دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -628ه - العدد1426جمادي الآخرةمن18- م2005يوليو من24 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:29:19 ص الساعة - 22/07/2004 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
هو الذي بكي !
عجيب، إنه هو نفسه، من أراه أينما ولٌيت وجهي، في أيٌ عزاء وتحت أية بلوي، لابد أن يكون هناك بين البكائينٌ، أنظر إلي عينيه تذرفان سخيا كما لو أنه من أهل هذا الميت أو من سلالة ذاك المنكوب!
درت حول شعاب المدينة كلها، ماتركت بيتا ولا زاوية ولا زقاقا ولامحلة ولا مقهي إلا ومضيت إليها، كنت ساعيا للبريد أعرف بغداد بأسرارها وخفاياها وطباع أولادها، ومافارقتني أفراحها ولا أحزانها منذ كومة من السنين، ولم يكن من شيء أكثر عجبا­ فيما رأيت­ سوي هذا الرجل الذي أراه عند كل كارثة وفي أي عراك، ما إن يشم رائحة الدم حتي تراه أول الراكضين إلي هناك!
امرأة ذبحها زوجها بين جمهرة من الناس، سال دمها قرب رصيف المقهي، إذا بي أراه أول من ينوح عليها ويندب حظ النساء قرب جثتها المطعونة بخنجرين.. وبعد أيام (طار) أحدهم في شارع الربيع بضربة 'تويوتا' أخطأ سائقها، إذا به يشطر أحد العابرين إلي نصفين حال أن سقط­ بعد طيرانه­ فوق أسلاك المرور.. ولم ينقطع من الوقت سوي دقيقة إذا بي أري هذا (البكاء) وهو يلطم خدٌيه جزعا ويسابق الناس إلي النحيب علي شبابه المهدور!
كيف يجيء هذا الشخص الغريب بهذه السرعة ويحط مثل طائر ينعق دون حساب، علي بشر لايعرف أي واحد منهم؟ رأيته في الكاظمية يبكي ويولول ويهز رأسه ويقرأ سورة الفاتحة علي طفل في الخامسة مات سهوا تحت زحام الزائرين في ليلة عاشوراء.. ثم جلس إلي جانبي ذات مرة وأنا أتحسر علي تلميذة ألقت بنفسها من أعلي منزلها وماعرفنا سر موتها أبدا.. كنت أري هذا (الباكي) في كل جزء أمضي إليه، شرط أن يكون ثمة (موت) أو (دم) في الطريق! وفي كل مرة أقرأ أو أسمع فيها رسالة موت في بغداد، يكون (هو) أسبق مني في اكتشاف المكان، كما هو أسبق حتي من أبناء الميت في البكاء والنحيب واللهاث علي أي جثة ستمضي إلي مصيرها!
***

أخرج كل يوم في الثامنة صباحا، أتسلم حصتي وحقيبتي، رسالة إلي (باب الشيخ) تأخذني إلي بيت قرب سينما الفردوس، ثم أجلس في مقهي (زعرور) أشرب الشاي مجانا، أضحك مع صاحبها علي حال الدنيا، وبرغم أن لارسائل تأتي إليه وليس من أحد غائب أو بعيد، لكن (زعرور) يسألني كل صباح عما إذا كان له من نصيب في حقيبة البريد؟
لا أصدقاء لي سوي زعرور، وليس من أحد يسامرني علي كأس اللذة غير هذا المسكين الذي ينام ويصحو علي (تخت) خشبي داخل تلك المقهي العجوز، وفي اليوم الذي ماتت فيه زوجته. كان ذلك قبل عامين علي ما أتذكر ­ كنا قد شعرنا، عزوز وأنا ، بشخص يبكي أكثر منا، هو نفسه الذي يأتي في عزاءات الناس وينخرط في البكاء نيابة عمن أتعبه النحيب منهم!
رفعت حقيبتي ومشيت إلي أزقة الرصافة وشعابها، رسائل المهاجرين تأخذ نصف وقتي، مازالت أحزانها تزداد بين السطور وأختام المسافات، أري ملامح الناس بعد كل رسالة ، تنفك عن حسرات لا أفهم معناها، وما كان من حقي قراءة مايأتي فيها من مسرات وأوجاع وذكريات، فما أنا غير وسيط لهذا الأسي.
أعود منهكا، أجلس كالعادة في مقهي زعرور، أحكي له عما رأيت في (سوق حمادة) وزقاق (الطاطران) عن جولة أخطو فيها علي زمني وأخسر بعدها حفنة من بقايا عمري وأنا أمشي بين جامع (الحيدرخانة) وشارع الرشيد ، حتي الرسائل سوف يعرف (زعرور) كم كان عددها وماذا فعل أصحابها وهم ينتظرون أخبار من رحلوا..
لكنني في تلك الظهيرة، لم أعثر علي صاحبي زعرور ، بل فوجئت بحشد كبير من أهل المحلة وهم علي هيئة دائرة لم أستطع النفاذ منها حتي أري، عندما سمعت صوتا أعرفه ونحيبا تسلل صوب جلدي أصابني بالقشعريرة والخوف.. إنه هو نفسه من أراه أينما وليت وجهي، عند أية بلوي، أو حين يشم رائحة (دم) مسفوح في الطرقات.. هو نفسه من أسمع صوته الآن!
تأكد لي أن زعرور قد فارق الحياة، لاصديق لي بعد هذا اليوم إذن وما من أحد أسامره علي كأس لذتي بعد هذا المساء، رأيت نفسي دون إرادتي، أمشي صوب هذا الغريب الطاعن في متعة البكاء.. مددت يدي إليه وأنا أتمني قتله، نظرت إلي عينيه بكل ما أحمل من غضب وخسارة، صرخت به:
­ لماذا أراك في كل موت يحلٌ بهذه المدينة ؟ من أين جئت وماذا تريد؟ من أنت ؟
قال وهو يضحك، تلك كانت أول مرة يضحك فيها علي ما أظن:
­ ولماذا أراك أنت أيضا في كل عزاء وفي كل موت؟
كانت الرياح تهب من جهة الفرات، قلت له وقد رفعت يدي بهدوء:
­ أنا ساعي بريد، تلك مهمتي، أن أعطي الناس بريديهم. غطت الرياح علي غضبي، رأيته ينهض بقوة، راح يقترب وجداني، بك يوشك أن يلتصق بي وأنا أسمعه يقول بحنجرة أرعبني رنينها:
­ كل واحد منا ياصاحبي له بريد ينتظر.
***

بقيت في مكاني مرعوبا بعض الوقت، الغريب مضي إلي حيث لا أدري ، الرياح تزداد هياجا، وفجأة، رأيت حقيبة البريد مفتوحة بفعل هبوب الريح، حيث تطايرت رسائل المحبين والمهاجرين ، ومضيت صوب الشوارع والبيوت والمقاهي، وأنا مازلت قرب مقهي زعرور أسمع الصدي يكرر مرتين:
­ كل واحد منا له بريد ينتظر، كل واحد منا له... ولم أعثر ثانية (عليه)!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: