|
|
| السنة - | 647 | ه - العدد | 1426 | شوال | من | 2 | - م | 2006 | ديسمبر | من | 4 | الإثنين |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
02:09:06 ك |
 |
الساعة - |
 |
03/12/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
تسلم الأسبوع الماضي جائزة ابن رشد وتحدث
عن ضرورة الإصلاح السياسي والفكري واللغوي:
'انتصار' نصر أبوزيد!
محمد شعير
 | | أبو زيد أثناء تسلمه الجائزة |
|
بين ابن رشد ونصر أبوزيد روابط طويلة..ممتدة!
روابط ليست فقط فكرية وإنما تمتد إلي تشابه في ظروف كل منهما الحياتية!
ولذلك ليس غريبا أن يحتل نصر أبوزيد في منفاه الهولندي الكرسي الذي يحمل اسم الفيلسوف الكبير بجامعة الدراسات الإنسانية في أوترخت . وليس غريبا أيضا أن يحصل هذا العام علي الجائزة التي تحمل اسم ابن رشد.
في الصورة المنشورة هنا يبتسم نصر أبوزيد وهو يتسلم جائزة ابن رشد للثقافة الحرة.ابتسامة انتصار الباحث علي القيود التي تعوق التفكير .ابتسامه انتصار الأفكار الحرة ( لأن الأفكار لها أجنحة). ومع ذلك هي ابتسامة تحمل نوعا من المرارة:كان شريط أحداث السنوات الماضية يمر أمامه: رفض الترقية،حكم التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس ، سنوات المنفي الهولندي، العودة الناقصة إلي الوطن لتسويه معاشه بعد أن بلغ سن الستين....
الوطن لم يمنح أبوزيد (جائزة) أو تكريما يليق به ،مرة واحده حصل علي جائزة عبدالعزيز الأهواني للعلوم الإنسانية من جامعة القاهرة في سنة 1982.وعندما حاول أن يتمرد علي الأفكار المستقرة كان ( الخروج) ومصادرة كتبه وأبحاثه وجمعها من مكتبات الجامعة هو الثمن.
وهذا أيضا أحد الروابط التي تجمعه بابن رشد: (تعرض كلانا لضغوط أثرت علي عمله ،بالنسبة لي حين أحسست بهذا التأثير مزقت فورا كل ما كتبت ). هذه الضغوط يسميها أبوزيد (ضغوط الخطاب النقيض).
قهر هذه الضغوط _ كما يري أبوزيد يتحقق بمطلب بسيط جدا: الحرية!
قراءة معاصرة
الحرية كانت المحور الأساسي الذي تحدث عنه نصر أبوزيد في كلمته التي ألقاها يوم الجمعة الماضية أثناء تسلمه جائزة ( ابن رشد للفكر الحر) والتي منحتها له لجنة تحكيم تكونت من: (بنسالم حميش ،فهمي جدعان، محمد أركون ،رضوي عاشور، فيرنر إندِه ) . وقد منحت المؤسسة جائزتها ل(أبوزيد) من بين أحد عشر مرشحا وذلك لكفاحه المتواصل من أجل إعادة قراءة معاني القرآن قراءة مستقلة عن التفسير التقليدي، دافعا حريته الشخصية ثمنا لذلك. وهو مقيم إلي الآن في منفاه بهولندا. ابوزيد كما جاء في بيان لجنة التحكيم انتقد القراءة التقليدية للقرآن ويدعو إلي تفسير علمي مدعم بالحجج، ينطلق من النص ليصنفه في سياقه التاريخي فيفرٌق بين المعاني العقائدية والمعاني التي فرضها السياق التاريخي. والباحث يؤكد أن القراءة المعاصرة للقرآن يجب أن تستعين بمناهج علوم اللغة والتاريخ، خاصة وان النص القرآني يحتمل قراءات وتفسيرات مختلفة. وقد ظهرت في التاريخ الإسلامي قراءات وتفسيرات متنوعة قبل أن يحتكر المسلمون المتشددون تفسيراتهم الأحادية المنفردة لمعاني الكلمات الإلهية، والتي حصروها في إطار المسموحات والمحرمات لا غير).
في بداية الاحتفال تحدث سعيد علم الدين أحد أعضاء مجلس إدارة الجمعية مرحبا بالضيوف الذين جاءوا لتحية نصر أبوزيد وتكريمه وكان من بينهم سفير مصر في ألمانيا أحمد العرابي وممثل الجامعة العربية عبد المجيد كلاي وعدد من السفراء العرب والجمعيات العربية والمؤسسات الأكاديمية في برلين.ومن نيويورك جاكوب بِندَرْ الذي حضر لتسجيل وقائع الاحتفال في إطار فيلمي وثائقي حول ثلاثة من عظماء المفكرين في القرون الوسطي: ابن رشد وابن ميمون وتوماس الإكويني عنوانه ¢الرسالات السماوية والحِكمة ¢.
الحرية كانت أيضا محور كلمة علم الدين الذي اعتبر أن (الجائزة رمزية بالمرتبة الأولي: تجعبٌر عن أنٌ أهم شيء في الحياة هي الحرية. الحرية التي علينا أن نؤمن ونتمسك بها ونعمل من أجل تحقيقها). ثم قدمت الدكتورة روتراوت فيلاند أستاذة للداسات الاسلامية والأدب العربي في جامعة بامبرج بحثا هاما اعتبر أن قوة أبوزيد وعزيمته (لم تأته فقط لأنه عالم ملتزم متحمس للبحث عن الحقيقة، وليس فقط لأنه الإنسان الذكي ذو القناعة بضرورة الكفاح من أجل حرية الرأي والأفكار لجميع البشر ولكن أيضا لأنه إنسان مؤمن بالله ولأن القرآن له أهمية كبيرة بالنسبة له. ولم يتغير ذلك منذ أن كان تلميذا صغيرا في الكتٌاب تركت حينها تلاوة القرآن أثرا عظيما في نفسه كما تروي إحدي شهاداته من تلك الفترة. ولهذا السبب كانت جهود أبو زيد الفكرية في بحثه عن قرائن علمية موثوقة لفهم القرآن أكبر بكثير من جهود أولئك الذين حاربوه بادعاء أنهم يملكون الفهم الصحيح الذي هو في الواقع فهمهم الخاص الفردي لتفسير القرآن).
الي اين تقودنا الأسئلة
أما ابوزيد فاعتبر أن الجائزة بالنسبة له علي درجة عالية من الأهمية من زاويتين:(الزاوية الأولي أن تقرن اسمي باسم فيلسوف الشرق والغرب ¢ابن رشد العظيم¢ الذي اخترق فكره ظلمات القرون الوسطي فأضاءها، والذي أتشرف منذ سنوات باعتلاء كرسي أكاديمي يحمل اسمه بجامعة ¢الإنسانيات¢ بمدينة ¢أوترخت¢ بهولندا.أما الزاوية الثانية للأهمية التي يمثلها وسام هذه الجائزة فهو مسح العار الذي لحق بقيمة الحرية _حرية الفكر وحرية البحث العلمي وحرية العقيدة في عالمنا العربي والإسلامي منذ سنوات عشر مضت).
وأختار أبوزيد أن يشرك الجمهور الذي شهد تكريمه(بعض همومه البحثية، التي هي هموم أسئلتنا المعاصرة).وهي الأسئلة التي اعتبرها ليست وليدة هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها، بل انشغل بها رواد النهضة في العالمين العربي والإسلامي منذ بداية القرن التاسع عشر. وهي الأسئلة التي صاغها الإعلان عن هذه الجائزة بدقة لافتة: هل يتوافق الفكر الإسلامي مع الحداثة؟ هل تسمح أصول الدين أن يعيش العربي المسلم في دولة عربية حديثة تتميز بصفات الحضارة بما فيها محورية الإنسان المواطن في المجتمع، حرية الرأي والمساواة بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين؟ هل يتعارض الإسلام مع أنظمة الحكم الحديثة القائمة علي الديمقراطية وتناوب الحكم والتعددية؟ وهي أسئلة نابعة من محاولة التواصل مع الآخر تواصلا إيجابيا فعالا، الآخر الأوروبي الغربي الذي ظهر في أفق وعينا مسلحا بكل أنماط القوة، قوة السلاح وإرادة السيطرة من جهة، وقوة العلم والعقلانية وقيم التطور والحداثة في الوقت نفسه. هذا هو السياق الذي حدد لأسلافنا أفق استجاباتهم، وهو سياق ملتبس يمثل فيه الأخر مصدرا للتحدي، كما هو مصدر للإلهام معا).محاولة أبوزيد الإجابة علي هذه الأسئلة شكلت نص المحاضرة التي ألقاها في الاحتفالية واختار أن يعنونها(نحو منهج إسلامي جديد للتأويل). ويمكن تلخيص أبرز ما جاء فيها في النقاط التالية:
 الملمح الأساسي لمشروع الإصلاح، الملمح التحرري التقدمي المرتبط بقضايا الإصلاح السياسي والفكري واللغوي، وتأكيد قيم المساواة والحرية والعدل، والتحرر من التقاليد والأوهام .. الخ ينتمي إلي قناعة المصلحين بأهمية قيم الحضارة الأوروبية، تلك القيم التي صنعت التقدم والقوة، أو باختصار بأهمية الإفادة والتعلم من ¢أوروبا¢ المعلم، لا المعتدي أو المحتل.لا يتسع المجال الآن للخوض في تحليل العوامل والظروف التي أدت إلي التراجع العام الذي تمثل في سيادة السلفية التقليدية التي نجحت في تقليص ¢تقدمية¢ الخطاب السلفي النهضوي. ولكن الذي يهمنا هنا هو أن نشير إلي أن عاملا من عوامل السقوط والتردي العام علي جميع المستويات وفي كل المجالات هو غياب نقاش علمي حول قضايا الفكر الديني، سواء من منظور التاريخ أم من منظور الواقع الراهن.
 يتحول الصراع السياسي الاجتماعي إلي صراع معني، ويبدو الأمر أننا نتقاتل حول الدين؟ والسبب أن نظام حياتنا السياسي هو الذي يحتاج أولا إلي التجديد، نحتاج إلي ¢الحرية¢: لأنها شرط أولي لممارسة التفكير، الذي هو بدوره أداة التجديد والتغيير. نحتاج للديمقراطية، وجوهرها الحرية الفردية، لا مجرد إجراء الانتخابات، وتغيير الوجوه. في مناخ ديمقراطي يحمي حرية الفرد وحقه في الاختيار، يمكن الحديث عن حرية البحث العلمي والدرس الأكاديمي في حقول المعرفة كافة، وفي حقل الدراسات الدينية بصفة خاصة. ولعله من الممكن حينئذ الحديث عن إمكانية وجود مؤسسات أكاديمية لدراسة الأديان، لا لمجرد تعليم الأديان كما هو الحال في العالم الإسلامي كله. إن البحث في الأديان، تاريخها، بناؤها، لا هوتها، مناهج التفسير وطرائق التأويل، بنية مؤسساتها، الفرق بين الإيمان والعقائد أو الدوجما ... الخ، أمر يختلف اختلافا جوهريا عن مؤسسات تعليم الأديان، حيث لا مجال إلا لتعليم العقائد الصحيحة من منظور المؤسسة والتمييز بينها وبين العقائد الباطلة، من منظور المؤسسة كذلك. وحين تنشأ مؤسسات البحث في الأديان، يمكن تأسيس ¢علم الأديان المقارن¢، وهو علم غائب من مؤسسات تعليم الأديان. في هذه الحالة، ومع تحقق بعض تلك الشروط، يمكن إثارة الأسئلة، وفتح باب النقاش الحر في كل القضايا المكبوتة والمحبطة، لا المسكوت عنها فقط. يمكن أن يصبح ¢اللا مفكر فيه¢، بتعبير ¢محمد أركون¢ موضوعا للنقاش.
 في ظل مناخ يتوفر فيه الحد الأدني من الحريات الفردية، ومن حرية البحث والنقاش، يمكن للأسئلة التالية أن تثار. وتلك أسئلة لا يمكن بدون فتحها للنقاش أن يكون هناك أي احتمال لتجديد الخطاب الديني، هذا إلا إذ اعتبرنا أن ¢الخطاب¢ هو ¢الخطبة¢، وأن الأمر هو تعبئة الأفكار القديمة في لغة جديدة، كما هو الحال في الجدل الصاخب الدائر الآن هنا وهناك حول تجديد الخطاب الديني.
 علينا أن نقبل التحدي بدلا من سلوك النعامة الذي نصر عليه، كلما اتصل الأمر بالدراسات الدينية وفق مناهج غير تلك التي تعودنا عليها من قرون. علينا الاختيار بين التقليد الأعمي لما وجدنا عليه آباءنا، وبين الاندماج في العصر بالتعرف علي مناهج الدرس والتحاور مع معاصرينا بصرف النظر عن مخالفتهم لنا في الملة، كما قال ¢ابن رشد¢.
 أين يمكن أن تقودنا كل هذه الأسئلة، إذا لم يتغلب علينا ضعف الإيمان فنرفض مجرد النقاش وفحص الوقائع، ونصر علي أن نجمد عقولنا؟ من المؤكد أنها لن تلغي القرآن، لا ولن تهدم الدين، ولن تزعزع اليقين، بل ستفتح لنا مجالا للفهم يري تجلي الإلهي في البشري، وانكشاف كلمة الله علي لسان الإنسان. والتحقيق التاريخي سيمكننا من استعادة السياق الغائب، فندرك فحوي كلام الله ودلالته، ونميز بين ¢التاريخي¢ و¢الأزلي¢. سنكتشف مثلا أن كل ¢الحدود العقابية¢ من قطع يد السارق وجلد الزاني والزانية، والعين بالعين والسن بالسن ... الخ أنها قيم سابقة علي القرآن. يمكن أن ندرك أن الأزلي في القرآن هو تحقيق العدل بالعقاب، أما شكل العقاب فهو التاريخي، وسندرك أننا لا يصح أن ننحاز للتاريخي علي حساب الأزلي.
|
|
|
|