|
|
| السنة - | 628 | ه - العدد | 1426 | جمادي الآخرة | من | 18 | - م | 2005 | يوليو | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:33:34 ص |
 |
الساعة - |
 |
22/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
عتبات البهجة
إبراهيم عبدالمجيد
كيف اكتشفنا أن هناك دائما وقتين في كل وقت؟
أو
لماذا يختل ميزان الأمم بسبب نقص خل التفاح....؟
رأيت حسن من بعيد يقف مع بائع للورد علي ناصية الشارع المؤدي إلي الكورنيش. كثيرا عندما نتواعد ينتظرني حسن في المكان نفسه. دائما أراه من بعيد، طوله وشعره الأبيض وهندامه المنسق بعناية يجعلونه بارزا بين المنتظرين للباصات أو الميكروباصات، ثم أنه عادة ما يبتعد عنهم قليلا ويتجه بوجهه ناحية مقدمي وحين يراني يلوح بذراعه مبتسما. لم يحدث مرة أن وصلت في الموعد قبل حسن، رغم أن المسافة من بيتي إلي مكان لقائنا نصف المسافة تقريبا من بيته إلي هناك. أنا أغادر البيت بعد أن يهاتفني بالتليفون قائلا أنه سيغادر بيته الآن. وفي كل مرة أذهب لأقابله أخاف أن يتأخر علي، ولا يتأخر أبدا. لايتأخر ولا ينتهي خوفي أن يتأخر. في كل مرة أقول له يا أخي أنت تمشي مع الريح وأنا أمشي علي الأرض.. في هذه المرة أدهشني وجود بائع للورد. لم أره هنا من قبل. لم يوجد قط غير فاكهاني وحيد قبله بعدة أمتار كشك صغير لبيع السجائر. الشارع من الناحيتين يحف به سوران عاليان وطويلان. السور الأيمن يحيط مخازن كبيرة لا أعرف لأي شركة تتبع. لم أحاول لأكثر من عشرين سنة أن أعرف. لم أفكر. وهو أيضا السور الأيسر عندما أعود إلي البيت. السور الأيمن وأنا عائد إلي البيت يحيط بمصنع كبير للأخشاب، وهو السور الأيسر الآن وأنا أذهب أقابل حسن. لم أعد أذكر إلا أن هذا الشارع الواسع يجعله طوله مثل سرداب، في الحقيقة طول السورين، فعندما ينتهي الشارع يظلان يمشيان معي، خصوصا عندما أعود بالليل.
كنت وأنا أغادر هذا الشارع إلي الكورنيش أفكر دائما أن النيل خلف الكورنيش، لعل هذا ما كان يجعلني أسرع لأصل إلي البراح الجميل الذي يشيعه النيل في الروح. منذ سنوات بنيت عمارة ضخمة عالية جدا علي النيل في مواجهة الشارع فصرت أمشي علي مهل خائفا أن تكون نهاية الشارع مسدودة، يزداد هذا الشعور بالليل أكثر فالعمارة تبدو وسط الظلام أكثر سوادا. لا أطمئن أبدا لوجود الكورنيش والنيل إلا حين أصل إليهما. أتوقف لأتأكد أن النيل لايزال يجري خلف المبني القبيح..
كان حسن منهمكا في الحديث مع بائع الورد، من عادته وهو يتحدث واقفا أن ينظر إلي بعيد، كأنما يستدعي الأفكار والكلام، رغم أنه يتكلم بسرعة كثيرا ما تكون مربكة لمن يسمع. إقتربت مبتسما. بدا لي بائع الورد رجلا في حوالي الأربعين. رأيته أسمر، نحيلا يرتدي نظارة سميكة، علي جسمه بلوفر رخيص فوق قميص قديم كما يظهر من ياقته، تحتهما بنطلون جينز ضيق، ويحيط بخصره حزام عريض.. لم تكن هناك إصص كثيرة للورد. كانت حزم الورد أيضا قليلة. ورد بلدي وزئبق وفل وعصفور الجنة وقرنفل وياسمين. كان واضحا أن الرجل اختار هذا المكان ليجرب فيه حظه، وأنه يحضر الورد من مكان قريب.
  
قبل أن ألقي بالتحية باغتني حسن.
شفت؟ سألته عن شجرة الجهنمية فقال أنه يعرفها لكنه لايبيعها.
ثم سأل بائع الورد:
هل تبيع الورد فقط؟
أجاب بائع الورد:
أجل. لكني أعرف كل شيء عن نباتات الزينة، إذا أحببت أحضرت إليك ما تريد.
نباتات ظل؟
وشمس أيضا.
بوتس؟
ومداد ودراسينا ويوكا وأبصال، هذه نباتات ظل يمكن أن تضعها داخل الشقة، إذا أردت نباتات شمس فيمكن أحضر لك جلاديولاس وعرف الديك وصبارات.. كما تشاء.
سكت حسن قليلا ثم قال:
واضح أن عندك معلومات جيدة..
قال بائع الورد مبتسما.
معلومات وخبرة يا أستاذ.
نظر إلي حسن وقال:
أجمل ناس في الدنيا بائعو الورد..
قلت مبتسما.
طبعا.
نظر حسن إلي بعيد وقال:
غريبة إنك واقف هنا من زمان ولم أرك من قبل.
إندهش بائع الورد وأوشك أن يقول أنه لايقف هنا إلا اليوم، هكذا أحسست، لكن حسن استمر في الحديث.
أصل أنا وأحمد دائما نتقابل هنا. نمشي ثلاثة كيلو مترات حتي الحديقة. هل تعرفها؟
لا..
لا أحد يعرفها رغم أنها علي طرف الميدان... شيء غريب.
قال بائع الورد:
أعرفها.. لقد تذكرتها. صغيرة جدا. نادرا ما يجلس فيها أحد.
هتف حسن:
هل المسافة ثلاثة كيلو متر فعلا أم أربعة؟
وقبل أن يجيب بائع الورد قال:
المحافظة تقول أربعة، لكن هي بالكاد ثلاثة.
كنت أنا أحاول أن أكتم ضحكي. قال بائع الورد مستسلما.
ممكن. جدا؟
قال حسن ضاحكا:
ثلاثة أربعة. المهم إننا نمشيها أكثر من مرة كل أسبوع. ماذا نفعل؟ ناس كبار والمشي علاج.
ثم إنتقل إلي بالحديث فجأة وسأل:
بالمناسبة. ما أخبار المسح الذري؟
ثم قبل أن أجيب انتقل بالحديث إلي بائع الورد وهو يشير إلي.
عنده مشاكل في القلب. ليست صعبة. أنا متأكد.
بدا بائع الورد مرتبكا جدا. قلت:
النتيجة إيجابية.
ماذا تقصد؟
سألني حسن فأجبت:
ضيق بسيط في الشريان الأيمن الموصل لعضلة القلب، لكن الدكتور نصحني بعدم إجراء القسطرة الآن.
هتف حسن سعيدا بحق:
شفت. أنا قلت لك.
نظر إلي بائع الورد مشفقا وقال:
إن شاء الله خير. لكن حضرتك لازم تخس شوية.
وعاد حسن يهتف:
شفت لازم تسمع كلام بائع الورد. أي بائع ورد. ولاتنسي 'أنت ما تأكل' مهم أيضا تعمل تحليل دم لمعرفة حجم الكوليسترول وبالمرة تحليل لوظائف الكلي ووظائف الكبد. أهم من المسح الذري.
ثم سأل بائع الورد:
أليس كذلك؟
كان بائع الورد قد تعب تقريبا. قال:
الانسان لازم يطمئن. طبعا.
  
كان المساء قد بدأ يتسلل إلي الدنيا، أراه ينزل حولي علي مهل، وأشعر بالنسمة وهي تتغير فترق أكثر لحظة بعد لحظة. أري الناس تقل أعدادها حولنا، وأريد أن أنصرف ليكمل حسن حديثه في الطريق لكنه بدا لايريد أن يتزحزح. ترك حقا بائع الورد ولم يعد يكلمه، لكنه راح يحدثني بحماس عما قاله له بائع الورد قبل وصولي، كيف أنه يقف هنا خائفا، ففي كل لحظة يتوقع مرور موظف من مصلحة الضرائب، أو إدارة أشغال الطريق أو التأمينات، وأنهم سبب إنتقاله من مكان إلي مكان، وهو لذلك لا يستقر في مكان واحد. وهز حسن رأسه في أسف وقال 'علامات إنهيار أي دولة مطاردة بائعي الورد'. والرجل الطيب الجميل هذا، كما يقول حسن، يقف خائفا من أي شخص يقترب منه. لايتصور أبدا أنه زبون. يضع يده في جيبه ليستعد لدفع الرشوة المناسبة، لقد خاف من حسن نفسه، ولعله لايزال خائفا منه. ثم ضحك وسأل بائع الورد..
هل إطمأننت الآن؟
كان بائع الورد قد إنصرف عنا وأشعل سيجارته وراح يرش بعض الماء بيده من صفيحة صغيرة علي أصص الورد. التفت الينا وقال:
تصدق يا أستاذ. أنا فكرت أبيع بانجو.
ضحكنا، واستطرد بائع الورد:
أبيع بانجو حتي أوفر كل الرشاوي المطلوبة مني.
نظر إلي حسن وقال:
وتقول لي شريان تاجي؟ يجب أن تأتي هنا كل يوم تشتري عود ورد وتشمه تتفتح كل الشعيرات الدموية في صدرك..
ثم إنتقل بالحديث لبائع الورد:
إسمع. سوف تأتي إلي بيتي لترتيب الجنينة.
تساءل بائع الورد:
حضرتك عندك جنينة؟
بدأت أنا أكتم ضحكي من جديد، أحسست بالدهشة تشيع في وجهي. قال حسن:
عندي سطح.
تريد أن تحوله إلي جنينة؟
كنت أريد ذلك لكن صاحب البيت بني فوقه شقة..
سكت بائع الورد. بدا مرتبكا جدا. وأنا صرت أبتسم غير مصدق ما يقال، واستمر حسن:
سأنتقل إلي الشقة الجديدة حتي أقيم الحديقة التي أريدها فوقها. أجل لقد فعلت ذلك من قبل.
هنا ضحكت بصوت عال، ازداد إرتباك بائع الورد. واستمر حسن:
يضحك لأنه يعرف الحكاية. كنت أسكن في الدور الأرضي، لما فكرت أعمل حديقة علي السطح بني صاحب البيت فوقه شقة فانتقلت إليها، فكرت مرة أخري في الحديقة فبني شقة علي السطح الجديد، هكذا حتي وصلت إلي الدور الرابع. الدور الذي يبنيه الآن هو الأخير. قوانين البناء تمنع الزيادة عن ذلك. الحديقة صارت مضمونة. أنا في الحقيقة أحب الخضرة جدا. ثم الآن فرصة الحديقة في الشمس والهواء افضل. اليس كذلك؟
كان بائع الورد قد ولانا ظهره. قال دون ان يلتفت.
طبعا. الزرع حياته الهواء والمياه.
سأله حسن بصوت مرتفع فجأة.
معك كارت؟
التفت الينا البائع وتساءل.
تكتب عليه؟
أجاب حسن:
لا. كارت عليه اسمك وعنوانك وتليفونك. ألا يوجد تليفون هنا؟. لابد أن تقيم كشكا صغيرا وتوصل تليفون، ذلك مهم جدا لبائع الورد.
قال الرجل في استسلام.. بدا قد أرهقه حديث حسن جدا:
إن شاء الله..
سأشتري منك. ليس الآن. في عودتنا. الواحد محتاج يدخل مرة علي زوجته ومعه عود ورد.. لكن خسارة إن ليس معك كارت حتي يسهل الاتصال بك عندما ابدأ في الحديقة.
قلت متخلصا من الموقف كله:
ياحسن. الرجل يقف في الطريق. حين تبدأ في الحديقة تعال خذه من هنا السلام عليكم...
وجذبت حسن الذي مشي معي يضحك.
  
لقد ارهقت الرجل جدا..
قال حسن وهو لايزال يضحك. ثم أضاف:
تلاقيه فاكرنا مجانين.
ضحكت. قال:
لكن تعرف زمانه سعيد. وقفنا كلمناه وسمعناه. غلبان. لكن لعلمك لن يقف هنا كثيرا.
بسبب رجال المحافظة؟
لا. بسبب الورد نفسه.
لكن الورد الذي عنده جميل.
لا احد يحمل وردا لأحد الآن. ثم هذا ليس المكان المناسب. الناس هنا فقراء. لو كان يبيع الفول كان أحسن. أراهنك انه اما ان يترك المكان أو يبيع الفول. هذا رجل مجنون.
ضحكنا ومشينا متباعدين بعض الوقت. كان الليل قد نزل، وأضواء مصابيح السيارات تجري في كل اتجاه. قلت:
علينا ان نسرع. مطلوب ان امشي مشية رياضية.
أسرعنا. النسمة الباردة قد ازدادت. لا أحد في الشارع غيرنا. مشينا علي الرصيف الأيمن حتي قابلتنا بعض أعمال الحفر فانتقلنا الي الرصيف الأيسر المجاور للنهر. استغرق ذلك عدة دقائق بسبب كثرة السيارات وسرعتها. علي الرصيف المجاور للنهر بعض مظلات خشبية صغيرة تحتها مقاعد. لا احد يجلس فوق المقاعد. وصلت الينا رائحة النهر الصامت. كان الظلام قادرا علي اخفاء صفحة الماء. اكثر من عوامة مضيئة ظهرت علي جانب النهر. قال حسن:
لولا هذه العوامات المضيئة لما ادركت وجود النهر.. الظلام شديد الليلة.
كنت أشعر بالألم يزداد حرقة في صدري تحت القصبة الهوائية وفي منتصفها تماما. اعرف أنه بعد قليل من المشي سوف يختفي الألم. معركة تدور بين الدم الذي يريد الاندفاع والشريان شبه المغلق. بعد كثير من الجهد سيستجيب الشريان. يلين ويتسع للدم وينخفض الألم. المشي السريع إذن حل معقول، لكن الانسان لن يستطيع أن يمضي عمره راكضا. لايجب ان اكتفي ابدا بكلام طبيب المعمل الذي قال ان حالتي ليست صعبة، وانني استطيع علاجها بالريجيم وتقليل الزيوت والدهون وحبوب لضبط الضغط. الأفضل أن اذهب الي طبيب كبير. إتنين أو ثلاثة. أربعة. خمسة أطباء في الحقيقة. ذهبت بزوجتي الي ثلاثة أطباء كبار اشتركوا في تشخيص واحد، بعد عام اكتشفنا انه ليس صحيحا. ماتت.
نفضت رأسي حتي لاتداهمها الذكريات المؤلمة. انتبهت الي الرصيف الذي فجأة امتلأ بأعمدة إنارة تقوم في منتصفه وعلي مسافات قريبة. كانت كلها مطفأة. كدت اكثر من مرة اصطدم باحدها.
هل عبرنا قسم البوليس؟
سألني حسن فجأة. أجبت:
أجل.
لكننا لم نر زحاما!
الزحام عادة بعد ان ينتصف الليل.
سكتنا لحظات. كان عرق قد بدا يتفصد علي جسمي كله. قال حسن:
لكننا المرة الماضية لم نكن في منتصف الليل.
ليس بالضرورة ياحسن، أحيانا قبل ذلك بقليل.. ليس الآن علي أي حال.
ألا تلاحظ أن الليل نزل بسرعة؟
فاجأني بالسؤال. قلت:
وقفنا كثيرا مع بائع الورد.
هناك غش في المواقيت.
قال ذلك كمن يطلق حكمة بليغة، جملة لاتكذب ولايمكن تكذيبها.
ثم نظر الي ساعته وقال:
الساعة الآن تجاوزت السادسة لكن الليل يبدو قد انتصف. هناك غش في المواقيت. هناك غش في المواقيت. تنظر في ساعتك فتري وقتا. تنظر حولك تري وقتا اخر.
قلت ضاحكا.
ياحسن. ارحمني من أفكارك.
ضحك بدوره. أردت ان اسحبه بعيدا عن هذه الأفكار العجيبة فسألته:
لماذا كذبت علي بائع الورد؟
ضحك من جديد وقال:
في مسألة السطح؟
أجل. وطلبت شهادتي علي الكذب.
بصراحة لا اعرف لماذا فعلت ذلك.
انت غريب ياحسن. كان يمكن ان تقول انك لاتمتلك سطحا وكفي.
عندك حق. لكن يا اخي لا اعرف لماذا لم اجد الاجابة سهلة هكذا. وجدت نفسي اتحدث عن دور بناه صاحب البيت فوق دور واحتجت الي عربات طوب وعربات اسمنت ورمال وزلط وعمال صعايدة وحديد تسليح ومياه. ذلك يحدث في كل مرة اريد فيها عمل جنينة علي السطح.
قلت مندهشا جدا:
ياحسن ذلك لم يحدث. انت اخترعته.
اعرف اعرف. لكن لماذا حقا احتجت اليه.؟ كان يمكن حقا ان اقول انني لا املك سطحا الان. عملت مشروعا كاملا وبنيت عمارة في رأسي رغم ان المنزل ملك ابي كما تعرف وانا اسكن في الدور الأخير منذ بنائه وليس عندي سطح لأن امينة شغلته ببطارية الأرانب وعشة الفراخ وعشة البط، اسمع سأهدم ذلك كله واحضر بائع الورد لزراعة الجنينة، المهم ان يظل في مكانه. هذا احسن اعتذار لله.
هززت رأسي وقلت:
لن تهدم عشة الفراخ والبط، ولابطارية الأرانب، ولن تزرع جنينة، ولن يبقي بائع الورد في مكانه ياحسن.
ضحك. ضحكنا معا. وظهرت الحديقة الصغيرة.
  
هل تذكر اسم بنت بائعة الشاي؟
سألني حسن. أجبت:
لا.
نسيناه في ثلاثة أيام. يا إلهي. البنت جميلة يا أخي.
الحديقة علي يميننا الآن، أمامنا علي الرصيف العربة البوكس تقطع الرصيف راسخة فوقه وتبحلق في الميدان. الضابط يجلس في مقدمتها وفوقه النظارة السميكة. الجنود يحيطون بالسيارة. بعضهم يرتعش رغم ان البرد لم يشتد بعد.
بدت الحديقة مظلمة أكثر من أي ليلة. ما أن اقتربنا منها حتي سمعت هسيسا خفيضا غامضا يصدر من بين أشجارها القصيرة. لا أحد حول الحديقة، ولا حتي سيارات الميكروباص، احسست انها خالية من الرواد، قلت..
لا أحد هنا الليلة ياحسن.
قال:
ولا حتي بائعة الحلوي التي يضربها زوجها..هل دخلنا حديقة اخري؟
ابتسمت. اتجهت الي اقرب مقعد وجلست، كان باردا. رأيت وجه حسن وقد غشيه الأسف قليلا.. قلت:
رغم اننا لم نتجاوز السابعة بعد..
قال:
قلت لك هناك غش في المواقيت. أجل. هؤلاء الناس لايختفون قبل أن ينتصف الليل.. حتي الميكروباصات غير موجودة.
قلت:
نرتاح قليلا ثم نعود.
قال ضاحكا:
وهل بقي لنا غير ذلك؟
قلت:
البنت اسمها سعيدة.
هتف:
صح، يا الهي. تذكرت انت اسمها رغم انني المعجب بها!
ضحكت.. قال:
لابد أن آخذ فيتامين B. B3 وB6 وبالذات B12. لابد من انعاش خلايا المخ.
وحبذا لو كان مخلوطا بالزنك. بيتا زنك. اجل. ذكرني في العودة ندخل صيدلية نشتريه. بالمرة نسألهم عن حالتك.
قلت مندهشا:
حالتي انا؟ لا. سأذهب الي طبيب كبير.
ستعود في النهاية الي ماقلته لك. العلاج بالغذاء. تصور قرأت أمس عشرين مقالا عن زيت بذر الكتان، الزيت الحار. وحوالي عشر مقالات عن زيت فول الصويا، زيت فول الصويا رقم واحد في تقوية جهاز المناعة. الزيت الحار رقم خمسة.
قلت مقاطعا:
حسن.
قال:
اسمع كلامي. الزيت الحار مزيل للكوليسترول لاينافسه إلا خل التفاح.
فجأة دخل الحديقة ضابط بوليس متوسط العمر. كانت النجوم تلمع علي كتفيه في الظلام تطلع أمامه يمينا ويسارا وظل واقفا لحظات. عاد ينظر الينا ثم دخل الي الحديقة ومشي فيها حتي وصل الي اخر مقعد عند نهايتها وجلس. لم نعد نميزه في الظلام. لكنه انحني ووضع رأسه علي صدره أو فوق ركبتيه. لابد. لأنه صار مثل كرة مستديرة من بعيد.. قلت:
رأيت؟
قال:
رأيت. لا أندهش. ستجد الكثيرين يفعلون ذلك.
يبدو متعبا.
ضابط بوليس برتبة كبيرة يفعل ذلك لابد أن يكون متعبا، ربما يذكره هذا المكان بشيء. أو تعود ان يأتي فيه حين يكون خاليا ويجلس وحده. ألم تره ينظر الينا.
لابد انه تردد في الدخول ثم لم يهتم.. المهم لا يأتي اليه عساكر ويقبضوا علينا. ضحكنا بصوت عال. رأيت الضابط يعتدل في جلسته ثم يقف يدور حول المقعد من بعيد عدة دورات ليعود يجلس كما كان. قال حسن:
لاتنظر اليه. دعني احدثك عن خل التفاح.
|
|
|
|