|
|
| السنة - | 628 | ه - العدد | 1426 | جمادي الآخرة | من | 18 | - م | 2005 | يوليو | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:40:16 ك |
 |
الساعة - |
 |
22/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
راهب سقارة
صفحات من مذكرات لوير
'أن تطأ قدمك أرض هذا البلد الرائع وقت الفيضان، وتحت هذه الأشعة الساحرة فهذا حلم'. بهذه الكلمات افتتح جون فيليب لوير مذكراته. تلك المذكرات التي تختزل نحو خمسة وسبعين عاما قضاها عاشق الآثار الفرنسي في مصر.
عندما يذكر اسم سقارة يتبادر اسم لوير الي الذهن مباشرة، باعتباره المهندس الذي أعاد الحياة لمجموعة زوسر الجنائزية. ولد المهندس الفرنسي في أحد أرقي أحياء باريس عام 1902، وفي عام 1926 ترك فرنسا نهائيا ليحيا مع ايمحتب وزوسر وسط صحراء سقارة التي ارتبط بها لدرجة انه كثيرا ما ردد 'لا أرغب في العودة حيا لفرنسا'، وقد توفي بها فعلا عام .2000
عاصر لوير اجيالا من الأثريين وعلماء المصريات وأصبح علما بينهم واسهم في كثير من الكشوفات الأثرية وعاصر تحولات مصر عبر حقبها المختلفة بعين الأجنبي الراصدة والقلب المتيم. علي أرضها كان زواجه من ابنة عالم الهللينستيات بييرجوجيه مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية. كما أن ولديه وابنته ولدوا جميعا بين جنبات مجموعة زوسر.
في مذكراته التي ننشر جزءا منها يرصد العالم الفرنسي الكبير جانبا من حياته الحافلة التي لايمكن وصفها بانها حياة خاصة لانها ارتبطت عادة باحداث مهمة في مجال العمل الاثري المصري.
حملت المذكرات عنوانا دالا هو: 'ولدت في مصر منذ 4700 عام'.
الخطاب
لن أنسي ما حييت ذلك اليوم من عام 1926 عندما هرولت أمي نحو باب غرفتي تقرعه بلهفة لكي تعطيني خطابا فقمت عن طاولة عملي وأخذت المظروف شاكرا لها، والنظر كان مصوبا تجاه الورقة البيضاء حيث أسمي مدون بشكل جميل ودقيق، وأنه خط أبن عمي جاك هاردي وهو في الحقيقة أبن عمي بالمصاهرة، فلقد تزوج من ابنة عمة لي، جرمانية، وهي ابنة أخت والدي والتي كانت تجمعني بها رابطة قوية دوما بالرغم من فارق عمرينا حيث كانت تكبرني بأثني عشر عاما، وكذلك كان جاك متعلقا بي جدا وهو زوجها، رجل لذيذ وبالأحري أصيل ولامع من ناحية مهنته . لقد كان مهندسا ويعيش في القاهرة منذ سنين عديدة مع ابنة عمتي وأطفالهم السبعة . هذا الخطاب هو الذي سوف يغير مجري حياتي، وكنت أتساءل، ما الذي دفع هاردي حقيقة لكي يكتب إليٌ . وفي هذا الخطاب وبعد عبارات المجاملة المعتادة ذكر أن بيير لاكو مدير مصلحة الآثار المصرية يبحث عن مهندس شاب للعمل بموقع سقارة لمساعدة عالم المصريات الإنجليزي سيسيل فيرث الذي كان قد عرف اسمي من هاردي أثناء تناول طعام العشاء، وطلب لاكو الاتصال بي سريعا لمعرفة ما إذا كانت وظيفة لمدة ثمانية أشهر في مصر تلقي لدي قبولا . آنذاك كنت في العام الأخير من دراستي للعمارة في مدرسة الفنون الجميلة في باريس وكنت أجهل كيف أتجه مستقبلا في الحياة العملية . العمارة لم تكن علي ما يرام تماما في فرنسا . لقد انتهوا من إعادة بناء الأقاليم التي خربتها حرب 1914 1918، وفي باريس لم تشهد عمليات البناء أي نشاط لرفض السكان هذا الأمر بشدة، وبالطبع لا أحد يجرؤ علي الاستثمار في البناء، وكنت أفكر في الرحيل لأمريكا اللاتينية أو المغرب، بلاد بها أشياء كثيرة نقوم بها ومع ذلك لم أكن قد اتخذت أي قرار لأنني لم أكن قد حصلت علي شهادتي بعد . وقد غمرني هذا الاقتراح الذي هبط عليٌ من السماء بالسعادة البالغة ومن ثم فقد أخذت أحلم بقية يومي هذا .
وفي المساء فاتحت والدي، الذي كان قريبا مني، في هذا الأمر، وبالمناسبة فإنني أكن لهذا الرجل احتراما عظيما فلقد كان واسع الإطلاع والمعرفة، فلقد كان طالباج متفوقا، وأول دفعته في مدرسة المدفعية، ثم أخذ إجازة الحقوق قبل أن يحصل علي شهادة مدرسة الدراسات العليا . ولقد أبتعث إلي روما، إلي قصر فارنيز للإعداد لدرجة الدكتوراه حول اكتشاف تم في قصر لاتران . ولقد كان محظوظا عندما عثر علي مكان خبيئة كنز سانكتا سانكترم ولقد عين لدي عودته مباشرة من روما مرمما بالمكتبة الوطنية بقسم المحفوظات حتي أمضي كل حياته العملية حتي وصل لمرتبة المشرف علي المرممين . لكنه عارض فكرة أن أسير علي دربه . ومن جهة أخري كنت أجهل ما إذا كانت لدي القدرة علي ذلك وخاصة تلك المعاملة القاسية التي لاقاها هو وأمثاله فلم يكن ليستطيع أن يعيش بمرتبه الزهيد لولا ما كان ينفق علي نفسه من ثروته هو وأسرته المكونة من زوجته وأطفاله الأربع .
ولأن العمارة كانت تقليدا عائليا خرج عليه والدي، فلقد ألح عليٌ في اقتفاء أثر والده وجده اللذين امتهنا ذات المهنة وهي العمارة . وبعد البكالوريا الثانية لي 1919 قدمني لواحد من أصدقائه، وهو حاصل علي جائزة روما القديمة ويدرس بمدرسة الفنون الجميلة . في هذا العصر كان عليك أن تلتحق بأتيلييه مهندس ما والذي يصبح أستاذا لك خلال هذه الفترة من دراستك . وانتبهت إلي أنني يجب أن أتدبر أمري ولكن ليس أكثر من ذلك . ولقد وصلت بدون مشقة كبيرة علي نهاية دراستي بعد أن أمضيت ستة أعوام ختمتها بنظرية عن تشييد مركز طبي، واخترت هذا الموضوع لأنه في هذا العصر، كان أخي الأصغر الذي أحببته جدا يتردد علي مصحة للعلاج من داء السل وكنت أزوره وكانت حالة المكان مزرية .
ولم يخف والدي وهو الرزين، حماسته لهذا الأمر ولكن والدتي كانت تري الأمر بشكل مختلف نوعا ما . كانت قلقة من فكرة رحيلي لمدة طويلة في بلد تبدو بالنسبة لها متوحشة . كانت والدتي قوية البنيان ذات شخصية قاسية أحيانا، وكانت ابنة صاحب مصنع للسكر من منطقة سان لو دي اسرون في الواز تزوج والداي في عام 1901 وولدت في عام 1902 ولاحترام تقليد آخر عزيز علي والدي فلقد عمدني باسم جون فيليب وولد أخي في عام 1903 ثم أختاي بعد ذلك بفترة في 1911 والأخري في 1920 وكان علي والدتي مسئولية البيت والأطفال نظرا لانشغال والدي المستمر في حياته العملية معظم الوقت في المكتبة الوطنية أو بالمنزل مشغولا كذلك بالعمل في مكتبة . ومن ناحية أخري فإن شقتنا الواقعة في بولفارد جول ساندو، حيث كنا نسكن منذ عام 1911 تحولت علي معمل أبحاث، علي الرغم من أنها كانت كبيرة لكن حجراتها كانت معتمة والكتب التي تكدست في كل مكان كانت تمتص طاقتنا، ومكتب والدي والذي كنا نادرا ما نتسلل إليه لأن والدي لم يكن يحب أن يزعجه أحد، كان له رائحة شمع العسل التي أتذكرها جيدا، وأحتفظ دوما بحب عظيم طيلة عمري للكتب والمكتبات .
وكنت سعيدا جدا بحماس والدي ومنذ ذلك اليوم لم أعد أحيا إلا مع مصر في رأسي . ولقد أرسلت ابتداء من الغد خطابا إلي بيير لاكو لأرشح نفسي ثم كتبت بعد ذلك إلي جاك هاردي لأشكره ولم يتبقي أمامي سوي انتظار مجئ بيير لاكو مع بداية الصيف .
ألف ليلة وليلة
تجسد لي القاهرة الإسلامية القديمة الصورة التي يمكن تلمسها للشرق الذي لطالما حلمت به، فلقد أكشفتهما قبل الآثار الفرعونية لأنني كرست أول يوم بعد زيارة المتحف للتجول في الحي الفاطمي، وقد نصحني هاردي بالتجول أولا حتي ساحة القلعة حيث تري كل المدينة من عل في مشهد لا نهائي، يمتد فيما بين الصحراء وشطان النيل المكسوة بالخضرة، والهواء كان نقيا كالهواء عند الأهرام الثلاثة، وهم أهرام خوفو وخفرع ومنقرع، ويحيط بهم هالة من الغبار الذهبي الشكل المرسوم بدقة، يا له من مشهد عظيم، مع الوقت اختفت كلية من الأفق وغطت عليها العمائر الفوضوية التي تزحف أكثر فأكثر في الصحراء . من هذه الساحة حيث المشهد البانورامي الرائع كنت أري المدينة القديمة كلها من أمامي، المنازل بسقوفها ذاتا الشرفة والقباب الكثيرة ومآذن المساجد التي ترتفع في الفضاء كأشرعة مراكب، لم أفحص عددها لكنهم يزعمون أن عددها يفوق الثلاثة آلاف، كل يحكي تاريخ مصر الإسلامية، في مقابل هذه البانوراما التي كأنها السراب، فقد وقعت في غرام هذا البلد .
خلال هذه العقود لم يتغير شئ من المشاهد التي تدور في الشوارع العربية، ولم تبح بكل أسرارها، مناظر تصيبك للوهلة الأولي بالصدمة، إنهم يذبحون دوما الخروف أمام بوابة الحجيج التي تعود من مكة، هنا بوتقة بداخلها خليط من المعتقدات والخرافات، هذه المدينة القديمة أعطتني إحساسا بعالم ثابت لا يتغير مغلق في عصر وسيط أبدي حملة المباخر يمرون كل صباح يطلقون البخور لاصطياد الأرواح الشريرة وللاتصال بعالم الموتي نترك الشمع الأسود يحترق طيلة اليوم أمام بوابة الموتي .
وأجد سعادة كبيرة في التسكع عبر الشوارع الضيقة، حيث أترك نفسي أتمشي بشكل عفوي تقودني الروائح ويا لها من روائح تبدأ من روائح منتنة لا تطاق من شارع المدابغ وحتي روائح العطارة، ثم من وقت لآخر أتقابل مع التاجر المتجول الذي يحمل قدرا تفوح منها رائحة أشياء مقلية أو لحم مسلوق والتي تختلط برائحة القاذورات المتعفنة في مجاري الماء في الهواء الطلق . أحب أن اترك نفسي أتوه وسط هذه الشرايين التي تعج بكل شئ، متاهة حقيقة بالنسبة لعضو جديد مثلي، حيث تتداخل عربات ذات الأذرع وعربات النقل المغطاة والحمير والجمال، أو تحت أسقف وقتية لمحلات صغيرة خربة متلاصقة الواحد بجوار الآخر .
أقتنع المصريون فقط منذ عدة أعوام بجمال مدينتهم وانطلقوا بمساعدة اليونسكو في أعمال ترميم معتبرة، فبعد أن تركوا المئات من القصور والمنازل ذات المشربيات تتهدم يحاولون الآن إنقاذها كلما أمكن ذلك وتحويلها لمتاحف . كان للفرنسيين دور الريادة في إنقاذ التراث المصري وذلك منذ حملة نابليون بونابرت علي مصر في عام 1799 فبعد العمل الكبير لعلماء الحملة المصرية وصف مصر، فقد وصل شامبليون الذي فك رموز الهيروغليفية بمصر لإقناع الباشا محمد علي بالإقلاع عن تدمير الآثار المصرية . وأخذ الراية من سابقة العبقري مارييت الذي أنشأ متحفا يضم الآثار التي تخرج نتيجة للحفائر . كان يلزم هؤلاء الرواد سنين وسنين من أجل إقناع مصر بأن تحتفظ بتراثها .
لقد درست قليلا العمارة الإسلامية، لكنها كانت المرة الأولي التي أواجه فيها هذه الآثار، حتي وإن بدا لي أن المعماريين المسلمين لم يأتوا بالجديد إلا أنني كنت منبهرا . هل تحولت المعابد القديمة لمساجد غالبا وأبراج الكنائس لمآذن ؟ لكن عبقريتهم جاءت قبل كل شئ من استلهام هذا . نحس بحيوية الإسلام هذه الديانة التي تسيطر هنا علي الأرواح، ويلخص هذا المسجد وبخاصة مسجد السلطان حسن أسفل القلعة لو أن مظهره الخارجي يبدو كحصن مرصع بالمرمر متعدد الألوان، وفي الداخل يتميز ببساطة في الفن وأضواء الفضاءات الداخلية التي تقود لقدس الأقداس خافته . أسلوب بارع لكي يشعر المؤمنون بالمسافة الفاصلة بين الإنسان والإله .
المئذنة الأقدم والأكثر كمالا من الناحية المعمارية من وجهة نظري هي مئذنة مسجد ابن طولون، وهي عمل رائع من القرن التاسع التي وبمعجزة قاومت أعمال التخريب الكبيرة التي جرت في عهد محمد علي الذي حوله لمستشفي وكذلك تغلبت علي الزلازل وبقي المسجد من أفضل المساجد ذات البوائك المشيدة في مصر، ويحتفظ بتأثير بيزنطي، ورم بشكل جيد، وعلي الرغم من كثرة الخرسانات بمدينة القاهرة، فإنه المسجد الوحيد وهذا غريب الذي يمكن أن نميزه تماما عندما ننظر إلي المدينة من أعلي القلعة، فهو هنا قابع في بهاء يغالب عوادي الدهر .
بعد عبور خان الخليلي هذا الخان غير العادي بمحلاته سوق يروق للسائحين ارتاديه، ويغزونا سريعا انطباع بأننا ندلف إلي عالم آخر، الأزقة التي تصل حتي الأزبكية والتي أضحت منذ زمن طويل المكان الأثير لدي الأوروبيين هذه البحيرة القديمة التي نضب ماؤها بنهاية القرن التاسع عشر تحولت طبقا لأحلام بونابرت علي يد مهندسين فرنسيين إلي جنة خضراء مستلهمين حدائق بت شومون في باريس ولكي يحولوا بين المصريين وبين هذا المسطح الأخضر والمتنزه الجميل شيدوا اسوارا عالية، تلك التي هدمتها الثورة عام 1952 بعد سقوط الملكية .
الأهرام
حتي هذه اللحظة لم أشاهد من الأهرام سوي ذلك الذي رأيت من أعلي القلعة من بعيد تبدو أشكالا مثلثة مرتفعة في الفضاء كأنها ألغاز عتيقة، واستطعنا بدقة تمييزها، تلك التي تقف منذ ما يربوا علي الخمسة آلاف عام راسخة علي الأرض مهيمنة علي المكان الذي يتفرع عنده النيل مكونا دلتا .
منذ اليوم التالي لوصولي للقاهرة، وتحت تشجيع لاكو، الذي جعل في خدمتي سيارته وسائقه الخاص، وصلت الجيزة لكي أتأمل بإعجاب من قريب هذه الآثار التي تدل علي جرأة معمارية وتمكن في ذات الوقت . لقد استيقظت مبكرا لاكتشافها عند شروق الشمس، وعند مغادرة المدينة كنت مندهشا من الضباب البسيط الأبيض الذي غشي وادي النيل .
الطريق الواصل حتي الأهرام قد أنشئ في عهد إسماعيل باشا قبل افتتاح قناة السويس في عام 1896 بقليل، وكان جزءا من أعمال عظيمة بدأها كيما يقدم صورة معاصرة لبلده أمام المدعوين وهم بالآلاف جاءوا من كل مكان من العالم بهذه المناسبة، تحت قبة تكونت من أشجار الاركالبتوس والاكاسيا كان يمتد هذا الطريق بمحاذاة النهر وكان يحيط به الخضرة من جانبيه . بدا لي أن الرومانسية سيطرت علي مشيديه لد وقع إسماعيل في غرام الإمبراطورة أوجيني أثناء زيارته لفرنسا . ولأنه كان مقررا أن تزور الإمبراطورة مصر بدون الإمبراطور فكان علي إسماعيل باشا أن يصطحبها لزيارة الأهرام، وطلب الباشا أثناء التشييد أن يكتموا السر وأثناء المسير ستقع الإمبراطورة بين ذراعيه، لا يروي التاريخ هذه الرغبة المحمومة ... ما يمكن تأكيده أثناء اليوم لا يمكننا أن نتخيل، ونحن نري هذا الشارع الذي يعج بالزحام والسيارات والتلوث والشاحنات، ما كان عليه يوما ما من سحر ورومانسية .
وكان لدي الحظ كذلك أن أري الأهرام وهي تنبثق من وسط الضباب الذي ينقشع رويدا رويدا مع أشعة الصباح الباكر، ثم وهي تأخذ اللون الوردي لانعكاس الأشعة الأولي للشمس عليها صباحا، يمكن أن نضيف إلي هذا المشهد السحري لفيضان النيل الذي يغمر المكان . كل هذه البانوراما اختفت للأبد عندما بدأوا في عام 1936 في تشييد تعلية جديدة في أول سد بأسوان .
كثيرا ما تأخذني الدهشة وأنا أقف بجوار قاعدة هذه الأهرام وهي كجبال عملاقة من الأحجار، أي عقيدة خلود، أو أي إرادة بقاء ورغبة في الانتصار علي الموت تلك التي سيطرت علي هؤلاء، أفكر في هذا وأتذكر كلمات شاتوبريان : ليس اللحد ذلك النصب الذي يعلن نهاية المطاف ولكنه الحد الذي يبدأ عنده الدخول إلي حياة بلا نهاية فهو بوابة للأبدية، مشيد علي حدود الخلود . أمام خوفو ومليونين وخمسمائة ألف كتلة حجرية والتي ترتفع نحو مائة وستة وأربعين مترا، ونقول في أنفسنا أننا لم نشيد علي مدار خمسة وأربعين قرنا من الزمان مباني شاهقة هكذا وضخمة هكذا : وعلي مدار قرن فقط، تجمعت أهرام احتوت ثلاثين مليون كتله حجرية ! كيف شيدوها؟ لازمني هذا السؤال طيلة حياتي .
الاهتمام بالأهرام، بالطبع خطوة تفرض نفسها بالنسبة لمهندس معماري، وما يدهشني خاصة هو كيف تأتي لأناس مثل هؤلاء حديثي عهد بالبناء ولأول مرة في تاريخ البشرية يشيدون، أن يشيدوا مبان صعبة ودقيقة وضخمة لدرجة نعجز معها نحن في العصر الحديث بكل وسائل التكنولوجيا التي لدينا . جوستاف جيكييه، أستاذي في الآثار المصرية كان أول من لفت نظري وحفزني لمواجهة هذه المشكلة الشهيرة للأهرام، أحذرك من كل المجهودات التي ذهبت أدراج الرياح قائلا عن سر الأهرام الغامض : شكل الأمر بالنسبة لمعظمهم لعبة أرواح وخيال، وألح أن هذا لا يستحق الدوي الذي أحدثوه بعملهم هذا ولكن أحذرك من أسلوب كهنوت يدعمه تبريرات ذات شكل علمي .
درس بقي معي طويلا وبخاصة بعد دراسة أول الأهرام أطلاقا وهو الهرم المدرج ثم بعد ذلك بدأت أطأ باقي المواقع الأثرية في سقارة حيث الأهرام الأخري هرم وسركاف وهرم ونيس وهرم تتي وببي الثاني ... من عصور مختلفة . ثم استقر بي المطاف في الجيزة في محاولة لإيجاد أجابات شافية للقضايا التي تطرحها هذه المباني العملاقة من الحجر . وكنت الأول الذي يتصدي لهذه الدراسة في عام 1948 نشرت مشاكل أهرام مصر كنا نعرف أن الأهرام هي مقابر، الأمر الذي جعل المصريين يكرسون هذا المجهود الضخم لتشييدها، والاعتقاد الراسخ أن بقاء الجثة سليمة يعتمد علي أمرين أساسيين : حفظ الجسد سليما من أي تلف وإمداده بما يحتاجه من مواد . وظل هذا الاعتقاد ولم يتغير رغم مرور ثلاثة آلاف عام من التاريخ المصري .
وحاولت أن أقف علي كل النظريات التي تناولت هذا الموضوع سواء أكانت رياضية أو فلكية أو إنجيلية فيما يتعلق ببنائها ودورها، وبدأت أوجه النظريات المجردة الموجودة من قبل، قلمي بيدي ثم وضعت نفسي ببساطة مكان المهندس المعماري المصري القديم الذي صمم هذه الأهرام، فالمعماري ليس رجل رياضيات يتسلي علي الورق برسومات متنوعة ولكنه يدرس النسب ثم يحاول أحكامها وضبطها علي أفضل وجه فلا يحاول حل مشاكل هندسية ولكن أن يجعل تخطيطاته تقف علي الأرض والعمال الذين سينفذونها يفهمونها وهكذا عند دراسة هرم خوفو بهرت، فلقد فكر هؤلاء في أدق التفاصيل سمك المواد اللاصقة علي سبيل المثال دقيقة جدا لدرجة لا يمكن تلمسها ومن الصعب تخيل كيف وضعوا كتل تزن عدة أطنان في أماكنها من البناء بكل دقة وعند كسوته أصبح الهرم في هيئته الكاملة وكان عليهم أن يقدروا حجم البناء حتي يستطيعوا تمثل أشعة الشمس التي يصعد الملك عليها ليدلف إلي عالم السعداء فيتحول لطريق صاعد من الضوء ومن ثم يغدو هو نجم فرعون .
ويبقي السؤال ماذا فعلوا ليضعوا هذه الملايين من الكتل التي تزيد عدة أطنان في أماكنها وعلي هذا القدر من الارتفاع، إنه لشئ يصيب بالدوار . ومع ذلك فليست الأهرام من إنجاز العبيد المسخرين في أعمال البناء، ولكن كما عندنا في كاتدرائياتنا من العصور الوسطي، هو عمل من شعب بأسره من أجل رضي إلهه وهو الفرعون ترسخ لدي هؤلاء الناس اعتقاد عميق بأنهم سوف يلتحقون بالأبدية مع فرعونهم وسوف يساعدهم ويمدهم بما يحتاجون في العالم الآخر . وبالنسبة للأسلوب الدقيق الذي اتبعوه، رغم كل الافتراضات والاحتمالات، يبقي الغموض مسيطرا تماما . عالم الآثار أودران لابروس، والذي يعمل منذ سنوات في هرم ببي بسقارة قال ذات يوم كلاما وأظنه محقا : إذا ما عثرنا غدا علي وسيلة تمكننا من بناء الأهرام فلا يجب أن نعتقد أن المصريين القدماء قد أتبعوا نفس الطريقة لأننا لا نمك أي دليل علي ذلك .
بعد زوسر، رغب كل فرعون من فراعين الدولة القديمة في أن يكون له مقبرته في شكل هرمي . لكن لم يجرؤ أي منهم علي تشييد مجموعة جنائزية كمثيلتها لدي زوسر والتي أبدعها العبقري إيمحوتب . لا شك لم يجد البعض الوقت والمكان لكي ينجز ما كان يأمل فيما يتعلق بالمقر الأبدي وتحدث فجوة في تشييد الأهرام خلال عصر الانتقال الأول، ثم تعود علي استحياء في عصر الدولة الوسطي، ثم تكون شيئا من التراث العتيق لكن لم تعد فخامة المعمار ولا رمزية الهرم الدينية كما كان عليه الأمر في الدولة القديمة، وذات يوم اختفت تماما من مصر وهكذا، وبعد أن كانت الرغبة معانقة الشمس فإن الفراعنة رضوا بأن يدفنوا في مقابر في باطن الأرض . نعرف الآن أربعة وثمانين هرما معظمها أطلال الآن .
ذات صباح عندما اكتشفت واحدا من أجمل المواقع الأثرية في البلد التي سأقضي بها حياتي، لم استطع مقاومة الرغبة في التسلق حتي قمة الهرم، ومنذ اختفاء الكساء الخارجي للهرم أضحت الكتل عارية وشكلت سلما ضخما يقود إلي القمة في خمسة عشر دقيقة، وكان هذا التسلق ممنوعا منذ عدة سنوات وذلك مخافة السقوط، وكذلك حفاظا علي الأحجار وهذا المنظر الفريد يجعلك تطل من هذا الارتفاع علي المشهد الرائع فالنيل شريط يجري ملتويا وسط مسطح أخضر، وعلي مبعدة، القاهرة يغمرها الضياء . بعد الحرب تسلقت الهرم مع ولدي من الناحية الشرقية منه، وفي لحظة قلت في نفسي مع كثرة الحفائر لم يعثر أحد علي معبد الهرم وفجأة، تفحصت الأرضية، مدهش ! نعم ! إنه تخطيط معبد ذلك الذي يتبدي من تحت الرمال : نزلت مسرعا لأنني لم أصدق عيناي، علي الأرض تبقي آثار معبد، ودونما انتظار أسرعت لمقابلة دريوتون الذي حل محل لاكو منذ وقت قصير علي قمة مصلحة الآثار المصرية لكي أحيطه علما بهذا الاكتشاف، وقد أجابني حسن ! أرجع وأرفعه أنت بنفسك ! .
|
|
|
الخطوات الأولي نحو الأبدية
من نافذة القطار السريع الذي نقلني فيما بعد إلي سقارة كنت أنظر الضوء الشاحب، ويتكشف المنظر بالتدريب عن جمال أصيل وكنت حقا سعيدا . وأثارني كثيرا أن أجدني في الموقع الذي طالما حدثوني عنه . ففي الصباح حزمت حقائبي وودعت أقاربي هاردي لأذهب لمحطة القاهرة حيث قطار الصعيد الذي سوف يصل بي إلي قرية البدرشين علي مبعدة ثمانية كيلو مترات من سقارة، النيل يجف عند إغلاق أبواب سد أسوان، وقد شيد هذا السد عام 1902 لينظم الفيضانات التي تكون عنيفة عادة، وعلي الرغم من انخفاض منسوب النهر، كنت أري مجموعات من الأشجار يغمرها الماء، والنهر يطرح غرينه المغذي للنباتات والذي يغطي البراعم، وكان يدهشني سرعة نمو النباتات بعد موسم الجفاف فالمزارعون يسرعون ببذر الحب في الأرض الطينية قبل أن تجف، فيضعون هذه الحبوب في حفر نتجة عن أثر سيرهم في الطين والذي فيه تغوص أرجلهم حتي أعلي الفخذين، وبعد أسبوع تخضر الأرض، وتنشد الحياة المتجددة نشيدها علي ضفاف النيل، فمصر بلا فيضان النيل فقدت كثيرا من سحرها .
وأشاهد القري المبنية فوق تلال بسيطة والنيل يتلوي في جريانه كأنه شريط من الفضة بين أشجار الأكاسيا والجميز وأشجار الأثل . ويلهو بين الغصون هنا وهناك الأطيار والعصافير . هذا المشهد هو نفسه ما رأيته في الكتب التي تذكر عبر لوحات فنية وكان موجودا في مصر الفرعونية . وبعد نصف ساعة وبالقطار البخاري المزعج وصلنا محطة البدرشين وأخرجت رأسي من النافذة لأتأمل المشهد، زحام شديد وفلاحون بجلابيبهم الزرقاء يتدافعون، جموع تحاول الصعود وأخري تحاول الهبوط وسط صخب ودود . كل محمل بأشياء مثل أكياس أو أقفاص دجاج، وبعض السيدات المحجبات يجرين بطول القطار يبعن البرتقال والخبز وجلت بنظري أبحث عن سكرتير سيسيل فيرث، لم أكن أعرفه لكنني رأيت مصريا يتجه نحوي تعلو وجهه ابتسامة ويغطي رأسه طربوش ألقي التحية بانحناء شديد وبعث أثنين من الحمالين لينقلوا الحقائب ووضعوها في عربة كانت تنتظر بعيدا عن الزحام قبل أن أدعي للصعود لأجلس بجوار الحودي في هذه العربة الصغيرة ذات العجلتين الاسبرطية، ولم يكن العجل سوي إطارين من المعدن ويجر هذا حصان نحيل ضعيف وتحرك أخيرا وغادر المحطة ودلف إلي القرية، والبدرشين بلدة كبيرة تختبئ تحت أشجار نخيل كثيفة، والشارع الرئيسي الذي عبرناه وسط ركام من الحمير والأطفال كان حيويا جدا، الفلاحون منتشرون أمام منضدة بضائع مبرقشة وتجار يتجادلون علي عتبة حوانيت متواضعة وتكاد نجد أنفسنا علي الأرض بين الحين والآخر لوعورة أرض الطريق غير الممهد، منذ عدة أعوام أرد مخرج إنجليزي جاء يصور فيلما عن قصة حياتي، أن يستعيد لحظة وصولي للبدرشين في هذه العربة ذات الحصان . عندما رأنا رئيس المحطة نبدأ في استعادة لحظة وصولي للمحطة ثار قائلا أن محطته ليست معمولة من أجل تصوير أفلام، علي مشارف القرية أشجار النخيل التي تحيط ببحيرة، تلك التي جفت بعد الحرب بسبب وباء الملاريا، في الماء الذي يميل للسمرة جاموس بعيونه البارزة المستديرة ولا نري منها إلا خطمها وجزء من سلسلة ظهرها، ولسذاجتي، اعتقدت أن ما أري هو تماسيح وبدت لي هذه جاءت من المياه الأفريقية .
تابعت هذه العربة طريقها عبر الريف الغني بالأكاسيا والخروع والسنط وعيدان اللوتس، وعند الاقتراب من نخيل منف يسير الطريق متعرجا بين تلال من الركام المتبقي من العاصمة القديمة حتي آخر ما كان يصله الفيضان . أشار سكرتير فيرث إلي تمثالين ضخمين تحت النخيل ممددين في الرمال رمسيس الثاني الذي حكم ستين سنة في مجد وعظمة ولم يتبق هنا إلا هذين التمثالين لملك أراد أن يقهر الزمن وبعد ذلك بعدة سنين شاركت في نقل أحدهما، الجرانيتي، واحتاج هذا المشروع إلي مئات من الرجال واستخدام رافعات لتحريك هذا التمثال الضخم الذي حمل إلي القاهرة ويقف الآن في الميدان أمام محطة السكك الحديدية، حيث يعاني من التلوث والشهرة كذلك بدلا من خبيئته تحت الرمال . ورأينا وجه التمثال الآخر من الألباستر وكذلك جذع التمثال ولاستكمال الكشف عن التمثال المختبئ تماما كان يجب أن نعتلي فوق صدره الأمر الذي لم يحدث منذ أن وضعه المصريون في مخبئه لحمايته من عوادي الزمن .
شيد زوسر قصورا من الطوب النيئ والخشب وأعواد الغاب في العاصمة منف، ولم يتبق من ذلك شئ إطلاقا لأنها كانت مبنية من مواد ضعيفة لا تقوي علي المقاومة مع مرور الزمن، ومن جهة أخري لم يهتم المصريون برؤية منازلهم تبقي طويلا، فقط مقار الأبدية الخاصة بهم التي ستحمي الجسد وتضمن له حياة مستمرة في العالم الآخر ومن ثم ليس لدينا أي نموذج لمبني من مباني المدينة، ومنف العاصمة نفسها، عاصمة المملكة المهمة لمدة قرون، ومن أهم مدن البلد لم يتبقي شئ كذلك، وكل معلوماتنا عن هذا الأمر جاءتنا من المؤرخين والرحالة . كان شامبليون سعيدا بما رآه من بقايا عند زيارته في القرن التاسع عشر كتل الجرانيت علي الأرض والتي تزحف عليها الرمال رويدا رويدا تظل شاهدا علي ما كان لهذه العاصمة من بهاء في مبانيها، وكان هنا المعبد الشهير للآلة بتاح، مركز وروح المدينة المدهشة والتي ظلت حتي في أواخر أيامها وفي لحظات تدهورها بنهاية القرن الثاني عشر الميلادي محط إعجاب عبداللطيف هذا المؤرخ كتب فيما يتعلق بمدينة منف : بقاياها تقدم لمن يتأمل ضميمة من العجائب تربك العقل .
الجزء الأجمل والأهم من العاصمة الكبيرة كان يمتد فيما مضي حيث توجد اليوم البدرشين وقري ميت رهينة وقصر النغزيج، وفيما يتعلق برحلته في الصعيد، قال أوجست مارييت عن البقايا التي رأها في عصره، لا توجد مدينة كان قدرها كقدر هذه المدينة، فلقد كانت فيما مضي المدينة الباهرة، مصدر فخر مصر وتبهر العام بعدد مبانيها وفخامتها والتي لم يتبق منها اليوم حتي بقايا.
سنترك الأرض الخضراء لنقتحم الصحراء، وفي لحظة يستدير فريقنا نحو الشمال وعلي بعد كيلو متر هناك سد صغير يفصل سقارة عن أبوصير وبعد هنيهة تطلعت فوجدت علي مد البصر الهرم المدرج، وفي عمق المشهد نجد عمل المهندس العبقري إيمحوتب وهو المجموعة الجنائزية المبنية كلها من الحجر عند مدخل الصحراء، وبرؤية هذا الأثر لم استطع له مقاومة ولا لجاذبيته دفعا فاعترتني فته وملأني فضول بلا حدود . لا أستطيع الحديث عنه اليوم من جديد دونما تأثر شديد . فقد كان عنيفا ما استشعره في داخلي بلاشك أن يوم 2 ديسمبر من عام 1926 سيغير مجري حياتي، وكنت مؤمنا جدا لكي أتخيل أن الصدفة وحدها هي التي قادت خطاي وسط أطلال آلاف السنين هذه، وفي غضون ساعات وجدت نفسي أغوص في عالم آخر حياة أخري .
ببي
لم يكن يدور بخلدي في عام 1926 عندما عملت مع جوستاف جيكييه بموقع الملك ببي أنني وبعد مرور أربع وسبعين سنة سوف أشارك في اكتشاف غير عادي بذات الموقع، ففي الثاني من أبريل من عام 2000 استخرج أودران لابروس تحت أعيننا الجاحظة من الدهشة تابوت الملكة عنخ سن ببي الثانية شخصية أسطورية من الدولة القديمة .
وكانت هذه مكافأة سخية مع قضاء أكثر من ثلاثين عاما من العمل في الموقع وكانت من نصيب فريق جون لوكلان، وهو حاليا السكرتير الدائم لأكاديمية النقوش والفنون الجميلة . ففي الفترة الممتدة من يناير وحتي مايو من كل عام يعمل أودران بالحفائر ومعه الباحثه اللامعة في اللغويات كاترين برجيه في موقع الأسرة السادسة، علي مدار عشرة أعوام وهم دائمو البحث عن هرم زوجة الملك ببي الأول، وأخيرا في عام 1997 اكتشفوا بجوار قاعدة الهرم الملكي ومدفونا علي عمق خمسة أمتار تحت الرمال كتلة من الجرانيت 17 طن وكنت حاضرا ذاك اليوم وسعيدا مثلهم تماما .
وكان اكتشاف المقبرة مهما ولكن الأكثر أهمية كانت النصوص والأهمية الخاصة لمحتواها أعمال مارييت في 1881 وأعمال جيكييه في 1926 عثرت علي نصوص في هذه لجبانة الشاسعة لكننا لم نعثر من قبل علي نصوص في مقبرة زوجة ملكية من عصر الدولة القديمة . أن تتمتع الملكات بطقوس كانت منذ قليل حكرا علي الفراعنة يبرهن علي مرحلة مهمة من حالة الديموقراطية التي سادت هذا العصر في ممارسة طقوس الأبدية، وهذه سوف تجد طريقها لمعظم المصريين فيما بعد، وسوف يعجل هذا لسقوط الدولة القديمة، والنفوش داخل هذا الهرم محفوظة بشكل تام تقريبا وذات جودة نادرة، فهي محتفظة بألوانها وخاصة الأخضر رمز البعث .
تغيرت الحياة في بر مصر بعد الحرب العالمية الثانية، زوجتي وجدت نفسها وحدها في سقارة، وابناي واصلا دراستيهما في مدرسة بالقاهرة، وعندما قررت مغادرة مصر نهائيا في عام 1947 مع أبنائنا الثلاثة بقيت وحدي لسنين طويلة في هذا الفضاء والوحدة، وبقيت وحدي حتي الستينيات عندما أصبح عندي القليل من الأصدقاء من جديد عندما جاء عالم المصريات جون لوكلان ليستقر معي ليكمل عمل أستاذه جون سانت فرجارنو بعد الأعمال المهمة لجيكييه ولاكو حول نصوص أهرام ببي الثاني التي تساعد كثيرا في دراسة الكتابة واللغة المصرية القديمة ويبدو ضروريا مباشرة دراسات مشابهة في أهرام ثلاثة أخري من الأسرة السادسة وهي أهرام كل من تتي وببي الأول ومرينرع صالاتها الداخلية مهدمة بسبب أعمال التحجير التي كانت تتم في العصور الوسطي حيث يأخذون الأحجار من هنا لاستخدامه في البناء والتشييد بالقاهرة، ومن المهم أنه عندما تزور الآثار المشيدة في هذا العصر، مثل بقايا المدينة القديمة، تظهر نقوش فرعونية علي الجدران والأمثلة كثيرة .
كان علينا أن ننتظر عام 1951 ووصول جون سان فارجارنو إلي الموقع ليبدأ العمل في الحفائر بالأهرام الثلاثة وكنت شخصيا مكلف بإزالة الرديم وتقوية الآثار من الداخل ليصبح الدخول إليها ميسرا، وهذا عمل محفوف بالمخاطر فيمكن أن يتهدم الممر فوق من بالداخل إذا حدث أقل خطأ، فكان عليٌ أن أباشر أعمال بناء بالطوب كبير لزيادة صلابة الجدران قبل أن نضع مكانها الكتل التي تحتوي علي النقوش .
ولم نستطع أن نعمل كثيرا في هذا الاتجاه لمشاكل عرضت فجأة بين مصر وفرنسا، أمر ناصر بعد لحظات من استيلائه علي السلطة في 1954 بالمقابل إرسال البعثات الأثرية المصرية لتقوم بأعمال حفائر في الأرض الفرنسية! طلب أذهل الحكومة الفرنسية وبالتالي رفضته، وبين عشية وضحاها أغلقت كل مواقع الحفائر، ولم تكن لدي الرغبة في انتظار افتراض انفراج الأزمة بين البلدين فقمت بزيارة جاري الجديد في سقارة، رئيس مجلس الدولة السنهوري باشا، الذي شيد منزلا صغيرا بالقرب من منزلي يأتي إليه لقضاء عطلات نهاية الأسبوع، وبيننا علاقات ممتازة فهو مهتم بأعمالي، وبدأت أعالج المشكلة بدبلوماسية، فقد أوضحت أنني أعمل في بعثة فرنسية مصرية وأمثل فيها الجانب المصري وأوضحت له أن فرنسا لا تنتظر أي شئ من هذا العمل سوي النتائج العلمية، فلم يكن ذات معني أن تأخذ نصوص الأهرام فالهدف هو وضعها في مكانها في الهرم . وبعد عدة أيام ابلغوني بالموافقة بإمكان العودة للعمل .
كان الرحيل المبكر للسيد سان فارجارنو هو الحدث المفجع في عام 1963 فقد أحدث لي ألما كبيرا هذا الرحيل، فكنت أحس بكثير من المحبة لهذا الرجل المفيد والطيب جدا فقد وصل للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية IFAO بدلا من شارل كوينتز، شخصية غير محبوبة والذي استبعد كل معاونيه، حتي عام 1959 عندما ترك وظيفته وكان عليه أو يواجه صعوبات جمه وقفت أما المعهد المهدد بالاختفاء علي يد السلطة المصرية، وبفضل مثابرته وذكائه في مفاوضة الجانب المصري استطاع أن ينقذ المعهد الفرنسي للآثار الشرقية IFAO الذي استطاع معاودة أنشطته .
أثناء هذه السنين من الاضرابات السياسية توقفت الأعمال في أهرام الأسرة السادسة، ثم كان جون لوكلان الذي أخذ علي عاتقه مسئولية استئناف هذا العمل الضخم، وبعثت له برسالة علي الكرنك حيث كان يعمل منذ سنوات، أشرح له مرة أخري أنني أجد نفسي وحيدا في سقارة وأنني في حاجة إلي متخصص في اللغة لنسخ النصوص وكانت هذه مشكلة كذلك، وكنت علي يقين أنه إن لم يسرع فرنسي ليلتحق بي في هذا الموقع الكبير وهو الجبانة المنفية فسينقض الإنجليز عليها من جديد وترك لوكلان الكرنك الذي كان محط اهتمامه ليأتي ليتعامل مع نصوص الأهرام، وكنت سعيدا أن أجد في هذا الرجل الذي كنت أعرفه آنذاك قليلا وكان أصغر سنا مني أقول كنت سعيدا أن أجد فيه رفيقا مدهشا، دائما مرح، متعاون ولطيف ومستعد للتكيف مع ظروف معيشة صعبة .
بدأنا في إزالة الرمال عن فوهة هرم ببي الأول، وهنا بدا الأمر مشروعا صعبا، فقد تطلب الأمر بالفعل عدة سنوات لتقوية ما بداخل الأثر، ثم نعود للجبانة لوكلان وأنا كل يوم في نهاية بعد الظهر حول أطلال هرم ببي الأول وذات يوم دفعنا فضولنا للنزول حتي الحجرة الجنائزية عبر دهليز منحدر وضيق وزحفنا تحت سقف من كتل الجرانيت التي كان يمكن أن تتهدل في أي وقت، ووصلنا بهذه الحالة إلي أعتاب الحجرة الأمامية، وبددنا الظلام بلمبات الزيت وهالنا ما وقعت عليه أعيننا، كتل جيرية ضخمة متهدمة وأجزاء من جدران وكتل أخري خلقت جوا كأننا في عشرين ألف مكان تحت البحار ، فلقد كنا في كهف علي بابا الملء بالكنوز . أغلب المستويات من النصوص تكسرت ووقعت علي الأرض وكنا نعلم أن أقل حركة قد تعرضنا لإنهيار مروع للأثر وكان يلزمنا رافعات لوضع كل شئ في مكانه لتستعيد الحجرة سماءها ذات النجوم وسحرها .
موقع عمل جديد بدأ ونحتاج فيه لعمال كثيرين يقسمون إلي مجموعات يمررون فيما بينهم هذه الأجزاء الكبيرة من الحجر والتي بالتوالي تصنف وترسم وتصور ولا نستطيع وحدنا أن ننجز هذا العمل الشاق . لوكلان وابتداء من السبعينيات، في تكوين فريق عمل من حوله يضم أودران لابروس وكاترين برجيه وايزابل بيير، ثلاثة من علماء المصريات الكبار الذين ساعدوه في وضع كل الأجزاء في مكانها من الجدران بالتدريج وأمضوا سنوات مضنية في هذا العمل، وبإعادة هذه النصوص لمكانها الأصلي، لم يكف لوكلان ولا فريقه عن ترديد أسم ببي الأول وإحياء اسمه بالتالي وهو الأمر الذي لطالما تمناه الملك كما هو مكتوب في نصوص هرمه .
أودران مثله مثل مورجان وجيكييه عمل في إيران وشارك في العمل في قصر فارس في موقع في سوس، أثناء أعداده لدكتوراة الدولة عن عمارة الأهرام ذات النصوص (الأهرام التي علي جدرانها الداخلية نصوص منقوشة) في الدولة القديمة ومن ثم كان مطلوبا للعمل في أبحاث لوكلان، وبالنسبة لكارترين وايزابل فكانتا متخصصان في اللغويات وبمرور الوقت أصبحنا أسرة واحدة نجتمع كل شتاء وتحت سقف منزلي يسكن أودران الاتلييه الذي كانت تشغله زوجتي، وكانت سيدة المكان، تسهر علي إدارة المنزل وكنت سعيدا لوجودهم وكنت متعلقا بهم جدا وهم كذلك كانوا يحسون نفس الشئ تجاهي، وكانت كاترين تلاحظني عن قرب، وتصدت للمشاكل التقليدية كحجز تذاكر الطيران أو اختيار السائق ليقودني للقاهرة، وكان هذا يروق لي وكان أن تعايشنا باحترام كبير، احتفظت بحجرتي التي كنت أسكن فيها مع زوجتي ميمي والتي تطلع علي النخيل وحتي وأن تغير الديكور فإن الذكريات لا تمح، وفي آخر الصالون مكتبي الأخضر الصغير وهو أثري حقا فهو هنا منذ عام 1927 .
مع أن أشياء كثيرة قد تغيرت منذ ذاك العام فإن ظروف العمل لم تتغير كثيرا فالذين يقومون بالحفر ينهضون مع الفجر، والمنزل قارس البرودة شتاء لعدم وجود مدفئة إلا تلك التي دشنها أودران في الصالون وهذا أفضل قليلا من تلك الأيام التي قضيناها أنا وزوجتي ميمي حيث كان الموقد وكان هذا لتدفئة أغطية الفراش بعض الشئ وكان هذا مهما للقدرة علي مواصلة الحياة بروح معنوية مرتفعة وكان الإفطار في صالة الطعام، ويقوم بالخدمة شابان من السفرجية (خدم المنزل) الأوفياء، ثم سائق البعثة الأثرية الفرنسية في سقارة يأتي ينتظر هذه الأسرة بسيارة المصلحة ليقودهم علي موقع العمل في هرم ببي .
بعد دراسة استغرقت حوالي عشرين عاما لمباني الفراعنة ببي الأول ومرينرع، بدأ لوكلان وفريقه بحث آثار زوجات هؤلاء الملوك علي أمل اكتشاف نصوص أخري، فالموقع مازال به الكثير مئات العمال يعملون به، نشاط لم أعهده منذ أيام فيرث وعملنا حول الهرم المدرج . يرتدي هؤلاء العمال الجلاليب المعتادة والعمائم ويعملون تحت رياسة حسين، رئيس العمال الذي بدأ عمله تحت إدارتي أي منذ حوالي خمسين عاما، والرجل أسطورة حية محبوب جدا من العمال ويشكلون معا عائلة كبيرة، وهذا يفسر في جانب منه لماذا يسير العمل في الموقع بشكل جيد، وكذلك بفضل أودران الذي يعلم كيف يدير الحفائر إدارة الأستاذ وهو موهوب ولعلي أقول أنه كان مثل أوجست مارييت في زمانه لديه معول حفر متنيئ ليسهل نقل الرمال وصنع مثلما صنعوا فيما مضي مسارات تسير عليها العربات التي يدفعها العمال لينقلوا الرديم والرمال . وكان العمال يتعرفون عليٌ بطاقية الصيادين أما أودران فهو معروف بقبعة ذات تصميم يرجع للشرق الأقصي ونظارته السوداء، أما ما تغير حقا فهو أساليب الجس الأثري عن طريق أجهزة تخبر إذا ما كان تحت الرمال آثار أم لا . وهكذا ففي عام 1988 تمت اكتشافات مهمة بفضل أجهزة EDF فالفنيون الذين أرسلتهم فرنسا إلي الموقع استخدموا أساليب اصطناعية حديثة منها عدة أساليب جيوفيزيقية للسطح وكهرومغناطيسية وتحليلات مغناطيسية وقياس كهربائي واستخدام التردد الإشعاعي وهكذا ظهر مبني مكون من ثلاثة مداميك موجود في الزاوية الجنوبية الشرقية من هرم ببي الأول وهو من الحجر الجيري، ولوكلان رأي في هذه النتائج أهرام ملكات إحدها إلي الغرب والآخر في الوسط والثالث في الشرق وهذه الاكتشافات تمت في الواقع بعد ذلك لأن لوكلان كان يعلم بوجود أهرام ملكات من حول هرم ببي ولكن بفضل هذه التقنية وفر سنوات من البحث، وبمنتهي الإثارة بدأ في فحص الهرم الأول الذي ظهر وهو هرم ملكة الغرب والذي مازال أسمها غامضا . وبعد الأعمال الطويلة، كنا محظوظين عندما عثرنا في الحجرة الجنائزية علي الفائض من القماش وأدوات صغيرة من الخشب وبقايا فازات من الألباستر منقوش عليها هيروغليفي بخط جميل ملون، أما الشئ الأكثر تأثيرا فكان صندل من الخشب المذهب كانت ترتديه الملكة . فإذا كنا مازلنا نجهل اسمها فنحن نعرف مقاس حذائها، قدم صغيرة لعلها كانت فاتنة .
|
|
|
عند جوستاف جيكييه
علي حدود الصحراء، نزل الحوذي علي الأرض، وغاصت العجلات في الرمال والحيوان المسكين لا حول له ولا قوة ومن ثم نزلت وأكملت الطريق علي قدمي رغم اعتراضات سكرتير فيرث . أخيرا وعند قمة الهضبة، لمحت بيت جوستاف جيكييه وتراه من بعيد يقف في الفراندة حيث كان يجلس مع زوجته وجاء لمقابلتنا . والبيت مبني من الطوب النيئ، متواضع جدا في قلب الصحراء، ومن الشرفة نستمتع بمنظر رائع، وحتي وأن لم تعد معظم الأهرام سوي أطلال وأخذتني هذه الرحابة وتلك الضخامة .
بدت لي عائلة جيكييه سعيدة لاستقبالي، فقد حملت معي بعض التغيير علي وجودهم الحاد الصارم، حمل جيكييه حقائبي ووضعها في حجرة صغيرة عتيقة لكنها تفتح مباشرة علي الصحراء وهنا سأمضي شهرا حتي ينتهي مقري المصيري في سقارة بلحيته البيضاء وعيونه المرحة بدي جيكييه شخصية حاضرة الذهن وكريما، وصوته الخفيض وهذا كله لم يترك شك في الدلالة علي أصوله، فهو سويسري من نيوشاتل، ينحدر من عائلة كبيرة برجوازية، وهو يبلغ من العمر ثمانية وخمسين عاما وما يزال يباشر الحفائر بشكل يبعث علي الإعجاب . ولقد بدأ مسيرته كأثري في إيران مع جاك دو مورجان وكان منه مقربا وله صديقا، ثم جذبته مصر فبدأ في الحفائر في سقارة لحساب المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، وكان مهتما بالعمارة المصرية في الدولة القديمة، وعلمني الكثير وكان ودودا معطاءا مما ساعدني علي استكناه علم المصريات الذي أراه أمامي . كان عام 1924 عام رحيل دو مورجان، وكان قد عهد إلي جيكييه بجبانة سقارة الجنوبية، واستطاع أن يصل إلي حجرة معينة الشكل ولأنه لم يكن لديه المعدات للوصول إلي الحجرة العليا فقد نقل العمل إلي مصطبة فرعون، وهو أثر فريد أسماه بهذا الأسهم سكان القري المجاورة والاسم يعني مقعد فرعون، هذه المصطبة الضخمة علي شكل تابوت ترجع للأسرة الرابعة، ونسبها جيكييه إلي الملك شبسسكاف، أبن منكاورع وأول عمله هو إزالة الرمال من المدخل تلك التي كانت قد أخفته بعد أعمال مارييت الذي استخدم الديناميت لعمل طريق إلي المدخل، ثم قام جيكييه بعمل التقويات اللازمة للمنحدر الهابط بطول بهو المدخل لجعل الدخول لهذه المقبرة ممكنا . وقد أراني كل ما يحيط بالأثر من بقايا أسوار من الطوب النيئ ومعبده الجنائزي وطريق أبوالهول الذي يصل إليه والكسر المنقوشة التي جعلته ينسب هذا الأثر للملك شبسسكاف .
وأفهمني الاختلاف الجوهري بين أن تطلب إلي الريس، أي رئيس العمال في الموقع أن يحفر في هذا المكان أو ذاك ويقود بنفسه الأعمال حتي في أدق التفاصيل، ويرفع التخطيطات مع توالي الاكتشافات والعمل علي هذه التخطيطات في نفس الوقت العمل في أرض الواقع وهذا عمل لم يكن معروفا فيما مضي هكذا علمه جاك دو مورجان . واصطحبني جيكييه علي مبعدة مائتين مترا من هنا إلي موقع هرم ببي الثاني الذي بدأ لتوه في عملية التنظيف وإزالة ما حوله، ولم أكن أتخيل في تلك اللحظة أنني وبعد مرور أربعة وسبعين عاما سأشارك في افتتاح مقبرة والدة هذا الملك الذي حكم قرابة المائة عام، الملكة غنخ اس ان ببي الثاني، والشئ الذي لم يدر لنا بخلد هو ما احتواه هذا الهرم .
عاش مارييت يعتقد أن الأهرام كتلة صامته كان أول من دخل هرم بسقارة يحتوي علي ما أسميناه فيما بعد بنصوص الأهرام وكان ذلك عشية وفاته، ولسوء الحظ لا ندري شيئا عن عصر كتابة هذه النصوص فلعلها كانت أقدم نصوص عرفتها البشرية، فهذه صيغ سحرية وترانيم وطقوس أو قوائم قرابين هدفها الوحيد تأمين حياة أبدية للمتوفي .
في عام 1926 كان أول عمل عهد به إليٌ جيكييه أن أنفذ الرفع الأثري من حول مجموعة ببي الثاني الجنائزية، فلقد أعتبرني هكذا وفورا مساعدا له . ولم أكن أقل فخرا بهذا فلقد خلفت في هذه الوظيفة عالم المصريات البارز الأمريكاني داوس دونهام، علمني هذا العمل أن أكون قوي الملاحظة، حيث يجب تحديد مكان كل حجر بدقة وأفحص بعيني أدق التفاصيل وأتفهم أهمية أقل علامة، ويجب أن اعترف أنني في البداية شعرت بالاشفاق علي نفسي مما ينتظرني أمام هذا الأثر الضخم، وأدهشني صلابة البناء ترتيب العمل يوميا كان متغيرا، أذهب للموقع بعد تناول إفطاري مع جيكييه واتسلل إلي داخل الأبهاء السفلية لأصل إلي الحجرات الداخلية بأحجارها الكبيرة، ودرست الصلات المقبية ذات الكتل الجرانيتية الضخمة، وكنت أفحص كلآ علي حده بالنقوش التي تظهر وكنت أشعر سعادة حتي أنني كنت لا أحس بالمجهود البدني الشاق . وفترة تواجدي في الصحراء في ديسمبر الجو ليلا شديد البرودة، ونهارا شديد الحرارة عندما تكون الشمس في كبد السماء، لكنني تعودت علي ذلك سريعا .
جوستاف جيكييه لم يأخذ إلا يوما واحدا إجازة أسبوعيا ومعظم الوقت هو حبيس منزله جالسا علي مكتبه يحرر التقارير الخاصة بالحفائر، أحيانا ما يقبل أن يصطحب زوجته إلي القاهرة وكنت أفيد من هذه الفترة من النهار لأزور المواقع الأثرية في ما حول سقارة، والباديكار (المرشد السياحي) الذي قدمه لي أبي كان مفيدا لي، هذا المرشد المعتد والذي حرره عالم المصريات الألماني شتايندورف فهو يحتوي وصفاج دقيقا للمواقع الأثرية، ومثل كل المواقع فإن الحفائر توقفت أثناء الحرب العالمية الأولي وطبعتي لعام 1913 كانت سارية ومعاصرة، فلم يحدث أي اكتشاف ذي بال في أي موقع منذ ذاك التاريخ (1913) فيما عدا بالطبع اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون في عام 1922، وبعد ذلك بخمس سنوات استمر هوارد كارتر في العمل بها ولاكو أخبرني أنه انتهي بتفريغ الحجرة الجانبية من المقبرة، وكان متذمرا من تدفق السياح الذين جعلوه يفقد الكثير من الوقت .
صعب الآن تخيل ما لا يقل عن ثلاثة عشر ألفا من الزوار أسرعوا في عام 1926 إلي وادي الملوك علي أمل زيارة المقبرة الخاصة بهذا الفرعون الصغير، لم يتحمل كارتر هؤلاء، أتفهم هذا، وكاميراتهم وآلات تصويرهم لكن كان عليه أن يكون ذا قلب كبير، خدمة لهذه الكنوز لأن غضبه كلفه عاما قضاه في انجلترا، وكان عليه أن يحصل علي تصريح من لاكو للعودة للعمل . وكان يلزمني بعض الوقت لزيارة الصعيد وواتتني الفرصة سريعا في عام 1927 عندما دعاني هنري شيفرييه الذي كان يعمل منذ عام بالكرنك لزيارته .
لكنني كان لدي الكثير لأكتشفه، هنا حيث أعمل . ذهبت ذات يوم لرؤية هرم ميدوم، فقد شرح لي جيكييه أن الأثري الألماني لودفيج بورخارت أكتشف لتوه بقايا منحدرات ربما كانت تستخدم أثناء عملية البناء، وهذا الافتراض دافعت عنه فيما بعد، مفضلا المنحدر الوحيد المتعامد علي أحدي واجهات الهرم والتي تمكن من الاتصال بكل الأجزاء بسهولة، لكن إذا ما كان هذا الأسلوب سهل استخدامه في تشييد الأهرام الأقل حجما فإنه يصبح غير عملي في حالة أهرام عملاقة كهرم خوفو .
هرم ميدوم أثر غريب الشكل، شيده سنفرو، الأب المؤسس للأسرة الرابعة، له شكل خاص جدا يبدو كهرم مدرج ولكنه مكسو من الخارج، وسقطت كسوته الخارجية علي الأرض . وطبقا لبعض الباحثين كان هذا نتيجة لأكبر كارثة معمارية في كل العصور تلك التي جعلت الهرم يعري تماما من كسائه الخارجي . أثناء فعاليات مؤتمر علم المصريات الثامن والذي شاركت فيه بالقاهرة في نهاية مارس عام 2000، أعلن باحثان هاويان اكتشاف حجرتين وبهوين وكلها سليمة لم تمس داخل هذا الهرم في ميدوم . ولسوء الحظ كانت هذه الصالات فارغة ولا تحتوي نقوشا . ولم يأت هذا الاكتشاف بالشئ الجديد بالنسبة لنا . لكن الأمر المثير هو أن تدخل لأماكن لم يدخلها أحد منذ 4700 عام وسنحت الفرصة عندما تسللنا فيرث وأنا إلي داخل المقبرة الجنوبية بالهرم المدرج .
الحيرة الكبيرة
كان الثاني من يناير 1927 أول يوم لي في العمل في المجموعة الجنائزية للملك زوسر في سقارة، أراد فيرث أن أخذ وقتي لكي أستقر قبل أن يصطحبني لاستكشاف الموقع الذي يعمل به منذ عامين، بعد أن عمل لسنوات عديدة في المجموعة الجنائزية للملك تتي، صرف اهتمامه إلي أثر آخر قريب وهو الهرم المدرج حيث يوجد تلان واقعان إلي الشمال الشرقي من هذا الأثر، أثارا فضوله منذ وقت طويل . ففي شتاء عام 1924 طلب من مدير مصلحة الآثار، بيير لاكو التصريح بعمل حفائر في هذا المكان . في نهاية القرن التاسع عشر جاك دو مورجان كشف عن وجود سور فاصل ما بين الجبانة والصحراء المحيطة، مستطيل الشكل مدفون في الرمال ولكن تتبدي أجزاء منه، وبعد عدة أبحاث توصل إلي أن هذا السور مبني في الأسرة الثالثة وتساءل : ماذا عساه يحتوي هذا المسطح المحاط بعناية بهذا السور؟ بتتبعه لخريطة الجبانة أشار لهذين التلين علي أنهما بقايا أهرام ملكات وأعطت هذه المعطيات قوة لفيرث، ولكي يستطيع أن يستمر لابد من إزالة الرمال من موقع هذين التلين، وما كان مدهشا، أنه مع استمرار إزاحة الرمال ظهر بدلا من بقايا أهرام صغيرة، المداميك السفلي من واجهة جميلة مزدانة بأعمدة مقناة ليس لها قاعدة ومقطوعة في الحجر الجيري الجيد المجلوب من طره علي الضفة الأخري من نهر النيل . وعندما وصلت الموقع، أدهشني المشهد أولا عمال، رجال كثيرون وأطفال بالجلابيب، ينقلون أطنانا من الرمال بالقفف يضعونها علي رؤوسهم، والنشاط المحموم في كل مكان، وهذا الايقاع هو ما أمر به فيرث . رغم بدانته إلا أنه كان يزن قريبا من مائة كيلو جرام وهذا الرجل يشع طاقة وحيوية وقادني إلي المقر الأبدي للملكات فقد كان يريد معرفة رأيي في هذه المباني وأعمدتها التي تذكرنا بالأعمدة الدورية اليونانية والتي ربما ترجع للعصر البطلمي، ولكن الجرافيتي الهيراطيقي الذي تركه الزائرون علي بهو المدخل يرجع للدولة الحديثة الأمر الذي قلب تماما افتراضاتنا الأولية . وطلب إلي شريكه باتيسكومب جن أن يترجمها، وفي هذه النصوص يظهر لأول مرة اسم زوسر، ومما لا شك فيه أن هذه الأعمدة تعود لما قبل العصور اليونانية، وكل شئ يشير إلي أنها من عصر الملك زوسر، أي نهاية القرن الثامن والعشرين قبل عصرنا الحاضر، وشرح لي فيرث كم حيره هذا الكشف وذلك لسببين : الأول وجود أعمدة ذات سمات دورية قبل العصر اليوناني بأكثر من ألفين من السنين، والثاني المباني نفسها، المشيدة بأحجار ذات حجم صغير وآنذاك العمارة المصرية الحجرية كانت بادئة لتوها وربما كان الأنسب البدء بأحجار ضخمة .
وبمواصلة الحفائر، تنقل فيرث من دهشة لأخري، وقد حدث عند إزالة عماله للرمال من حول الهرم أن عثر علي تمثال صغير للملك زوسر جالسا من الحجر الجيري الملون، ويوجد الآن في حجرة صغيرة وهي التي نطلق عليها الآن السرداب . واصطحبني إلي مكان وجود هذا السرداب ويقع بارزا بجوار الهرم شمالا بشرق ويغطيه سقف من الخشب وحكي لي فيرث قصة هذا الكشف : تعلم أن الأثريين سيأخذون الأمر سريعا علي محمل الجد بمجرد أنهم يكتشفون كذا وكذا، مع أن الأمر في الأغلب يأتي هكذا مصادفة (قدرا)، يوما ما كان عليٌ أن أذهب للقاهرة، ولم أكن أعلم بماذا أشغل عمالي، فأمرتهم أن يزيلوا تلا من الرمال علي حدود المعبد الشمالي، حتي نبرز كساء الهرم، وعندما عدت في مساء نفس اليوم، سمعت من يصرخ من بعيد، وجدنا الملك! لقد وجدنا الملك! تخيل لو أنني كنت ماكرا! . وعندما صعدنا علي أكداس الرمال وقفت مندهشا أمام هذا التمثال ذات الأسلوب القزمي، في مكانه وأفرغت العينان من التطعيم، وشوهت الأنف لتعطي الوجه شكلا أكثر صرامة يرتدي النمس موضوعا فوق باروكة شائعة ويلبس زوسر رداء أبيضا حابكا يشبه ذلك الذي يرتديه الملك في احتفالات عيد السد، وهو عيد اليوبيل الكبير . علي القاعدة منقوش نقشا خفيفا اسم وألقاب الملك وأسمه الحوري نتري خت . اسم حورس، الإله الكبير الحامي للمكية الفرعونية، كان دوما في هذا العصر يسبق اسم الملك، وعلي بعد عدة أمتار من هنا تتبدي بقايا معبد ملتصق بشمال الهرم، وليس إلي الشرق مثل كل معابد الأهرام المعروفة حتي الآن، ولقد قمت بعمل نسخة من التمثال، لكي يذهب الأصل ليستقر في أمان في المتحف المصري في القاهرة .
في حملة 1925 للحفائر في سقارة أضحي فيرث أكثر فأكثر هوسا وحماسا لما يستجد من اكتشافات أمام عينيه، فقد تم تحديد الفناء المستطيل الذي يمتد جنوب شرق الهرم، وعلي جوانبه بطولها بقايا جدران منخفضة في ممر متعرج يحدد مدخل مقاصير صغيرة، وكثير من العناصر المعمارية أعمدة وتيجان أعمدة وأعمدة مقناة وكورنيش متناثرة علي الرمال . في موسم حفائر 1926 اكتشفت صالة الأعمدة الرائعة التي تحدد المدخل للمجموعة الجنائزية، وأراني المدخل الحقيقي، وبعد الممر الضيق وجهني نحو بقايا عقب باب ذات ضلف مفتوح تماما وكنت أجد صعوبة في تفهم لماذا المهندس المصري شيد أبوابا وهمية: وأخيرا وبعد ممر آخر محدد بعقب ومفتوح تماما ولكه ذات ضلفة واحدة، ثم دلفنا إلي الدهليز الذي يحده صفان من الأعمدة كان يحملان سقفا ثقيلا فيما مضي من الحجر ومن المدهش أن أكتشف هنا بقايا أربعين عمودا كل يتصل عن طريق جدار بجدار الدهليز ولم يتبين من هذه الأعمدة إلا قواعدها، التي ترتفع بالكاد حوالي المتر كلها كانت كافية لتبرهن علي فخامة هذا الدهليز الذي يؤدي إلي صالة ضيقة مستطيلة يحدها ثمانية أعمدة من نفس الطراز وكانت تحمل سقفا ثقيلا من الحجر، يتصل كل أثنين منها ببعضهما عن طريق جدار يصل فيما بينهما . فيرث والتي جعلته هذه الاكتشافات يعمل كالمجنون، لم يحاول أن يتوقف للحظة ليتفهم أكداس البقايا التي تخرج يوما بعد يوم من الحفائر من طي النسيان، المهم بالنسبة لهذا الرجل هو إزالة أطنان من الرمال لإحراز مزيد من الاكتشافات الجديدة .
ووجد العمال الذين يعملون تحت هذا الحماس يوما علي حدود صالة الأعمدة، أثرا فريدا في هذه المجموعة الجنائزية، وهو قاعدة تمثال آخر من الحجر الجيري لزوسر لم يتبق منه إلا قدمان بجوار أسمه حورس نثري خت، والهيروغليفي المنقوش يحتوي اسم الوزير الأشهر إيمحوتب، ونستطيع أن نقرأ :مستشار الملك لمصر السفلي، مدير القصر العظيم، الأمير الوراثي كبير كهنة هليوبوليس، إيمحوتب، البناء، النحات، مصمم الأواني من الحجر . هذا الكشف المهم يجعل من هذه الشخصية غير العادية المهندس الذي صمم وشيد أول هرم في مصر الذي لم يوجد من قبل إلا في عالم الأساطير، اكتشاف دقيق ومهم ويبقي لليوم الاكتشاف الوحيد بسقارة الذي يحمل بصمة المهندس العبقري . وفي الأيام الأولي لم أكن أستطيع أن أقدر حجم العمل في الموقع، ولم يكن عندي بالتالي فكرة عما أستطيع أن أعمله بهذه الأحجار الكثيرة، ومع مرور الوقت أخذت أفهم سريعا .
هرم إيمحوتب
ذات يوم، أخيرا عهد إلي فيرث بزيارة الهرم من الداخل، وهي لحظة كنت أنتظرها بفارغ الصبر. أن تصل إلي البئر الرئيسي ليس بالعمل الهين وسط خطر التهدم، ثم يجب عليك خاصة أن تدلف علي أربع داخل دهاليز ضيقة ومنحدرة لتصل إلي عمق البئر علي بعد ثلاثين مترا، وأخدنا الكشافات ويحرسنا العمل، وأخذنا المنحدر الموجود في الجانب الشمالي من الهرم ثم وبعد متاهات وصلنا إلي الدهاليز الضيقة التي تقود للداخل، هنا حيث توجد تحت هذا الكوم الهائل من الأحجار مقبرة الملك، وكان مدهشا أن أجد في هذا العمق هذه العمارة الضخمة المعقدة الصاويين، وأسمهم هذا مشتق من أسم مدينة سايس حيث حكم الفرعون أحمس الأسرة السادسة والعشرين وشيد عاصمته وأفرغ البئر الرئيسي من الرديم وكان يحوي منه أطنانا، ولتنفيذ هذا العمل المهلك، شيد سقف من الخشب ووضع حاملين ضخمين يستقر عليهما الكمر واستعمل بكر رافع للأثقال . وهو ما لم يكن معروفا أيام زوسر، وأراني فيرث الدعامة الوحيدة المكسورة والتي تبقت من زمانها، وبعد أعوام عدة ولما كان سياح يتسللون للدخل إلي بهو الصاويين الذي يفتح علي الواجهة الجنوبية للهرم هبوب الريح تسبب في سقوط دعامة إلي داخل البئر، وهدمت عند سقوطها السدادة الجرانيتية للمقبرة، وبقي هذا البئر خطرا لأن أحجاره يمكن أن تتصدع وتسقط في أي لحظة ولسوء الحظ من الصعب مباشرة أعمال ترميم، ولغرامهم بالعمارة القديمة والهيروغليفي القديمة فقد ترك لنا الصاديون أول دلائل الأعمال الأثرية في العالم . منذ أعوام لم أعد أدلف إلي داخل الهرم لأنه وببساطة لم تعد هناك أبحاث لنباشرها في هذا المكان، ولكن في ذلك العصر عندما كنت أدرس الأثر كنت أقوم بعدة عمليات دخول وخروج، وذات يوم وأنا في الداخل زارني هنري بوردو، كاتب مشهور من فترة ما قبل الحرب أخبرني فقط بأمر مجيئة عشية يوم زيارته وأيضا غداة اليوم التالي انتظرت وصول الرجل الأكاديمي، ولكن لما لم يصل بعد مرور ساعة، دخلت الهرم ولم أكد أبدأ في العمل حتي جاءني أحد العمال حاملا بطاقة زيارة باسم هنري بوردو وبعثت إليه أنني سأخرج بعد قليل، وبعد دقائق جاءني عامل آخر مهرولا يتصبب عرقاٌ وذيل جلبابه في فمه، وفي يده الكارت مخربش تماما فوضعته في جيبي وخرجت من البئر واستغرق هذا بعض الوقت، وعند خروجي هاجمني شخص صغير غاضب وأخذ يصرخ : أيها السيد، كفي، أنتظرك لزيارة الموقع، وكنت مضطرا أن أقوم بالزيارة وحدي وأقول لك أنني لم أفهم شيئا من حفائركم نعم أيها السيد! لا تحمل هذه شيئا مدهشا، أجبته، تريد أن تقول بذلك أنه لا يوجد شئ غير طبيعي بموقع الحفائر، لكن هنري بوردو كان من الواضح حساسا للغاية، أخذ هذه الملاحظة علي أنها سبة فاستدار دونما كلمة تحية .
كنت معتاد الذهاب بانتظام للعمل بالقاهرة بمكتبة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، هذه المكتبة منجم ذهب للباحثين، واستغرقت عدة أشهر أقرأ كل ما كتب عن الأهرام، ماذا كتبوا عنها، ما هي انطباعات الرحالة الأوائل وما الذي استوقفهم، بيير لوتي كتب، عند رؤية هذه الآثار الضخمة تخرج من الرمال : المثلث هو الشكل الأكثر بساطة وغموضا في الهندسة والأكثر ثباتا من الناحية المعمارية، وكان محقا، لقد شيد المصريون هذه المباني الفخمة بدقة لتكون من الداخل كأنها قواقع تحوي بداخلها نواة، روح المتوفي وفهمنا أنها تحوي جسد المتوفي، ومن هنا يأتي معناها، وبمظهرها الخارجي الفخم مجدت أهرام مصر مملكة اللامرئي، اسمه وحده يعني أفق الرمال والضياء، بلد العجائب والسحر، أهتم ملوكها منذ الأصول الأولي بأن يخبئوا مقرهم الفخم للأبدية في خزائن بلا أرقام .
أي . أي أس . أدواردز كان مثلي، واحدا من أوائل من اهتموا بقضية الأهرام وأعطي تفسيره العلمي : الذي حدا بالمصريين القدماء أن يكرسوا مجهودات ضخمة وأمولا لتشييد مقبرة هو التغير الذي طرأ علي الجسد لكي يستمر في الحياة وهذا يعتمد علي أمرين أساسيين الحفاظ علي الجسد من أي تلف، ضمان الاحتياجات المادية كتلك الخاصة بالكا، وهذا الاعتقاد استمر طيلة التاريخ المصري . قبل أن نكتب المجلدات عن أصل أهرام مصر، جذب اهتمامي الهرم الأول، والجد الأكبر المحير والرائع، ذو المظهر غير العادي في سقارة، مبني ذو درجات، وبسبب شكله هذا الخاص لقبوه بالهرم المدرج اعتقد مارييت أولا أنه شيد للعجول أبيس واحتوي علي نوع ما من السرابيوم في الدولة القديمة، ودافع عن فرضه هذا بقوة وحجته وجود أبهاء كثيرة وحجرات معقدة بها مومياءات لقطط، وعدل عن رأيه بعد ذلك بعدة سنوات وقرر أن هذا الهرم هو من عمل الملك ونننفر من الأسرة الأولي من تاريخ، مانيتون ربما كان الملك الذي يلقبه المصريون باسم دجر، وكان ينقصه بعض العناصر ليصل للهدف .
كان الهرم قد تمت زيارته وعرفوا عليه في رحلة عام 1821 ، الجنرال فون مينوتولي يصحبه المهندس الإيطالي سيجاتو، كانا أول من دخل الهرم، ورسم سيجاتو الممرات ثم نشرها، ومهندس آخر هو فالرياني، الذي أعطي إعادة بالألوان لواحدة من المحجرات المزدانة بالفيانس الأزرق الذي عثر عليه أثناء استكشافه، ووصف من جهة أخري أشياء كثيرة من الهرم، وبخاصة بقايا مومياوات تركها اللصوص في ركن من البهو . كرس فون مينوتول عدة أسطر لهذا الكشف، حيث سجل جمجمة مذهبة وصندل مذهب بلا شك هذا ما تبقي من مومياء أمير دفن هنا . في هذا الزمن لم يكن أحد يستطيع أن يفك طلاسم الهيروغليفي المنقوش علي جدران الحجرات السفلية لأن شامبليون لم يعثر إلا مفتاح هذه اللغة علي في عام 1822 . وكل ما جمعه فون مينوتولي وجد طريقه إلي بروسيا علي متن مركب ولسوء الحظ غرقت هذه قبل وصولها بما عليها .
بعد ذلك بأكثر من قرن بقليل وعند زيارتي للأجزاء الداخلية من الهرم، قررت رغم كل المخاطر المحيطة الدخول إلي حجرة الدفن . يسد مدخلها قطعة جرانيت ضخمة تزن أربعة أطنان، واللصوص الذين لم يستطيعوا إزالتها زحزحوها قليلا لكسر جزء صغير ولما كنت نحيفا جدا فاستطعت الدخول عبر هذا الجزء الصغير، ووصلت حتي داخل حجرة الدفن علي بعد مترين وسبعين سنتيمترا وبالعكس كان الخروج مستحيلا، ولو لم يكن معي اثنان من الرجال الأشداء اللذان جذباني بقوة لبقيت في الداخل . ورغم وجود الكشاف معي إلا أنني لم استطع رؤية الشئ الكثير وارتفع صوت نبضات قلبي لا من الخوف ولكن من الانفعال لما أري هنا، وأثناء تنظيف الأرض من التراب وغيره، وقعت يدي علي شئ غريب وبفحصه في ضوء الكشاف وجدته رجل مومياء في حالة حفظ تامة . وكان مدهشا وغريبا هذا الاكتشاف في هذا المكان الذي زاره من قبل ولعدة مرات باتيسكومب جن والذي لملم من هنا العظام البشرية المتناثرة وبعثت بهذا الجزء من المومياء للدكتور دري، أستاذ التشريح بجامعة القاهرة .
ملاحظاته علي الأسلوب المستخدم وأنه قديم جدا قادنا للاعتقاد بأننا أمام أقدم قطعة تحنيط فيما يبدو، في الواقع كانت هذه الرجل اليسري الملفوفة في أقمشة بدقة تبرز كل التفاصيل من تحتها وجففت الجلد وحفظت العظام، وهذه الطريقة التي تعتمد علي قطعة قماش مضمخة بالصمغ وغيره تعمل علي حفظ أجزاء معروفة منذ أزمنة قديمة جدا، كل هذه العظام نتجت عن نفس الجثة المؤرخة بعصر الدولة القديمة وبكل تأكيد هي جثة الملك زوسر، ويمكننا استنتاج أن اللصوص في محاولتهم إخراجها من مخبئها كسروها، ثم تركوها في أحد الأركان بعد أن عروها تماما من الحلي والأشياء الثمينة، ثم من المحتمل جدا أن ما تبقي هو ما وصفه فون مينوتولي وما غرق في البحر . أثناء صيف عام 1839 أعطي المهندس الإنجليزي ج . أتش بيرنج الإكشاف الذي بدأه فون مينوتولي دفعة أكثر للأمام وذلك بالتعاون مع الكولونيل الثري هوارد فيز، الذي وضع مخططا لاستكشاف الأهرام، وكان هذا أول الأعمال المهمة لحفائر تمت في الأهرام في القرن التاسع عشر . أكتشف هؤلاء ممرين يتفرعان من أعلي البئر ويتجهان للخارج أحدهما شمالا، تصله عن طريق بئر أقل عمقا والآخر جنوبا نصله عن طريق منزل (مهبط) قصير، وأهم هذه الممرات، هو هذا الجنوبي المحفور في العصر الصاوي، ليسمح بتفريغ البئر الكبير والذي كان يحتوي علي ثلاثين مومياء بدون توابيت ولا أثاث جنائزي، وعلم بيرنج من عماله أن فون يمنوتولي عندما فتح الهرم عثر علي تابوت من البئر الكبير ولكنه كان مهشما ولسبب غير مفهوم لم ينزل بيرنج بنفسه إلي البئر حيث يوجد التابوت الجرانيتي، لكنه تسلل إلي الحجرة المزخرفة بالفيانس الأزرق والذي نشر عنها رسومات جميلة مشفوعة بشرح واف لها وكيفية تثبيتها في الأحجار ونقل الهيروغليفي علي أحد الجدران وتحقق فيز من أنا هذا يتعلق بألقاب ملك قديم جدا ولعدم رؤيته لخرطوش فقد افترض أنه كان ملكا غير رسمي أو أنه يجهل أن الخراطيش الملكية لم تظهر إلا في الأسرة الرابعة في عهد الملك سنفرو . وفي هذه النقوش كان اسم نثري خت مكرر كثيرا، سواء في النقوش التي تتبع المتوفي أو في المستطيل الذي يلي أسم حورس . لقد عرف وتحددت هوية الهرم المدرج، لكن لم يستطع احد أن يحدد الصلة بين نتري خت وزوسر . لوحة سهيل ثم القاعدة التي عثر عليها فيرث ثم نقوش الجرافيتي التي عثرنا عليه لأهرام ملكة تحمل لنا أدلة علي ذلك بما لا يدع مجالا للشك.
بناء هرم زوسر، كغيره من الأهرام في مصر، يرجع في تقنيته إلي العصر النحاسي وهو الفترة الأخيرة من العصر الحجري الحديث ولم يعرفوا سوي الذهب والنحاس واستخدموهما، أما البرونز فلم يعرفوه إلا في أواخر الدولة القديمة، هذه الآثار المعجزة أنجزها المصريون بأدوات أكثر بدائية من تلك التي استخدمها اليونان الأول ولكنه أبدعوها بإتقان عظيم ومهارة كبيرة . أي الوسائل استخدم إيمحوتب لإنجاز هذا العمل الضخم؟ نستنتج عندما نري هذا الأثر أنه لا أحد قبله استخدام الحجر . بالتأكيد لا أحد، نجد استخدام الحجر في تكسية الجدران وتبليط الأرضية وعضد الأبواب، غلق الممرات الداخلية، فلم يستخدموا الأحجار فيما يبدو إلا لكونها مادة صلبة ولقدرتها علي المقاومة أو البقاء.
لدي المصريين تاريخ طويل من استخدام الأدوات والوسائل المتنوعة في استخراج الأحجار وقطعها وصقلها بما فيها الأحجار الأكثر صلابة، ودليل ذلك صناعة الأواني الحجرية التي بلغت قمة النضج والمهارة في الفترة النقادية قبل الأسرة الأولي وكان سهلا نسبيا . من جهة أخري، تقليل أحجام الحجر الجيري لأحجام أصغر تستخدم في بناء ما كان يبني بالطوب اللبن وطبق هذا بمهارة إيمحوتب، وتغلب علي كل الصعاب التي واجهته في الانتقال من البناء باللبن إلي البناء كلية بالحجر . من المهم أن نفهم أن آثار سقارة ما هي إلا بناء من الحجر لعمارة كانت معروفة في العصر الثني وعصر ما قبل الأسرات . والمجموعة الجنائزية لزوسر علامة علي أوج ازدهار هذا الفن وهي في نفس الوقت نقطة انطلاق من جديدة هو فن عصر الدولة القديمة . لاحظت أثناء فحص الأساسات وبناء الهرم المدرج أنه لم يكن مخططا له أن يكون هرما ذا درجات لكنه شيد علي ثلاث مراحل متمايزة بوضوح ففي البداية، بدأ إيمحوتب بتشييد مصطبة مربعة طول ضلعها ستون مترا، ثم أضيف إليها في ناحيتها الشرقية لتغطي سلسلة من الآبار تؤدي إلي مقابر الملكة والأطفال الملكيين، هذه المصطبة ارتفاعها البالغ حوالي عشرة أمتار، ربما ارتأوا أنها متواضعة ولا ترتقي لأن تكون مقرا لفرعون، وجعلوا منها نواة لهرم أول ذات درجات أربع أو كان سيتخطي في ارتفاعه الأربعين مترا، لاحظ إيمحوتب أن الاتزان الذي عليه البناء يسمح له بالزيادة فزاد فيه علي ستة درجات والدرج هنا يصور السلم الرمزي الذي يستخدمه الملك في الصعود للسماء كما تذكر نصوص الأهرام وصعود روح الملك المتوفي نحو أبيها رع جعل هذا التعديل الأخير من الهرم بناء ضخما بلغ ارتفاعه حوالي الستين مترا وساءلت نفسي إذا ما كانت المصطبة الأصلية والتي جاءت عدة كتل حجرية جيرية من الذي احتوت عليه إذا ما كانت هذه مخصصة لحورس سانخت شقيق زوسر وسابقه وعثر علي طبعات أختام في مخزن للفخار إلي الشمال من المعبد الجنائزي باسم هذا الملك .
حتي وأن أبدت بعض النظريات عكس ذلك، فإنني علي يقين من أن مقبرة زوسر هي أول نموذج لهرم مدرج فلو كانت هناك آثار ذات درج قبل ذلك لقلنا أن إيمحوتب شيد هرما مدرجا علي غرارها . تذكر اكتشافات حديثة في جنوب مصر أهراما مدرجة ارتفاعها حوالي خمسة وعشرين مترا، لكن تاريخها غير مؤكد، هذه الأعمال لا علاقة لها بالمجموعة المتكاملة التي أبدعها إيمحوتب الذي كان مهندسا معماريا وكبير كهنة هليوبوليس فكان كبير الرائين والمهندس المبدع، فقد نفذ أمنية الملك في أن يكون قريبا من الآلهة .
|
|
|
الأربعون ألف آنية
كان عام 1931 عاما مميزا بالنسبة لنا فقد غمرتنا السعادة عندما رأينا بين أيدنا طفلنا الأول، ولقد أسميناه بيير، وقد عشنا دراما رحيل سيسيل فيرث، هذا الموت المبكر جعل الألم والحزن يعتصرني، حمل علي أثر احتقان في الرئة علي متن مركب في الصيف إلي إنجلترا، ولقد ترك رحيله فراغا لم تملأه السنون، وبقيت السنوات طوال متأثرا برحيل هذا الصديق العزيز جدا والنادر جدا كذلك، وبدونه لم تعد الحياة في سقارة كما كانت، فلقد كانت لديه الموهبة التي بها يستطيع أن يبعث النشاط في من معه ففي صحبته كل شئ ممكن، ووجوده يبعث علي الاستبشار، اجتماعي ويمازح الزوار، وهو يقص عليهم قصة اكتشاف تمثال زوسر، ذات يوم وكنت في صبحته حكي لإحدي السائحات أن هرم زوسر شيد فيما يفترض عام 2700 وفجأة سألته السيدة إذا ما كان ذلك قبل أو بعد ميلاد المسيح فقال نعم سيدتي أنه قديم جدا لدرجة أننا لم نعد نعرف بشكل جيدا .
أتذكر سعادته عندما علم بأن ميمي حامل من جديد وأراد أن يشرف معنا علي أعمال توسعة المنزل حيث كان يلزمنا حجرة أخري والعمال هنا يعملون طبقا للتخطيط علي الأرض، وعندما رأي طائر اللقلاق يحلق من فوقنا استدار نحوي قائلا : عليكم أن تشيدوا حجرة للطفل الثاني، وكان محقا فلقد وصل دانييل بسرعة كبيرة بعد أخيه بيير .
آخر اكتشاف كبير شاركت فيه مع فيرث كان في الشتاء الماضي، عندما كنا ننظف ما حول هرم سركان، مؤسس الأسرة الخامسة، فلقد عثر علي رأس من الجرانيت ضخمة هي جزء من تمثال عملاق لنفس الملك، وكان اكتشافا مهما لأنه حتي هذه اللحظة كان تمثال أبو الهول بالجيزة هو المثال الوحيد للتماثيل الضخمة من الدولة القديمة، وكان فيرث يجعلني أشارك في أعماله حتي وإن كانت خارج دائرة زوسر . وبوفاته وجدت نفسي الأثري الوحيد في شمال سقارة، وأتممت لتوي عامي التاسع والعشرون ولكني لم أرهب حجم العمل الضخم الذي ينتظرني، بعد خمس سنوات في مصر العمل في الموقع أصبح باعث وجودي، وشعرت أنني في مكاني المناسب، كما كان شعوري بعد زواجي من ميمي، وبعد طفلنا الأول وجدت الاستقرار التام .
ومع ذلك فقد أربك رحيل فيرث الحياة في الموقع وواصلت الأعمال وكرست جزءا من شتاء عام 1931 لاستكمال الرفع المعماري للسور الكبير للملك زوسر ومن جانبه لاكو ألح في أن يأتي كويبل المتقاعد والموجود في انجلترا لينشر الملاحظات التي تركها فيرث عن المجموعة الجنائزية للهرم المدرج . والخلاف الذي ثار بين فيرث وجن أزعجه ومن ثم جاء متشددا فيما يتعلق بعملية النشر حيث اعتقد وهو محق أن العثور علي آثار لا يجعل العلم يتقدم إن لم ينشر بشكل علمي، وتمني أنني أسجل كتابة بمساعدة كل ما جمعناه من ملاحظات حول الهرم، حاولت إقناعه في أحد اللقاءات أن أقنعه أن لدينا وثائقا كثيرة فيما يتعلق بالعمارة الخارجية للهرم لكن الدهاليز الداخلية في معظمها لم يكتشف بعد وأنني أري أمامنا عمل كبير ينتظرنا، وقد كنا نهبط إلي الداخل نحاول أن نفهم مغزي ووظيفة هذه الدهاليز الغامضة وعثرت علي إحدي عشر بئرا أعدها إيمحوتب لدفنات أفراد العائلة المالكة، لكننا لم نستطع أن ندخل هذه الآبار لأنها لم تنظف بعد.
عندما دخلنا حجرة اللوحات لاحظنا وجود فتحة كبيرة في الأرضية، ربما حفرت في العصر الصاوي من القرن السادس قبل الميلاد والذين وصلوا إلي الدهاليز التي تقبع علي عمق ثلاثة وثلاثين مترا تحت مستوي قاعدة الهرم وكنت أود استكمال العمل لمعرفة الهدف من هذه الدهاليز الغامضة . وبعد موافقته علي استئناف الاستكشاف فإن لاكو أعطاني فريق عمل صغير مكون من خمسة عشر فردا فلم يكن يري أهمية كبري لأعمال التنظيف، وبدأنا كوييل وأنا وبعد تنظيف حجرة اللوحات ثم تقدمنا داخل دهليز الذي يقودنا علي مسافة قصيرة إلي دهليز يتجه شرق غرب حيث اكتشفنا تابوتين من الألباستر، وقد حطم اللصوص غطاء كل منهما يحوي واحد منهما تابوت خشبي في حالة سيئة لدرجة أننا لم نتمكن من معرفة طريقة عمله في الحالة . وعندما حاولنا إخلاء التابوت لجمع القطع الخشبية عثرنا علي عظام طفل صغير يبلغ من العمر حوالي ثمانية أعوام، والأكثر دهشة هو أن المصريين كان لديهم معرفة متقدمة بطريقة صناعة الخشب وتعشيقه معا، والسؤال الآن الذي يطرح نفسه هو لماذا وجود تابوتين في نفس الدهليز بعد بعض التردد توصلت إلي التقريب بينهما وبين وجود مقبرتين لزوسر، ولأنهم في الأسرة الثالثة يضعون الأواني الكانوبية في تابوت حقيقي، ويمكن افتراض أنهم وضعوا في المقبرة الأولي الجثة وفي المقبرة الثانية الأواني الكاثوبية، وما اكتشفناه حديثا جعلنا نتأكد أن الهرم المدرج لم يكن مقر دفن الملك وحده، ولكن كذلك لأفراد العائلة، ولم تكد هذه في الحال مع ما تلي من أهرام التي أصبحت مقبرة خاصة بالملك وحده .
نتقدم ببطء بالنسبة لكويبل عملية الهبوط والخروج لمسافات تصل لثلاثين مترا في العمل وفي كل يوم لا نأتي بجديد كانت شاقة بالنسبة لعمره، ومما أثار إعجابي صلابته وشجاعته ويخمن وأتفق معه، أن مقبرة زوسر لم تبح بكل أسرارها ذات يوم وفي الصالة التي كنا نعمل فيها حيث اكتشفنا التابوتين من الالباستر، وفجأة عندما رفعنا رأسنا رأينا أواني حجرية تبرز من الجدار وبدأنا بسرعة نجذبها، وكانت كثيرة ولم نصدق أعيننا وأعتقدنا بوجود دهليز آخر بالخلف، ولكن الصخر كان في حالة سيئة جدا لدرجة حالت دون عمل اختبار، واخترنا جزء أكثر صلابة، وحفرنا ثقبا أفضي إلي دهليز ملئ بالأواني من الألباستر وأحجار أخري صلبة . واحتفظت برؤية وذكري خاصة بهذا الحدث ٌ فجأة أخرجت آثار وأدوات كانت مدفونة هنا منذ خمسة آلاف عام، كأنها الحمم تتجه نحو الفتحة، ونحن مذهولون ولا ندري ماذا نفعل لإيقاف هذا التدفق وكان مذهلا رؤية هذا الكم الهائل من الأواني ولكنها لسوء الحظ مهمشة في أغلبها، نحن أمام سلسلة من المخازن المصونة والمخصصة لملكات أو أميرات وهذا جعلنا نتخيل ما كان عليه حال الدهاليز العلوية المخصصة لأدوات وأثاث الملك والذي من المؤكد كان أكثر ثراء وفخامة ولكنه نهب منذ وقت طويل .
إزالة الركام وتنظيف المبني السفلي يمثل عملا شاقا مستمراج لعدة شهور، والمشكلة هي ألا نخلط الكسر مع بعضهما علي أمل أن نستطيع أن نعيدها ونرممها فيما بعد فهي عندما وضعت كانت سليمة وكاملة، وكان علينا أولا أن نجمع كل الكسر التي تنتمي لنفس الآنية معا علي ورقة، وقرر لاكو أن نصنع صناديق من الخشب خاصة لاحتواء القطع بشكل منتظم، عشرات من الصناديق تملأ يوميا، ومن ثم كان يجب تشييد مخزن ليستوعل الآثار التي تركها وراءهم لصوص المقابر، آثار عانت علي مدار آلاف السنين، وما تبقي مدفونا في باطن جبال من الرمال .
وبالتالي، تمت الحفائر في الموقع بشكل جزئي بواسطة مارييت وماسبيرو، لكن هذين العالمين الكبيرين لم يتخيلا وجود آثار حول الهرم المدرج، ففي عام 1927 كانت قاعدته لا تزال مدفوعة في الرمال . في البداية، عهد إلي فيرث بفحص المبنيين الأوليين الذين ظهرا في عام 1924، ومهمتي كانت استخدام كل العناصر المعمارية بعد فحصها لإعادة البناء المعماري للآثار التي شادها إيمحوتب، ولأن هذه المباني لم تكن أهرام ملكات، فكان عليه أولا معرفة وظيفة هذه المباني، ولأننا نجهل كل شئ عنهما فقد افترضنا أنها مقابر للآباء الملكيين الذين تظهر أسماؤهم مع حورس نثري خت علي بقايا لوحات، فيما بعد ونظرا لنقص الدلائل الدقيقة، لقبوها، بيت الشمال، بيت الجنوب، وعثرنا علي قطع عديدة من أعمدتها الأربعة المحطمة والملقاة علي الأرض، ثم واجهت العمل الشاق .
لقد علمني جيكييه أصول علم الآثار المصرية، لكن أمام الأطلال تملكني الشكوك، ما وظيفتهم ؟ فسرعان ما تنبهت إلي أن أهم سلاح أحمله معي في مواجهة الزمن هو الصبر، وهذا أمر رئيسي ومهم لكي أستطيع مواجهة العمل الذي سيستغرق كل حياتي . وأخذت أفحص الناحيتين المعمارية والفنية، ولما كنت إنسانا عمليا ومدققا في التفاصيل فقد تقدمت في العمل بنظام تخطيط علي الأرض واضح نسبيا لكن الأجزاء العليا من المباني تهدمت واستخدمت في عمليات التحجير في العصور الوسطي، كان عليٌ دراسة كل الكسر الحجرية المتناثرة علي الأرض، فهذه الأحجار فقط تحمل لي الكثير فيما يتعلق بالبناء، ومكان كل حجر فيه، وبدأت في تجميع كل العناصر المعمارية المبعثرة علي الأرض لتحليلها بكل تفصيلاتها، وأخذت مقاساتها وأعطيتها أرقاما وبالترتيب، وعملت لها تصنيفا حتي يأتي اليوم الذي أضع كل حجر منها في مكانه، وكان عملا طويلا، طويلا جدا .
الكتل المقوسة الشكل كانت تزين الواجهات مباشرة فوق تيجان الأعمدة ساعدتني علي استعادت عناصرها الموجودة علي الأرض، وبعد عدة أسابيع من البحث والتردد توصلت لأن أضع في كل عمود جذعه الأسطواني، وتوصلت مع نهاية موسم الحفائر الأول بالنسبة لي، والأمر هنا لا يخلو من بعض الشعور بالفخر، عندما انتهيت من عمل إعادة تشييد الواجهة كاملة علي الورق، من المؤكد لم يكن محل نقاش أن الوقت لم يحن بعد لعمل إعادة بناء حقيقية، ومع استمرار الحفائر ولا أنسي هذه الجملة الواضحة التي قالها جاك ذو مورجان : السعادة عند العثور علي شئ لا تكمن فقط في امتلاكه، ولكن تأمله والتفكير فيه يشكل جزءا من الإحساس بالسعادة .
علي أيام فيرث، كانت الحفائر تتم في مناخ عمل متواصل وحماسي ولم يعد الحال هكذا منذ وقت طويل لقلة الإمكانيات المادية، مئات العمال بالموقع يعملون تحت قيادة الريس والعديد من مساعدي الريس. في مصر يوجد العديد من أسر رؤساء العمل، يربيهم آباؤهم علي مدار أجيال، يصبح هؤلاء مهرة في هذه المهنة، وحتي فترة الحرب كان لدينا رؤساء عمال ممتازون، لكن لم نجد لهم خلف علي مستواهم، في الكرنك كان علماء الآثار لديهم الحظ لوجود حرفيين مهرة لأنهم كانوا يتقاضون أجورا جيدة، أما اليوم في سقارة العمال المهرة مجر موظفين يأتون للموقع عندما يكون الأمر علي هواهم .
في العشرينيات، العمال المتخصصون الذين تدربوا علي أيدي عالم المصريات الإنجليزي بتري، كانوا يأتون من الصعيد، وكان يعهد إليهم بالمبتدئين القادمين من القري المجاورة، يعمل أطفال كثيرون بمواقع العمل، وهم أكثر مهارة ممن يكبرونهم، وأقل تهاونا لأنهم يأخذون العمل كأنه لعب، يغنون، ويجرون ويتسلون محدثين جوا من المرح في الموقع . حاليا، يذهب الأطفال للمدرسة، عمل معي اثنان من الكوفت الذين يستعملون بمهارة التورية وهي آداءة تستعمل لاستخراج الآثار من تحت الرمال ويعرفون أحكام الإمساك بالآثار المدفونة في الأرض بحرص وحذر ويصعدون بها الواحدة وراء الأخري . في عملية إعادة البناء وتخطيطات المباني علي الأرض كانت واضحة لأنها بقيت محفوظة علي بعد متر أو مترين في الرمال، ثم بدأت أواجه هذا العمل الضخم المربك في نفس الوقت لدرجة أنني أصبحت خاضع له، أصبحت الدنيا كلها ما هي إلا هذا الحقل من الأطلال التي تلاحق أيامي ولياليٌ . وعندما يتبلور شكل أو تخطيط معماري يتبدي واضحا أدخل في عالم من البهجة التامة، أستيقظ كل صباح في الفجر وأعمل بلا ككل وحتي أثناء النهار تحت أشعة الشمس الحارقة، ونسيت حتي العزلة، هذه العزلة الخاصة في الصحراء، هذه التي تصبح في يوم أو في الآخر لا تطاق، أما أنا فقد تحملتها . إنني حقا أحب الصحراء .
بالتوصل لآثار الأشكال المعمارية وإعادة حساب النسب في هذه المباني بأسلوب لا يزال غير معروف في مصر أكتشف شيئا فشيئا تجارب طريفة لنقل العمارة الطينية من العمارة الحجرية أو تلك الخشبية كذلك وأعواد البوص، فهو تحول للبناء بالحجر محلية كذلك الذي نعرفه عن بداية العمارة اليونانية في المعابد الدورية . هكذا توضح نسب الأعمدة التي تقلد في الحجر حوامل من الخشب أو جذوع النخل أو التقوسات الجميلة لأسقف تمثل تلك المقاصير الصغيرة التي كانت تبني باستخدام البوص وتحتوي علي تماثيل المعبودات .
كل أبواب هذا المقر الأبدي أبواب رمزية شكلا فقط تنحت في الحجر، بعضها ينحت علي أنه مفتوح والآخر كأنه مغلق، ويوم أن فهمت أن هذه المجموعة لا تؤدي سوي دور رمزي لأنها ما شيدت إلا من أجل روح الفرعون، وفهمت كذلك لماذا لم تحتو علي الفتحات سوي أبواب وهمية، فهذه تعمل وبشكل مثالي بناء علي أوامر سحرية من الكا الملكية .
في نهاية بعد الظهر، يترك العمال الموقع، وآنذاك أعود لمنزلي علي قدمي، علي بعد حوالي كيلو متر من هنا، أحببت كثيرا المشي، خاصة في هذا الفضاء الموحش، ينتظرني محمد بالشاي المعد والموضوع علي منضدة خشبية، أجلس في مكتبي حتي وقت العشاء، وأقوم بتدوين الملاحظات ورسوم العمل لهذا اليوم، وكنت أجدني مشتاقا لتلك الأوقات التي أجدني فيها أمام أشجار النخيل وعندما يخفت الضوء تصبح السماء ذات لون أصفر شاحب . أجلس فوق الهضاب في الليالي المقمرة أتأمل السماء الصافية وزرقتها، ذلك البحر الضخم الذي تشكله الصحراء حيث تنبثق هنا حياة دافئة، أحس وكأن أرواح الآله المختفية تعود لكي تظلل هذا الكون .
الأربعون ألف آنية
كان عام 1931 عاما مميزا بالنسبة لنا فقد غمرتنا السعادة عندما رأينا بين أيدنا طفلنا الأول، ولقد أسميناه بيير، وقد عشنا دراما رحيل سيسيل فيرث، هذا الموت المبكر جعل الألم والحزن يعتصرني، حمل علي أثر احتقان في الرئة علي متن مركب في الصيف إلي إنجلترا، ولقد ترك رحيله فراغا لم تملأه السنون، وبقيت السنوات طوال متأثرا برحيل هذا الصديق العزيز جدا والنادر جدا كذلك، وبدونه لم تعد الحياة في سقارة كما كانت، فلقد كانت لديه الموهبة التي بها يستطيع أن يبعث النشاط في من معه ففي صحبته كل شئ ممكن، ووجوده يبعث علي الاستبشار، اجتماعي ويمازح الزوار، وهو يقص عليهم قصة اكتشاف تمثال زوسر، ذات يوم وكنت في صبحته حكي لإحدي السائحات أن هرم زوسر شيد فيما يفترض عام 2700 وفجأة سألته السيدة إذا ما كان ذلك قبل أو بعد ميلاد المسيح فقال نعم سيدتي أنه قديم جدا لدرجة أننا لم نعد نعرف بشكل جيدا .
أتذكر سعادته عندما علم بأن ميمي حامل من جديد وأراد أن يشرف معنا علي أعمال توسعة المنزل حيث كان يلزمنا حجرة أخري والعمال هنا يعملون طبقا للتخطيط علي الأرض، وعندما رأي طائر اللقلاق يحلق من فوقنا استدار نحوي قائلا : عليكم أن تشيدوا حجرة للطفل الثاني، وكان محقا فلقد وصل دانييل بسرعة كبيرة بعد أخيه بيير .
آخر اكتشاف كبير شاركت فيه مع فيرث كان في الشتاء الماضي، عندما كنا ننظف ما حول هرم سركان، مؤسس الأسرة الخامسة، فلقد عثر علي رأس من الجرانيت ضخمة هي جزء من تمثال عملاق لنفس الملك، وكان اكتشافا مهما لأنه حتي هذه اللحظة كان تمثال أبو الهول بالجيزة هو المثال الوحيد للتماثيل الضخمة من الدولة القديمة، وكان فيرث يجعلني أشارك في أعماله حتي وإن كانت خارج دائرة زوسر . وبوفاته وجدت نفسي الأثري الوحيد في شمال سقارة، وأتممت لتوي عامي التاسع والعشرون ولكني لم أرهب حجم العمل الضخم الذي ينتظرني، بعد خمس سنوات في مصر العمل في الموقع أصبح باعث وجودي، وشعرت أنني في مكاني المناسب، كما كان شعوري بعد زواجي من ميمي، وبعد طفلنا الأول وجدت الاستقرار التام .
ومع ذلك فقد أربك رحيل فيرث الحياة في الموقع وواصلت الأعمال وكرست جزءا من شتاء عام 1931 لاستكمال الرفع المعماري للسور الكبير للملك زوسر ومن جانبه لاكو ألح في أن يأتي كويبل المتقاعد والموجود في انجلترا لينشر الملاحظات التي تركها فيرث عن المجموعة الجنائزية للهرم المدرج . والخلاف الذي ثار بين فيرث وجن أزعجه ومن ثم جاء متشددا فيما يتعلق بعملية النشر حيث اعتقد وهو محق أن العثور علي آثار لا يجعل العلم يتقدم إن لم ينشر بشكل علمي، وتمني أنني أسجل كتابة بمساعدة كل ما جمعناه من ملاحظات حول الهرم، حاولت إقناعه في أحد اللقاءات أن أقنعه أن لدينا وثائقا كثيرة فيما يتعلق بالعمارة الخارجية للهرم لكن الدهاليز الداخلية في معظمها لم يكتشف بعد وأنني أري أمامنا عمل كبير ينتظرنا، وقد كنا نهبط إلي الداخل نحاول أن نفهم مغزي ووظيفة هذه الدهاليز الغامضة وعثرت علي إحدي عشر بئرا أعدها إيمحوتب لدفنات أفراد العائلة المالكة، لكننا لم نستطع أن ندخل هذه الآبار لأنها لم تنظف بعد.
عندما دخلنا حجرة اللوحات لاحظنا وجود فتحة كبيرة في الأرضية، ربما حفرت في العصر الصاوي من القرن السادس قبل الميلاد والذين وصلوا إلي الدهاليز التي تقبع علي عمق ثلاثة وثلاثين مترا تحت مستوي قاعدة الهرم وكنت أود استكمال العمل لمعرفة الهدف من هذه الدهاليز الغامضة . وبعد موافقته علي استئناف الاستكشاف فإن لاكو أعطاني فريق عمل صغير مكون من خمسة عشر فردا فلم يكن يري أهمية كبري لأعمال التنظيف، وبدأنا كوييل وأنا وبعد تنظيف حجرة اللوحات ثم تقدمنا داخل دهليز الذي يقودنا علي مسافة قصيرة إلي دهليز يتجه شرق غرب حيث اكتشفنا تابوتين من الألباستر، وقد حطم اللصوص غطاء كل منهما يحوي واحد منهما تابوت خشبي في حالة سيئة لدرجة أننا لم نتمكن من معرفة طريقة عمله في الحالة . وعندما حاولنا إخلاء التابوت لجمع القطع الخشبية عثرنا علي عظام طفل صغير يبلغ من العمر حوالي ثمانية أعوام، والأكثر دهشة هو أن المصريين كان لديهم معرفة متقدمة بطريقة صناعة الخشب وتعشيقه معا، والسؤال الآن الذي يطرح نفسه هو لماذا وجود تابوتين في نفس الدهليز بعد بعض التردد توصلت إلي التقريب بينهما وبين وجود مقبرتين لزوسر، ولأنهم في الأسرة الثالثة يضعون الأواني الكانوبية في تابوت حقيقي، ويمكن افتراض أنهم وضعوا في المقبرة الأولي الجثة وفي المقبرة الثانية الأواني الكاثوبية، وما اكتشفناه حديثا جعلنا نتأكد أن الهرم المدرج لم يكن مقر دفن الملك وحده، ولكن كذلك لأفراد العائلة، ولم تكد هذه في الحال مع ما تلي من أهرام التي أصبحت مقبرة خاصة بالملك وحده .
نتقدم ببطء بالنسبة لكويبل عملية الهبوط والخروج لمسافات تصل لثلاثين مترا في العمل وفي كل يوم لا نأتي بجديد كانت شاقة بالنسبة لعمره، ومما أثار إعجابي صلابته وشجاعته ويخمن وأتفق معه، أن مقبرة زوسر لم تبح بكل أسرارها ذات يوم وفي الصالة التي كنا نعمل فيها حيث اكتشفنا التابوتين من الالباستر، وفجأة عندما رفعنا رأسنا رأينا أواني حجرية تبرز من الجدار وبدأنا بسرعة نجذبها، وكانت كثيرة ولم نصدق أعيننا وأعتقدنا بوجود دهليز آخر بالخلف، ولكن الصخر كان في حالة سيئة جدا لدرجة حالت دون عمل اختبار، واخترنا جزء أكثر صلابة، وحفرنا ثقبا أفضي إلي دهليز ملئ بالأواني من الألباستر وأحجار أخري صلبة . واحتفظت برؤية وذكري خاصة بهذا الحدث ٌ فجأة أخرجت آثار وأدوات كانت مدفونة هنا منذ خمسة آلاف عام، كأنها الحمم تتجه نحو الفتحة، ونحن مذهولون ولا ندري ماذا نفعل لإيقاف هذا التدفق وكان مذهلا رؤية هذا الكم الهائل من الأواني ولكنها لسوء الحظ مهمشة في أغلبها، نحن أمام سلسلة من المخازن المصونة والمخصصة لملكات أو أميرات وهذا جعلنا نتخيل ما كان عليه حال الدهاليز العلوية المخصصة لأدوات وأثاث الملك والذي من المؤكد كان أكثر ثراء وفخامة ولكنه نهب منذ وقت طويل .
إزالة الركام وتنظيف المبني السفلي يمثل عملا شاقا مستمراج لعدة شهور، والمشكلة هي ألا نخلط الكسر مع بعضهما علي أمل أن نستطيع أن نعيدها ونرممها فيما بعد فهي عندما وضعت كانت سليمة وكاملة، وكان علينا أولا أن نجمع كل الكسر التي تنتمي لنفس الآنية معا علي ورقة، وقرر لاكو أن نصنع صناديق من الخشب خاصة لاحتواء القطع بشكل منتظم، عشرات من الصناديق تملأ يوميا، ومن ثم كان يجب تشييد مخزن ليستوعب ألف وثلاثمائة صندوق، ومخزن آخر بسعة مضاعفة انتظارا للموسم التالي، وإجمالي الصناديق بلغ ستة آلاف، وكل صندوق أخذ رقما وتاريخ استخراج القطع التي يحتويها .
قاد العمل الأستاذ محمود علي إبراهيم رئيس عمل ذو خبرة يتمتع بحيوية نادرة، وهو يعرف كيف يوجه عماله في هذا العمل الشاق والخطر، وأصبح الجو أسفل الهرم خانقا وداهم العمال إجهاد مخيف، وبالتالي أوقف محمود العمل وأمر العمال بالخروج من الهرم حتي يتجدد الهواء بداخله . وبدأت العمل في ستة دهاليز أخري مشابهة، الاثنان الأول منها فقط هي التي تحتوي علي أواني . أربعة مواسم من 1933 وحتي 1936 استغرقتها عملية التنظيف وإزالة الركام . وكم حزنت لعدم وجود فيرث معنا وهو الذي طالما تساءل حول هدم الدهاليز . هذا العدد الهائل من الأواني من كل الأحجار من الشست والالباستر والبرشيا الأحمر من أسيوط ومن جرانيت أسوان، كلها صنعت للاستخدام في العالم الآخر ولكن هذا بالنسبة لنا صعب التصور، حوالي أربعة آلاف آنية سليمة وألف رممناها، وما تبقي ربما كسر حوالي أربعين ألف آنية . هذا الكم الهائل من الأواني الملكية الخاصة بالملك زوسر ذات صنعة دقيقة تنم عن تقدم ومهارة في هذا العصر البعيد وخاصة أنها من أحجار صلبة .
وبدأ بيير لاكو في الدراسة اللغوية، وخلال عدة سنوات أخذ ينسخ الهيروغليفي المنقوش علي الأواني ويحاول أن يفسر بصبر لا ينفد آلاف النصوص القصيرة جدا التي توضح أسم المالك، الملك أو شخصية كبيرة، وأحيانا اسم الأثر الذي من أجله كرست الآنية، ووجد في النقوش أسماء كل الملوك في الأسرتين الأولي والثانية . ونصوص أخري مكتوبة بالحبر توضح اسم الصانع أو الذي أهداها وعلامات الاتيليه وأحيانا في أي المناسبات كانت هذه الهبة، ومجموع هذا العمل نشر في ثلاثة أجزاء ممهورة باسم لاكو وأنا.
إعادة التركيب
أنا فخور كثيرا بأعمال الترميم التي أنجزتها بدهليز الأعمدة، وعندما وجت نفسي وجها لوجه مع دهليز يحيط به من جانبيه قواعد أعمدة وعددها أربعون لم أكن أعرف ماذا أفعل، وأثناء الحفائر التي جرت قبل وصولي للموقع لم يكن أحد يعبأ بإعادة العناصر المعمارية لأماكنها، وكل شئ كان مختلطا مما زاد من صعوبة مهمتي، شئ يدير الرأس . ولكن سرعان ما ركزت مجهوداتي علي الصالة المستعرضة في نهاية الدهليز والتي احتوت علي ثمانية أعمدة جمعت في مكان واحد في زاوية، وبمساعدة عمالي المخلصين حفظتهم وسجلتهم وصنفتهم، وكنا نضعهم تباعا في الفناء الكبير للهرم في دهليز المدخل، كان العمل معقدا : الأعمدة مهشمة تماما والجذع مكون من ثلاثة كتل وليس كتلة واحدة وأحيانا مكونا من أربعة أو خمسة كذلك ومن ثم من السهل تصور صعوبة العمل الذي نحن بصدده، تفكك وتحلل وتصنف كل كسرة وقطعة وتحاول أن تنسب كل قطعة لعمودها من بين الأربعين عمودا ومجموع ما توصلت لتحديده يفوق في عدده السبعمائة قطعة ووجدت مكانها الأصلي، وأحيانا ما أخاطب إيمحوتب، ولسوء الحظ لا يظهر لي أبدا ولكن عندما أجد مكان قطعة كنت أقول لنفسي : هذه هدية من إيمحوتب .
عملية إعادة البناء نفسها استغرقت سنوات، ولتسهيل مهمتي وضعت تكنيك بسيط : بالتتابع أعمل رسم لكل قطعة من قطع الأعمدة هذه الرسومات بقيت معي دوما أثناء الحفائر، فعندما أعثر علي قطعة أضع لها رسما بأبعادها ثم أضعها في مكانها من العمود للتأكد إذا ما كانت في مكانها الصحيح، فلو كانت في مكانها أتتم عملية تثبيتها، وإلا أواصل البحث، وهكذا بدأت عملية إعادة بناء الدهليز، وجمعت رقما هائلا وهو ألفان من القطع والعناصر المعمارية التي بقي معظمها لم أستخدمه، وأضع في ذهني أن أعرض منها بعضها الأفضل والأجمل في متحف إيمحوتب . كنت محظوظا إذ أمتلك نظرا ثاقبا ودقيقا مما يساعدني في هذا المشضروع الهائل، ولدي نظر قوي دوما فأستطيع أن أتحري عن قطعة من الفخار في الرمال . وكم أكون سعيدا عندما أتوصل إلي اكتشاف كل أجزاء عمود ! واحدة من الصعوبات هي تحديد ارتفاع العمود فإذا لم نستطع أن نحدد ارتفاع اثر فإن عملية إعادة البناء تصبح مستحيلة، ونفترض هنا أن إيمحوتب نفسه غير رأيه أثناء العمل، فد بدأ بتشييد الثمانية أعمدة في الصالة المستعرضة وبما أنني لدي كل القطع الخاصة بها، فقد استطعت إعادة نصبها بشكل سريع نوعا ما وعرفت ارتفاعها وكانت هذه النتيجة الأولي مهمة وتأكدت من أن الأعمدة الأربعة الأولي ذات تسعة عشر ضلع مثل الأربعة التي نصبتها للتو أما الأخري فذات سبعة عشرة ضلعا حيث خفض إيمحوتب ضلعين حيث بسط العمل علي رجاله وبلا نقاش فقد نصب الستة والثلاثين عمودا المتبقية من سبعة عشر ضلعا وكانت هذه نتيجة مهمة أخري في العمل في هذا الدهليز، أن أصل لإعادة بناء دهليز إيمحوتب بالنسبة لي بمثابة اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون ! لحظة سعادة لا توصف وهناك شئ غريب رغم أي شئ في هذا العمل وهو أن إيمحوتب شيد علي كل جانب حوائط تسند الأعمدة لتقويتها ولتتحمل عوادي الزمن لكن في النهاية استعملرها في العصر الحديث الحجارون وانتزعوا أحجارها مما تسبب في تهدمها .
وبدراسة كل قطعة من هذه المجموعة، استطعت التعرف علي شكلها ونسبها في المبني وكانت ذات أسلوب غير معهود في مصر فقد قلد إيمحوتب في الحجر عناصر معمارية من الطوب اللبن والخشب أو حتي من البوص وهكذا فسرت هذه النسب الخاصة من الأعمدة والتي تبرز كأنها أوتاد وحوامل من الخشب المحزز أو أعواد من جريد النخيل .
وجمعت خصائص تكنيك بدائي ولكنه يجمع كل خصائص فن متطور، أكثر من حل للتغلب علي قلة الخبرة في البناء بالحجر الذي يتعاملون معه للآن بعفوية وكأنهم يتعاملون مع أخشاب للنجارة وليس أحجار للنحت . وتحققت من إحراز تقدم وتبسيط في العمل مع مرور الوقت وهم يشيدون ويبنون، سواء في الأدوات المستخدمة أو في البناء، وهو الأمر الذي يدل علي عبقرية هذا المهندس المعماري ويدل كذلك علي صبر عماله ومهارتهم . عبر مجموعة زوسر نشعر بثورة في تقنية البناء . في السبعينيات الأثري الإنجليزي جيفري ت . مارتن، خليفة إمري في سقارة، اكتشف علي مقربة من سور زوسر جنوبا مقبرة حورمحب الرائعة، جنرال من الدولة الحديثة، وهذا الاكتشاف أكد ما كنا نعتقده منذ بعض الوقت أن الجبانة المنفية لا تأوي فقط مقابر من الدولة القديمة وأثناء الحفائر اكتشف مارتن خمسة جزوع لأعمدة في أرضية فناء المقبرة، وبفحصها استنتج أنها ترجع لأثر أقدم . ذات صباح، قال لي وهو ذاهب مع عماله للموقع أنه سيعطيني بعض الأجزاء التي ربما انتزعت من الدهليز، وبالفعل وبعد السكن لمدة ثلاثة آلاف عام في ضيافة حور محب عادت بقايا هذه الأعمدة الخمسة لمكانها الأصلي، واستطعت بالفعل أن أضع ثلاثة منها في مكانها .
في نهاية صيف عام 1931 وبناء علي طلب لاكو سافرت إلي أثينا لأشارك ممثلا لمصلحة الآثار في مؤتمر عن إعادة تركيب الأعمدة، وهذا يعني وضع عناصر محققة من عمود في مكانها، وبدأت الأشياء تعرف في عالم الآثار وفكرة إعادة بناء الآثار المتهدمة أو المجمعة أخذت رويدا رويدا طريقها إلي إيطاليا واليونان . وكنت سعيدا أن أجد نفسي في البلد الذي شهد كل سحر رحلة زواجي، وأفدت من الوقت الذي سبق بدأ المؤتمر في الذهاب إلي الأكروبول، وفي الصباح صعدت البروبليس، فيما مضي الطريق المقدس، السماء تكاد تلامس الآثار وهي بوابات عظيمة الحجم زرقاء يحيط بها أعمدة بيضاء دورية تذكرني بالأعمدة في واجهة بيت الشمال والجنوب في سقارة وأخذت أسأل نفسي عن هذه الأعمدة الدورية التي ظهرت في مصر قبل ظهورها في اليونان بزمن . تواصلت في صالة المؤتمر مع كل المهندسين المعماريين الذين يهتمون بآثار تاريخية، مديري مدارس الفنون الجميلة ومؤرخين مثل بول ليون أو ليوس هوتكور . برنامج اليوم يدور حول أعمال إعادة البناء الجارية في الأكروبول، وهذا يسير في ذات اتجاه عملي في سقارة . وكنت شغوفا لمعرفة كيف يعمل زملائي وما هي المبادئ التي يطبقونها، دار النقاش حول قضية معرفة إلي أي مدي يجب الاستمرار في إعادة تركيب الأعمدة في البارثينون، وهو العمل الذي يباشره المهندس اليوناني بالانوس الذي ابتكر كلمة أناستيلوس .
يسمح هذا الإنجاز بإعادة عمود بنسبه الدقيقة لما كان عليه في سالف عهده، وهذا بالضبط ما قمت به منذ ثلاثة أعوام في سقارة، في نهاية النقاش قرر المؤتمر أن يعيد بناء البارثينون بالعناصر القديمة لأنها أكثر ملاءمة من الألباستر الحديث وابتداء من هنا، تبقي أن نحدد في أي نسبة نستخدم الجديد لإعادة بناء القديم عندما تختفي معظم العناصر القديمة، بالنسبة لي كانت قضية بسيطة، وفي الاتجاه الذي يساير المذهب الذي ينادي بالحفاظ علي جمال الأثر . في الكرنك وفي عام 1937، أعاد الأثري هنري سيفرييه بناء معبد صغير بالكامل وهو معبد الملك سنوسرت الأول، ثاني ملوك الدولة الوسطي (الأسرة 12) لأنه كان محظوظا إذ عثر علي كل الأحجار الخاصة بهذا المعبد والتي كانت مستخدمة في بناء الصرح الثالث بالمعبد الكبير، لكن عندما ينقصنا معظم الأحجار يمكن أن نرتكب أخطاء كما هو الحال في كنسوس وكريت أو معبد مينوس الذي أعيد بناؤه بالكامل من لا شئ وهذا ما نعمله إذا لم نعرف ما كان يوجد حقيقة أو الذي نرسم له تخطيطا كاملا من تصورنا .
منذ عدة سنوات وأثناء ندوة في جمعية الآثار بالكوليج دو فرانس حيث تحدثت عن أعمال إعادة البناء التي قمت بها في مجموعة زوسر، وخاصمني أندريه بوشان، أستاذ قديم للفيزيقا والكيمياء بالليسيه الفرنسية بالقاهرة، وهو الذي أمضي وقتا كبيرا يضع نظريات غامضة عن الأهرام، وهاجمني من ثم بخصوص الدرج الذي يوجد في فناء الحب سد، يوجد منه درحان : أحدهما اختفي تماما والآخر تبقي منه سبع درجات، وكنت أعمل بالفعل في هذا الدرج عندما جاء بوشان يزور الموقع، ولم يقل شيئا آنذاك ولكنه في باريس أثناء هذه الندوة في الكوليج دو فرانس، أخذ الحديث ووجه لي الكلام بحدة السيد لوير، لقد تحققت أنك أضفت درج لسلم فناء الحب سد الذي يتكون من سبع درجات، وجانبك الصواب ! ألم تشعر أن سبعة هو رقم مقدس السيد بوشان قاطعته بسرعة، هل تتصور أنني أضفت من عندي هكذا ثلاث درجات ؟ لو أنني فعلت ذلك فلأنه ضروري لنصل للمكان الذي يوصل إليه السلم، السيد بوشان، لو أن منزلك احترق لتوه ولم يتبق إلا سبع درجات في السلم هل ستمتنع عن إعادة بناء السلم بحجة أنه رقم مقدس؟
منذ عودتي من أثينا وأنا أعمل وبدأت بالعمل علي الورق في إعادة بناء نظرية للمجموعة الجنائزية للملك زوسر والأمر العاجل بالنسبة لبيير لاكو كان هو حماية الآثار التي أحجارها الجيرية ضعيفة ومن ثم أقمنا أعلي بقايا الدهليز سقفا للحماية من الشمس والمطر، ولأننا الآن نجهل الارتفاع الأصلي للأعمدة فقد شيدنا أولا سقفا من الخشب علي ارتفاع خمسة أمتار أو أقل قليلا، وفيما بعد في عام 1938 وعندما علمنا الارتفاع الأصلي للأعمدة وهو ستة أمتار وستون سنتيمتر جعلنا السقف علي ارتفاع سبعة أمتار . وهذا السقف نشاز بين الجمال المعماري الذي أبدعه إيمحوتب، هذا السقف الأسمنتي المزعج كان الشئ الوحيد الذي أثار أنتباه لوكور بسييه أثناء زيارته بعد الحرب فهو لا يهتم إلا بالجانب العملي من العمارة وكل ما عدا ذلك لا يهم في نظره . وهذا عكس ما تصوره إيمحوتب، والانفعال الوحيد الذي أبداه كان عندما قام بزيارة دهليز الصاويين حيث أبدي خوفا من تهدمه علي من بداخله .
|
|
|
|