|
|
| السنة - | 628 | ه - العدد | 1426 | جمادي الآخرة | من | 18 | - م | 2005 | يوليو | من | 24 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:35:27 ص |
 |
الساعة - |
 |
22/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
اللعبة
مصطفي نصر
كنت أتساءل بيني وبين نفسي عما يحدث أمامي كل عدة أيام، إذ تتغير ¢ مني ¢ زوجة أخي الكبير فجأة، فيحمر وجهها وتحرك جسدها في عصبية وهي تلت العجين داخل إنائه، يحدث لها هذا في وجود أخي الكبير زوجها الذي يتحدث كعادته مع أمي وأختي الكبيرة التي طلقها زوجها فجأة فجاءت ببناتها الثلاث ليعشن معنا . تعود أخي أن يتحدث وهو مضطجع فوق الكنبة العربي القديمة، وأمي وأختي مشغولتان عنه بالعمل إن كان عجينا أو غسيلا أو كنسا .
تتابع ¢ مني ¢ أخي من طرف عينيها وتبتسم ابتسامة صغيرة خجلي، فتتغير لغة أخي، يتوه ويشرد وينسي الموضوع الذي كان يتحدث فيه . لا أري عادة وجه أمي أو أختي الكبيرة، فهما تستديران ناحية الحائط، أو تحنيان رقبتيهما مشغولتان بما تفعلهما . ولا أدري ما شعورهما الآن، وأخي الكبير يتعثر في حديثه علي غير عادته فهو معروف في العائلة والحي بقدرته علي الحكي وانتقاء الكلمات المناسبة للموضوع الذي يتحدث عنه، يحكي لأمي عن أشياء حدثت له في عمله، حيث يعمل ملاحظا للكناسين في منطقة ما في الإسكندرية لم أرها قط . أو أن يذكر بطولاته مع رؤسائه وكيف نال منهم وأفحمهم بردوده وأثبت لهم بأنه رغم شهادته البسيطة أكثر ثقافة ومعرفة منهم، كل هذا يتغير عندما تنظر إليه ¢ مني ¢ ( إنني في الحقيقة غير متأكد من الذي بدأ بالنظرة الأولي، هو أم هي ).
ترفع ¢ مني ¢ نصف جسدها لأعلي، ثم تلم العجين العالق بيديها وذراعيها : وتضعه في الإناء وتقف، فإذ بأمي أو أختي تحل محلها آليا في العمل دون إتفاق مسبق . وتمر من أمامه وهي تبتسم في حياء مصطنع، وتحاول لمسه أحيانا بجسدها، فلا تصل الأمور عادة إلا للمس ثوبها الفضفاض الذي ترتديه من الصباح لعمل لوازم البيت : وتنام به أحيانا .
إننا نسكن في شقة بالدور الأرضي مكونة من حجرتين وصالة، يشغل أخي الكبير حجرة من الحجرتين بلا باب، وأنام أنا وأخي الآخر الذي يكبرني بعامين في الصالة فوق كنبتين متقابلتين، والحجرة الأخري الصغيرة لأمي، تنام فيها وحدها . لكن طلاق أختي الكبيرة فجأة أفسد كل شيء، فقد نامت أختي مع أمها برفقة واحدة من بناتها الثلاث، والبنتان الأخرتان تنامان في كوخ فوق سطح البيت، أقمناه جميعا، اشترت أمي صفائح فارغة من الزبالين الكثيرين في الحي، وأعمدة خشب من ' باب سدرة ' حيث يكثر تجار الخشب، ( كنا ننقل الصفائح من بيوت الزبالين أنا وبنات أختي الثلاث) ووقف أخي الكبير وأمي يقيمان أعمدة الخشب ويدقانها في حائط البيت المجاور لنا، فقد كان أعلي من بيتنا.وكنت أنا وأختي وبناتها نمسك الخشب لهما، ونقدم لهما المسامير والشاكوش والمنشار، حتي وقف الكوخ وصار صالحا للإقامة، لكن كانت فيه فتحات صغيرة تدخل المياه شتاء، وتدخل الشمس الحامية صيفا . لم يشترك أخي الذي يكبرني بعامين في أي شيء من هذا، فهو خارج البيت دائما، لا يأتي إلا متأخرا لينام . فهو مشغول بصيد العصافير، يحمل فخه وقطع صغيرة من الزلط، يضعها في جيوب بيجامته، ويطوف شوارع الإسكندرية التي تحاط بالأشجار، ويصطاد العصافير، هو مشهور بإتقانه للنشان، قلما تفلت عصفورة منه، ويعود محملا بصيده، خاصة في الخريف عندما يكثر السمان . ترحب أمي بهذا، وتسعد لصيده، وتنحني هي و¢ مني ¢ وأختي الكبيرة لسلق العصافير أو السمان، ونتف ريشه وهن يتحدثن عن مهارة أخي الذي يكبرني بعامين في الصيد.
عادت ¢ مني ¢ من دورة المياه المغطاه بقطعة قماش بدلا من الباب، فشقتنا ليس بها سوي باب الشقة، فقد مات أبي قبل أن يشتري باقي الأبواب البيت، ووعد أخي الكبير
باستكمال ذلك،لكنه لم يقدر . هو يتحدث كثيرا عن أمانيه، لكن .. ... ذلك ليس مهما، المهم الآن أن ¢ مني ¢ عادت بعد غسل يديها من آثار العجين، وهي تمسح أصابعها إصبع إصبع في طرف ثوبها كاشفة عن ساقيها وهي تنظر إلي أخي نظرات غريبة (أقول عنها غريبة رغم أني أراها كل عدة أيام، لأنني لا أعرف معناها ) أمي وأختي الكبيرة مشغولتان بأعمال أخري، فأعمال البيت كثيرة : الأفواه الكثيرة مفتوحة، والدخل قليل، فلابد أن تعجن أمي في البيت، لا تستطيع شراء الخبز من السوق، لا أستطيع أن أسترسل في سرد ذكريات أسرتنا، فقد انشغلت تماما بمتابعة ¢ مني ¢ التي تلاحق أخي وهو ينظر إليها ثم إلي أمي وأختي في حذر . لم يلتفت نحوي وكأنني غير موجود، ربما لأنني قابع في ركن الحجرة لا أحدث صوتا واكتفي بملاحقة ¢ مني ¢، وأنظر أحيانا إلي أمي وأختي الكبيرة.
تسللت ¢ مني ¢، ابتعدت عن الجميع، وأمي تتحدث مع أختي الكبيرة وهما منحنيتان علي أواني العجين الكبيرة، ثم نظر أخي إلي كل شيء في الصالة التي نجلس فيها، وتحرك بعصبية، ثم خرج إلي دخلة البيت .
أحسست أن اللعبة قد انتهت، لم أسأل نفسي عن المكان الذي ذهب إليه . خرجت من الباب، صعدت فوق سطح البيت، عالمي الذي أرتاح فيه، أحاول تقليد أخي الذي يكبرني بعامين، في صيد العصافير الطائرة فوق السطح، وأطلق الزلط من الفخ الذي اشتريته والذي يشبه فخ أخي كثيرا لكنني لم أفلح قط في صيد عصفورة واحدة . أذاكر فوق ذلك السطح . وأحلم بأن أجد حلا لإنهاء شقاء هذه الأسرة . اقتربت من العشة التي تربي أمي فيها دواجنها، إنني المسئول عن هذه العشة، أنظفها كل يومين، أخرج ¢الفرشة ¢ وأغسلها وأنشرها فوق سياج السطح، وأطلق الدواجن . أتابع ذكر البط وهو يقفز فوق ظهر أنثاه . وأضحك كثيرا لذلك، وأجمع البيض ، أضعه في علبة سمن فارغة صدئة، أعده، وأذهب إلي أمي لأخبرها بعدده . هذا البيض ليس لنا، فأنا أعرف ماذا أفعل فيه . آخذه إلي حسن البقال، بعلبة السمن الفارغة الصدئة، يعده عم حسن، ويعطيني ثمنه، فأعطيه لأمي، ولا أخبر أحدا بهذا :حتي أخي الذي يكبرني بعامين، فقد سألني كثيرا : ¢ أين يذهب البيض الذي تبيضه الفراخ ؟! ¢ فأمط بشفتي ولا أجيبه . أحيانا يعطيني عم حسن البقال شايا وسكرا بدلا من ثمن البيض .
اقتربت من الكوخ، بابه مغلق علي غير العادة، طفت حول الكوخ سمعت صوت همهمات . نظرت في فتحة من فتحاته الكثيرة، رأيت ¢ مني ¢ تنام فوق الفراش، ونصف أخي الأعلي عاريا،وهي لا يظهر منها سوي وجهها وساقيها المرفوعتان لأعلي . دهشت مما أري . كانت ¢ مني ¢ تبتسم وتتحدث، وأخي يتحدث أيضا، ومؤخرته العارية أمام عيناي تماما، و¢ مني ¢ تدق عليها بيديها . ثم رأتني، فضحكت بصوت مرتفع، ورأيت أخي ينظر نحوي وقد هب من مكانه باحثا عن شيء يغطي به عريه .وأخذت أجري إلي الشارع . جريت بطريقة لم أفعلها من قبل .
إنها مشكلة صعبة، فلابد أن أخي الكبير سيضربني، وستشاركه في ضربي أمي أيضا، وأختي الكبيرة، وسيسبني أخي الذي يكبرني بعامين، وستسخر مني بنات أختي الثلاث . أمي تحبني أكثر من الجميع، فأنا آخر العنقود كما تقول دائما وأنا أشفق عليها وأساعدها في كل شيء . لكنها ستنقلب عليٌ، وسأفقد صداقتها .
سرت حتي حدائق الشلالات وحدي، وأنا لم أفعل هذا من قبل . أذهب إلي حدائق الشلالات كثيرا، لكن برفقه الأصدقاء . نمت تحت شجرة كبيرة، الآن أتضح كل شيء، وعرفت سر النظرات التي تحدث بين ¢ مني ¢ وأخي الكبير .، الغريب أن أمي لم يحدث منها ما أفهم منه إنها تعرف ما سيحدث، فلم تبتسم في حياء، كما يحدث دائما، ولم تعلق علي ذلك مع أختي الكبيرة . أنهما تتصرفان كأمر عادي أن تترك ¢ مني ¢ العمل الذي تفعله، وتحلان محلها لكي تذهب للقاء زوجها . ففي الليل يصعب هذا اللقاء، حيث تجتمع الأسرة وتزدحم الشقة .
عدت متأخرا، وقد هدني التعب، فكرت في الذهاب إلي عمي في الورديان لكي يأتي معي ليحميني من ضربهم، لكنني لا أمتلك نقودا للذهاب، كما أن ذلك سيزيد المشكلة تعقيدا، فسيضحك عمي، ويحكي لزوجته التي لا تكف عن السخرية، خاصة في مثل هذه الأشياء.
التعب جعلني أغامر بالدخول، وبتحمل أي شيء يحدث لي . فتحت أمي باب الشقة، ارتعش جسدي، منتظرا الضربات التي ستأتي من كل جانب، لكنها تابعتني في اهتمام، لم تسألني ككل مرة أتأخر فيها عن المكان الذي كنت فيه . قالت :
اغسل يديك لتتعشي .
كان الوقت متأخرا، وأخي الكبير وأخي الذي يكبرني بعامين مازالا في الخارج كعادتهما . و¢ مني ¢ وأختي وبناتها نائمات . قلت لأمي :
لا أريد أن أكل .
وعندما وجدتها تلح في أن آكل . قلت :
تعشيت مع صديق لي .
كنت أريد أن أهرب من أخوي، فإذا عادا يجداني نائما . فالجوع ليس مهما، المهم هو الضرب .
ظللت ساهرا إلي أن جاء أخي الكبير، فضممت جسدي، وشددت الغطاء وبكيت من شدة الخوف، لكنني سمعته يسأل أمي :
هل عاد ؟
إنه نائم .
أرجو ألا يحدثه أحد في هذا .
|
|
|
|