دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -630ه - العدد1426رجبمن2- م2005أغسطس من7 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:18:35 ك الساعة - 05/08/2004 آخر تحديث يوم
      الصفحة الرئيسية
بين حق الديمقراطية .. وحق التدليك
الجاكوزي لأجل كتابة أكثر دفئا !
ياسر عبد الحافظ
سألني أحد أصدقائي معلقا علي الضجة المثارة..
أخبار الجاكوزي إيه؟!
ضحكت متجاهلا رنة الاتهام التي حملها السؤال ومضينا نتحدث عن الاختراع العجيب الذي لم يعرفه المصريون بعد، لكنه كان مصرا علي أن ينقل لي وجهة نظر أظن أنها لا تخصه وحده: و¢الصحفيين محتاجين مساج عشان يكتبوا؟!¢
قررت إغلاق باب الحوار دون أن أكون متأكدا إن كنت بذلك أساهم في إثبات الإشاعة أم نفيها: أدوات الصحفي الأساسية...الورق والقلم والجاكوزي!!

التدليك إحدي حاجات الإنسان، يعرفه منذ نزل إلي الأرض وسيجد المهتمون في كتب حضارات الشعوب أساليب متنوعة لممارسته وفوائده، لن نستطيع أن ننكر علي أحد ممارسته لهذا الحق، مثلما يطالب البعض بالحرية والديمقراطية فللآخرين أن يحافظوا علي أجسادهم بكل الطرق الممكنة لأجل أن يتموا الدور الذين يرون أن ربهم خلقهم من أجله، المشكلة الوحيدة والتي أثارت كل هذه الضجة هي المبالغة الرهيبة والبذخ الذي يفوق حدود المعقول، ففي حين يقوم هذا المسئول بتدليك جسده في جاكوزي ثمنه آلاف من الجنيهات فإن غالبية الناس يتم هرس أجسادهم في وسائل المواصلات يوميا، وهي في الحقيقة وسيلة مفيدة جدا فهم لا يفكرون بعدها في أية وسائل أخري، لأنها تجعلهم في نهاية يومهم في حالة استرخاء أشبه باسترخاء الموتي!
أثار اكتشاف الجاكوزي حالة من الغضب لأنه إذا كان من حق المسئول الحصول علي بعض الامتيازات نظير العمل الذي يؤديه فإن مظاهر التنعم هذه لا تتناسب أولا مع الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلد والأهم أنها تتعارض مع المفهوم الذي ظل راسخا حول الكتابة والصحافة ومفهومها: أنها رسالة، الوسيط بين الجماهير والسلطة، المعبر عن آمال المطحونين وأحلامهم....إلي آخر تلك التعبيرات الرومانتيكية التي سقطت علي رخام الجاكوزي الناعم.
الرغبة في التنعم، أو الاستهلاك الزائد عن الحد المعقول يسميه علماء الأنثروبولوجي بالاستهلاك المظهري وهو مصطلح يعني لديهم أن الشخص يفرط في امتلاك السلع الترفيهية للتدليل علي انتمائه لطبقة راقية، أن السلع والتباهي بامتلاكها يهدف إلي اكتساب الهيبة، وهو ما يعني هنا أن الجاكوزي أهم من المقالات والتحقيقات وربما الجرائد ذاتها.
ماك فيزرستون يشرح في كتابه"ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة¢ أن السلع في عصرنا الحديث وبفضل السياسة الدعائية اكتسبت علامات ثقافية وصفات إنسانية أصبحت لها القدرة علي تحويل حالتنا وشخصيتنا فهذا العطر يجعل المرأة ذات شخصية قوية في العمل، وهذا الشاي يجعلك من أصحاب الذوق الرفيع، وهذه النظارة الشمسية تجعلك رياضيا، وهذه السيارة تجعلك مرحا، وهذا القميص يجعلك واثقا من نفسك، ونحن نستطيع أن نضيف إليه أن الجاكوزي يجعلك كاتبا لمقالات دافئة.
الجاكوزي نموذج علي حالة من السفه غير المعقول، سألت عنها د.علي فهمي أستاذ علم الاجتماع وهو في البداية شكك في وجود الجاكوزي لأنه طلب من ابنه المهندس المعماري المشورة لتركيبه في منزله فشرح له أنه لا يمكنه ذلك أولا لأن ثمنه يتعدي 40 ألف جنيه ولأنه يحتاج إلي مساحة كبيرة، يقول د. فهمي أنه يتصور أن الحديث يدور حول آلة يتم تركيبها في الحائط لزيادة ضخ الماء، وأنه تأكد من ذلك عن طريق أحد العاملين هناك.
علي فهمي قال: لكن هناك مظاهر بذخ أخري غير مقبولة ومنها السيارات مثلا، وهذا الإنفاق الزائد عن الحد يثير الغيظ، ثم عاد إلي سؤالي قائلا إن تبريره لتلك الحالة يكمن في نظرية ثقافة الفقر والجهل فالبعض يقبل علي المتع والملذات بشراهة مؤذية 'أنا رأيت بعض الكبار يتناولون طعام العشاء مرتين في الليلة، هم لا يعرفون أن ذلك مضر صحيا إلي أبعد حد، أنا من عشرين عاما لم يزد وزني لأني لا آكل كثيرا'
قلت له وأين ذهبت فلسفة الزهد والقناعة؟ قال هذا نتعلمه في التنشئة، أن ينزع الفرد من نفسه فكرة السعي وراء الماديات، إذا لم يتعلم الفرد هذا في صغره فإنه يصبح صعبا عليه بعد ذلك، هي مسألة في حاجة إلي وعي كبير وقدرة هائلة علي التأمل للوصول إلي الاستغناء ¢بالإضافة إلي أننا لا ننتبه ولا نعترف بالفروق الفردية علي المستوي النفسي، يعني هناك من يؤهله تكوينه النفسي لأن يكون شاعرا أو روائيا، وهناك من يصلح لأن يكون جزمجيا، وللأسف معظم مدعي الثقافة في مصر هكذا..يكتبون ربما.. لكن تكوينهم النفسي لا يؤهلهم لذلك¢
***

الترف هو الحلم الذي يسعي إليه الجميع، كل أنواع الدراما­ بصفتها وسيلة التثقيف الوحيدة الآن­ تروج له، الفقير ملعون ،وحله الوحيد للخلاص أن يجلس مثل الأبله ليشاهد أحلام الترف وهي تتحقق من حوله، من يجرؤ علي التذكير بما قاله ابن خلدون:
"إن عوائد الترف تؤدي إلي العكوف علي الشهوات، وتثير مذمومات الخلق فضلا عن أن الترف يذهب خشونة أهل البداوة، ويضعف العصبية والبسالة، حتٌي إذا انغمسوا في النعيم فإنهم يصبحون عيالا علي الدولة، كأنهم من جملة النسوان والولدان المحتاجين إلي المدافعة عنهم¢
... وأن¢ الترف مفسد لبأس الفرد ولشكيمة الدولة، الترف مفسد للخلق بما يحصل للنفس من ألوان الفساد والسفه، والترف مظهر لحياة السكون والدعة ودليل ميل النفس إلي الدنيا والتكالب علي تحصيل متعها، حتٌي يتفشي الخلاف والتحاسد ويفت ذلك في التعاضد والتعاون ويفضي إلي المنازعة ونهاية الدولة.
سألت د.محمد يحيي الرخاوي مدرس علم النفس بجامعة القاهرة هل هناك في علم النفس تفسير ما لظاهرة مبالغة البعض في مظاهر التنعم؟ وهل يمكن أن نعتبر هذا مرضا نفسيا يجب علي صاحبه العلاج منه؟ فقال:
بالنسبة للسواء والمرض فيجب توضيح أن ما تقبله ثقافة ما، وتسكت عنه، بل تجعله من معايير النجاح فيها (وهذا حادث) لا يمكن أن يسمي مرضا نفسيا عند النفسانيين. ولكن ذلك لا يمنع متخصصين آخرين أو غير متخصصين من أن ينظروا في أمر ثقافة تسكت علي تطرف وإسراف بعض أفرادها في تنعمهم علي حساب الموارد المحدودة للجماعة: فيشخصون فيها (هذه الثقافة) أمراضا ويقترحون لها علاجات. المجرمون _مثلا يعني­ ليسوا مرضي نفسيين، ولكن الثقافة التي تتركهم يمكن أن تكون في حاجة للعلاج.
الرغبة في التنعم واللذة من الأصول غير المنكرة في السلوك الإنساني أو عليه، ولا تقتصر الرغبة علي متعة يتمتع بها الجسد بشكل مباشر، أو ألم أو توتر يزال عنه: فهناك أيضا الحاجة لإعلان النعيم والتزين به الذي يعلن من بين ما يعلن علاقة بسلطة ما أوصلت إليه.
إلا أن كل سلوك إنساني ¢سوي¢ يخضع أيضا لضوابط وكوابح لتطرفه، سواء جاء الضبط من الخارج أو من الداخل. وللضبط أو الكبح وظائف حيوية، فردية واجتماعية، تبدأ من الحفاظ علي التوازن الذي يهدده الإفراط والتفريط، لتصل إلي مستويات أعمق وأرقي من بينها الحفاظ علي مسعي خلق المعني أو إيجاده، ذلك المسعي الذي تنتظم فيه حياة الأفراد والمجتمعات انتظاما خلاقا للحضارة: فنونها وعلومها وقوانينها ومؤسساتها.
وعندما تغيب الرقابة الفعالة، سواء الخارجية (المحاسبية والقانونية أو حتي العرفية وما إليها)، أو الداخلية (كالأخلاق أو الضمير أو الأهداف الأسمي أو غيرها)، أقول عندما تغيب الرقابة الفعالة أو الضبط بما يسمح بأن تتحول مظاهر الإفراط في التنعم إلي مؤشرات للنجاح والسلطة التي تعلو علي الرقابة: فإن أول دلالة هي أن الثقافة قد ضحت بالمعني (في حياتها النفسية ذاتها): بقيمته وربما بالسعي إليه، أو حتي بالإيمان به، وهي _ربما دون أن تدري­ مضحية أيضا بالتوازن ومن ثم بالأمن.
***

ومع كل هذا فإن أحدا منا لا يستطيع منع نفسه في التفكير بمتعة الجاكوزي، ولأن التجربة هي السبيل الوحيد لمعرفة الحقيقة فإني أطالب رئيس التحرير ونقابة الصحفيين ببحث توفير جاكوزي ولو مرة لكل صحفي!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: