دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -628ه - العدد1426جمادي الآخرةمن18- م2005يوليو من24 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:21:53 ك الساعة - 22/07/2004 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
ذكريات مع فلاح
في بلاط صاحبة الجلالة
مأمون غريب
بمناسبة المسلسل الذي يذاع عن قصة لابراهيم الورداني (فلاح في بلاط صاحبة الجلالة) تداعي الي ذهني شخصية هذا الكاتب والروائي الكبير الذي كان يقبل القراء بنهم علي قراءة قصصه، وكان صاحب أكبر أجر علي قصصه في الصحافة المصرية.

وقد عرفت هذا الرجل عن قرب، وقد أعجبتني شخصيته كما أعجبتني قصصه وكتاباته الصحفية.
وكان أول لقاء معه بعد نكسة 1967، وكنت يومها في بدايات عملي الصحفي، وآثرت أن اجري معه حوارا مطولا حول شخصيته والعوامل التي كونتها ورؤاه لمختلف القضايا السياسية والأدبية.
وأذكر أنه عندما جاء الي أخبار اليوم لاجراء هذا الحوار..التقي به الصحفي الكبير موسي صبري الذي استقبله بالأحضان. ونظر الي وهو يقول لي ­أرجو أن يكون الحديث مثيرا..!
وابتسم ابراهيم الورداني، وقبل أن اسأله نطق بجملة اعتراضية: قبل ان تسألني!!
وتركته يقص حكايته مع الأيام: قال: ­أريد مع الاسئلة التي تضعها أمامي الآن ان استعمل معك طريقتي المعتادة: الصراحة ولو ضد نفسي ­فأنا أشعر ومنذ بدأت التعبير، انني ضيف طاريء علي أي شيء مما اعدته لنا هذه الحياة من مسكن وثياب وطعام ومهن وأحداث.. سوف انصرف بمثل ما جئت عاريا، أحمل جهاز جسدي الي العدم أو الغموض أو الي حياة آخري فأنا لا أعرف. ومن قبلي عاش ملايين الناس ومن بعدي سوف يأتي ملايين الناس، وأبدا لم تنقص الأرض خردلة من حجمها ومهما أكلت منها المخلوقات، ولم ينقص البحر قطرة ومهما عب الأحياء.. نحن البشر، أو ربما كل هذا الكون، شريط من الهواء المجسم، اتخيل أحيانا أنه وهم، وجرب أحيانا أن تغمض عينيك وتسد اذنيك، لتجد أن كل شيء قد انفصل عنك ولم يعد له وجود.
­ما أول درس أخذته من الحياة؟
أول درس أخذته وأنا تلميذ. طفل صغير يسحبه والده ليري حديقة الحيوان لأول مرة.. اكتشفت ببصيرتي الغريزية الغضة، أن هناك مخلوقات غيري كثيرة. سمك في البحار.. طيور في السماء.. وحوش وحيوانات تزاملني في زرعة الأرض.. ذباب وبعوض وهوام ونمل، ربما ضعف تعداد البشر بلايين المرات. ثم اكتشفت أيضا أن لكل المخلوقات عوالم تحتويها، ولها لغة للمخاطبة والتفاهم والتعرف..حتي الشجرة.. وتعلمت ايضا شيئا لم يخطر لي علي بال.. فقد حدد مصيري يافطة صغيرة كانت تواجهني وكلما تحركت في ارجاء الحديقة هي: 'ممنوع قطف الزهور'.
نعم ممنوع قطف الزهور.. حقيقة اطعتها فورا وفي حرص شديد.. الحياة حديقة بكل محتوياتها وأملاكها وممنوع القطف منها.. ممنوع لانك لن تقدر فالجبل سوف يبقي والبحر سوف يدوم والشجر والزهر والحصي سوف يظل.
هكذا عشت حياتي.. ممنوع قطف الزهور من الحديقة.. عشتها وبقدر امكاني في مجتمع الأغلبية.. لم يستهوني قط امتلاك أي شيء حتي لو كانت طقطوقة سجائر أو خاتما في الأصبع.. لا أحب أن يكون لي بيت أنا مالكه أو عربة خاصة أو رصيد في بنك ولا أي شيء مما يطمح اليه هواة رشق الزهور علي الصدور. ومن أجل هذا فقد كان الزواج لمثلي محنة وعناء رهيبا.
­بمعني؟
­فالزواج معناه مسئولية اجتماعية شخصية، وابناء تقف من حولهم كالخفير بينما لست مسئولا البتة عن أي طاريء قدري قد يحدث لهم. ولكن لابد من تجنيد النفس من ورائهم، حتي يأتي لهم الرزق طبيعيا.
­.......................؟
­أقول لك لقد كسبت كثيرا جدا من مهنتي كأديب وصحفي، وربما اذا اكتشفنا مؤرخا ورأي التفاصيل فلعلني أول الجدد الذين كسروا وهم التفرغ للقلم وحرفة القلم، أو بالذات كتابة القصة القصيرة.
قبلي وغيري كانت تسنده وظيفة أو شهادة جامعية أو إرث خاص أو فهلوية حياتية بل وعشت علي مستوي أعلي من مستويات عديدة لمهن اخري.. انت تعرف ان الأدب والقلم كان في الماضي هواية للمستقرين ماديا أو اللاجئين الي قصور الأثرياء والاقطاعيين والسلاطين.. وهو كدح وشظف نفسي بطريقة حفر الأظافر المحترفين.
تمكنت بعد صراع شخصي مستتر، من إلغاء فقرة التضور جوعا وراء مهنة التأدب، فأنني أول من ارتفعت اثمان القصص المصرية علي يديه، وأول من سجل الرقم التصاعدي في وثبات أجور أصحاب الأقلام، واسأل التابعي­ كان مازال حيا­ حين أراد أن يهز بورصة الأجور الصحفية، فجاء الي مجلته (آخر ساعة) الصحفية، ووقع معي عقدا باربعين جنيها في الوقت الذي كانت فيه أجور كبار واجلاء جدا مثل الصاوي والمازني لاتزيد علي الثلاثين.
وصمت قليلا وقال:
­كسبت كثيرا جدا.. كنت أمشي أحيانا وفي جيبي الف جنيه لا أعرف كيف ابعثرها إلا بين أهل العشرة وأنا أقول: الذي معه أكثر هو الذي يصرف أكثر.. كما أنني أمشي أحيانا وليس في جيبي حتي ثمن تذكرة اتوبيس.. ربما حتي الآن.. وأنا في كلتا الحالتين مستمتع ومندهش ومطيع لأمور تلك الحياة ومفاجآتها معي، وليس لي عليها نقد أو احتجاج الا ان استسلم.
***

وبعد ان حدثني الرجل عن ادباء جيله، وما تركوه من بصمات في حياتنا الأدبية، وعن الأدب في عصر العلم وانه سوف يظل ما بقيت الحياة، كان لابد ان يأخذنا الحديث عن (دور المرأة في حياته) خاصة انه كان يوقع ما يكتبه باسم (مي الصغيرة).. فما حكاية 'مي' هذه..؟
يومها ابتسم وهو يقول:
­دور المرأة في حياتي هو دور الأم والزوجة والأخت والابنة والحبيبة.. انني منها وهي مني واحساسي دائما انها رفيق رائع اثبت مقدرته علي تبديد رحلة الملل علي مدي رحلة ملايين السنين علي هذه الأرض.. نحن لانجد سواها لنحبه وهي لاتجد سوانا لتحبه. وبهذا نحمل سويا مسئولية عبور جسر الحياة. تلك هي نظرتي العامة للمرأة.
أما نظرتي الشخصية فأنا معها في موقف الطفل الذي يأبي أن يترك المصاصة الحلوة من فمه.. تجاربي مع المرأة عديدة بلغت درجة التقمص.
فلعلك تعرف انني بدأت حياتي الأدبية تحت قناع التوقيع لفتاة هي (مي الصغيرة).. بطاقة بريد أحاول توصيل نفسي بها للقاريء.
قضيت عاما وأكثر وأنا أكتب تحت شعر وعيون (مي الصغيرة).. وغصت مجهدا عصاميا في تلافيف عالم الأنثي، وغموضه المزعوم لكي استر نفسي أمام القاريء وكانت تجربة بديعة اثبتت ان الغالب في الخلقة والغرائز واحد مع الرجل والفرق فقط هو ان الرجل لايلد!
­وطبعا كانت لي تجارب ومغامرات هائلة وكثيرة، احببت وتعذبت، وكنت في كل تجاربي مع النساء حريصا علي عدم الضياع، وهكذا حملت شعار المسيح الذي يقول:
'اهرب من التجربة'
كنت أتحاشي دائما الوقوع في تجربة الحب الأصفر والحب الأصفر هو الحب الذي نصفه حرمان ونصفه كراهية.. تحاشيت هذا النوع من الرمال المتحركة في لعبة شبابي مع المرأة، الي درجة أنني اختصرت مغامرات مستقبلي كلها في مغامرة واحدة سريعة، تزوجت بعدها..
وهذه هي زوجتي معي ولا أنكر البتة معها في تجربة زواج او حب سواها.. ومازلنا في حالة دهشة وعلامة استفهام طريفة فوق رؤوسنا، فهل تساوي مغامرة الحب الخاطف القصير التي خضناها كل هذا الإلزام الذي نحن فيه.
مؤكد خضت تجارب حب وعاطفية أكثر سخونة وحرارة من مغامرة حب زوجتي، ولكن هذا قدر، ولكن انسان ربما نصفه المفقود أو ما يقترب من نصفه المفقود.
***

والحديث مع ابراهيم الورداني حديث شائق وجميل، وهو عندما يحدثك في قضايا الأدب المختلفة، وما مر بتاريخه من مدارس نقدية، ومضامينه السياسية والاجتماعية، وما يعكس الأدب من واقع الحياة.. عندما يحدثك بذلك كنت تشعر بأنك أمام أديب متمكن.. وقاريء نهم لمختلف الكتب، ومثقف شديد الوعي بقضايا عصره.
***

وأذكر أنني سألته في نهاية حوار طويل معه. ما الذي تعتقد انه سيبقي منك؟
يومها سرح بخاطره قليلا قبل أن يقول:
­بصراحة بصراحة ربما لن يبقي مني الا فوح اسلوبي الذي اكتب به، والذي قد يقتنيه بعض الهواة في خمائلم الخاصة.. انه هدف للانتقال بمهنة الكتابة من اليمين الي الشمال نحو مرحلة اليسر والسهولة والجاذبية والترنيم علي الوجدان.. ثم ولعله اذا تمكنت فوجدت دار النشر التي ترضي ان تطبع يومياتي وهي تقريبا (30 جزءا) فسوف تري انها عمليةرصد­ بها مذاق ادبي­ لمشاعر مصري ركب متن قلمه منذ جيل الثلاثينات حتي الان.
أما قصصي، وهي ربما تكون ثلاثين جزءا اخري من مرحلة (مي الصغيرة) حتي مرحلة ما بعد قصص المناسبات الثورية، فاظن انها ادت مهمتها بعض الأداء.
انني اقرأ قصصي وافكاري بتوقيع اخرين صغار جدد افرح بهم.
وقد يبقي مني أيضا النموذج الشخصي الصاخب الذي عشقه في هذه الحياة كمواطن له اسلوب خاص في حياته او حامل قلم ضوضائي.
***

وقال قبل ان ينهي حديثه الذي مازال صداه في ذهني، ونحن متأثرون بما احدثته هزيمة يونيو في اعماقنا من شروخ: قال:
­عندما تقرأ التاريخ سوف تكتشف ان ما يحدث الان انما لن يزيد عن فقرة خاطفة في جلال التاريخ المصري، ويجب ان نتكاتف اقلامنا لحماية الجماهير من الدوخة والاهتزاز من ضربة النكسة تلك هي مهمة الأديب اليوم ان يقف وراء جدران لحم الجماهير، ليطلق من حولها الصمود والأمل والطموح.
***

تذكرت هذا وانا اشاهد المسلسل الجميل الذي كتبه ويعرض الان ويحمل عنوانا جذابا.. 'فلاح في بلاط صاحبة الجلالة'..
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: