|
|
| السنة - | 628 | ه - العدد | 1426 | جمادي الآخرة | من | 18 | - م | 2005 | يوليو | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:20:24 ص |
 |
الساعة - |
 |
22/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
هكذا تحدث إيهاب الشريف!!
جمال رشدي
 | | د. إيهاب الشريف |
|
هذا المقال المتخيل اهداء الي روح شهيد مصر السفير إيهاب الشريف، الذي منح الدبلوماسية المصرية باستشهاده النبيل شرفا ما بعده شرف، وفخارا لا يدانيه فخار.
وجد نفسه في حجرة مظلمة، حاول أن يتحسس المكان ليجد أن عينيه معصوبتان برباط لم يستطع حله. أحس بآلام رهيبة في رأسه. كل ما يتذكره الآن أنه خرج لشراء الجرائد، ثم ما لبث أن اقتربت منه سيارتان خرج منهما مسلحون ملثمون أحاطوا به وجذبوه إلي داخل إحدي السيارتين. حاول المقاومة، والغالب أن هذا الألم الذي يشعر به الآن يعود إلي ضربة تلقاها علي مؤخرة رأسه.
تحسس مكان 'الموبايل' في جيبه ولكنه لم يجده. كان يريد الاتصال بابنته 'إنجي'. دارت في ذهنه أسئلة كثيرة: هل مر عليه وقت طويل وهو علي هذه الحال؟ هل هو مخطوف؟ ومن يكون خاطفوه؟ قرر أن يرفع صوته وأن يحدث ضوضاء في المكان ليشعر أحدا بوجوده. قال بلغة عربية فصحي: 'أنا السفير إيهاب الشريف، رئيس البعثة الدبلوماسية المصرية. أريد أن أعرف لماذا أنا هنا. هل يسمعني أحد؟' لا مجيب.
استمر الصمت لساعات غرق خلالها في أفكاره: أنا إذن مخطوف، وهناك احتمال بأن يكون الخاطفون من جماعة الزرقاوي، وبالتالي فإن حياتي في خطر. لم يرد أن يترك العنان للأفكار المتشائمة. تذكر دراساته عن الإسلام السياسي، وأطروحته في ذات الموضوع التي نال عنها درجة الدكتوراه من السوربون والتي اختيرت كأفضل أطروحة دكتوراه في فرنسا في ذلك العام. دعا ربه ألا يكون خاطفوه من الفرع التكفيري الجهادي، فهؤلاء كما درس وعرف هم النبت الشيطاني لأخطاء وخطايا تراكمت في التربة العربية لعقود وعقود. لا يجدي معهم كلام، ولا ينفع جدال أو منطق. قلوبهم قدت من فولاذ، لا مكان فيها لرحمة أو شفقة أو تعاطف. لا فرق عندهم بين الإنسان والشاة. كلاهما يمكن أن يساق للذبح في ثانية واحدة.
وجد نفسه يضحك فجأة بصورة تناقض موقفه البائس عندما تذكر واقعة قرأ عنها في التراث العربي، حينما قطع الطريق علي 'واصل بن عطاء' ( وكان من زعماء المعتزلة) وجماعته، بعض من الخوارج الذين كانوا يكفرون جميع الفرق فيما عداهم. وطلب ابن عطاء إلي جماعته أن يتركوا له مهمة الحديث مع الخوارج. وعندما سألوه عن هويته ما كان منه إلا أن أجاب بأغرب إجابة ممكنة: 'أنا كافر مستجير بكم'، وذلك في إشارة إلي قوله تعالي 'وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتي يبلغ مأمنه'. وبالفعل انطلي هذا المنطق الغريب علي الخوارج، فاستضافوا ابن عطاء أياما قبل أن يبلغوه مأمنه(!) . لقد أوصلهم التفكير الأحادي إلي أن يكون الكافر أقرب إليهم من المسلم من أبناء الفرق الأخري. أي عقلية تلك التي تصل بالإنسان إلي مثل ذلك التفكير المعوج؟!. علت وجهه ابتسامة باهتة، وقال في نفسه: 'أرجو ألا أكون في ضيافة الخوارج الجدد'.
مر عليه وقت طويل لم يستطع تقديره بالضبط لأنهم جردوه من ساعته، قبل أن يسمع صوتا من الخارج يقول: 'استعد أيها المرتد سوف تحاكم أمام محكمة شرعية خلال ساعات'. فهم أنهم ينوون قتله، وأن المحاكمة ما هي إلا طقس صوري يسبق عملية الذبح القروسطية، التي طالما تابع وقائعها المروعة علي شبكة الانترنت. وجد نفسه رغما عنه يتصبب عرقا. انتبه لحالة الخوف التي أوشكت أن تتملكه، فحاول أن يعيد ترتيب أفكاره: إن انعقدت محاكمة بأية صورة، فسوف يدافع عن نفسه، فكر للحظات أنه ربما يكون من الأسلم مع هؤلاء أن يصمت أو يوافقهم الرأي أو يعتذر عما يلحقونه به من اتهامات. عدل عن هذا الرأي بسرعة، وذهبت أفكاره في اتجاه مغاير: لست مخطوفا بصفتي ايهاب الشريف، وانما بصفتي سفيرا لبلادي. الاعتذار عما لا أراه خطأ، والاعتراف بجرائم لم أرتكبها ليس إهانة لي فحسب، وإنما إهانة لمصر، إهانة لكل مصري. هؤلاء يمقتون أسلوب حياتنا ويحتقروننا ويعدوننا جميعا كافرين مارقين، وأغلب الظن أنهم يريدون إجباري تحت تهديد السلاح علي توجيه الإهانة لبلادي، ليس فقط لسياستها وإنما لعقيدتها ولأسلوب حياتها. لا يجب أن يصلوا إلي غايتهم مهما كلفني الثمن.
بعد ساعات وجد نفسه مقيدا إلي كرسي وعيناه معصوبتان، وأمامه عدد من الأشخاص وسمع بعدها صوتا يسأل: اسمك وعملك؟
ايهاب صلاح الدين الشريف، رئيس البعثة الدبلوماسية المصرية بالعراق.
ما قولك في أنك عملت سفيرا لبلادك لدي اليهود أحقاد القردة والخنازير؟
هذا صحيح، وإن كان غير دقيق. عملت قائما بالأعمال في تل أبيب بعد استدعاء السفير المصري في أعقاب الانتفاضة الثانية. وأحب أن أقول إنني كنت هناك لخدمة القضية الفلسطينية، فإن كانت تهمة فهي تهمة لا أدفعها.. ثم إن..
اصمت يا مرتد..
ولماذا أصمت؟ أليست تلك محاكمة؟ ألا يحق لي الدفاع عن نفسي؟ وبالمناسبة أحب أن أعرف هوية من يحاكمونني وكفايتهم. أظن أن ذلك من صميم حقوقي.
حقوقك.. المرتد يتحدث عن حقوق 'ضحكات مكتومة شريرة'
نعم حقوق.. ولابد أن تكون لكم أهلية الحكم والقضاء. وأذكركم برسالة 'عمر بن الخطاب' لأبي موسي الأشعري يوليه القضاء، حيث قال: 'المسلمون عدول بعضهم علي بعض' ما أدراني أنكم عدول؟
يحدثنا عن عمر بن الخطاب!!
وهل عمر بن الخطاب حكر عليكم وحدكم؟
ماذا تفعل في العراق؟
أمثل جمهورية مصر العربية.
تقصد أنك تمثل حكومة كافرة، عميلة للأمريكان والصهاينة.
هذه أول مرة يصل إلي علمي هذا الكلام، ولو تيقنت منه لكنت أول من يستقيل وينضم إليكم.
ها نحن نخبرك
وما أدراني أنكم صادقون، وألا يحتمل أن يكون عندي رأي آخر؟
رأي؟ أنت تجادل في الباطل.
بل أجادل بالتي هي أحسن!
وتتحدث بالقرآن!!!
وما العجب.. ألست مسلما؟
أنت ممن قال فيهم الله تعالي: 'يحرفون الكلم عن مواضعه' لا تضيع وقتنا فيما لا ينفع، فعندنا من جلائل الأمور وعظائم الأعمال ما هو أهم وأجدي من الاستماع إلي عميل قذر مثلك. اعترف بجريمتك، واستغفر لذنبك.
وما جريمتي؟
ألم تكن تلتقي الأمريكان الصليبيين، وتعمل عندهم؟ ألا تفهم أن ذلك إقرار باحتلالهم للعراق؟
أحب أن يكون واضحا لديكم أنني أرفض الغزو الأمريكي للعراق جملة وتفصيلا، وأعتبره عاريا من الشرعية. ولقائي الأمريكيين كان في إطار عملي كممثل لبلادي، ولا ينطوي علي اعتراف بالاحتلال. فإرسال البعثات الدبلوماسية لا يشكل اعترافا بحكومة وإنما بدولة، والعراق دولة قائمة ومعترف بها حتي ولو كانت تحت ظروف الاحتلال المؤقتة. علي العكس، فإن الوجود الدبلوماسي يثبت جدارة العراقيين بالاستقلال، ولا يعتبر تثبيتا لواقع الاحتلال.
لا نفهم هذا الكلام..
'اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون'.
يعود إلي الحديث بالقرآن!!!.. ما قولك أنك كنت عميلا للصهاينة طوال أربع سنين كاملة؟ أليسوا هؤلاء من يقتلون أبناءنا في فلسطين، أم لم تسمع بذلك كما لم تسمع بكفر حكومتك؟
اسألوا أهل فلسطين ومفتي القدس عما فعلته من أجل الشعب الفلسطيني طوال فترة عملي هناك. وأتحفظ بشدة علي وصف حكومتي بالكفر، بل لا أعرف كيف توصف أي حكومة في الدنيا بالكفر، ومن له أهلية إصدار حكم مثل هذا.
لم المراوغة؟ لقد أقامت حكومتك المرتدة علاقات ود وصداقة مع الصهاينة..
هذه سياسة حكومتي وأنا لا أتنصل منها. ولكني أذكركم بأن المسئولية في هذه الحالة لا تقع عليٌ بشخصي. فالله تعالي يقول: 'لا تكسب كل نفس إلا عليها'، ويقول 'ليس للإنسان إلا ما سعي'.
لا وقت لدينا للغو الكلام وجه رسالة لحكومتك كي تفيء إلي رشدها، وترفع يدها عن أرض العراق، وتقطع علاقاتها مع الصهاينة، وتقيم حكم الله مصداقا لقوله تعالي 'إن الحكم إلا الله' وسوف نسجل رسالتك في شريط يبث في التلفاز وعلي شبكة الانترنت.
لا كلام لدي، وأذكركم بأن النبي 'صلي الله عليه وسلم' قال إن السفراء لا تقتل.. حتي سفراء الكفار الذين يستحقون القتل، لم يقتلهم.
ومن قال إنك سفير.. أنت عميل مرتد، وسوف نقيم عليك حد الردة. أنت من حكمت علي نفسك وسوف تلقي جزاء المفسدين في الأرض.
'قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلي الله فليتوكل المؤمنون'.
(..........)
سمع بعدها أصواتا كثيرة لم يستطع تمييزها، ولكنه استطاع أن يميز صوت أحدهم يقول: لا يمكن بث الشريط علي هذه الصورة. هذه حجة علينا. سوف يتعاطف البعض مع هذا الشيطان القذر الذي يتظاهر بالإسلام.
سمع بعدها صوتا هييء إليه أنه صوت سيف يشحذ، فانتفضت روحه. تذكر عندما أطلق جندي إسرائيلي النار علي عربته بسبيل الخطأ عندما كان قائما بالأعمال في تل أبيب، لقد رأي الموت بعينيه من قبل وها هو يتراقص حوله من جديد. تذكر ابنتيه، وتدافعت أمامه صور مختلفة: الدراسة والعمل في باريس، الجدال مع الأساتذة في السوربون، كتبه وعشقه للسياحة والسفر. آه.. لكم أحب مهنته، حتي أعطاها زهرة عمره وخلاصة جهده وإبداعه.
سمع بعضهم يتلو آيات من القرآن لم يتبين منها إلا '.. المفسدين في الأرض'. سمعهم يهتفون 'الله أكبر' ساد صمت متوتر. هتف بكل قوته 'دمي في رقبتكم إلي يوم الدين'. نطق الشهادتين وتراءت له ابنتاه، فعلت شفتيه ابتسامة راضية.
|
|
|
|