|
|
| السنة - | 630 | ه - العدد | 1426 | رجب | من | 2 | - م | 2005 | أغسطس | من | 7 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:24:49 ك |
 |
الساعة - |
 |
05/08/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| أحداث |
 |
|
|
بعد صدور "ظلال الواحد" كأول رواية عربية :
بداية عصر الواقعية الإلكترونية
أحمد ناجي
يتوغل العصر الرقمي يوما بعد يوم في حياتنا و يؤثر بالتدريج علي شكل الحياة من حولنا حتي في طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تربط البشر ببعضهم البعض ، الكتاب بدوره لم يكن بإمكانه الانفصال عن هذا التطور الذي بدأ يتدرج في تحسن شكل الكتاب المطبوع مع ظهور تقنيات الطباعة الجديدة حتي وصلنا إلي الكتاب الالكتروني ، و بداية عصر النشر الالكتروني الذي يري البعض أنه المسمار الأول في نعش الكتاب الورقي .
و في خضم هذا التغيرات ظهرت رواية ((ظلال الواحد )) للكاتب الأردني محمد سناجلة و التي يمكن اعتبراها أول رواية عربية رقمية ، تستفيد علي الشكل الفني و البنائي للرواية من التقنيات الرقمية الجديدة فسناجلة لم يكتفي فقط في روايته بنشر النص علي شبكة الانترنت ، بل استخدم تقنيات النص الفائق أو Hypertext ليخلق نصا جديدا و تقنية مبتكرة تستخدم لأول مرة في كتابة الرواية العربية .
النص الفائق ((hypertext)) يعرف بأنه نظام لتخزين صيغ مختلفة من المعلومات و الصور و النصوص بحيث يسمح بالوصول إلي النصوص و الصور و الأصوات و غيرها من المعلومات بضغطة زر واحد حيث يربط هذا النظام النص الواحد مع أنواع مختلفة من النصوص تتداخل مع بعضها، لتؤلف نصا واحدا يفضي بعضه إلي بعض عبر الوصلات الإلكترونية التي يتضمنها، بحيث يقدم لقارئه، أو مستخدمه، من خلال تلك النصوص المتعددة والوصلات الرابطة بينها، مسارات مختلفة غير متسلسلة أو متعاقبة فتخرج الرواية غير ملزمة بترتيب معين للقارئ مما يفتح الباب أمام كل قارئ، أو مستخدم، لاختيار الطريقة التي تناسبه في قراءة النص أو الرواية
و باستخدام هذه التقنية خرجت رواية سناجلة بلا فصول أو صفحات ، بل شبكة معقدة من الوصلات و التفريعات ، حيث يمكنك أن تبدأ الرواية من أي جزء ، ثم أثناء القراءة يمكنك الاختيار بين أكثر من وصلة للانتقال إلي صفحة جديدة تكمل معها القراءة ، و من تلك الصفحة تختار من ضمن مجموعة من الوصلات وصلة جديدة لتنتقل إلي صفحة أخري و هكذا حتي تتحول الرواية إلي شجرة تنمو مع القراءة ثم تتفرع إلي أفرع كثيرة متشابكة لينتقل القارئ من فرع إلي أخر متتبعا سير الأحداث .
بالإضافة لمنصبة كأمين لاتحاد كتاب الانترنت العرب فقد سبق لمحمد سناجلة أن أصدر من قبل مجموعة قصصية بعنوان ( وجوه العروس السبعة) عام 1995 ، كما أصدر رواية ورقية عادية بعنوان (دمعتان علي خد القمر ) و مؤخرا صدر لسناجلة كتاب بعنوان (رواية الواقعية الرقمية) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت ، و هو كتاب ورقي من 98 صفحة يحاول سناجلة فيه تقديم رؤية تنظريه لمفهوم الرواية الرقمية حيث يعالج فيه عدد من القضايا التي تتعلق بالرواية الواقعية الرقمية مثل (فلسفة الخيال) و(العصر الرقمي والإنسان الافتراض) و(اللغة كظاهرة اجتماعية) و(اللغة الجديدة.. لغة الرواية الرقمية) .
و في سؤال لسناجلة حول ما إذا كان من المحتمل أن يؤدي السعي وراء هذه التقنيات الجديدة إلي القضاء علي المضمون الفني للرواية أو العمل الفني ، قال أن الرواية بشكلها الحالي قد ملها القراء كما أن العصر الرقمي أخرج مجتمع رقمي جديد يقوم علي مجموعة من العلاقات الاجتماعية الجديدة حتي أنه قد ظهر مفهوم الحب الالكتروني ، و هذا المجتمع الجديد يحتاج إلي أدب جديد يخلق لغته خاصة التي تساعد علي التواصل الإنساني بشكل يناسب قواعد هذا العالم فلن تكون الكلمة سوي جزء من عناصر أخري تستخدم في كتابة الرواية فبالإضافة إلي الكلمة يجب أن نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة. الكلمة يجب أن تعود إلي أصلها في أن ترسم وتصور. وحجم الرواية يجب ألا يتجاوز المائة صفحة والجملة في اللغة الجديدة يجب أن تكون مختصرة وسريعة ولا تزيد عن ثلاث أو أربع كلمات.
و قد سألت سناجلة حينها إذا ما كان المجتمع الرقمي الجديد يحتاج إلي أدب جديد يعبر عنه ، فلماذا التمسك بالفنون الأدبية الورقية و إصراره علي تسمية نصه الرقمي بالواقعية الرقمية فلماذا لا يتم اعتبار ما يكتبه نوع جديد بخلاف الرواية وخصوصا أنها تحتوي علي تقنيات و أفكار جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك في الرواية الرقمية ، قال سناجلة أنه لا يري روايته ((ظلال الواحد)) أو الرواية الرقمية عموما تجريبية بشكل كافي يمكن معه اعتبارها نوع جديد ، فهي تتوافر فيها معظم شروط الرواية من أشخاص ومكان و زمان كما أنها واقعية لأنها تحكي عن عالم الواقع وترصد انتقال الإنسان إلي العالم الرقمي بكل تحولاته.
|
|
|
أول موقع إلكتروني خاص بالسندريلا!
في ذكري رحيل سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني قامت شقيقتها جانجاه مؤخرا بإطلاق موقعا إلكترونيا خاص بها . يتضمن صورا نادرة لها وكتابات بخط يدها منها رسالة إلي والدتها ورسالة إلي (ربنا) ... وكارتها الخاص ومجموعة من الصور النادرة التي تنشر لأول مرة .وفي الموقع اعترفت عائلة سعاد بزواجها من عبد الحليم حافظ وأدرجته من ضمن زيجاتها الخمس بداية من صلاح كريم وانتهاء بماهر عواد ومرورا بعلي بدرخان وزكي فطين عبد الوهاب . وقد دعمت جانجاه كلامها علي صحة زواجها من عبد الحليم بأدلة كثيرة ومن ضمنها نص الحوار الذي أدلت به سعاد حسني بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما علي الانفصال للدكتور عصام عبد الصمد طبيبها الخاص بلندن وصديقها الحميم في الغربة ، سألها فقال : هل إشاعة زواجك من عبد الحليم صحيحة ؟ قالت نعم كانت صحيحة ، قال : طب ليه خبيتيها ؟ قالت : أنا خبيتها عشان دي كانت رغبة عبد الحليم نفسه، إحنا كنا متزوجين عرفي وأنا ما كنش عندي مانع إن الزواج يعلن ، لكن عبد الحليم يا سيدي طلب السرية التامة خوفا علي معجباته وأنا كنت متغاظة قوي من الموضوع ده وبعدين علشان أبرد ناري قلت له ده احسن لي أنا كمان خوفا علي المعجبين بتوعي ومافيش حد أحسن من حد ، قال : طب وليه أخفيتي الموضوع ده بعد وفاة عبد الحليم ؟ قالت : علشان أهل عبد الحليم ما يفتكروش اني طمعانة أو عايزة حاجة منهم . عنوان موقع السندريلا : www.soadhosny.com
|
|
|
'طرح البحر' في ندوة بهيئة الكتاب:
يوسف القعيد تخطي الأشكال
والأساليب لصالح حرية السؤال
منذ عقود استطاع أدب يوسف القعيد أن يشق طريقه بسهولة إلي القراء ، بعد أن احتل مكانته المرموقة لدي النقاد والدارسين والمترجمين ، فهو أديب لم يعد بحاجة إلي إثبات موهبته الفريدة ، إلا أن تسليط الضوء علي أعماله يظل أمرا هاما ، خاصة لأبناء الأجيال الجديدة ، للتعرف علي عالم أدبي مختلف ، وتجربة واعية بالأدب كفن له علاقته الوطيدة بالواقع الاجتماعي والسياسي ، وما أفرزه من بني ثقافية ساهمت بهذا القدر أو ذاك في تكوين الشخصية المصرية وتحديد مفاهيمها.
كانت هذه التجربة الأدبية العميقة وما أنتجته وتنتجه من أعمال محورا للقاء الثلاثاء قبل الماضي في الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ندوة عقدت حول أعمال الأديب يوسف القعيد ودوره الثقافي ، وقد صاحب ذلك إصدار مكتبة الأسرة لكتاب جديد للقعيد هو " طرح البحر " .
ندوة اتسمت بتنوع الحضور ، فمن الأستاذ رجاء النقاش إلي شباب ربما لا يكونوا علي علاقة جيدة بالأدب ، لكنهم أتوا من أجل الاكتشاف والبحث عن الاستفادة ، تنوعت الحوارات واختلف التناول أيضا ...
شعبان يوسف ، أدار الندوة كما ساهم ببعض آرائه ، وتحدث كذلك عما تسني له معرفته من جوانب إنسانية في شخصية الأديب الكبير .
حازم شحاته ، تناول أدب يوسف القعيد من خلال المسرح ، ربما لأنه كما ذكر كان قد تعرف علي أدب القعيد عندما تم مسرحة رواية " يحدث في مصر الآن " وتقديمها في حزب التجمع ، ثم بدأ حديثا مفصلا عن السمات المسرحية في أدب يوسف القعيد وعن الفروق بين الرواية والمسرحية والسمات المشتركة وما تتميز به الرواية القابلة للمسرحة .
ثناء أنس الوجود ، تحدثت بشكل سريع عن بعض أعمال الأديب يوسف القعيد ، كقطار الصعيد وشكاوي المصري الفصيح ، وركزت علي فكرة السلطة التي تري أنها دائما ما توجد في مواجهة شئ ما في أدب القعيد إما في مواجهة المكان أو الشخوص .
مصطفي بيومي اكتفي بطرح عدة نقاط بحثية تمني أن يقوم باحثو الأدب بدراستها ، كما تحدث عن رواية " أربع وعشرون ساعة فقط " التي أبدي إعجابا قويا بها وتحيزا شديدا لها جعله يصرح بأنها أفضل ما كتب القعيد وفقا لرؤيته الخاصة ، وأضاف أنها مكتملة العناصر بالدرجة التي يمكن بها لأي كاتب سيناريو تحويلها إلي فيلم سينمائي أو مسلسل تليفزيوني ، كما أبدي إعجابه ببناء الرواية المحدد بفترة زمنية لا تتجاوز اليوم الواحد لكنها تمتلئ بالأحداث التي تكشف الكثير والكثير عن الحياة في المجتمع المصري القاهري تحديدا .
في بداية حديثه قام الأديب يوسف القعيد بتوضيح أن " طرح البحر " الصادر حديثا عن مكتبة الأسرة ليس " طرح البحر " المجموعة القصصية ، إنما هو كتاب يضم ثلاث قصص أو روايات قصيرة ، هي طرح البحر ، عنتر وعبلة ، خد الجميل ، وأفضي إلي الحضور بأنه كان من المقرر أن يظهر هذا الكتاب بعنوان " عائلات من الدموع " ، لكنه تراجع خشية أن يتشابه العنوان ودلالته مع عناوين روايات الكتاب الرومانسيين القدامي في مصر .
أبدي القعيد اهتماما بمداخلات بعض الحضور ، ورد عليها ورفض أولا ما قيل حول المكان والفضاء الروائي وعن أن القرية كمكان هي أفق غير رحب وذو سقف ليس عاليا ، ولم يكن رفضه دفاعا عن القرية ، إنما كان من خلال خبرته العميقة بالأدب فقال أن أي مكان يصلح ليكون فضاء روائيا وإن كان القبر ، واتخذ مثالاج من أحدث قراءاته " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " ، وعن أن المكان في هذه الرواية لا يتعدي حيزا صغيرا فوق جبل .
كما تحدث أيضا في رده علي أحد الحضور ، عن القضية الأزلية بين الأدب المقروء والأدب المرئي ، وقال أنه لا يجب أن يكون الفيلم ترجمة حرفية للرواية ، وأنه لا يجب مقارنة الرواية بالفيلم ، فالرواية عندما تتحول إلي فيلم تكون قد خرجت من جنس فني لتدخل في جنس فني آخر مغاير تماما فتخضع لشروطه ومقتضياته ، كما تحدث عن أهمية تقديم الأفلام السينمائية للأدب لأن ذلك يساهم بشكل كبير في حل مشكلة أمية تذوق الأعمال الإبداعية .
رغم ثراء هذه الندوة إلا أنها بالتأكيد لم تكن كافية لتغطية جوانب عديدة في تجربة أديب لا يمكن تصنيفها أو تحديدها في إطار ، فيوسف القعيد لا يتقيد بمفهوم أو نظرية أو مدرسة قصصية أو روائية معينة ، فتارة تري أنه كاتب كلاسيكي بامتياز ، وتارة أخري تراه تجريبيا إلي حد بعيد ، ثمة روايات ومجموعات قصصية تبدو واقعية ، وأخري تسجيلية توثيقية ، وأخري تخييلية غنية برموزها ودلالاتها ، وهو ما يدل علي أن القعيد يكتب ما يشعر به ، وما يود التعبير عنه ، وما يثيره من أفكار ومفاهيم ووقائع ، أما الشكل والأسلوب فلا يتقيد بهما ، ويمنح نفسه حرية الاختيار والتجريب ، أما الأفكار والهواجس التي يناقشها الأديب يوسف القعيد والأسئلة التي يطرحها علي قرائه دون أن ينتظر منهم الإجابات علي تلك الأسئلة ، فتتوزع بين ما هو يومي من هموم سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية ، وبين ما هو تأملي وأقرب ما يكون إلي القلق الوجودي ، ولا ينفصل كل ذلك عن الهاجس الرئيسي في كل كتابات القعيد ونعني بذلك الهم الوطني المصري بالتحديد ، مأزق المصريين المتعاظم وليل مصر الحالك الذي يبدو بلا نهاية .
|
|
|
جون قرنق
نهاية مأساوية لحياة حافلة
علاء عزمي
هل انتهي الحلم قبل أن يبدأ؟
سؤال يطرح نفسه وبقوة منذ الوفاة المفاجئة والغامضة للزعيم السوداني جون قرنق، الرجل الذي افني حياته في سبيل حصول أبناء جنوب السودان علي حقهم الكامل من المساواة والعدل، وحلم بسودان آمن موحد، وسعي بجد واخلاص نحو ذلك الهدف.. لكنه فارق الحياة بلا أية مقدمات، تاركا حلمه في اسر المجهول..
قبل أقل من شهر، وبالتحديد في التاسع من يوليو الماضي، وقف جون قرنق يخطب في أكثر من مليون سوداني خرجوا في استقباله لدي وصوله الخرطوم للمرة لأولي منذ 21 عاما. مباشرة ومن دون مقدمات تحدث اليهم عن المستقبل، وعن حلم السودان الموحد، ودعا الجميع لتجاوز محنة الماضي والي التكاتف والعمل 'لقد جئت لنعمل معا، نضع ايدينا فوق ايدي بعض لنبني السودان، وننقله حقيقة لوضع جديد يكون نموذجا للتاريخ الحديث في افريقيا وفي العالم'.
لكنه لم يكن يتصور في تلك اللحظات أن الموت يتربص به بشدة، وانه يجهز نهاية مأساوية لحياته الحافلة بالنضال، فيما يعد نكسة لعملية السلام في السودان ربما تكون نتائجها اشد قسوة مما خلفته الحرب الأهلية نفسها. فعلي مدار عقدين من الزمن خاض العقيد جون قرنق مع نحو 50 الفا من مؤيديه من جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان قتالا شرسا ضد الحكومات السودانية المتعاقبة من اجل أن يحصل الجنوب علي نصيبه الطبيعي من الثروة والسلطة. وقد التزم الاستاذ الجامعي السابق في نضاله بالفكر والقوة معا، فاعتمد علي الكلمة والحوار بقدر ما اعتمد علي الرصاصة والبندقية، حتي اجبر حكومة الخرطوم علي توقيع برتوكولات سلام من شأنها تغيير وجه السودان السياسي والثقافي، ونقل البلاد من حالة الصراع والانهيار الي حالة من السلم والازدهار.
ولقرنق شخصية قوية مثقفة تتمتع بحضور قوي، وتمتلك المقدرة علي التغلب علي اصعب الظروف ومواجهة اشد المحن بثبات وشجاعة نادرين.
وقد لعب المناخ الذي تربي ونشأ فيه قرنق دورا حاسما في جعله احد اكثر الشخصيات المتمردة تعقيدا وغموضا في قارة مليئة بجميع اشكال التمرد والثورة.
فقد ولد عام 1945 لعائلة مسيحية ميسورة تعيش في قبائل دينكا الجنوبية المعروفة بعبادة السماء وعزف الموسيقي باستخدام قرون الكباش، فضلا عن حبها للحوم المشوية. أتم دراسته الثانويه في تنزانيا ثم سافر للدراسة في الولايات المتحدة الامريكية بعدها عاد الي السودان ليحمل السلاح لفترة قصيرة ضد نظام الحكم في الخرطوم، وكان مسئولا انذاك عن نسف ابار النفط في الجنوب .
في عام 1972 شارك في الوفد الجنوبي المفاوض للتوصل الي اتفاق السلام في اديس ابابا والذي منح الجنوب حكما ذاتيا، وانضم قرنق للجيش السوداني النظامي واسع النطاق. وفي عام 1974 عاد الي الولايات المتحدة لتلقي دورة تدريبية عسكرية لمدة سنتين في جورجيا، كما عاد مجددا الي هناك عام 1981 ليعد اطروحة الدكتوراة في الاقتصاد الزراعي وكانت حول قناة جونجلي بجنوب السودان. وفي العام نفسه عاد الي بلاده وشغل عدة مناصب من بينها نائب مدير مركز ابحاث الجيش واستاذ الاقتصاد الزراعي في الجامعة.
لكن حياته انقلبت رأسا علي عقب عام 1983 حين ارسل الي الجنوب بصفته ضابطا بالجيش السوداني لقمع تمرد قام به بعض الجنود الجنوبيين الذي رفضوا اوامر الجيش ولم يتوجهوا الي الشمال. لكنه ذهب ولم يعد، وبدلا من تنفيذ اوامر رؤساءه شجع علي حركات التمرد في كل مناطق الجنوب، ووضع نفسه علي رأس تلك الحركات، وكون النواة الأولي للجيش الشعبي لتحرير السودان من بعده خاض احد اعنف الحروب في القارة الافريقية بين الجنوب المسيحي والوثني من ناحية والشمال المسلم العربي من ناحية اخري.
ويمتلك قرنق بنية ضخمة ولحية وبشرة سوداء فاحمة، ورغم خوضه لصراع طويل، وبقائه في الأدغال فترة كبيرة، ونجاته من اكثر من محاولة اغتيال، الا ان ما يعرف عن قرنق الانسان لايزال مجهولا، واجمع كل من اقترب من حياته انه من الصعب اقامة اية علاقة شخصية معه، وانه يتسم بمظهر بارد يعطي انطباعا انه فوق الآخرين. ويري الصحفي الانجليزي جيل لاسك الذي غطي اخبار الجنوب السوداني لسنوات عدة ان قرنق رجل ذو كاريزما وقدرته القيادية واضحة فهو شخصية عسكرية محترفة تؤمن بمهارتها لأقصي درجة.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في شخصيته ما يتردد عن كونه كائنا قاسيا جدا في حربه وفي سلمه، لايتهاون مع معارضيه حتي ولو كانوا من حركة التحرير ومصير من يختلف معه السجن أو القتل.
ورغم انه عاش انعزاليا متحفظا في شبابه، لايؤمن بغير الحل العسكري، فانه اصبح سياسيا بارعا ورجل دولة من الطراز الاول. استطاع كسب تأييد ودعم الجنوبيين، كما انه فاق الاخرين حيلة بمكره وبأخذه بزمام المبادرة دائما، ورسم لنفسه صورة المتمرد العنيد الذي لايعبأ بالدماء ولا بالظروف المتردية التي يعيشها شعبه حتي نجح في جعل قضية الجنوب ومن بعدها قضية الوحدة قضايا عالمية وليست سودانية أو افريقية وحسب. ثم سرعان ما حاول ان يرتدي ثوب المدافع الأمين عن الاستقرار والسلام في منطقة تعد حيوية لكثير من الدول، ونجح في ذلك ايضا.
وقد احيطت الهوية العقائدية والايدولوجية لجون قرنق طيلة سنوات كفاحه بنوع من الضبابية وعدم الوضوح، فالبعض البسها رداء مركسيا خاصة ان قرنق كان مؤيدا للسوفيت وقت الحرب الباردة، في حين يراها اخرون تأكيدا للأصولية المسيحية
ومع كل هذا الغموض الذي يكتنف شخص المناضل الافريقي المحير، فان احدا لايمكن ان ينكر دوره كأحد مهندسي السلام في السودان، والرجل الأكثر وعيا في واقع السودان المنقسم أو الموحد، حتي انه استقبل في الخرطوم بما يشبه الاحتفالية بفاتح جديد تؤيده شريحة كبري من مختلف الأعراق والتصنيفات السودانية وهذه دلالة اخري علي صفاء ونبل هدفه وصدق حلمه، فقد كان واضحا صريحا، لم يلعب تحت الأرض او خلف الحوائط التي تعطي لكل خطوة لونا رماديا وتمنح كل كلمة معني مطاطا. لذا فان رحليه خسارة كبري للشعب السوداني.
|
|
|
|