|
|
| السنة - | 630 | ه - العدد | 1426 | رجب | من | 2 | - م | 2005 | أغسطس | من | 7 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:34:49 ك |
 |
الساعة - |
 |
05/08/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
جغرافيا بديلة
إيمان مرسال
لماذا جاءت إلي البلاد الجديدة؟ هذه المومياء: موضوع الفجرجة
ترقد بزينتها في كتٌاني رماديٌ: حياة متخيلة في فترينة متحف.
أظن أن التحنيط مسألة ضد الخلود
لأن الجسد لن يكون أبدأ جزءا من وردة
المومياء لم تختر هجرتها بينما هؤلاء الذين انتظروا طويلا في طوابيرالسفارات
وبنوا بيوتا في بلادي أخري يحلمون بالعودة عندما يصبحون جثثا
يجب أن تحملونا إلي هناك هكذا يتركون الوصايا في أعناق أولادهم
كأن الموت هوية ناقصة
لا تكتمل إلا في مقبرة الأسرة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هنا أيضا أشجار خضراء تقف تحت ضغط الثلج وأنهارلا يتعانق بجانبها عشاق خلسة،
بل يجري بموازاتها رياضيون مع كلابهم في صباح الأحد، دون أن ينتبهوا للمياة التي
تجمدت من الوحدة. ومهاجرون لم يتدربوا علي محبة الطبيعة ولكنهم يصدقون أن نسبة
التلوث أقل وأن بامكانهم إطالة أعمارهم بمضغ الأوكسجين قبل النوم عبر كبسولاتي هوائية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لماذا لم ينسوا أنهم من هناك؟
الغرباء الفشلة
يدربون عضلات أفواههم علي التخلص من اللكنة، اللكنة هي المرض الوراثي الشفاف
الذي يفضحهم، يقفز عندما يغضبون فينسون كيف يضعون أحزانهم في لغة اجنبية
اللكنة لا تموت ولكن الغرباء حفارو قبور بجدارة
يعلقون علي باب الثلاجة أسماء من ماتوا من الأهل حتي لا يخطئوا ويطلبونهم في التليفون
ويدفعون ربع أجورهم لشركات الاتصال
ليتأكدوا أنهم موجودون في مكان يمكن تحديده ببعده عن الطفولة
لماذا لم ينسوا؟.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجب شراء organic food ولكني منذ ساعة أتأمل صورة أمي جالسة علي
عتبة دار أبيها التي لم تعد هناك: أقصد العتبة رغم أن أمي نفسها لم تعد هناك.
لا أحد يمر في الشارع لأن العربات تدخل وتخرج بالريموت كنترول، كنت قد اشتريت
هذا البيت الذي لا يمكنني الجلوس علي عتبته من أرملة نحات أسباني كان قد بناه علي
أرضِي تؤول إلي مهاجري أوكرانيٌ أعطتها له الحكومة الكندية بعد نزعها من الهنود الحمر
لكي تقيم مدينة فيها عدة جامعات وعشرات من الشوبنج مول وآلاف مثلي يعرفون الفوائد
الصحية للأورجانيك فوود ويمتلكون عربات تدخل وتخرج بالريموت كنترول.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما تعلمته هنا لا يختلف عن ما تعلمته هناك:
القراءة كتذكرة مرور إلي تغييب الواقع.
تخبئة الخجل تحت ألفاظ بذيئة.
إخفاء الضعف عبر إطالة الأظافر.
تسريب الأرق في التدخين دائما وفي ترتيب الأدراج أحيانا.
توفير ثلاثة أنواع من قطرة العيون من أجل توضيح الرؤية ثم الاستمتاع بالعمي
والأهم، تلك اللحظة الرائعة من إغماض الجفون علي حريق.
هنا وهناك
تبدو الحياة وكأنها موجودة فقط لتجراقب من بعيد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دقائق وتدخلك السكينة التي لا يبحث عنها أحد
فقط اترك رأسك تحت الماء
كيف؟ الفكرة التي تبرق مثل لؤلؤة في سلة مهملات؟ كيف تهدرها هكذا؟
انها فكرتك أنت: مختلفة عنك وأصيلة
هذه الثواني ليست معدودات: إنها النصل الفاصل بين زمنين
تذكٌر الأطباق القذرة في المطبخ... البريد الذي يحمل إعلانات، المصابيح التي تسلط
نفسها في حدقتيك، البروزاك... الرحمة التي لم تعرف أنك تبحث عنها، معك، ستدخل إلي
رئتيك إذا تركت جسدك يهبط ، يهبط للقاع... تحت الماء ثواني أخري، لا حاجة للخوف
الزمن لن يفعل شيئا علي الاطلاق
لن يجعل لشجاعتك ثقل يأخذك لأسفل
الزمن ليس مهما، انه مجرد زمن.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في قارة أخري، تركت أعداء مساكين، يجب أن تخجل من نفسك عندما تتذكرهم
لا شيء يغضبك الآن، من الصعب أن تقابل شيوعيا كلاسيكيا هنا،
انهم حتي يضعون ساعة في المكاتب العمومية بدلا من صورة الرئيس،
ربما يكون كابوسأ أن تقضي يوما كهذا تحت تأثير المهدئات،
لا شيء جدير بأن تتمرد عليه. أنت مرضيٌ وميت
والحياة من حولك تبدو مثل يدي رحيمة
أضاءت الغرفة لعجوزي أعمي
ليتمكن من قراءة الماضي.
|
|
|
استقالة
ملك
الموت
صفاء النجار
وحدي أستمع إلي الحقائق المقبورة في الصدور، حين يتحلل المرء من نظرات اللوم، ويعطي ظهره لأيامه بنفس السخرية التي أعطته بها ظهرها، فخابت مساعيه حينا، وانكب علي الطريق مرات عديدة.
في حضرتي لا تكون أنت كما عرفت نفسك، حريص علي سمعتك وشرفك، حرصك الوحيد سيكون أن تخلع كل الأردية التي أخفت عفنك وكتمت رائحته.
في حضرتي تستيقظ الحواس يقظتها الأخيرة، فتري العين ما تغاضت عنه سنوات، وتسمع الأذن كل الهمس الذي تجاهلته، وتشم روائح القرب والبعد، وتلمس الشوق والوجد، وتشعر بطعم الحب والكراهية فتسأل نفسك ما الذي كان يملأ فمي.
في حضرتي ستتيقن أن الله يجعبد بكل اللغات، لأن حواسك ستكون قادرة علي ترجمة كل ما يقع في محيطها، ما هو أبعد من اهتزاز أعواد الذرة، وسنابل القمح، ورفرافات اليمام فوق شجر السرو. ورغم قربي، وتجلياتي في الأشياء، تدعون أنكم لم تقابلوني، فمن قابل الموت وعاد ليروي عنه؟! في ليلة النصف من شعبان أدق الأبواب ولا أطلب أكثر من رغيف خبز وحفنة ملح فدية لآل البيت. في الآونة الأخيرة لم يعد كثيرون يهتمون بدقاتي، ويصرون علي غلق الباب في وجهي، فمعذرة إذا تسربت إليكم من عقب الباب.
هل يبدو أنني غاضب؟ لا مطلقا، غير أنه يبدو لي أحيانا، أنني لا أفهم البشر، وأفعالهم التي تجافي المنطق، فالإنسان وحده القادر علي كسر القانون الذي تسير به الأشياء ومع ذلك لا تتوقف الحياة، ولكن في أي طريق تسير؟ كما أنه يترك ما بيده يتسرب منه، من أجل ملئها بما هو قصيٌ، ثم يعود ويتذكر يده الفارغة ويطبق عليها. فحجسنة الفقي عندما صارت فتاة رزينة وعاقلة، أصبحت تدٌعي أنها لا تراني، وربما حاولت مرات كثيرة أن تتوهم أن ما بيننا ليس سوي خيالات طفولة. ليس هذا فحسب بل تحتفظ بمجلة علي غلافها المهترئ صورة رجل عجوز، ممصوص الوجه والروح، ميت من قبل أن أراه، ويلتف حول عنقه ذراع وجمجمة، تعلوه بخط الثلث عبارة: "الموت يعانقه ولكنه لا يشعر ولا يحس¢. ما أجهلهم حين يصورونني بهذا الشكل المخيف، ما لي أنا والتوعية ضد المخدرات، اللعنة علي الرسام الذي يشوهني، وقسما بربي لأذهبن إليه حين يأتي اسمه في الكشف علي نفس الهيئة التي رسمني بها، وسوف يري نتيجة ما رسمت يداه.
لست غاضبا، لكني مستاء، فكيف لحسنة أن تنسي وتنكرني..
كنت أحوم حول البيت الوحيد المجاور للمقابر، وكلما اقتربت، تغمض أمها عينيها كي لا تراني، وتغيب عن الوعي فتصرخ النسوة ويدعكن صدرها ويديها بالخل، يحاولن إفاقتها، وبعد جهد تفتح عينيها الملتهبتين من حمي النفاس وتصرخ وتردد اسم زوجها، والنساء يرقبنها، و لم يلاحظن أن الصغيرة كانت دائما مبتسمة ولم يكن اقترابي منها وإغفاءات أمها تهز ابتسامتها، إحساس راسخ بالأمان ينير وجهها ذا الأيام السبعة، وكان الأمر قد صدر لي، لكن أصابعها التي لمست جلدي جعلتني أرتعش، شعرت بأشياء لم أكن أدرك وجودها تتحرك في داخلي، تسربت لي منها أحاسيس آدمية، وملأت روحي بالشفقة، تشتت ذراتي، تغيرت ملامح خلاياي وفقدت السيطرة علي عيني، فانهمرت دموعي وأنا أصعد إلي السماء في أشواطي السبعة، كنت أبكم فتحرك لساني الصامت ولهج بالدعاء والتوسل، ابتسامة الرضيعة، ترحيبها الهادئ قالا لي: موعدك ليس الآن.
أخذت أصعد إلي السماء، وفي كل مرة أتأكد من أمر الرب، فأعود لأداء مهمتي، ولكن ابتسامتها تجعلني أصعد ثانية، ست مرات، وفي المرة السابعة تبسم وجه الرب، وانتعشت روح أمها، وبدأت تشرب مرقة الدجاج من يد قريبتها، وذهبت إلي مواعيدي الأخري.
لا يمكن أن أصف ¢حجسنة¢ بأنها ناكرة للجميل، كما لا يمكن أن أصفها بأنها جميلة، شعرها مثلا متوسط الطول، ظلت تحلم دائما بالشعر الطويل، ورغم أنها رمت خصلة من شعرها في النيل أيام الفيضان لكن شعرها كان نموه بطيئا، فلم تعد إلي قص أية خصلة منه، وفيما بعد تحولت كثافة شعرها إلي نعمة حمته من التقصف الذي تحدثه مكواة الأسطي سيد الكوافير كل أسبوع. لم يكن في حسنة الصغيرة ما يميزها لكن ملامحها العادية هذه ستتغير مع السنين، وتتغير معها أشياء كثيرة في حياتها، حتي ليبدو أنها تخلع بين حين وآخر صفاتها، وتكتسب صفات جديدة.
وما يثير الدهشة أن الصفات القديمة والجديدة هي جزء لا يتجزأ منها، بما لا يجعل أحدا يلاحظ هذه التطورات، فقدرتها علي التكيف والمواءمة تجعلها في كل الأوقات السيدة الأجمل دائما، وبمرور الوقت ستكتسب نوعا من الجمال يجطلق عليه خبراء الإعلام جمال الشهرة، وتجسمٌِيه ¢حجسنة¢ جمال النعمة.
تتكرر هذه الأشياء كثيرا في حياة ¢حسنة الفقي¢، فبعد أسبوع من ميلادها تنبه أبوها "حسين الفقي¢، وهو يقبل كفها الأيمن، إلي وجود ¢حَسنة¢ ذات لون بني فاتح في وسط كفها. وسيقرر علي الفور أن يسميها "حَسنة¢، وسيعتبرها نعمة من الله، لكن هذا الاسم لن يظل ملاصقا لحجسنة الفقي، فعندما يجلس ¢فؤاد الكاتب¢ علي يمين الشيخ ¢حمودة¢ مأذون ¢الزرقا¢ و يده في يد ¢حسين الفقي¢ والشيخ ¢حمودة¢ يطلب منه: "ردد خلفي زوجني ابنتك حَسنة الفقي البكر الرشيد¢، فيردد فؤاد: ¢زوجني ابنتك حجسنة الفقي البكر الرشيد¢
ويجيب الأب مجقٌِلدا البيه وضاما الحرف الأول من اسم حسنة ¢ زوجتك ابنتي حجسنة الفقي البكر الرشيد¢
وكما يتغير نطق الاسم، تزيد حروفه حرفين آخرين في مقدمته ليصبح ¢ست حجسنة¢. لكن علاقتي الوطيدة بها، وألعابنا التي لم تنقطع ستعفيني من أي حروف زائدة، وتبقي بالنسبة لي ولكم فقط حجسنة الفقي، إلا إذا مر بها أحدكم ورآها في شرفتها وعلي كتفها شالها الأسود شتاء أو الأبيض صيفا، تتطلع إلي النهر، وتراقب أيامها التي كانت والأيام القادمة، وأراد أن يسمع صوتها الباسم، فالتحية التي تحبها: سا الخير يا ست حجسنة.
تقبلت تغيير نطق اسمها، بنفس قدرتها علي التواؤم مع كل جديد وغريب، ويمكننا أن نخمن بأن هذا ما جعلها تتأقلم مع البيت الكبير فلم ترفض يوما فكرة أو كلمة جديدة، بل وتداري في أحيان كثيرة عدم فهمها، وقلة استيعابها وتردد بينها وبين نفسها بأن غدا سيأتي وستفهم أكثر، ولم يكن هذا الغد يتأخر كثيرا عليها، بل يبدو لي أنها كانت تتعثر دائما في طريقها بهذا الغد، بنفس المهارة التي يتعثر بها أطفال بلدتها في حجارة الطريق. في كل خميس تذهب ¢حجسنة¢ إلي السوق الكبير في بلدة ¢ميت زهرة¢. يقولون إن بنات ميت زهرة جميلات، ويلمزون إلي استقرار جنود الحملة الفرنسية فيها، وأنا لا أوافق علي هذا الرأي مطلقا، فهن لا يمتلكن سوي بياض فاقع، وبعض الألوان الفاتحة تتوزع علي العيون، كما أن وجوههن المستطيلة العظام تنفي عنهن أي مسحة رقة أو جمال، وإصرارهن علي أن الرشاقة عار، وأن الجميز هو أفضل الأشجار، يجعلني لا أستطيع أن أخبركم عن الثقل الذي أعانيه حتي يتخدر ذراعي، وأنا أصعد بأرواحهن إلي السماء. تحمل ¢حجسنة¢ وهي في طريقها إلي السوق بعض الطيور.. بطة أو دجاجة، عددا من البيضات، تكمل بثمنها ما تحتاجه من طلبات للبيت، وأحيانا تشتري لنفسها قطعة قماش أو حلاوة طحينية لأخيها ¢يحيي¢، ولم يكن عليها لكي تصل إلي ¢ميت زهرة¢ سوي أن تخترق الشارع الرئيسي في بلدتها الذي ينتهي بالطريق المسفلت والسرايا الكبيرة والنيل مباشرة، وتسير علي الطريق المسفلت خصيصا لعربة البيه ¢الباكار¢ موديل 1933. والموازي للنيل وتقطع مسافة كيلومتر حتي تصل إلي ¢ميت زهرة¢ وعند مدخل البلدة، وقبل أن تصل إلي ¢الوسعاية¢ التي ينصب فيها السوق، كان هناك بيت مكون من دورين يحلو لها التطلع إليه، وكان من عادة الفلاحات أن يطرقن علي باب بعض الدور المجاورة للوسعاية طلبا لشربة ماء، والدعاء بالصحة والعافية، لكن هذا البيت لم يكن يكتفي بذلك، بل كانت هناك ثلاثة أزيار كبيرة ممتلئة بالماء دائما.
بعد أن انتهت حسنة من بيع "دكر البط¢ وشراء رطلا من اللحم، دون أن تنسي الكمون والملح اللازمين للعشوة الحلوة، والأهم حصان الحلاوة، وخمسة أقراص حمصية، وقرصين سمسمية، وربع كيلو حمص، وحفنة من نبوت الغفير وخرطة ملبن، احتفالا بالمولد النبوي. اقتربت من البيت المكون من دورين وحديقة صغيرة، كان الزير قد اقترب علي الانتهاء وهي لا تحب شرب الماء المتعكر والمتبقي المليء بالشوائب، وبينما هي تهم برفع شيلتها نادتها سيدة شابة شقراء، كانت "حجسنة¢ تلمحها وهي تستمع إلي الراديو في الفراندة، نادتها السيدة التي تعاني من الوحدة ومن غرابة اسمها ¢الياصابات¢ والذي تتنوع الطريقة التي ينطقها بها الفلاحون الذين يأتون لزوجها الدكتور ¢ناجي¢ طلبا للعلاج، البعض يسميها اللية لبياض جسمها الشديد وامتلاء مِؤخرتها، والبعض الآخر يسميها الصجباتة لحمرة وجهها. بالطبع لم تكن السيدة "الياصابات¢ التي تلقت تعليما في مدرسة ¢نوتردام¢ في طنطا تعرف هذه الدعابات وحتي إن عرفت فإن خفة روحها ستجعلها تسخر هي الأخري وتضيف لنفسها لقبا جديدا.
دعت اليصابات ¢حجسنة¢ لكي تشرب، وسألتها عن اسمها وبلدتها وقدمت لها طبق عاشورة، وكانت المرة الأولي التي تسمع فيها عن هذه الأكلة، وستحاول حجسنه ألا تنسي السؤال عن اسم هذا الطبق وكيفية صنعه. وعند الياصابات التي لا يزيد عمرها عن خمسة وعشرين عاما، وإن كان من يراها يعتقد أنها في الأربعين في الواقع لم يكن أحد يهتم بعمرها فالمرأة إما طفلة لا تصلح للزواج أو متزوجة أو أرملة بدأت حَسنة التي ختمت القرآن الكريم منذ عامين وتعلمت مباديء القراءة والحساب، تمسك في يدها مجلات وجرائد وتستمع إلي الراديو عجيبة تلك الأيام، وانفتح لها للمرة الأولي عالم لم تكن تعرف حتي أنه موجود، وبتوثق العلاقة مع الياصابات سألتها عن سبب إقامتها في الدور الأرضي وليس الدور الثاني فابتسمت وقالت لها برقة: _ أحسن يا حَسنة، علشان يبقي سهل عليَّ أشوفك.
لكن هذه الإجابة لم تقنعها، فهي تشعر أن الأدوار العلوية بها شرفة، وأن الغبار من السهل أن يصيب طقم الصالون النبيتي المذهب، الذي رأته وجلست علي وروده القطيفية، وأنه يستحق الدور الثاني، ولما ألحت في طلب الحقيقة ودفعا للخجل عن السيدة الرقيقة، وجب عليَّ أن أشرح لها بعضا من حقائق الحياة التي ستعرفها فيما بعد، فما تراه امتيازا للدور الثاني كان ممنوحا لزوجة شقيق الدكتور خوفا علي أولادها من اللعب في الشارع، رغم أنهم يلعبون فيه، لكني أشفقت علي قلب البنت الصغيرة التي ستعرف في الأيام القادمة ما هو أكثر عمقا وإيلاما من مجرد النزول من دور علوي إلي دور سفلي.
أعجبت حجسنة بماكينة الخياطة التي تمتلكها الياصابات، وتعلمت أن تجلس عليها، وأن تحيك بعض القصات البسيطة، كما تعلمت بعض أشغال الإبرة من المفارش والناموسيات والستائر. وفي أحد أيام الأربعاء عرضت اليصابات عليها قطعة قماش جديدة لونها أخضر عنابي ومنقوشة بزهور بيضاء لتفصل لها جلبابا جديدا متوسط الطول، وبتقسيمة من الوسط، وكرانيش دائرية حول الرقبة، وعندما همت بأخذ مقاساتها استنكرت حَسنة وقالت:
_ يا ست الياصابات حرام تفصيل الهدوم يوم الأربع، الهدوم يا تتسرق،
يا تتحرق.
لكن اليصابات استكملت عملها وأدارتها: لفي آخد قياس ظهرك.
ولم تجرؤ علي إخبار أبيها عن الجلباب الجديد إلا يوم الخميس، كما لم تجرؤ علي إخباره فيما بعد أن مهنته التي اتخذ منها لقبا سببت لها قلقا كبيرا..فحجسنة الفقي لا علاقة لاسمها بعائلة الفقي الإقطاعية ولا بالممثلة الشابة ¢نيرمين الفقي¢ التي ستظهر وحسنة سيدة تتخطي عامها الستين بثقة وثبات تدعمهما برفضها الدائم لصبغات الشعر القديم منها والجديد.
وظلت تحمد الله كثيرا أن أخاها "يحيي¢ سافر في بعثة للدكتوراه إلي ألمانيا قبل مقتل "صلاح حسين¢ الذي تزعم مقاومة أهالي كمشيش ضد الممارسات الظالمة لعائلة الفقي قبل الثورة وبعدها. فقد وصل جبروت العائلة إلي استخدام القوة المسلحة ضد الأهالي وقيام عائلة الفقي باعتقال زعماء أهالي كمشيش وحبسهم في قصر الأسرة، ودفعهم للقاتل ¢محمود خاطر¢ لقتل ¢صلاح حسين¢. كانت تتابع باهتمام ما تكتبه الجرائد، كانت هذه الأوقات من أصعب الأيام في حياة زوجها "فؤاد الكاتب¢، وكل من كانت له أراض زراعية خضعت للإصلاح الزراعي وامتد أثرها لأكثر من عام وفاجأهم عبد الناصر وهم مجتمعين في عيد العمال بقوله ¢السنة اللي فاتت مات الشهيد صلاح حسين في كمشيش، ونبهنا مات ازاي .. قجتل.. قجتل بعد 14 سنة من الثورة بأيدي الإقطاع.. في كمشيش في الوجه البحري هنا.. مش حتي في مجاهل الصعيد.. جنبنا.. جنب القاهرة، وجنب دايرة أنور السادات. وازاي الكلام ده يحصل؟ معناه ايه؟ معناه إن احنا كنا نايمين علي الثورة المضادة اللي موجودة في البلد. إذا كان الاقطاعيين بيطلعوا ويموتوا عيني عينك، جنب دايرة أنور السادات وفي المنوفية، واحد فلاح لأنه بينادي بحق الفلاحين وبينادي بإنسانية الفلاحين¢ يمكنني أن أفشي سرا عن حسنة فهي لم تحب أبدا صوت عبد الناصر، كانت تعتبر صوته أضعف ما فيه بينما قامته وعينيه سر قوته، وعندما تابعت علي الشاشة الانحناءة الخفيفة التي في ظهره بكت، وتمنت أن يموت قبل أن ينحني أكثر، لكن بعد أن مات، ومات من جاء بعده، وبدأ التلفزيون يفرج عن صوته فتذاع أجزاء من خطبه تعودت عليه وأصبح الحنين إليه يملؤها، والحقيقة أنها لم تصرح بهذا الرأي أبدا، بل كانت تدافع عن عبد الناصر وتبرر دائما أخطاءه حتي وإن حكت في صدرها، وظلت تراه مثل كل النساء عدا ¢زينب الغزالي¢ و¢حميدة قطب¢ ملاكا أو علي الأقل نبيا حتي أنها سألتني: إنما هو نبي ولا ملاك؟
فأجبتها: الموت نفسه ملاك.
ارتبكت، فهل يمكن لعيني ناصر الثاقبتين.. أن يعرفا علاقتها بالحريق الذي نشب في جسد ¢أم الخير¢ زوجة ¢حامد¢ البواب.
بدأت حجسنة تشعر بالألم في أماكن متفرقة من جسدها، وتلاحظ ظهور بقع زرقاء في أماكن الألم، استشارت الدكتور ¢ناجي¢، طمأنها أن الحالة بسيطة وربما أصيبت بهذه الكدمات دون أن تشعر، لكن الألم تزايد عليها ولم تفلح الدهانات التي كتبها الدكتور ¢ناجي¢ مع البقع التي تختفي نهارا وتظهر ليلا، أشارت عليها خادمتها ¢فاطمة¢:
البقع الزرقا في جسمك يا ست حجسنة لازم من فعل الجان يجعل كلامنا خفيف عليهم يمكن يا ست عاكستيهم ورميتي ميه سخنه علي أرض الحمام أو صرختي فيه، لازم نرش الحمام، وأوضتك بميه فيها عرق الحلاوه وبذر الرجلة وربنا يأذن بالشفا.
لكن ¢حجسنة¢ ظلت بأوجاعها، فنصحتها ¢فاطمة¢أن تذهب إلي أحد الشيوخ المبروكين في "السرو¢ أو يأتي هو إليها لكنها خشيت من غضب ¢فؤاد¢، وهي نفسها لم تكن تري داعيا لذلك. _ طيب علي الأقل يرقيك، يا ست أنت لازم محسودة، أو مسحور لك .
وافقت بشرط ألا يعرف أحد ممن بالسرايا. جلست في منتصف السرير، وأخذ الشيخ يمر بيده علي جسدها ورأسها وهو يتمتم:¢ بسم الله، حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس في عين العائن، اللهم رد عين العائن عليه في ماله وولده وأحب ما لديه، ونكس اللهم برأسه بين رجليه، وخذ كلمته من بين شفتيه، ورد اللهم بأسه عليه، ماء رقيق ولحم سميق وعلي العين لا تضيق، فارجع البصر هل تري من فتور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، النبي ضلعت ناقته، قامت ولحقت، فلا عظم كسير، ولا دم يسيل، في عين الفكر ما ذكر من كل أنثي وذكر، يا عين يا عائنة، يا رديئة يا خائنة، يا حمراء مثل اللحم، يا بيضاء مثل الشحم، يا سوداء مثل السجم، اللهم اكفف حجسنة شر العين السوداء والعين الحولاء والعين الرقطاء والعين السوداء. والسماء ذات البروج وكل عين تلوج والشمس وضحاها لكل عين تراها، هل أتاك حديث الغاشية لكل عين ماشية، والطور وياسين لكل عين تعين، والسماء والطارق لكل عين خارق، هل أتاك حديث الغاشية لكل عين ماشية ...¢ ثم قرأ آية الكرسي والمعوذتين والإخلاص. جلس علي كرسي في مواجهتها وقال لها: يا ست أنت معمول لك عمل علي أظافرك المقصوصة، والألم يحدث لك كلما حرق جزء منها.
سألته الخادمة: ممكن تفك العمل يا شيخنا؟
أنا هعملك عروسه معكوسه وإنت لما تشعري بالألم غزيها بالإبرة، سيصل ألمك إليها، وستعرف أنك كشفتيها وتبطل أذاها عنك.
جهز الشيخ العروسة، وأوصي حجسنة باستعمالها عندما يأتيها الألم، أبدت حجسنة ترددها أمام فاطمة، وأظهرت عدم مبالاتها بحديث الشيخ، وعندما حل المساء وبدأت البقع الزرقاء تنتشر في جسدها، غرست الإبرة.وكلما غرست أكثر كانت شدة الألم تتفاوت، طغت عليها رغبة في معرفة الفاعلة، ربما أكثر من رغبتها في تخفيف ألمها، فأحرقت العروسة. وفي اللحظة التي أمسكت النار في العروسة، توقف طنين الألم، ولكن صرخات متوالية وصيحات ¢إلحقوني¢ بدأت تتصاعد، وعندما خرجت إلي الشرفة رأت كتلة من النار تتمرغ علي عشب الحديقة و¢حامد¢ البواب يلفها ببطانية، وعرفت أن وابور الجاز شب في جسد ¢أم الخير¢ وهي تجهز الشاي لزوجها وفي مستشفي الزرقا الأميري همست لها ¢أم الخير¢ وهي مربوطة بالضمادات: _ سامحيني يا ست حجسنه، الذنب ذنبك.
امتقع وجهها وهمست لها وهي تصر علي بقية قصاصة أظافرها التي أصبحت تحرقها بنفسها:
_ ربنا يسامحنا كلنا. واحتفظت بسرها ولم يخطر علي بال ¢فاطمة¢ أن تسأل سيدتها عن العروسة، كما أن ناصر نفسه كانت تخبئ له الأيام مشاغل أهم بكثير من اشتعال النار في جسد فلاحة أيا كانت الأسباب، فبعد أقل من شهر وخمسة أيام من خطابه السابق كان ناصر قادرا علي جمع شمل آل الكاتب حول التلفزيون ودفع حجسنة إلي أقصي حدود البكاء.
|
|
|
يا قصيدة
ارمي حبالك وانشليني
تميم البرغوثي
يا قصيدةْ اْرمي حبالك وانشليني
يا حمامةْ بيضاْ فوق جناْحاتْها عالجنبينْ هلالَ اْحمرْ
وشايلة حبال تِلِفٌ الكوكب البشري كإنه خجضار من البلكونة بتشِدّجه
وبياع الخضار ماسك ف إيده صَكَّ واهْبَة فيه حياتها ليهْ
تمن للأرض والخلق اللي فيها
تْشِدٌِ في سَبَتِ الخضار ويشدٌِ فيهْ
إرميه
بدال ما يشدَّكِ البياع لِعَنْدجه
كبَّري مخك سيبيهْ
واوعي، تسيبيني
يا قصيدة ارمي حبالك وانشليني
وانشليني زي نَشَّال المواصلة الزحمة،
بالكلمة أو البسمة،
ولاغي الدنيا والهيها
وسهيها
وخديني من جيوبها الورانية الضيقة الضلمة
وحطيني ف إيديك واجري في أول محطة
وطيري بيا في الشوارع
واضحكي لما الأمم تلهث وراكي
بس خليني معاكي
واحفظيني
يا قصيدة ارمي حبالك وانشليني
وانشليني من بحور مش هايجة خالص،
من بحور اسمنت أو من جَوَّ مِتْحَنَّطْ،
مَاكِتَّ نْججومجه مِتْفَنَّطْ
كما الدومينو وزهر الطاولة،
غرقان، مش بقي في شبر مية زي ما بيقولوا، إنما غرقان في تفل الشاي
في نقطة مية نازلة من مكيف في قفا موظف بكرش اصلع بيحمد ربنا برضه
فِ دمعة عينيْ من ثلاثين سنة فْ عيني،
بقي وصولها لخدي معضلة عايزالها تسعين دولة ومعونة ومجلس أمن،
غرقانْ يا قصيدة في سكوتي وفي كلامي،
في حروبي مع زجرار كجمٌِي
وسلامي عللي نفسي يموت ببطء قوي أمامي
مال ميزاني يا قصيدة فاوزنيني
يا قصيدة ارمي حبالك وانشليني
وانشليني، هاقلب التاريخ كإنه ساعة رملية واصيح:
شيلي هلالكْ واتبعيني
أصلجه في الأيام ديْ باتوا بيصلبوا الناس عَ الأهلة،
تكنولوجيا!
والبني آدم كمان بَقَيْ جسمه ممكن يِتْعِوِجْ أسهل كإنه جنين،
إذا ثَبٌِتّجه يبقي هْلال،
وَاْنَاْ يا قصيدة راضي إنيْ أموت علي هْلالِكْ
علي القفلة في موَّالِكْ
علي بسمِةْ مججامْلَة لو سألت ازَّيَّ أحوالِكْ
وأرضيْ أموت، بلا قافية، عشان العيشة زي الخمسة صاغ
شغلتها بس ترخص الهرم اللي منقوش فوقها،
يا صرَّاف يا متحنتف با قول لك إيه بقي، ماتخليهالك، مش عايزها،
ويا قصيدة لولا إني مِسْتَعَرَّ من الحياةْ كنتَ ادٌِيْهالِكْ
والنَّبي شيلي هلالك واتبعيني
أو تكوني انتي هلالي واتبعِكْ
يا عاليةْ جدا في السما وبتغمزيلي أَوَقَّعِكْ
تعبان انا المرَّة ديْ وحياتِكْ يا غالْية وقَّعيني
يا قصيدة وارفعيني أرفَعِكْ
راضي أموت لكن مَعِكْ
وان كنت يا عالية بَاخَرَّف في الكلامْ، صبرِكْ عَلَيَّا واسْمَعِيني
يا قصيدة اسْتَحمِليني
ياقصيدة ارمي حبالك وانشليني
واذكري مرَّة جَمَايْلي يا قصيدة
ولما اموت،
هاتي قَدجوم سِنّجه رقيق، وبحق ما كَتَبْتِكْ بذمَّة
ابقي سَمٌِي يا قصيدة واكتبيني...
|
|
|
سندريللا وعم سعيد
حنان الديناصوري
ينتظر حوالي ساعة بعد أذان الفجر. يرهف السمع لأول حركة في الشارع عندها يطلب من زوجته ان تذهب به إلي مدخل العمارة.. تعترض الزوجة بان 'الجو بارد وهو مش ناقص وحيروح يعمل إيه يعني' ، يصر علي الذهاب فترضخ. وهي تغمغم تضع البطانية علي أكتافه وتقوده لمدخل العمارة.. يجلس علي كرسي حمام وتأتي له بكوب الشاي ليتدفأ .
ينتظر صوت فتح باب الشقة ثم اغلاقه ثم صوت الأرجل الصغيرة تنزل السلم. يتلهف لرؤية ابتسامة وجهها الملائكي.. تنادي عليه اثناء نزولها لتتأكد من وجوده. صباح الخير ياعم سعيد'، يحاول ان يجعل صوته سعيدا كأسمه 'صباح الفل يابجسبجس'. تحمل معها دائما عرائسها تسميها 'باربي' اتت بها من بلاد المهجر حيث تسافر لزيارة أبيها.. تعطيه واحدة وتذكر له اسمها، أسماء صعبة وغريبة، وتطلب منه أعادتها وعندما يفشل تضحك.
تبدأ في تمثيل مسرحية قصيرة بين العرائس تلوم صوتها لتبدأ القصة بخناقة حامية تنتهي بالمصالحة، حينئذ يسمع نفير اتوبيس المدرسة.
تودعه لتذهب لمدرستها الاجنبية البعيدة. تقول انها في 'التجمع الخامس' لايعرف اين ولكنه يستنتج انها منطقة جديدة.
يحفظ جدولها عن ظهر قلب تتأخر يومي الأحد والثلاثاء للرابعة عصرا اما بقية الأيام فتحضر في الثانية.
يقطع الوقت بين ذهابها إلي عودتها بالشكوي للسكان.
عندما يسمع نفير الأتوبيس يتجه بنظره ناحية باب العمارة يراها تنزل من الأتوبيس تجر وراءها الشنطة الثقيلة.. تحكي له عن يومها الدراسي تؤكد له انها اخذت الدرجة النهائية في الامتحان او أنها غنت أغنية جميلة في الإذاعة المدرسية. احيانا تجلس بجانبه لتحكي له عن صديقاتها ذوات الأسماء الغريبة روان وهنا ونوران.
عندما جاءت تبكي لان مدرسة اللغة العربية عاقبتها لمساعدتها صديقة لها في حل الإمتحان، انفطر قلبه لبكاؤها. وأوصي أمها ان تشكو المدرسة للناظرة لتنصف الصغيرة.
أحيانا في وحدته يعجب كيف ان بجسبجس لاتشعر برثاثة ثيابه أو بعدم استحمامه لفترات طويلة منذ مرضه الأخير. يظن الجميع انه لايعرف حقيقة مرضه ولكنه سمع الطبيب ا لشاب في مستشفي التأمين الصحي يخبر زوجته ان الداء الخبيث استشري في رئتيه ولإنه لن يتحمل الكيماوي سيأخذ جلسات إشعاع 'ثلاثين جلسة'، وأن امامه اشهر معدودة هكذا احس من كلام الطبيب. لم يحزن كثيرا فقد شعر بأسي لإنه لن يترك أثرا لا ولد ولابنت.
تمني فقط ان تهديء المسكنات ألمه حتي يرحل بسلام.
عندما جاءت جلسة العلاج الثلاثون والأخيرة لم يستطع الذهاب رغم إلحاح زوجته وأخيه.
أيضا لم يلحق بالصغيرة في الصباح ولكه أصر علي انتظارها في العودة. عندها غفي وهو جالس لم يستيقظ إلا والصغيرة تناديه لترتمي في حضنه سعيدة.
لقد أختاروها في المدرسة لتقوم بدور الأميرة في الحفل السنوي، ستتزوج الأمير في نهاية المسرحية. 'إنها قصة شهيرة جدا، كيف لم يسمع بها قصة سندريللا'.. كانت هذه آخر كلمات ترن في أذنه قبل اغفاءته الأخيرة.
|
|
|
حكاية جدي الكبير
أحمد الليثي الشروني
حينما سكنت في بيتي الجديد علي قمة الجبل الذي يطل علي النجع من الناحية الشرقية راودتني خواطر جمة ربما تزحف الثعابين والعقارب من شقوق الجبال ورمالها وتسكن معي البيت أو تداهمني الذئاب والثعالب ليلا فتلتهمني وأولادي وطيوري ومواشي إن الاغوار التي حفرتها احدي شركات التنقيب عن الفوسفات كثيرة جدا شرق النجع وتتخذها الوحوش مأوي آمنا لها، الخور الذي يفصل النجع عن الجبل الذي يعتليه بيتي مخيف، يقول الكثيرون أن جدنا الكبير ، ومؤسس النجع كان رجلا شريرا، قلبه مظلم مثل سحنته تماما. ارتكب كثيرا من الجرائم بوادي الرام، ثم فر هاربا بفرسه ومتاعه وكانت معه أموال كثيرة، ونزل بهذا المكان الاجرب وبني له بيتا من الحجارة البيضاء وأمامه مندرة واسعة لها بابان كبيران تسمح بدخول ناس كثيرين من عابري السبيل يستريحون وينامون ويأكلون فيها، راح يتجول في القري والنجوع المجاورة حتي عرفه الناس وذاع صيته وأغدق الاموال علي الناس في زمن لا يمتلك الناس فيه إلا الخبز والخضراوات التي برز عونها في أرضهم ويطعمونها من السبخ الذي يجلبونه من بطن الجبل جدنا كان رجلا مزواجا، تزوج الكثير طلق بعضهن وأبقي القليلات في عصمته.
جدنا انجب الكثير من البنين والبنات، كان رجلا شجاعا لا يهاب شيئا ولكن الأشياء تهابه، وكان يلتهم البيض نيا وكان شرها في أكل اللحوم بأنواعها وشرب الشاي الثقيل، وعندما هده المرض وأقعده علي السرير بعد التسعين من عمره كان يأمر أولاده وأحفاده أن يحملوه إلي المندرة الكبيرة كل ليلة يجلس بين الناس ويتناقش معهم ويناقشونه.
عفاريت كثيرة تسكن الخور يقولون أنها أرواح القتلة تحوم حول المكان فتتجسد ليلا في صورة عفريت أحيانا يصبح ماردا هائلا في طول عمود ليس له آخر الذين رأوه يقولون ذلك في قعدات المنادر والمصاطب، ويحكي أن جدي وحده قتل أكثر من عشرة ما بين كبير وصغير في هذا الخور.
نصحني أحد أصدقائي بعدم عبور الخور ليلا، وأكدت له أنني لا أخشي العفاريت بقدر ما أخشي الوحوش والذئاب، زوجتي اقسمت أنه إذا غربت الشمس ولم أكن موجودا بجوارها في البيت سوف تطلع فوق السطوح وتولول بأعلي صوتها لكي تجمع أهل النجع، وخوفا من أن تفعلها هذه المجنونة بمرض الخوف عزمت علي ألا ينزل الظلام إلا وأنا في بيتي بجوارها.
ذات ليلة أمشيرية أيقظتني زوجتي علي صوت زئير قوي يحيط بالمكان ويبدو أنه قادم من أسفل الخور، أنصت لحظات تصبب العرق من جبين زوجتي رغم البرد القارس. بعدها أيقنت أنها عواصف شديدة تدور أسفل الخور وتخرج مزمجرة إلي الفضاء الذي يحيط بالبيت، بعد لحظات هدأ الزئير ومعه هدأت أنفاس زوجتي وبلعت ريقها وتنهدت:
احنا كان مالنا ومال المكان الفقري ده
قلت لها مداعبا خصلات شعرها
سأذهب غدا إلي الشيخ منصور يعمل لكي حجابا يقوي قلبك.
فردت قائلة: منصور مين النصاب ده بينصب علي خلق الله.
منصور هذا أحد أبناء عمومتي بعد أن اشتد عوده كان يسافر إلي السودان يجلب الجمال مع تجار كثيرين من نفس المنطقة ويبيعونها في الأسواق، ذات مرة التقي به أحد مشايخ من السودان، واعطاه العهد علي حد قوله وبضعة كتب قديمة، ومنذ ذلك اليوم اعتزل مهنة جلب الجمال من السودان، وجهز له حجرة في بيته الملاصق لمندرة جدي وراح يمارس فيها مهنة الدجل، وقد ذاع صيته وعرفه الناس وكانت تأتيه الأفواج وأكثرهم من النسوة بالهدايا من طيور ودقيق وسكر وخضراوات. حاول الاستيلاء علي مندرة جدنا الكبير وتحويلها إلي ساحة يمارس فيها أعمال الشعوذة، رفض الجميع وبخوه وطالب البعض بطرده من النجع لأن هذه الاعمال تجلب الشر والفقر وربما تصيب الرجال بالعنة. ولكنه لم ييأس وظل يحوم مستندا إلي نفوذ الجن الذي يستخدمه في أعمال الشعوذة.
بعد صلاة العشاء هاج النجع وتجمع الناس بجوار المندرة الكبيرة وارتفعت أصوات النبابيت والأصوات العالية ثم هدأت بعد فترة في ذلك الحين لم أستطع أن أترك زوجتي وحيدة في البيت وأعبر الخور لكي أعرف حقيقة ما يدور في النجع وعند الصباح عرفت أن الشيخ منصور رآه أحد أعمامي يضاجع امرأة داخل المندرة حيث جاءت تستنجد به بعد أن تزوج عليها زوجها، وأوهمها أن الجني لا يخدمها إلا إذا ضاجعها، وبعد ذلك هاج الناس عليه وحاولوا قتله بعد فعلته الشنيعة داخل مندرة جدنا الكبير، وعندما سمعت هذا الكلام بصقت في الهواء قاصدا وجه منصور اللعين.
بعدها بأيام عندما كنت أمر بجوار المندرة سمعت صوتا يشبه حفيف الشجر يتسرب من داخلها، توقفت وفتحت الباب البحري ودلفت الي الداخل ، وجدت السقف قد تشقق، وبدأ يتساقط، وقفت متأملا ودب الحزن في داخلي، ورحت ألعن منصور وأمثاله.
|
|
|
|