دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -630ه - العدد1426رجبمن2- م2005أغسطس من7 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:19:40 ك الساعة - 05/08/2004 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
ثقة الجاهل بجهله
للفنان : فان جوخ
للفنان : فان جوخ
د. محمد المهدي
من أخطر ما نواجهه حالة السراب النفسي، فكيف تتبين المساحة الكونية الخارجية من حولك. ثم كيف تتبين نسبيا المساحة الداخلية في أعماقك وأعماق غيرك مع كثافة وتنوع العلوم والمعلومات. وربما كان أدب الخيال العلمي في عصرنا هو محاولة المعادلة بينهما بتواضع مكثف مصدره قراءة متأنية لموضوعيتها العلمية، وقراءة واثقة لإخلاصها الأدبي، ولكنها حالة تحصين وتطعيم لم تعتمد بعد في وزارة صحتنا الثقافية.
وفقدان التواصل بين الوثوق الداخلي والخارجي يدفع إلي الاضطراب الذي يتحول مع ارتفاع درجته إلي حالة من التوجس والتخوف، وحالة التوجس تتحول مع ارتفاع درجاتها إلي حالة التوقع للعدوان الدائم من الآخرين، وحالة التوقع مع ارتفاع درجاتها تتحول إلي حالة من المبادرة بالهجوم قبل الأوان.
ومما يساعد غير المتوازن المضطرب المتوجس المتوقع دائما للعدوان علي استمرار حالته هو المتلقي نفسه، فقد وقر في الذهنية الجمعية لدينا أن ما يبادر بالحديث هو الأعلم، وأن من يبادر بالمعارضة هو الأحق، وأن من يبادر بالتطاول هو الأشجع. ومن هنا يتم ستر حالة المضطرب بإسدالات وسواتر مطمئنة.
ويصحب هذه الحالة عادة ارتفاع لدرجات الإيقاع الصوتي. فالأعلي صوتا يوضع في الصف الأول كتقليد نفسي للتعسكر والاصطفاف علي طريقة مزرعة حيوانات جورج اورويل، والأعلي صوتا يصل إلي الشعور بالاعتزاز الذاتي المفرغ، أو علي الاقل اذا كان واعيا باللعبة وقد انتشرت بيننا حالة الوعي هذا وقبلت علي علتها فإنه يشعر بعلو مكانة مقعده علي رؤوس الآخرين. وتستمر الأصوات في الصدور في المساحة الكونية الزمانية علي حساب حقبة كاملة.
حدثنا التاريخ عن مرحلة الإيقاعات العالية، فالجيوش الغازية لم تعرف الحدود القومية. والإمبراطوريات كانت تمد أكفها لتخضع الأقرب بالأبعد... تصف الشعوب صفوفا عسكرية... وكان طبيعيا ان يصحب حالة الإيقاع المرتفع غوامض بالمعجزات الكونية.
وتعلو الأصوات التاريخية أو هكذا تبدو جلسة التاريخ العملاقة علي رقعة الأرض الخراب. تبدأ مرحلة التمرد بين الصفوف.... تململ بعض الجلوس، وظهرت علامات اعتراض علي ملامح الأحداث، وتصورت الجموع أنها أمسكت بناصية المسرح الدرامي من أفواه الابطال المتفردين، أو عادلت بين الإيقاعات الإمبراطورية العالية الصوت. والايقاعات الشعبية الكورالية الصوت. وصاحب هذه المرحلة انهيارات متتابعة لجدران الوهم... ذهب زمان المعجزات الكونية، وتلقي الانسان حلا للغز بالمعجزات الحسية.
وتعلو الأصوات التاريخية من جديد أو هكذا تبدو جلسة التاريخ العملاقة، تزوغ الابصار في متاهة صحراء الفكر الواسع، تخفت الأصوات، يزداد الهمس، تكثر نظرات التوجس والشك، يبدأ الحوار الهاديء.
المقولة تقول لتطمئن النفس العاقلة... لاسيد ولامسود، لا من جماعة ولا من فرد، ومعجزاتنا مقننة بمدركاتنا الواعية.
وانتقل الكشف الجديد من الشرق إلي الغرب، غير مقعده ولكنه إلي الآن لم يغير مقولته حتي بعد أن تفتحت أمام عينيه مساحات لانهائية فهو مطمئن إلي أنها نهائية في نسبيتها، وهذه هي المشكلة الباقية، فالنسبية تعني نقاط توقف، ونقاط التوقف تعني خفوت الضربات وصمتها إلي الأبد، فذرة التراب الهينة الواهية باقية بقاء النهائية، بينما الإنسان المتفجر بالإدراك لهونه وهوانه يذهب زمانه.
وكل مرحلة من مراحل التاريخ أثمرت وإلا كيف تواصلنا وبقينا، وكان مصدر الإثمار جماعة تبينت ذات المرحلة من خلال تبين ذاتها المنتجة.. أدركت قيمة العمل.
لكل زمان وسائل حلوله، والمشكلة أن يأتي زمان يستعير التفسير لحالته من زمان آخر، وبالتالي يستعير الحلول من زمان آخر، وهذا يعني أنه يعاني من عيوب الأزمنة الماضية والآتية.
وادخل معرضا للفنون التشكيلية ستشهد الكلاسيكية، والرومانسية، والتأثيرية، والواقعية، والتعبيرية، والسريالية، التكعيبية، والتجريدية، والأعجب المستقبلية.
وأدخل معرضا للعقول ستجد أيضا موزايك من أفكار الأزمنة الغابرة فمن صوت واثق يقول قوله ارسطو.. من الناس من خلق ليأمر، ومنهم من خلق ليطيع. إلي صوت حاسم يقول من كل حسب طاقته ولكل حسب إنتاجه.. إلي صوت يوقع في رزانة:
ولايحسبون الخير لا شر بعده
ولايحسبون الشر ضربة لازب
استعارة زمان أو استعادته في غير زمانه يعني الأخذ بشوائبه، وليس بإيجابياته فالإيجابيات تظهر في لحظة المعايشة، والعيوب تطفو عندما يذهب زمان المادة فتركد.
ومن لم يعش في زمانه لايدرك قيمة هارمونية العمل الصامت في حينها. لقد تعادلت البيئة الخارجية مع الداخلية في الأزمنة الماضية، بين ضجيج في كفة وهدوء في أخري إلي أن رجحت كفة الضجيج في زماننا بشكل واضح والتصقت في أذان الشباب كسماعات تضخيم الصوت وتجسيمه. ولدينا من تراث التخلف ما يجعل هذا الضجيج هو الباقي في حياتنا فهو بقية من مرووث اجتماعي سلبي يتعلق ببعض العادات الصاخبة في الصوت والحركة، والعلاقات علي حساب العمل الجاد الصامت. وهو بقية من وافد غربي يتعلق بحالة اضطراب عصبي من جيل يسعي لتفريغ طاقة القوالب الحديدية المصنوعة والمقبولة من الجميع باسم الديمقراطية.
إن الضجيج عندنا مضاعف ويحمل سلبية الطرفين الشرق والغرب.
ويصحب الضجيج... عادة الضجيج، وعادته الطبيعة هو مسح شريط الذاكرة البعيدة لحساب القريبة، أو ضياع الصوت البعيد علي حساب الصوت القريب، والصوت البعيد هو الميراث الإيجابي في الذاكرة، فهو الموعظة التاريخية ملخصة في الموعظة الفردية... أو هو صوت الضمير..
ولأن الضجيج اليومي في صورة صخب اجتماعي عند طبقة مستريحة، أو في صورة صخب العمل عند طبقة مطحونة، لا يعطي فرصة للحظة الصمت، ولحظة الصمت تعطي فرصة لتدليك الذاكرة، وتدليك الذاكرة يعطي فرصة لمراجعة تراكمات الذات، ومراجعة الذات تعطي فرصة لقبول تصحيح الخطأ، وتصحيح الخطأ يتناغم مع بقية أعضاء الأوركسترا الاجتماعية الذين يضبطون آلاتهم فتتوفر الهارمونية النسبية بين الجميع.
والنتيجة ضجيج مصحوب بذاكرة ضعيفة، وهبوط في ضربات الضمير.
وحدثنا أحمد أمين عن قيمة ذهبت من تراثنا الصحراوي، قيمة صوت الصمت في الصحراء، صوت التفكر والإيقاع الشعري الموزون برهافة الآذان الخالية من تلوث المذكرات التفسيرية.
وأجري باحث أمريكي دراسة عن قبيلة 'الابان' في جنوب السودان وأثبت أن عجائز هذه القبيلة ممن تجاوزوا الثمانين فما بالك بشبابها يتمتعون برهافة سمع أكثر من الشباب الأمريكي، ويعطيهم ذلك ميزة من صفاء الذهن والاستقرار العصبي.
والضجيج يوحي بالديالوج أي التبادلية، ولكنه في الحقيقة مونولوج أي الذاتية، وتأمل طريقة استخدامنا للتليفون أو بديله. يأتي الصوت الهاديء المسترخي في زمانه المتسع، ومكانه الوثير، يبدأ في سرد أحواله في صورة السؤال عن أحوال الطرف الآخر، ولا يمكن تشبيه هذه الحالة بحالة الحوار العبثي في مسرحية 'يا طالع الشجرة' بين الزوج والزوجة فكل منهما يستكمل جملته من منطق ما يشغله، وما يشغله طبقا للمدرسة العبثية هو تناقضات التراكيب الكونية المتداخلة دون تفسير.
الزوج والزوجة في النهاية يلعبان لحنا واحدا ولكن علي آلات مختلفة، أما في حالة محدثنا التليفوني فهي استغراق ذاتي واستعراض آلي، وأي فارق بين الغرق في الذات علي هذه الصورة، واستكناه الذات علي طريقة الموسيقار باجانيني الذي قال: 'إذا توقفت عن التدريب علي العزف ثلاثة أيام متصلة أحس بذلك الجمهور، واذا توقفت يومين أحس بذلك النقاد، واذا توقفت يوما واحدا لاينتبه لذلك إلا شخص واحد هو أنا'.
وحالة الضجيج المفضية إلي حالة الغرق في الذات تؤدي إلي مقياس يجافي حتي الحالة الغريزية، فالأقربون في هذه الحالة ليسوا أولي بالمعروف، والخير الممتد لغير الأهل أو الخير الآخر ليس مقصودا به الخير، ولكن الحصول عي دعاية الخير، والحصول علي دعاية الخير المقصود به أما القرض غير الحسن إلي أن يحين موعد السداد بفوائده، أو إعداد قائمة تحديد الأولي بالمعروف قياسا إلي قرب أو بعد المصلحة.
والنتيجة تفريخ مجموعة متناسقة معقولة مقبولة في حدودها من القيم الشكلية، قابلة للتعديل وقابلة للتبرير، وقابلة للتمرير، بل قابلة للفرض بالقهر وكأنهم يرددون قول السمو أل:
وننكر أن شئنا علي الناس قولهم
ولاينكرون القول حين نقول
بل وقابله للانقلاب من أقصي طرف لأقصي الطرف الآخر للمساومة أحيانا، وطبيعي أن يكون بالمقابل بشطط دون تدرج منطقي، وفي قصة 'الزلزال' للطاهر وطار، يدخل الشيخ عبدالمجيد 'الزاوية' يبحث عن قريبه الذي كان مقدما فيها فيقول له الكهل:
جئت متأخرا يا أبي.


ماذا تقول؟ ألم يحصل له مكروه؟
حدثت أشياء غريبة في حياته، أخرجته عن طوره.


كيف ذلك؟
لقد تحول إلي نقابي، إلي شيوعي فيما بيننا.


عيسي مقدم الشاذلية يتحول إلي نقابي.. إلي شيوعي..
واذا كانت النتائج متفقة لأن المقدمات متفقة من حيث انطلاقها من السراب أو شكلية القيم، فالمرحلة الثانية المنطقية هي خلط قيمة العمل بتقييم العمل، والمفترض أن قيمة العمل لاتصدر عن الجهد المبذول في إثارة زوبعة بدون ثمرة، ولكن الجهد المبذول في إثمار ثمرة بجد صامت. والعمل المزاحم بضجيج يغريه عادة الضجيج فيتنحي العمل ويبقي الضجيج، والضجيج لاتقوم له قائمة إلا بمعلومة ناقصة أو مغلوطة أو مزورة.
وتتسع الدائرة، تختلط بجاحة الضجيج الظاهر بشجاعة العمل الصامت، ونصل إلي حالة ثقة الجاهل بجهله، يصحب معه الأضواء ليصبح قيمة وقدوه، وربما تمرس الجيل القادم بالحلقات فاختصرها أو أزال بعضها، فلا اضطراب ولاتوجس، ولكن قفز مباشر إلي المعارضة والاعتراض من الدرجة الصوتية الأولي، ومن المقعد الأمامي... ومنها إلي مقاعد الريادة الجديدة.
كل مفصل من مفاصل التاريخ له حباله المشدودة يسير عليها أهلها في حذر إلي الضفة الأخري، ومن يصعب عليه السير يقبع في ضفته حالما ويكتفي بالسير علي حبال الغير.
حالة سراب جديدة ليتها تسقط في خداع بعد المستقبل، ولكن الأسوأ أنها تسقط في خداع بعد الماضي.


مستشار دار الاثار الاسلامية بالكويت

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: