لاغترابي حتي وجدت في الذات محطة انطلاق لرؤية العالم كما أريد لا كما هو.
في تلك الفترة من الثمانينات لفتتني تجليات الغيطاني والضجة التي أثارها قبلها بهم البحث عن هوية عربية للرواية، كما لفتتني نماذج الأدب النضالي التي قدمها يوسف القعيد وهاجمها البعض فيما بعد وأسموها بالمنشورات الأدبية والمباشرة، واستغرقتني تفاصيل الحياة اليومية العادية عند ابراهيم اصلان، وكانت هذه الأعمال مدخلي الجديد إلي "حياة حقيقية وأوجاع حقيقية خففت من ترف وهشاشة ماكنت أعيشه من حياة ثقافية وهموم مستعارة من سطور الكتب وتفسيرات النقاد.
أعمال هذا الجيل هي التي غيرت طريقة تفاعلي _ وأخجل أن أقول انبهاري بالأدب العالمي الذي كنا في العادة نستسلم لتقييمات نقاده ونستهلك صرعات المذاهب الأدبية والنقدية التي يروجون لها، كما غيرت طريقة تفاعلي للأدب العربي نفسه حتي مع روايات نجيب محفوظ التي أعدت قراءتها بوعي جديد.
صحيح أن هوجة انكسار الروح وشيوع "الكوابيس المحلية والرغبة المجنونة في الانتهاك والاختراق سيطرت علي روايات الأجيال التالية لكنني كنت قد تخلصت منذ منتصف الثمانينات من حمولة الانبهار بالغريب والمختلف وتحررت من سطوة كافكا وووضعته في زاوية ثقافية ذهنية وكأنني أنفذ وصيته التي أخفق في تنفيذها صديقه الوفي ماكس برود الذي عجز أن يحرق أعمال التشيكي الألماني اليهودي المعذب والذي صنع من عذابه قصصا خالدة أيقنت أن الاستغراق فيها قد ينسينا الفردوس ويجعلنا نقف حائرين مترددين منتظرين علي أبواب الشريعة كما فعل بطله الخائب في رواية "القضية.
خليل صويلح :
متاهة بلا حدود
تكمن أهمية كافكا أولا في تلك الجملة السحرية التي افتتح بها روايته الشهيرة 'المسخ': 'عندما استيقظ غريغوري سامسا في الصباح وجد نفسه وقد تحول إلي حشرة'.
هذه الجملة الصاعقة أصابتنا كجيل خائف ومهزوم بالولع والدهشة، إلي الدرجة التي تجعل المرء ينظر إلي نفسه في المرآة ليتأكد فعلا أنه هو الآخر لم يتحول إلي 'صرصار' كان احساسنا آنذاك مطلع الثمانينات طاغيا بأن انسانيتنا مهدورة تحت وطأة حقبة من العسف الشامل، وأننا حشرات مؤجلة في ظل آدمية تتفتت علي مهل، دون أن يلتفت أحد إلي نصوصنا الغاضبة والخائفة بآن معا، ولعل اغراء كافكا لم يكن سرديا وبلاغيا بقدر ماكان ايديولوجيا، إذ كان يتمثل بادانته لثقافة المؤسسة، تلك التي تسحق موقد المخيلة وفضاء الذات في 'متاهة بلا حدود' متاهة لا تشبه متاهة بورخيس الغارقة في ولع الكتب، إنما متاهة الحياة المعيشية بكل غموضها ورعبها وكابوسيتها. ربما كان الأمر محض أوهام مثقفين شبان يتطلعون إلي مناخ صاف لا تلوثه الغيوم السوداء، لكن المسافة بيننا وبين كافكا لم تكن عائقا، وكان من السهولة اختزالها بالقرب الجمالي، علي الرغم من الاتهامات المتلاحقة ضده كيهودي وأحيانا صهيوني متعصب، خصوصا بعد قراءة قصته 'بنات آوي وعرب' لكنني شخصيا أجد اليوم في بلاغة كافكا وزاوية نظره السردية ضرورة معرفية تركت أثرا غائما علي نصي الذي كان مزيجا من الوله الماركسي والمتعة الجمالية الخالصة لنصوص آخرين.
واليوم حين أخضع معجمي للمحاكمة، لا يمكنني انكار تأثير 'كافكوية' ما، بين السطور، أو حاجتي إلي اكتشاف أهمية 'العزلة المغتصبة' التي اشتغل عليها كافكا، هذه العزلة التي طالما أطاح بها أشخاص دخلاء بأسماء مجهولة، فكلنا نشبه تراجيدية 'جوزيف ك' في 'المحاكمة' الشخص الأعزل الذي يجد نفسه في دائرة اتهام من نوع ما، دون أن يفعل شيئا، فأنت في النظام الشمولي تحس علي الدوام أنك مطلوب ومتهم بذنب تجهله 'هناك مقطع كامل في روايتي 'بريد عاجل' يصف حال الراوي الذي يشعر أن حبلا ما، يقترب من عنقه، وأنه متهم إلي إشعار آخر' أنت بشكل ما إذا تشبه حال 'جوزيف ك' وأن اسمك موجود في ملف ما من تلك الملفات الغامضة ضمن 'ميثيلوجيا مجهولة يسميها ميلان كونديرا 'تقنية الشعور بالذنب'!
مرة أخري وفي استعادة مقصودة لتأثير نص كافكا، أجد منطقة سرية كان لابد من عبورها في مرحلة مبكرة من مراحل تشكل القراءة، ثم محاولة نسيانها، بسبب أنها منطقة مدمرة، تذكر المرء علي الدوام بكوابيسه الواقعية، الكوابيس التي عراها صاحب 'في مستعمرة العقوبات' بعمق، لأننا بشكل ما، ضحايا 'ثقافة المكتب' حيث تتجلي أمثولة كافكا بقرع جرس الانذار للمبدع للانتباه إلي خطورة الانسياق وراء يافطة الموظف الخانع في عالم صارم هو 'عالم الطاعة' والقوانين القمعية لأجنحة الذات في محاولة الطيران خارج السرب، أو ضرورة العزلة بعيدا عن ثقافة القطيع.
أمثولة ثانية أثارها نص كافكا وهي حسب ميلان كونديرا أيضا 'تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق، أي مادة المجتمع البيروقراطي، الي شعر عظيم للرواية' وبهذا المعني فإن نص كافكا سوف يبقي استثنائيا بين موجات الروائيين الآخرين، ولكن ماذا لو أن 'ماكس برود' الذي جمع تراث كافكا ونشره، قد نفذ وصيته بأن تحرق جميع كتاباته بعد موته جميعها دون استثناء، ومن الأفضل أن لا تقرأ، بالتأكيد كنا سنخسر احدي علامات الرواية العالمية، ولما اكتشفنا أهمية أن نستيقظ ذات صباح ونجد أنفسنا وقد تحولنا إلي حشرات!
شعبان يوسف:
مازال يهددني
رغم أن رواية 'الأم' لمكسيم جوركي، ورواية القدم الحديديةلجاك لندن، والرود الهادي لميخائيل شولوخوف، وأشعار بايلو انيرودا، وبول ايلوار، وناظم حكمت، وكيث كارل ماركس، وقضايا لا حصر لها، كانت مقررة علي بعض أبناء جيلي، وكانت هناك روائح شبه ستالينية تقفز من عيون الرفاق، ملوحة بواجبات القراءة والدرس، كالواجبات المدرسية، إلا أنه قد تسربت بعض الكتابات الغارقة! والتي كانت غريبة إلي حد ما عن هذا الجو النضالي التحريض، ودوما كان أي من هذه الكتابا ت يبدو كاكتشاف مضيء وساطع، رغم التوجس الذي كان يرافق المرء عادة في كل منعطف يحيد به عن الفكرة النضالية، ورغم الريبة التي كنت أطردها من داخلي دوما، حتي أنها لا تجد مكانا تأنس إليه في الوجدان، كان اليقين قائما بشكل حقيقي في عالم تحددت فيه المعالم تماما، الأبيض أبيض، والأسود أسود، حتي تعرفت علي 'جوزيف ك' أشهر شخصيات كافكا، والذي قررت فور التعرف عليه، إنه لا يخصني إطلاقا، وليس له أي موقع في عالمي الحديدي، هذا العالم الذي تصفه مواعيد صارمة، وتعده وجوه حادة، وشعارات وبيانات وخطب منبرية حماسية، بالطبع أحببت هذا العالم، وكنت أجد أنه السبيل الأمثل للنفاذ إلي غد أفضل وأجمل، ولصناعة مستقبلنا المنشود، والخالي من أي أخطاء، إذن فكيف يكون للسيد 'جوزيف ك' مكانا أو مكانة أو تقديرا، هذا الكائن المحبط ، والمحبط، والذي وجد نفسه في المكان الخطأ، أمام متاهات لا حدود لها، ولا حصر لها، إنه عالم غامض، أمام شخص لا حول له ولا قوة إطلاقا، سوي التدحرج في مجموعة أخطاء عبثية، وبالتأكيد أن العالم ليس كذلك، هذا ما استقر في وجداني، وصدقته تماما، وصدقوني إنني مازلت أصدق بعضه حتي لا أجن، فأنا لست قادرا عن التخلي عن أحلامي أمام كوابيس كافكا وشخصياته العجيبة جوزيف 'ك' أو 'جريدور ساسا' الذي استيقظ صباحا ليجد نفسه مجرد حرصان حشرة حقيرة، أيضا لا حول لها ولا قوة.
ورغم هذه الحماية الصارمة التي صنعتها لنفسي أحيانا أو التي سيجني بها الرفاق، إلا أنني أفاجأ أحيانا بأنني 'جوزيف ك' ذاته، صدقوني أشعر أن هذه الشخصية تتلبسني عندما أتعرض لمواقف غامضة، خاصة أو عامة، وأظل أبحث عن خطيئتي، وأبحث عن مبررات لهذه المحاكمات الوهمية التي كثيرا ما أتعرض لها، ربما في عملي البيروقراطي، أو مع صديقه دوما تبحث لي عن تهمة لا أجد لها مبررا، وعندما أعثر علي دفوع تنقذني من تلك التهمة، أجد نفسي متهما من جديدة إذ جوزيف ك يطاردني كثيرا، رغم عدم اعترافي به، ومحاولاتي الدائمة لطرده تماما من حياتي ، وربما طرد جمال كافكا من أجله، وكثيرا ما أنجح في ذلك، وأدخل في سعادة تلو سعادته، حتي يظهر لي، أو يتقمصني، ليسدل ستائره الغامضة، ويوزع أشكال عبثيته دون استئذان، حتي أجد نفسي في خصومة مع كل أصدقائي أقصد رفاقي، أتذكر ذلك عندما وجه لي هؤلاء الرفاق 'لوما' لأنني تجرأت وقلت: 'نريد أن نخرج من تلك الأقبية' لأجد نفسي متهما بالتجل، وعدم الفهم، وظللت أدفع عن شخصي هذا الاتهام، ولكن حتما يعجز جوزيف 'ك' في إقناع الآخرين بدفوعه، وكثيرا ما يعطي لهم الحبل الذي يحيط برقبته، ليبحث عن عقوبة ما مناسبة، لاتهامات لم يرتكبها، والمأساة إنه يستسلم للتهمة، ويعطي جلادية المتعددين والمتنوعين والمتنطعين لسوط الذي يجلدونه به، رغم أنهم هم الذين استدعوه لكي يعمل مسَّاحا، أو رفيقا في حالتي، أو صديقا، أوزوجا، ليواجه سيلا من محاكمات عبثية أمام هيئات في حقيقة الأمر ليست لها شرعية ، ولكنها اكتسبت قوتها من ضعف غريمي أو قريني 'جوزيف ك'، وهو الذي أعطي كل هذه الهيئات شرعية العبث في ملفه الخاص، أو اختراعه أو تلفيقه، تماما مثلما حدث معي عندما وجدت نفسي بين ثلة خصوم وأعداء وأصدقاء ورفاق، اختلطت وجوههم، وتشابهت اتهاماتهم لي، هذه الاتهامات التي أصبحت أبحث عنها، وأحددها، وأعمل علي تشخيصها، قبل أن يحددها أي منهم، لكن عبثا ما عرفت تهمتي في ذلك العالم الذي ليس له نظام، كما تدَّعي هواجسي، لابد من البحث عن يقين آخر، بعيدا عن قلق، وجحيم كافكا، هذا الجميل الذي مازال يهدد سكينتي واستقراري وسعادتي!!
صنع الله إبراهيم:
كاتب ممل!
قرأت له 'المحاكمة' في بداية الستينيات عندما كنت في السجن ثم حاولت أن أقرأ له أعمالا أخري غير أنني لم أتمكن من استكمالها بسبب الملل الذي أثارته في نفسي، إنه كاتب ممل.
وحينما كتبت رواية 'اللجنة' وصفوها بأنها كافكاوية وتسير علي خطا كافكا، لقد خلق لنفسه قالبا تكرر في أعمال كثيرة، وأقصد قالب الكابوس بحيث أصبح أي عمل كابوسي ينسب إليه، وهذا ليس صحيحا في أغلب الأحيان.
عموما هو كاتب جيد، استطاع أن يتخلص من قواعد كتابة كلاسيكية كثيرة، وخلق جملة تتميز بالحياد، وعالما خاصا يرجعه البعض إلي رد فعل ضد الرأسمالية الناشئة في عصره، ويرجعه البعض الآخر إلي مفاهيم دينية ارتبطت بيهوديته، وفي رأيي أنه يعبر عن غربته الذاتية التامة التي تفتح مجالا لكثير من التفسيرات.
عبدالغفار مكاوي:
لست كافكاوياي!
بدأت علاقتي بكافكا منذ الدراسة الجامعية، وقد أحببته بشدة رغم أنني بدأت قراءته باللغة الانجليزية.
الاستاذ بدر الديب شفاه الله نظم ندوة أواخر الاربعينات أو اوائل الخمسينات ودعا إليها العديد من المثقفين والكتاب المصريين عن كافكا وكانت هذه الندوة أول شيء يوجهني إليه وقصة 'التحول' أو 'الانمساخ' أول ما قرأته لكافكا، فأثرت فيٌ، وأذهلني أنه أديب يعالج الحلم أو الحدوتة الخيالية غير المعقولة معالجة موضوعية شديدة الدقة، وبأسلوب يكاد يلامس أسلوب عالم فيزيائي يشرح الدرس تفصيليا بالرغم من أن القصة بعيدة جدا عن الواقع، إذ كيف يتحول إنسان الي خنفساء مثلما حدث للبطل؟ أو كيف أن انسانا يحاكم بلا ذنب ومع ذلك تسرد القصة تفصيلات مذهلة للمحاكمة؟! لكن كافكا ينطلق دوما من فكرة لا معقولة أشبه بكابوس أو شيء خرافي، غير منطقي، ثم يعالجها بموضوعية شديدة.
لقد درست كافكا في ألمانيا، وقرأت أعماله كاملة، ودرست بعض الكتب والأبحاث الصادرة عنه، وتعاملت مع كبار المتخصصين في أدبه مثل فيلهلم إمريش وغيره. كما اطلعت علي رسائله كلها، وخاصة 'رسالة إلي الوالد' والتي يمثل فيها الأب كما أعتقد رمزا بلاله، إله اليهود، إله الثواب والعقاب. الغريب إنني مع هذا لم أفكر مطلقا في ترجمته ولست نادما علي هذا أبدا، لأنني أحسست إنه 'أعز' لدي من أن أترجمه. وأن كنت قد أشرت إليه وذكرته في بعض كتبي مثل كتاب 'التعبيرية' وذلك اعتباره أحد رواد الحكي والسرد في القصة الحديثة، تماما مثل جويس بالنسبة للرواية. وهو ينتمي لأولئك الذين يعبرون عن هواجسهم وعما يدور في خلادهم الباطنة بأفكار غير واقعية وغير معقولة.
ولكوني طالب فلسفة في الأصل فقد أعجبني أن إبداع كافكا إبداع فلسفي أو ميتافيزيقي، وأن إبداعه يتعلق بالإنسان الذي تشغله مشكلة الإلهية، مشكلة المصير، فهو إنسان تائه يبحث عن الإله، يبحث عن الملجأ، عن الأب. ولكن علاقته المتوترة بوالده ساهمت في استمراريته. إن كافكا يمثل الحالة الميتافيزيقية للإنسان عموما وربما كذلك التيه الذي عاني منه معظم يهود أوروبا مطلع القرن العشرين.
تجسد قصص كافكا ورواياته الواقع المعاصر له ولكن بطريقة غير مباشرة إلي جانب إنها عكست محاولاته المضنية للبحث عن الإله، عن الأب رمز النعمة الإلهية والخلاص المحروم منهما وهوما يعتبر نهجا وفكرا يهوديا ومسيحيا في الوقت ذاته، فإننا قد استخلصنا ذلك من خلال وصفه للحياة في براغ وتعقد الادارة الحكومية وحالة الركود والعبودية التي يقاسي منها الناس.
والمفارقة أن أسلوب كافكا الموضوعي بكل تفاصيله الشيئية الدقيقة يمنحنا انطباعا بالشاعرية الخصبة، فلم يكن إبداعه نثرا جافا، لأن الموضوعات ذاتها شاعرية، خيالية وليست واقعية. بل إن الجو العام لأعماله خرافي، الأمر الذي تجسده 'مستعمرة العقاب' فنقرأ تفصيلا مميتا للاله وللتعذيب وغير ذلك.
كما أن كافكا ليس قاصا بارعا وإنما أقرب إلي راو أو شاعر قديم يعيش بيننا، في عصرنا.
وعما يقال عن سوداويته وتشاؤمه فإنه بلا شك سوداوي، ولكنه سوداوي فكاهي دعابي ولا يمكن اتهامه بالظلام والتشاؤم المطلق، فإبداعه عبارة عن دعابة إنسان ظلم ويقدم للإعدام لكنه يبتسم! إذ يلقي مصيره مبتسما بإعتباره شهيدا.
كذلك فإن إبداعه كله هامس ليس له صوت عال، فلا يفرض مذهبا معينا، ولا يتبني قضية سياسية معلنة، وإنما يتعامل من منظور فلسفي كما ذكرنا سابقا، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أنه كان قارئا لكتابات أبو الفلسفة الوجودية الفيلسوف الدنماركي 'كيركيجارد'.
وكان لكافكا تأثير كبير علي كتاب القصة الكبار في العالم، فتري تأثيره في أعمال توماس مان وهرمان هيسه، وإن لم يكن له تأثير كبير علي الإشتراكيين مثل بريشت وذلك لأنه يختلف عنهم فلا تحمل أعماله قضايا سياسية أو ثورية أو اجتماعية.
أما في العالم العربي فقد أسيء فهم كافكا بعض الشيء مثلما حدث مع نيتشه وماركس، ومع ذلك فهناك الكثير من الكتاب العرب المتأثرين به وخاصة نجيب محفوظ في قصته 'تحت المظلة' فضلا عن أننا نجد معظم لوحات نجيب محفوظ الدرامية تمتزج بروح 'كافكاوية'، الظلال الخافتة والأشياء التي يصعب أن تحمل معني أحاديا وغير ذلك.
كما تأثر به يوسف إدريس في بعض قصصه المتأخرة، وكذلك تأثرت أنا خاصة في قصتي 'قيصر' و 'يونس في بطن الحوت' الصادرتين ضمن مجموعة 'الست الطاهرة' عام .1967 لايمكن اعتباري كافكاويا خالصا وذلك لأنني أختلف معه في اهتمامي بالقضايا السياسية وقضايا الكفاح والنضال ضد الظلم، وكنت اشتراكيا في شبابي وأحمل فكرا يوتوبيا أما كافكا فهو نبع يتدفق بلا هدف، وهو كاتب يخلو من أي ادعاء وهذا سر عظمته، وهو حالة ميتافيزيقية تفتش في قضايا غيبية يبحث عنها كل إنسان في كل زمان ومكان وهذا سر محبة القاريء له.
وفي النهاية فإنني أتمني أن يتم جمع كافة ما ترجم عن كافكا وخاصة ترجمات الدكتور مصطفي ماهر، وأن يتم مراجعتها وتنقيحها وإصدارها في مجلد كامل، وأن يحرص علي الترجمة من الأصل الألماني مباشرة وليست من لغة وسيطة كالانجليزية والفرنسية حتي لا يفقد الكثيرمن النص.
إننا في حاجة لأن نتعلم من كافكا التواضع والصدق والبساطة وعدم الادعاء الذي أصبح سمة مثقفين عرب كثيرين، كذلك يجب أن نتعلم منه العودة إلي الينابيع القديمة الأصلية ، العودة إلي الأسطورة، والتي اغترف منها كل الأدباء العظام.
كما أإننا في حاجة إلي أن نعرف أن الأديب ليس بالضرورة شخصا مثقفا أو دودة كتب أوملزما بمحاكاة الأدباء العظام. فكافكا وتر لا يرتجف إلا من الداخل ولا يهتز من أي رياح تأتيه من الخارج.
محمد إبراهيم طه:
مثير للأسي..
مثير للدهشة
بعيدا عن كل ما يمكن أن يختلف المرء عليه في حياته القصيرة، يظل كافكا في ظني أحد الرواد الذين برعوا في الكتابة عن الأماكن الضيقة والغريبة: شقة، حجرة، جزء من حجرة، حجر تحت الأرض، أو مستعمرة غريبة، أو أماكن نائية غير واضحة الملامح.
وتتبدي إمكانياته اللامحدودة في وصف أدق التفاصيل، بداية من متابعة فنجان القهوة والأبخرة المتصاعدة منه، والنظر الدائم إلي المنبه ومتابعة عقاربه وإلي أي وقت كانت تشير، ومتي كان عليه أن يدق، إلي الوصف التفصيلي لآلة تنفيذ الأحكام الخرافية، كما يتميز السرد عنده بقدرة غريبة علي الجدل والتفلسف، معتمدا علي رؤية الشيء الواحد بأكثر من مننظار، وأكثر من زاوية عبر افتراضات كثيرة واستنتاجات مرهقة، دون أن تختلط الخيوط في يده كما في رواية 'المحاكمة' و'الجحر' و'الدودة الهائلة'.
كافكا بصورته الأكثر شهرة عندي، والأكثر اعتمادا في المجلات الأدبية. صورة 'أبيض في أسود' غامضة، تند دائما عن ألم ومرارة وعذاب داخلي، وتشي بميله إلي العزلة والاكتئاب، وعزوفه عن تصوير البشر والشخصيات من الخارج كما يليق بكاتب قصة محترف، تمثل القصة الطويلة والروايات القصيرة ملعبه الأساسي، وتسيطر العزلة والاغتراب والوحدة علي كل أعماله، ولن يكون الأمر غريبا بعدذلك إن قلت شخصياته بشكل لافت، أو لم يسمها سوي بالحرف الأول، أو استغني عنها فكتب القصة علي لسان كلب أو فأر أو حشرة، مستعيضا عن وصف 'الخارجي الفقير' بالانهماك في وصف 'الداخلي الثري والعجيب'.
وكثيرا ما يصل القلق والشك عنده إلي عدم الثقة في الطريق الذي سلكه إلي المحطة، حين يكتشف أنه لم يكن قد تعرف علي المدينة بعد بشكل جيد، وحين يسأل الشرطي إن كان يعرف الطريق الصحيح، يبتسم الشرطي ويقول: دعك من هذا الأمر. وسرعان ما يتطور القلق والشك إلي سوداوية تدفع بالإنسان إلي مصيره المأساوي، حيث يكتشفه بنفسه كفأر يتحرك بحرية بين حجرات المنزل الواسعة. إلي أن يجد نفسه في حجرة ضيقة، لم يكن يدري أنها الأخيرة، حيث لا طريق أمامه من ثم سوي الدخول في المصيدة، أو يغير اتجاهه ليتلقفه القط.
يبدو لي الاتساق واضحا علي نحو لا يدع مجالا للشك بين عالم كافكا الخاص بحيرته وتناقضاته وتردده وعذاباته وفقدانه للثقة بالآخرين من جانب، وبين عوالم وشخصيات قصصه ورواياته ورسائله من جانب آخر. يتجلي هذا الاتساق في التطابق . الغريب بين العالمين، بحيث يمكنك أن تأخذ من هنا وتضع هناك أو العكس بكل سهولة ودون أدني إحساس بالتجني،ليصل الاتساق إلي ذروته في الوصية التي أوصي به صديقه 'ماكس برود' في مرضه الأخير بأن يحرق كل أعماله ولا ينشرها. وسواء أكانت هذه الوصية الغريبة ناجمة عن اضطراب نفسي دفعه إلي ذلك، أم أنها كانت لمجرد شعوره بعدم الرضا عما يكتبه، وأنه كان يطمح لمستوي آخر من الكتابة، فإن هذه الوصية كانت حقيقة وليست مناورة، وتؤكد هذا الاتساق بين حياته الخاصة وأعماله الإبداعية. وأيا كانت أهدافهما الحقيقية من وراء عدم متنفيذ الوصية، فقد أحسنا صنعا صديقه وعشيقته بنشر أعماله التي لم تكتمل، ورسائله التي أثبت الزمن أنها أعمال خالدة، ربما لأنها نتجت عن نفس معذبة وروح قلقة وحائرة، فكانت علي هذه البراعة في سير هذا الداخل العجيب المليء بالأمراض والعقد والهواجس والاستنتاجات والفروض والاحتمالات، في أعمال لا تضيئها علي قلة شخصياتها علاقة سوية واحدة، أو شعور إنساني دافيء، بقدر ما تحتشد بالعلاقات المتوجسة والمريبة، وغير الصريحة، تلك التي تقلب الامور علي جميع وجوهها خاصة السيئة منها.
لا يكتفي كافكا في موضوعاته الغريبة بكشف زيف العلاقات السائدة بين أفراد المجتمع بكامل هيئاته وطوائفه، والكشف عن ذلك الخلل الفادح في العلاقة بين الفرد والدولة بمؤسساتها المختلفة، بل يتمادي فيضع علاقات إنسانية هامة وراسخة في اختبار عسير في روايته 'المسخ' حين تفقد الأسرة 'الأب والأم والأخت' تعاطفها مع الراوي الذي تحول إلي حشرة، لأنها لا تتحمل المتاعب التي يسببها لهم عن غير قصد، وتفقد مشاعر الأبوة والأمومة والأخوة مصداقيتها أمام اختبار كهذا حين يتنفس الجميع الصعداء لموته. يضرب كافكا بمعوله في علاقات فطرية راسخة منذ بدء الخليقة معتبرا أنها علاقات نفعية، تستمر متي استمرت المنفعة، وتتوقف متي توقفت المنفعة، إذ تصير العلاقة حينئذ عبئا علي الطرف الآخر.
وإن كان كافكا في قصص مثل 'الجحر' وبنات آوي وعرب'، و'مذكرات كلب' قد غلبت عليه فكرة كونه يهوديا، حيث بدت واضحة ومسيطرة فكرة البحث عن وطن وكيفية بنائه وقد عبر عن ذلك بفنية عالية مبتعدا عن المباشرة، فلأنه كاتب أكبر من أن يصير بوقا لبني جلدته، وأنه لم يفعل بالطبع 'ولا يمكن أن نتوقع غير ذلك' سوي التعاطف مع أبناء جلدته، ولو من باب الاتساق مع النفس أولا، ومع جماعة ينتمي إليها، يدين بدينها ويحمل خصالها ويعيش في مشاكلها، وهو في رأيي ما لا ينتقص من قيمته ولا كونه أديبا عالميا بارزا.
محمد المخزنجي:
جيتو نفسي
عندما يطرح علي الآن أن اتحدث عن كافكا، أجد ذاكرتي تستدعي حديثا لنيقوس كازانتزاكس مع فتاة يهودية التقاها في فلسطين في أواخر الاربعينيات، وكانت مؤيدة لقيام اسرائيل ومتعصبة للصهيونية وكان تعليق الكاتب اليوناني العظيم هو الأسف من زاوية أن اليهود كانوا دائما يلعبون دور المحرض في الفكر العالمي، من واقع ملابسات حياتهم التاريخية والاجتماعية والدينية بالطبع وانهم اذا استقروا ولم يكن كازانتزاكس يتصور الثمن الدموي والفادح الذي كان علي الفلسطينيين أن يدفعوه لقاء هذا الاستقرار للحلم الصهيوني فإنهم سيكفون عن لعب هذا الدور في الفكر الانساني، وهذا متحقق الآن، إذ لم تنجب الدولة الصهيونية مفكرا محرضا واحدا بوزن فرويد أو ماركس، كما لو يخرج منها كاتب بوزن استاندا أو كافكا أو فنان بمرتبة شاجال، فهؤلاء جميعا مثلوا مشاريع تحريض فكرية من واقع الجيتو النفسي والاجتماعي والتاريخي الذي عاشوه وكانوا متمردين عليه في الوقت ذاته، كانوا ناقدين لذواتهم، ومن ثم كانوا مشاريع نقدية محرضة للفكر العالمي، وكافكا هو نموذج لهذا التحريض، فالاجواء الكابوسية والفانتازيا السوداء التي عرض لها واعترض عليها في روايات المحاكمة والمسخ ومستعمرة العقاب، مثلا حرضت كتابا مثل ماركيز لابداع نوع مختلف من الفانتازيا والحلم .
كافكا كان معترضا علي المشروع الصهيوني لانشاء اسرائيل كما يتجلي في نص واضح الدلالات مثل بنات آوي والعرب، في نصوصه المسماه سور الصين، كان أحد كائنات الجيتو والمعترضين علي دفاعاته في الوقت نفسه. كان يدافع عن السوية بفضح الجانح والقهري من الاجواء المسلطة علي البشر، انه تحريض علي كتابة مختلفة حتي عن كتابته، هكذا أفهم كافكا، وأحب من تراثه بوجه خاص تلك النصوص الموجزة وغير المكتملة وأعود إلي قراءتها كمحفزات إبداعية أحيانا.
محمد سليمان:
سيد المقلقين
1
كنت طالبا بكلية الصيدلة جامعة القاهرة عندما سمعت اسم كافكا لأول مرة في أواخر الستينيات . كانت جماعة الكتاب والمثقفين تتألف من حوالي عشرة من الطلاب يجتمعون أسبوعيا لقراءة القصائد والقصص واللوحات وللحديث أيضا عن آخر الاصدارات. كنا نختار أحيانا قصيدة لشاعر انجليزي ثم يقوم كل عضو بترجمتها لنري ونناقش الفروق بين الترجمات كما كانت أحيانا أكبت تعليقا شعريا علي بعض لوحات زميلنا ناجي الرسام كما كنا نطلق علي أنفسنا أسماء كبار الكتاب وأحيانا أسماء أبطال الروايات زوربا العقاد جوركي طه حسين شوقي تشيكوف ايليا أبوماضي الحكيم وكان زميلي محمد طاهر أقربهم وأحبهم إلي معروفا باسم جوزيف . ك
كان خجولا منطويا لامباليا ولا منتميا ومحبطا يعلن دائما أنه لا يصلح لشيء هذا الصديق محمد طاهر أو جوزيف ك كان شاعرا موهوبا وكان أول من قادني إلي يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس والماغوط وسعيد تقي الدين وفيروز وصباح فخري وآخرين كما سجلت في شهادة لي عن مرحلة التكوين نشرت في كتاب صدر عن المجلس الأعلي للثقافة قبل عامين.
2
جوزيف ك كان مدخلا الي المحاكمة رواية كافكا الشامخة التي قرأتها أيضا مترجمة علي ما أذكر باسم القضية ثم الي رائعته الأخري القلعة التي ترجمت أيضا بعنوان القصر ثم إلي رواياته وقصصه الأخري.
كان الأثر المباشر لقراءة كافكا في ذلك الزمن البعيد هو الصلع والرعب ثم الغوص في لجج التأمل وإعادة النظر في القناعات والمسلمات.
كافكا ظل في معظم أعماله مشغولا بالوجود الإنساني في حده الأقصي أي علي حافة العدم لذلك اعتبرته كاتبا وجوديا طليعيا وبمثابة الأخ الأكبر لسارتر وكامو.
'الآخرون هم الجحيم' يقول الوجوديون وكافكا يكتب في مذكراته 'اجعل من كل شخصي عدوا ولا تتحدث لأي مخلوق' وهو أيضا كان يسعي لصياغة فلسفة يسترشد بها وكان يعتبر الأدب قسما من الفلسفة الخلاقة وأعلن أنه يكتب ليحصل علي أجوبة تلائم المشاكل التي تواجهه.
3
تبدأ رواية المحاكمة بلا تمهيد أو مقدمات الجملة الافتتاحية تضعنا مباشرة في بؤرة الأحداث وإزاء وجود مشوه وناقص ومتهم لابد أن شخصا ما كان يروي الأكاذيب عن جوزيف ك لأنه دون أن يرتكب خطأ ألقي القبض عليه ذات صباح جميل'.
افتتاحية كافكاوية تبطن أكثر مما تظهر وتفتح بوابة التأويل والتفسير والأسئلة عن التهمة التي لن نعرفها أبدا والمحاكمة الغامضة والميتافيزيقية والتي تدور غالبا داخل الذات رغم الواقعية المدعومة بالتفاصيل والأحداث بهذه العبارة الافتتاحية يبدأ جوزيف ك سعيه الهائل لاثبات براءته واستحقاقه من ثم للوجود الحقيقي الكامل والفعال مستعينا بالأقارب والمحامين والوسطاء وذوي النفوذ والدجالين وكل قادر علي المساعدة.
وفي رحلة البحث يعرف جوزيف ك أن هناك العديد من أشكال البراءة.
البراءة المطلقة لم يحصل عليها أحد من قبل والبراءات الأخري تتيح فقط للحاصلين عليها حق وقف تنفيذ الحكم أو تأجيله.
لا وجود إذا لذاتي بريئة ولا لوجودي قادري علي الاكتمال.
وبدلا من حصول المصرفي البسيط علي أحد أوجه البراءة يصدر الحكم بإعدامه بطعنة في القلب ليموت مثل كلب علي حد قوله.
جوزيف ك بطل المحاكمة وسعيه العبثي خلف هدف بعيد المنال هو أحد أشهر أبطال الرواية العالمية وأكثرها تميزا.
*****في رواية القلعة نصادف نفس البطل ك مساح الأراضي كما يزعم وهو يهبط قرية مقفرة تقع علي سفح جبل تتمدد علي قمته القلعة بعيدا عن الأعالي.
دلالات السفح القمة القلعة والقرية لا نهاية لها وكذلك السعي العبثي لبطل الرواية وتوقه الي اعتراف القلعة به ومنحه دورا لاثبات فاعلية وجوده ومنحه أيضا إذنا بالدخول والاندماج.
4
بعد كتاب روسيا الكبار خاصة ديستوفسكي جاء كافكا سيدا للمقلقين مزلزلا ومدمرا للعديد من الأوهام والقناعات أعماله أدت إلي ما يشبه الانقلاب واعادة الترتيب لقد أطاحت باليقين والطمأنينة ورسخت الخوف والقلق والشك جوزيف ك صار رمزا لسعينا العبقي وراء المستحيل ولوجودنا المهدد تماما كحيوان كافكا المرعوب والوحيد في قصة الجحر الذي رغم سعيه الدائم لإبعاد العدو ورغم الأبواب والتحصينات والمتاريس ووسائل التضليل ظل يسمع العدو في الخارج وظل يعرف أن الأمان وهم وأنه يعيش علي حافة القدم وأن العدو أو الموت في النهاية سيجتاح جحرة ويحطم وجوده.
5
قبل ثمانين سنة مات كافكا شابا في الأربعين من عمره وشبه مغمور لكن أعماله غزت العالم بعد نشرها فأثرت ودفعت بعلم النفس إلي ساحة النقد وصارت الكفكاوية والحس الكفكاوي علامات دالة ومتداولة وصار كافكا أحد أباء الرواية الكبار يطل علينا من أعماله ومن أعمال غيره من المبدعين ككاتب مؤسس وشامخ.
مصطفي ذكري :
بلادة وخمول
يعتمد كافكا المفاجأة أكثر من التطور، وبما أن المفاجأة ضعيفة دراميا، فإن الكاتب يكون أمام موهبته بشكل حاد، إذ ليس هناك قاعدة غير الانتقاء والتراكم والحجر الدرامي. ليس هناك تاريخ في عالم كافكا، فالتاريخ يخضع للتطور. المفاجأة تستدعي الغرابة والبوليسية. كثيرة هي المواقف التي يتعرض لها تحت مظلة التحول المدهش، وقوة التحول هذه تجعل النتائج أهم من الأسباب، أو تجعل ثقل الدراما كله بعد المشهد العظيم، علي اعتبار أن المشهد العظيم وقع قبل الكتابة، وهو في النهاية تحصيل حاصل، لأنه خاضع للسبب والتطور والتاريخ، أي خاضع للفهم، ولهذا هو خارج اهتمام كافكا. الشيء المفارق ان الراوي عند كافكا هو الراوي العليم بكل شيء، وهذه السمة قد تؤخذ أحيانا علي الأدب الكلاسيكي، وكافكا هو الراوي العليم بكل شيء، وهذه السمة قد تؤخذ أحيانا علي الأدب الكلاسيكي، مناسبة لكافكا لأنها تضع بطله والقاريء علي حد سواء تحت رحمة المفاجأة. في أدب كافكا ليس هناك جسور بين مشاهد قوية، وكانت القدرات الفنية تجيز ومازالت للكاتب أن ينتقل من مشهد قوي إلي آخر مثله عبر مشهد ضعيف. لاشيء من هذا الانتقال عند كافكا. الأمر أشبه بلوحة لاتستطيع فيها فصل الخلفية عن المقدمة، أو بكلمات درامية، تتمتع شخصيات كافكا الثانوية بتأثير قوي رغم أنها في أحيان كثيرة لاتظهر إلا في مشهد واحد. المتلصصون العجائز في المحاكمة. ليني خادمة المحامي الكبير. عمك الآتي من الريف للاهتمام العابث بقضية ابن اخيه. ان التأثير القوي لتلك الشخصيات يبرر ظهورها الخاطف الحلمي، وهنا تبدو عظمة كافكا، فرغم تأثير تلك الشخصيات ووقعها القوي إلا أن كافكا لايستغلها الاستغلال الحرفي المتوقع من قبل القاريء. يترك كافكا دائما من يقرأه دون شبع. كما تستدعي المفاجأة الغرابة والبوليسية والتحول، تستدعي أيضا الخوف، وهنا يكمن أكثر حلول كافكا ثورية وراديكالية علي سلفيه العظيمين دوستويفسكي وإدجار بو، هنا الخوف مرحل قليلا إلي البلادة والخمول، فلا ميلودرامية دوستويفسكي، ولاشاعرية إدجار بو. كان كافكا ينفر من الكتابات الجمالية. أتصور ماذا لو قرأ داريل وميلر وإدوار الخراط.
منتصر القفاش:
خطأ إداري
يصعب تحديد إن كانت شخصيات كافكا مؤمنة بما تفعله أو رافضة له، تريد ما تحلم به أو توهم نفسها بهذا فقط، هل الحياة التي تعيشها قدر مفروض عليها أم تتواطأ مع الجميع علي النظرإلي الحياة كقدر لافكاك منه. ولا يقتصر هذا علي قصص وروايات كافكا بل يمتد إلي يومياته ورسائله، فبعد العديد من الرسائل إلي ميلينا يكتب أنه يكره كتابة الرسائل معللا كرهه بشعوره أنها محادثة مع أشباح 'ليس فقط مع شبح المستلم للرسالة بل أيضا مع شبح المرء نفسه ذلك الذي ينمو بين سطور الرسالة التي يكتبه. كتابة الرسائل تعني أن يجرد المرء نفسه أمام أشباح' ولا يثق مع ظهور وسائل اتصال جديدة في تبدد تلك الأشباح بل ستتزايد ورغم ذلك يستمر في الكتابة وكأنها الملجأ الأخير له. 'ك' يستمر في البقاء في القرية رغم علمه أن وجوده فيه خطا إداري ولا يقلق من هذا بل يواصل الحياة فيها ويستغرق في تفاصيلها.
وكلما وجدنا فقرة تحدد شعورا أو موقفا له فإننا سرعان ما نجد ما ينقضها وفي كلتا الحالتين يستمر صوت الراوي الذي يكتب حياة دون أن يثقلها بالمسميات مفضلا أن يتقصي احتمالاتها، لا يثبت الراوي حضور شيء إنما يتابع حضوره كيفما يكون، لذلك لا نجد سردا غرائبيا بل نجد مشاهد تبدو ظاهريا غريبة يتم سردها كأنها شيء بديهي أو متوقع: وصف المحكمة في رواية المحاكمة، وملازمة المساعدين ل 'ك' حتي في نومه 'رواية القلعة'. وهذه السمة هي ما تشدني لأعمال كافكا، القدرة علي أن تحكي غير المألوف دون أن تحتاج إلي تبريره وتقديم الأسباب التي أدت إليه ودون أن تحتاج إلي تأكيدات مستمرة إلي أنه مفارق لما اعتدنا عليه، وكافكا من الكتاب الذين وصلوا بهذه السمة إلي أقصي مدي ممكن، ولا يترك شخصياته تنعم بما تراكمه من خبرات علي مدار التجربة بل يدفعها أكثر إلي ملاقاة ما لا تتوقعه ولا تقدر علي السيطرة عليه.
إن الرحل هم المعمرون،إنهم رحل لأنهم يرفضون أن يرحلوا بعيدا'. إن هذه العبارة تصدق علي كافكا الذي لا يراهن إبداعه علي التنقل في أماكن كثيرة والخوض في أحداث متكاثرة بل يقيم في طيات حدث يبدو محدودا لا أفق له لكننا نجده عالما لا ينتهي لكثرة احتمالاته التي لا تنشغل بالتمييز بين غريب وعادي.
نصار عبدالله :
فزع
تعرفت علي أعمال كافكا منذ أكثر من أربعين عاما، وعندما قرأته لأول مرة وكنت إذ ذاك طالبا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية انتابني إحساس غريب بأنه قد عاش في مصر وليس في تشيكوسلوفاكيا!! كنت في ذلك الوقت ولعلي لا ازال تنتابني بين الحين والحين نوبات من الإحساس المرير بفداحة الوجود بالنسبة لكائن لم يشارك في صنع وجوده ولم يشارك في صياغة حاضره، ولا يعرف عن مستقبله الفردي شيئا يقينيا سوي الموت، وفي واحدة من قصائدي النثرية 'وهي قليلة جدا' كتبت أقول: ليسوا وحدهم في عداد المهزومين،
أولئك الذين سقطوا ولم يستطيعوا النهوض
نحن الصامدون حتي الآن..:
خاسرون بالنقاط!
ويوما .. ما.. سوف تحل بنا الضربة القاضية!!
عندما قرأت كافكا لأول مرة وبوجه خاص: 'المحاكمة'، و'القلعة' و'مستوطنة العقاب' أحسست بأن كوابيسه تتقاطع مع كوابيسي الشخصية ومع كوابيس وطن بأكمله!! لقد كنت، وأظنني لاأزال، ينتابني إحساس بأن حياة الإنسان سواء علي المستوي اليومي الفردي أو علي المستوي السياسي أو علي المستوي الوجودي ما هي إلا مواجهة متصلة لسلسلة من الاتهامات التي يوجهها إليه من لا نعرف علي وجه التحديد من أعطاهم الحق في الاتهام، وأفدح من هذا أن أي اتهام لا يمكن أن يفضي إلي تبرئة قط بل إنه يفضي إلي اتهام جديد أو إلي محاكمة لا تعرف فيها من يحاكمك علي وجه التحديد، ولا من أعطاه الحق في المحاكمة، والمصير المؤكد في النهاية هو الموت لأن التهمة الحقيقية هي مجرد الوجود 'وهي تهمة لا سبيل إلي دفعها بحال من الأحوال'... لم يكن غريبا والحال كذلك أن يدور عدد كبير جدا من قصائدي حول المحاكمات والاعترافات والادانات التي لا أقول عنها انها ظالمة 'فهذا أمر مفروغ منه' ولكني أقول عنها إنها عبثية وثقيلة ومفزعة 'راجع علي سبيل المثال قصيدة: 'صفحات من الاحداث المؤلمة التي ألمت بالشاعر ن . ع ' من ديوان: قلبي طفل ضال.
ياسر عبداللطيف:
حاكم العالم
كيف يمكن لنا أن نكتب عن كافكا؟
هل نتحدث عن الاستثناء؟ عن الصوت الفريد، عن لغة جديدة، عن عوالم كابوسية رآها أو اخترعها.. لن يضيف ذلك شيئا.. هل نتحدث عن آخر أنبياء بني إسرائيل.. عن بدوي يعيش في قلب أوروبا.. عن غربته المزدوجة أو المتعددة.. سيبقي بعد ذلك الكثير من كافكا مما لم يتطرق إليه.
لم يكن كافكا واحدا من المجددين في تاريخ السرد القصصي جنبا إلي جنب مع عمالقة عصره جويس وهيسه وجيد.. لكن كافكا اخترع نوعا أدبيا جديدا سيظل فريدا وخاصا به ولا يدل إلا عليه.. ولا أعرف علي قدر علمي كاتبا استطاع أن يجعل لعالمه الخيالي تلك القوة الواقعية سوي كافكا.. بل صار لمنطق جريان الوقائع في عالمه صفة خرجت من نطاق الأدب لتصف العالم إذ يخضع لمنطق مبهم يفوق في رعبه وعبثيته الكابوس.. خرجت كعكة المادلين من زمن بروست المفقود إلي الثقافة الفرنسية لتشير إلي كل ما يثير الذكريات القديمة، وخرج السيد أحمد عبدالجواد من بين القصرين إلي ثقافتنا الشعبية ليدل علي الرجل المتسلط في بيته الجبار علي زوجته.. ومن عالم كافكا خرج المنطق القدري الذي اخترعه إلي الثقافة العالمية ليحكم العالم إذ يصيبه الجنون.. صرنا نقول ذلك عالم كافكاوي..
كافكا وإن كان قاصا وروائيا إلا إنه ينتمي إلي قبيلة من الكتاب قد تضم بينها يوحنا اللاهوتي صاحب سفر الرؤيا.. وهو ليس بالضرورة كاتبي المفضل..
يوسف أبو رية :
الحلم حين يصير كلمة
قالت عنه صديقته ميلينا يزينسكا انه لا يستطيع مطلقا أن يكذب. تماما كما أنه لا يستطيع أن يسكر...'
كما قالت أيضا 'انه لا يتخذ الزهد وسيلة الي هدف، بل هو انسان اضطرته شفافيته ونقاوته وعجزه عن قبول الحلول الوسط إلي الزهد.. إنه علي ما أعرف لا يرفض الحياة بل يرفض هذا النوع من الحياة'.
نحن أمام قديس آخر، يمزج الأخلاق بالفن تماما كصديقنا تشيكوف، ويتشابه الرجل أيضا في نوع المرض، وفي قضاء الأيام الأخيرة من حياته في مصحة علاجية، وفي الرحيل المبكر حيث قضي كافكا وهو في الواحد والأربعين من عمره.
ولكنهما أيضا يختلفان فلكل أسلوبه، ورؤيته للعالم. كافكا قاطرة من قاطرات الأدب الحديث، اعترف، رغم أني مازلت أسأل نفسي: هل أحببته حقا؟ فارق كبير بين أن تحب كاتبا و أن تكون مقرا بأهميته . أحببت فيه سمات الفنان القلق الذي لا يمزج الحياة بالفن، والذي يعيش الفن كعذاب ممتع.
إنه خليط من فان جوخ، وجوجان، ورامبو، وبروست وكلهم رحلوا في سن مبكرة، وكلهم توحدوا في فنهم الشقي، ولكل اكتشاف عظيم ينسب اليه.
انهم الرجال قصار العمر.
اعترف أن كافكا أول من أحال الأحلام الي كلمات انه ابن بار لابداع العظيم دستوفسكي، غرف من بحره العميق كما كان التجلي الابداعي للاكتشافات الفرويدية في مجال علم النفس وخاصة ما يتعلق باللاوعي، والعقل الباطن، والدفعة الحر الذي يعبر بعفوية عن الذات ولكافكا تجربة عبر عنها في روايته 'القصر' التي بدأها بالأنا، وفي الكتابة الثانية جعل للأنا حرف الكاف 'ك' كرمز لها، يعاون في الانطلاق وإلي أفق أكثر اتساعا، وإن كان قد ترك لنا الرواية مجموعة متناثرة من الاوراق، دون تنظيم ، أرهقت أصدقاءه في تجميعها لاخراجها بالشكل الذي نطالعه الآن.
وكافكا لم ير من أعماله الابداعية غير مجموعة قصصية وحيدة، أما رواياته التي صنعت اسمه وقلبت موازين الفن الروائي في أوروبا أولا ثم في أقطار الارض بعد ذلك لم تصدر واحدة منها أثناء حياته بل جمعها أصدقاؤه وصدرت بعد وفاته.
كان طه حسين أول من عرف بكافكا عربيا، وذلك من خلال مجلته الهامة 'الكاتب المصري' فقد سمح لتلميذه العائد من لندن للتو بالتعريف بالتيارات الفنية الحديثة، فكتب لويس عوض مقالا عن كافكا في أواخر الاربعينيات من القرن الماضي، فكان فتحا عظيما، قلب الاوضاع الادبية في الحياة الادبية المصرية التي كان محورها الادبي يدور حول الرواية الفرنسية والانجليزية ثم الروسية في الحقبة القيصرية.
وبرز تأثير الرواية الكافكاوية والروايات الحديثة عامة مع جيل الخمسينيات الادبي خاصة لدي الشاروني في مجموعته الاولي 'العشاق الخمسة' ثم توالي التأثير حتي تأكد في كتابة الكثيرين من أبناء الحقبة الستينية. اذكر قصة 'مشوار' للبساطي ورواية 'اللجنة' لصنع الله 'ومعطف للمطر' ليحيي الطاهر.
ولم يكن كافكا وحده هوالمؤثر الرئيسي في تلك الحقبة، فالعين الخبيرة تستطيع التقاط تأثيرات جونيسية وأخري هيمنجوية. وهذا قدرنا كثقافة تابعة، تدور في فلك مركز ثقافي نعيش حيرة الانتقال والتوزع، في محاولة مجهدة للتأصيل المستحيل هل جنيت علي أحد؟
لا أظن
إننا نتمثل ثقافة الآخر علي مسافة زمنية قد تصل الي القرن أو نصف القرن، هل أدين توفيق الحكيم الذي عاش باريس العشرينات، ولكنه حين عاد لم يحدثنا سوي عن راسين أو موليير.
ومن هنا ينطلق السؤال: هل الحالة الكافكاوية لم تزل مطلبا فنيا في حياتنا؟
وأؤكد رغم أنني لم أحبه كثيرا، انما أجد أن تيمته الفنية هي الأنسب لواقعنا العربي الآن، اعني تحويل الأحلام بل الكوابيس إلي كلمات لعلها حينما تصير ذات وجود موضوعي تتطهر الذات بها وتكون قادرة علي رؤية المستقبل بشفافية.الشهادات حسب الترتيب الأبجدي
|
|
|
|