|
|
| السنة - | 647 | ه - العدد | 1426 | شوال | من | 2 | - م | 2006 | ديسمبر | من | 4 | الإثنين |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
03:11:10 ك |
 |
الساعة - |
 |
03/12/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
محنة الكاتب الأفريقي '2':
الحديث مع الورق
تشارلز ر. لارسون
ترجمة: طلعت الشايب
 | | أشيبي |
|
يحدث كثيرا في الولايات المتحدة (وفي معظم الدول الغربية في الواقع) أن يقوم من يريدون أن يصبحوا كجتَّابا بإرسال أشعارهم وقصصهم القصيرة إلي الصحف والمجلات، وهي عملية في غاية السهولة، ويساعد عليها وجود عدد كبير من المطبوعات، وعندما يواصلون ذلك ويجودون حرفتهم بإصرار تكون أمامهم الفرصة لكي يجدوا في نهاية المطاف ناشرا لأعمالهم. الشيء نفسه مع قلة الفرصة إلي حد ما ينطبق علي الروايات والمخطوطات الطويلة الأخري، والصحف حافلة بنماذج من هؤلاء الكجتَّاب الذين نجحوا ووجدوا طريقهم إلي الشهرة. صحيح أن من يشتهر هذا العام قد يطويه النسيان في العام التالي... ولكن قافلة النجاح تسير في طريقها.
القليل من جوانب النشر هذه هو الذي ينطبق علي كجتَّاب أفريقيا: إذ عندما انتهي 'تيوتولا' من روايتيه الأوليين لم يكن واثقا من وجود ناشر في نيجيريا يهمه أن ينشر أعماله، فأرسل المخطوطة الأولي إلي 'فوكال َرس' التي كان يعرف كتب التصوير الفوتوغرافي التي يصدرونها، وربما لم يخطر بباله أن تلك الدار كانت معنية بنشر الكتب الفنية. كتابه الثاني 'شرٌِيب نبيذ النخيل' أرسله إلي الجمعية المتحدة للأدب المسيحي بعد أن قرأ إعلانا في 'نيجيريا ماجازين'، وربما يكون السبب الأهم هو أنه كان يدرس في إحدي مدارس الإرساليات ذات يوم.
كان من حسن حظه أن يجد ناشرا مثل 'فيبر آند فيبر'، وبالرغم من أن الكتاب تأخر طويلا، فإنه نجشِرَ في النهاية. في تلك السنوات، عندما كان 'تيوتولا' يكتب كان البريد مضمونا ويعتمد عليه وإن كان الأمر لم يكن يخلو أحيانا من سوء حظ. في 1957، بعد أن انتهي 'أشيبي Achebe' من 'الأشياء تتداعي Things Fall Apart' أرسل النسخة الوحيدة من المخطوطة مع إذن بريدي بمبلغ 32 جنيها إلي أحد مكاتب السكرتارية في لندن لكي تجطْبَع علي الآلة الكاتبة. لاحظ المبلغ نفسه: إذ إنه أكبر من إمكانيات مواطن أفريقي في ذلك الوقت إذا عرفنا أن متوسط دخل الفرد في نيجيريا آنذاك كان حوالي 30 جنيها.
من الصعب تأكيد ما إذا كان المكتب الذي أرسل إليه 'أشيبي' مخطوطته كان وكالة قانونية أو لا، ولكن بعد عدة أشهر (وكثير من خطابات الاستفسار) لم تصل النسخة المطبوعة علي الآلة الكاتبة، وحدث أن كان لأشيبي صديق مسافر إلي لندن فذهب لكي يستطلع الأمر. وكما يقول 'إيزنوا أوهايتو Ezenwa-Ohaeto'، كانت المخطوطة ملقاة في ركن من المكتب يعلوها التراب، وبعد أن طبعت أخيرا كانت لدي 'أشيبي' خدمة نادرة من وكيل أدبي استطاع في النهاية أن يبيع روايته ل 'وليم هينمان William Heinmann'، وقد روي 'أشيبي' لمحرر أعماله 'آلان هيل Alan Hill' أن المخطوطة لو كانت قد سرقت أو فقدت 'لكان من الممكن أن يصيبني الإحباط فأترك الأمر برمته، ولو كنت قد أجبرت نفسي علي كتابة العمل مرة أخري لجاء مختلفا تماما، (p.63)، ولعل المرء يتساءل عن عدد المخطوطات التي ضاعت لكجتَّاب أفارقة في البريد أو فجقدت في دور النشر.
بالنسبة لكثير من كجتَّاب أفريقيا اليوم، مازال تسليم المخطوطات عملية محفوفة بالمخاطر، كما أن عدد الناشرين قليل جدا للوفاء باحتياجات كجتَّاب القارة. الصحف والمجلات الأدبية والمطبوعات المستعدة لنشر القصص القصيرة والأشعار مازالت قليلة حتي في البلاد ذات الكثافة السكانية الكبيرة مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا، والقليل منها هو الذي يدفع للكتاب، وبالرغم من ظهور عدد من المطبوعات المتميزة في العقود الأخيرة، فإن معظمها بما فيها تلك المدعومة من الجامعات كان عمرها قصير، كما أن الكجتَّاب الأفارقة لم يكونوا أكثر توفيقا في تسليم قصصهم وأشعارهم للمطبوعات الأمريكية والأوروبية أكثر مما كانوا في الخمسينيات. مرة أخري الأعمال تتأخر طويلا والبريد لا يعتمد عليه ومعظم الكجتَّاب معلوماتهم قليلة أو غير دقيقة بالنسبة للمطبوعات المناسبة لتلقي أعمالهم.
وبالنسبة لدور النشر الأفريقية كما سنري لاحقا فالوضع ليس أفضل بكثير، والحقيقة أن مئات الناشرين في أفريقيا جنوب الصحراء لا يحبذ معظمهم نشر الأعمال الإبداعية، وإنما تركيزهم علي الأعمال الفنية أو الأعمال غير الروائية أو الكتب التعليمية، أما الذين ينشرون الروايات والأشعار، فإلي جانب قلة عددهم، لا يشجعون الكجتَّاب غالبا، وغير قادرين علي رعاية الكجتَّاب المبدعين، وغير أمناء في محاسبتهم، وهامشيون لدرجة أن كثيرا من الكجتَّاب مازالوا ينظرون إلي الخارج بحثا عن ناشر، وبخاصة في المملكة المتحدة وفرنسا. هناك طبعا استثناءات، ولكن عدد الناشرين الأفارقة، الداعمين للمغامرات الإبداعية للكجتَّاب الأفارقة السود قليل جدا، إلا أن الكجتَّاب يحاولون علي مدي سنوات عدة بحث هذه القضايا في محاولة لتحسين الأوضاع.
سوق الأدب في ¢أونيتشا¢
في أوائل الستينيات، عندما كنت أقوم بتدريس اللغة الإنجليزية في إحدي المدارس الثانوية للبنين التي لا تبعد كثيرا عن 'أونيتشا' في المنطقة الشرقية من نيجيريا، كنت أواجه صعوبات في تحضير تلاميذي لامتحانات شهادة إتمام المرحلة. لم تكن تلك الصعوبات خاصة بمشكلات التعلم: فتلاميذي كانوا من أكثر التلاميذ اجتهادا علي مدي عملي بالتدريس لمدة أربعين سنة، كانت المشكلة، بالأحري، ذات طبيعة ثقافية. في تلك الأيام لم يكن قد تم 'أفرقة' المواد الدراسية، وعليه فقد كانت المختارات الأدبية كلها من أعمال كجتَّاب إنجليز، وكانت روايات العصر الفيكتوري مكروهة من قبل التلاميذ بسبب طولها، وأذكر منها علي نحو خاص رواية 'بعيدا عن الزحام المجنون' ل'توماس هاردي: Thomas Hardy' التي كانت تضم مئات الصفحات، ولابد من أن تكون مربكة لتلاميذ لغتهم الأولي هي 'الإيجبو'، ولكن مع العزم والإصرار لم يكن طول الرواية مزعجا أكثر من مضمونها: مسرح الأحداث غريب، والشخصيات مختلفة تماما عن الناس الذين يعرفونهم ويعيشون من حولهم، والمواقف محيرة إن لم تكن عصية علي الفهم. لماذا مثلا كل تلك الضجة عن رجال ونساء في علاقات جنسية؟ كان من الصعب علي التلاميذ أن يفهموا الحب الرومانسي بالأسلوب الغربي، أما الممارسات الجنسية الغربية فكانت أكثر إرباكا. بعد انتهاء دروس أحد الأيام جاءني تلميذ ليسألني: 'عفوا يا أستاذ، ما معني يجقَبٌِل؟'
تصورت في ذلك الوقت أنه تلميذ ساذج، ولكنني اكتشفت جهلي بعد ذلك: حيث لم أكن أعرف أن التقبيل (والمداعبات الجنسية) ليست ممارسات عامة يشترك فيها الجميع بدافع من عوامل بيولوجية، فلا عجب إذن أن تكون كل تلك اللقاءات المهتاجة بين 'جابرييل أوك Gabriel Oak' و'باتشيبا إيفردين Bathsheba Everdene' غير مفهومة لتلاميذي وخاصة تلك القبلات (أو بالأحري القبلات التي لم تكتمل)، ولذلك ليس من الغريب أن يكون الكثير من الأدب الذي يدرسونه ليس له معني بالنسبة لهم.
بذكائهم المعروف كان النيجيريون والإيبو بخاصة قد بدأوا يكتبون قصصهم أو 'يتكلمون مع الورق' (إن كان لنا أن نستعير عبارة شوينكا) وهو ما كان يلبي رغبة القارئ النيجيري ثقافيا وتعليميا واقتصاديا. بدأت سوق الأدب في 'أونيتشا' بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما كانت معرفة القراءة والكتابة بالإنجليزية أكثر منها في أي وقت مضي، وكانت النقود متوفرة، وتكفي لما هو أكثر من الاحتياجات الضرورية والمطابع مستعدة لتبدأ إنتاج مواد محلية من أجل طبقة ناشئة تعرف القراءة والكتابة.
أهداني أحد تلاميذي في المدرسة الثانوية (واسمه جي جوزيف يو. تاجبو نزياكو J. (Joseph) U. Tagbo Nzeako نسخة من روايته 'روز دارلنج في حديقة الحب' التي أصدرتها له إحدي مطابع 'أونيتشا'، وأنا أتفحص هذه النسخة بعد ثلاثين عاما أو أكثر، أتذكرها باعتبارها هي التي قدمتني لظاهرة ثقافية كانت تطرح نفسها أمام العالم الحقيقي وليس للخطاب الأكاديمي في قاعة الدرس.
'روز دارلنج في حديقة الحب' Rose Darling in the Garden of Love عبارة عن نص من 29 صفحة يسبقه أجزاء عديدة علي هيئة مقدمات، مطبوعة علي ورق جرائد أصبح الآن في حالة سيئة، ورق الغلاف أسمك قليلا، كان أخضر اللون في الأصل والآن باهت. إلي جانب عنوان الرواية واسم المؤلف هناك تعريف بالكاتب، وهو أنه طالب سابق بمدرسة الدكتور أكونجو التذكارية (وذلك لكي يعرف مشتري الرواية المحتمل أن المؤلف وصل إلي المرحلة الثانوية، ولم يكن ذلك بالإنجاز البسيط في تلك الأيام)، كما يعرف الطابع/ الناشر بأنه محلات 'تابانسي' للكتب Tabansi Bookshops وعنوانه: 55 New Market Road في 'أونيتشا'، وثمن النسخة (1s.6d.) والغلاف مزين بزهور متشابكة ونبات معترش، وهذه المعلومات نفسها نجدها مكررة علي الصفحة الأولي دون ذكر ثمن النسخة. بعد ذلك يوجد فهرست المحتويات (ويذكر عناوين الفصول الاثني عشر) ثم صفحة شكر وتقدير، وتصدير، ومقدمتان افتتاحيتان: أما الشكر فمعظمه لمدرسي المؤلف ولأصدقائه في المدرسة الثانوية، ثم تأتي بعد ذلك ملاحظة موقعة: 'جميع المدن والشخصيات والمدارس المذكورة في هذه القصة من وحي الخيال ولا تشير إلي أي شخص أو مؤسسة، والقصة نفسها خيالية وبالتالي ليس لها علاقة بأية شخصية حقيقية'، ثم بعد ذلك نجد اسم المؤلف.
حكاية ومقدمات
تبدأ المقدمة علي النحو التالي: 'الناس في هذا القرن يحبون دون قيود، يعجبون بالأشياء الجميلة ويتزوجون المرأة الجميلة ولا يفكرون كثيرا في الشخصية'، ثم تنتقل بعد ذلك إلي رسالة المؤلف: 'ينبغي علي الناس أن يختاروا شركاءهم في الحياة علي أساس أنهم سوف يشاركونهم فيها، وليس لأن البنات جميلات أو لأن الرجال يشغلون مراكز مهمة ويركبون السيارات'، (p.2)، ثم تنتهي هذه 'المواعظ' بالإشارة إلي مصير 'روز': 'هنا قصة أجمل فتاة مغوية لم تحسن جدتها العجوز تربيتها، حيث كانت (يقصد الجدة) في الخامسة والستين وتحب شابا في العشرين. هذه التربية السيئة كانت سببا في كثير من خيبات الأمل بالنسبة لها (يقصد الفتاة) كما كانت سببا في نهايتها'، (p.3)، وبعد هذا الجزء أيضا نجد اسم المؤلف وعنوانه البريدي.
المقدمة الأولي كتبها 'صني أوكلو Sunny Okolo'، وتتضمن جزءا عن أهمية 'نزياكو Nzeako' بوصفه كاتبا: 'لا شك عندي في أنه سيكون كاتبا عظيما في المستقبل القريب، إلا أنك إذا قرأت قصصه الأكثر إثارة مطبوعة، فسوف تكتشف أن نيجيريا أصبح لديها 'بيكون'، وينهي المقدمة بقوله 'لن أتردد في القول إن هذا الكتاب يستحق مكانا في مكتبة، وأنه سيجد تذوقا يساعد الكجتَّاب الروائيين' (p.4). المقدمة الثانية كتبها 'تومي أ.أسيجبو: Tommy A. Asiegbu'، وتواصل تأكيد الجوانب الإيجابية والنموذجية في كتابة 'نزياكو': 'إن روز دارلنج في حديقة الحب' محاولة للتربية الأخلاقية للناشئة والكبار الذين ذاقوا فاكهة المرارة والحسرة، والذين يريدون التجربة. ولنقل بصراحة إن هذه محاولة يقوم بها تلميذ، وهي لن تفشل في إلهام كثير من تلاميذ الأدب، كما أنني أرشح هذا الكتاب لكل 'توم' و'ديك' و'هاري'. (p.5)، والمقدمة الثانية بتاريخ 22 يوليو 1961، وهو التاريخ الوحيد في الكتاب كله، ولا ذكر لحقوق النشر: مما يجعلنا نخمن أن يكون 'نزياكو' قد كتب هذا الكتاب بعد أن أنهي المرحلة الابتدائية مباشرة.بداية الفصل الأول: 'روز' فازت بحب 'أجولا':
في كوخ صغير من حجرتين في أدوري قرية في تقسيم أوكوم كانت تعيش عجوز درداء تحب البهرجة، وكانت مجنونة بممارسة الجنس، وكانت في الستين، وتحب شابا في مثل عمر أحفادها. هذه المرأة كانت لها ابنة اسمها 'روز'، وكانت ابنة زنا، وعندما كبرت كانت هي الأخري مشهورة بممارسة الجنس.
كانت 'روز' تحب شابا ضعيف البنية اسمه 'أجولا'. عندما تقابلا لأول مرة في الإستاد الرياضي سحرها بشخصيته وبجسده الذي يغطيه الشعر وبجاذبيته غير العادية. كان عندما يعود إلي منزله يسلك شارع 'برايت' عمدا، وكان هو أيضا شارع الفتاة التي كانت جالسة أمام منزلهم تأكل البيض. كان 'أجولا' قد اشتري دراجة جديدة، وكان يريد أن يستعرض أمامها، وعندما رآها نظر إليها باهتمام. زاد من سرعته ولكن لسوء حظه اصطدم بكتلة من الخشب ووقع. أسرعت 'روز' إليه وأحضرت له ماء ليغسل يديه. 'أجولا' شكرها بكلمات جميلة وبصوته الناعم، أما هي فنظرت إليه تلك النظرة الغريزية مثل كل النساء، وبعدها افترقا. (p.3)
هل يمكن أن يقاوم أي تلميذ يتصفح هذه البداية في محل 'تابانس لبيع الكتب' شراء نسخة من هذا الكتاب؟ 'روز'، كما يكتشف القارئ الذكي، سوف تعيش كما كانت تعيش أمها، أي في حالة انفلات جنسي.
القصة تتحرك بسرعة، بعد حادث دراجته بيوم واحد يكتب 'أجولا' رسالة طويلة إلي 'روز' يعترف فيها بحبه لها، ويقول إنه متيم لدرجة أنه يحلم بها في يقظته. 'روز' تجقَبٌِل الرسالة أثناء قراءتها، وسرعان ما يتزوجان، وبسرعة أيضا تتدهور صحة 'أجولا' الجسدية والنفسية بسبب مرض مجهول 'كان يشرب الماء، ولكن بوله الذي كان يحتوي علي ديدان صغيرة كان له لون الشوفان' (p.13)، ولو كان الكتاب معاصرا فلربما كان 'الإيدز' هو سبب موت 'أجولا'، وهو الموضوع الذي أصبح مسيطرا علي الأدب الروائي في القارة. بعد موت 'أجولا' تقرر 'روز' التي يطحنها الفقر أن تنتقل إلي مدينة أخري لتبدأ حياتها من جديد.
تعيش 'روز' قصة حب قصيرة مع 'موسي Mossy' تلميذ آخر ولكنه يتنكر لها بعد العودة إلي المدرسة، ثم تتزوج 'إيدي Eddy' الذي يكبرها بسنوات، ويبدو أنها فعلت ذلك لكي تشعر بالأمان وليس لأنها كانت تحبه. مرة أخري تصبح اللذة هي هدفها في الحياة، فتترك طفلها لتتزوج شابا آخر يتخلي عنها بعد أن يكتشف خياناتها الجنسية، وعند هذه النقطة يبدو أن 'روز' قررت أن تنهي حياتها (كما يقرر المؤلف أن ينهي القصة) فتشرب 'كوبا من ال: دي.دي.دي.' (دي.دي.تي؟)، و'بجوار جثتها كانت هناك نسور وطيور، ربما كانت تتفجع عليها، وربما كانت تبحث عن وجبة إفطار'، وباللغة نفسها 'الوعظ والإرشاد' تنتهي القصة كما يلي:
'روز' التي رقص عشرات ومئات العشاق في ساحة قلبها العاطفي الجائع، ماتت وحيدة وفي بؤس تام. لم يكن هناك أحد ليقبل شفتيها الذابلتين أو يضمها للمرة الأخيرة، أما الأسوأ من ذلك كله أنه لم يكن هناك أحد ليقوم بإجراءات الدفن النهائية.
أما نهايتها المحتومة فكانت نموذجا لعقاب السماء لمن يتبعون طريق 'روز دارلنج': لأن من يخدع الناس ينبغي ألا يمضي دون عقاب'. (p.29)
مثل هذه المواعظ الثقيلة يمكن أن نجده في عدد من الكلاسيكيات الغربية: (Manon Lescaut, Thژrڈse Raquin, Sister Carrie). والتصديرات والمقدمات تكرار لمحاولات إضفاء الصدق، وهذا أيضا موجود في الروايات الغربية الباكرة، نذكر مثلا "Moll Flandersس أو Les Laisons dangereuses ومزاعم المؤلفين بأن القراء، الشبان علي نحو خاص، لن يضلوا بقراءة مثل هذه الكتب التي يمكن أن تكون مادة جيدة للتوجيه والإرشاد، وكان مثل هذه العبارات يستخدم بالطبع للتغطية علي المضامين الداعرة لبعض الروايات الغربية الأولي، كما كان الهدف منها في المقام الأول هو الترويج للكتب أكثر مما هو الدعوة إلي الفضيلة.
ربما يبدو من النظرة الأولي أن رواية 'روز دارلنج في حديقة الحب' للكاتب 'ج. يو. تاجبو نزياكو' لا تستحق مثل هذا التحليل الطويل، حيث لا أهمية كبيرة لها في ظهور أدب في هذه الدولة أو في القارة، إلا أن عشرات الروايات المشابهة قد تدفقت من أقلام كجتَّاب 'أونيتشا'، ثم بعد فترة وجيزة من أقلام آخرين في دول أخري. (غانا كينيا جنوب أفريقيا زيمبابوي)، أما أهمية هذه الكتابات فهي أنها قدمت منبرا كانت هناك حاجة ماسة له بالنسبة للكجتَّاب 'الجدد'، الذين كان تعليمهم لا يزيد كثيرا عن تعليم قرائهم.
مؤلفو كتيبات أونيتشا 'The Onitsha Pamphleteers'، كما يجطْلَق عليهم، كانوا يكتبون أعمالا يتم إنتاجها بتكلفة زهيدة، وبالتالي كان بالإمكان الحصول عليها في معظم الأحيان بمبلغ لا يذكر مقارنة بثمن كتاب مستورد. وعلي خلاف الأعمال الأجنبية المستوردة، كانت نصوصهم تدور في بيئات قرائهم نفسها، كما يمكن التعرف علي المواقف والأماكن والشخصيات. ومرة أخري فإن أوجه الشبه بين هذا الأدب ونشأة الرواية في أوروبا وبخاصة في إنجلترا وفرنسا لا يمكن المغالاة في التأكيد عليها، كما هو صحيح أيضا أن معظم ما نشر في 'أونيتشا' كما حدث قبل ذلك في الغرب لم يكن أعمالا روائية، وإنما كانت كتيبات شعبية وتعليمية.
الإتيكيت قبل الإدب
كانت الكتب التعليمية في الأساس تلبي رغبات الناشئة والأشخاص الذين يريدون أن يحسنوا حظوظهم في الحياة: فعلي مدي قرون كانت كتب 'الإيتيكيت' تروق لمن يريدون صعود السلم الاجتماعي ويخشون الوقوع في هنات اجتماعية محرجة، وبظهور كتب 'أونيتشا' سرعان ما ظهرت كتب لتعليم الناس كيفية تحسين أوضاعهم، ولذلك نجد عناوين كثيرة مثل: 'الأقوال المأثورة لجميع المناسبات' و'حكم وأمثال' و'الإنجليزية والإنشاء الجيد' من تأليف 'تشيدي م.أوهايسي Chidi M.Ohaejesi' الذي يجعَرٌِفج نفسه بأنه 'صحفي وكاتب حر'، أو كتب مثل: 'كيف تنظم الاجتماعات وتجيد عمل الرئيس والسكرتير والصراف والمحاسب... إلخ من تأليف 'ولفرد أنووكا Wilfred Onwuka' 'مؤلف وشاعر وممثل روائي وكاتب مسرحي'، أو ذلك الذي كنت أعتبره كتابي المفضل لفترة طويلة... بسبب الأخطاء الطباعية في عنوانه: كيف تتجنب الخطأ وتعيش حياة جيدة' تأليف كي.سي.إيزه "K.C.Ezehس، وكانت الكتب التعليمية مرتبطة دائما بما هو شخصي (البحث عن شريك حياة مثلا) كما في عناوين مثل 'كيف تصاحب البنات' تأليف: جي أبياكام J. Abiakam و'كيف تتكلم مع البنات وتكسب قلوبهن' للمؤلف نفسه و'احذر بنات الهوي وكثرة الأصدقاء... الحياة صعبة' تأليف: 'جي. أو. مندوزي J.O.Mandozie' و'كيف تتزوج فتاة جيدة وتعيش معها في سلام' (لمؤلف مجهول)، ثم عنوان من وحي العنوان السابق 'دليل الشاب النيجيري الأعزب' تأليف: أ.أو.أودي 'A.O.Ude'، ويحتوي علي أسئلة وأجوبه، ونقرأ فيه (في فصل أسئلة البنات مثلا): 'إذا أراد زوجك أن يجلدك أو إذا جلدك بالفعل، ماذا يكون رد فعلك؟'، 'سأبذل كل ما في وسعي لمقاومة الجلد، ولكنني لن أتقاتل معه' (p.49).
كانت القضايا السياسية من الموضوعات التي فرضت نفسها أيضا علي كجتَّاب 'أونيتشا': حيث نجد عناوين مثل 'المحاكمة الكاملة لأدولف هتلر' تأليف: جي.سي.أنورس J.C.Anorue، و'كيف قاسي لومومبا في الحياة وكيف مات في كاتنجا' تأليف: أوكينوا أوليسا Okenwa Olisa، و'قصة حياة وموت جون كينيدي' تأليف: ولفرد أونونكا Wilfred Onwnka، وهي كتب تجتمع فيها الحقيقة والخيال، وكانت غالبا ما تصدر بعد أسابيع من وقوع حدث تاريخي (مثل اغتيال كينيدي).
كما يوجد شبه لافت بين الكتابات السردية الباكرة الأخري ونظيرتها الغربية مثل: الحياة في السجن 'إنها حياة صعبه' تأليف: أوكينوا أوليسا Okenwa Olisah والرواية الإنجليزية المعروفة The Black Dogg of Newgate الصادرة عام 1600.
إلا أن أشهر عناوين 'أونيتشا' كانت روايات متخفية في سرديات جنسية من ثلاثين إلي سبعين صفحة مثل الرواية الشهيرة 'روزماري وسائق التاكسي' تأليف: ميللر أو. ألبرت Miller O.Albert و'أحزان الحب' و'آجنس ولعبة الحب' تأليف: توماس إيجو Thomas Iguh، وقد طبعت هذه الأعمال الشهيرة أكثر من مرة ووصل إجمالي المباع من بعضها مائة ألف نسخة وربما أكثر، بالإضافة إلي أن معظم مطبوعات 'أونيتشا' كان يتم تداولها بين قراء كثيرين، وهو ما ينطبق علي معظم الأعمال الأدبية الجماهيرية في القارة.
|
|
|
مكتوب
هل فكرت في جنازتك؟!
باولو كويليو
www.paulocoelho.com ترجمة:
هبة رءوف
إنهم يقومون بكل أفعالهم بشك آلي، وبدون أن يتسرب لوعيهم اللحظات السحرية التي يحملها كل يوم جديد لحياتهم،وبدون أن يتوقفوا ليتأملوا في معجزة الحياة ، وأن اللحظة التالية قد تكون الأخيرة في حياتهم علي ظهر هذا الكوكب.
دخل صحفي من جريدة الميل البريطانية لأحد فنادق لندن ذات يوم وبدأ في سؤال الناس عن أمر طريف:¢إذا تخيلت أنك من الممكن أن تموت اليوم، فكيف تتصور جنازتك؟¢.
وفي الحقيقة فإن فكرة الموت ظلت تصاحبني كل يوم منذ عام 1986 منذ أن قمت بالحج علي طريق سانتياجو ، فقبل تلك الأيام كانت فكرة النهاية للحياة الإنسانية فكرة مرعبة بالنسبة لي،ولكن في أحد مراحل الحج علي طريق سانتياجو كان علي المرور بتجربة تحاكي الدفن حيا، ومنذ ذلك الحين تغير إحساسي بالموت، وحل محل الخوف السابق شعور بأن الموت هو رفيقي الذي يجلس دوما بجانبي ويهمس لي:¢سوف ألمسك يوما وأنت لا تدري متي، فلا تتوقف عن معايشة الحياة بكثافةإلي منتهاها بقدر استطاعتك¢.
لذلك فإنني لا أؤجل للغد ما أستطيع أن أعيشه اليوم،وهذا يتضمن لحظات الفرح،وإنجازالمسئوليات، والإعتذار لمن أشعر أنني قد أسأت إليهم، ودوما أنظر إلي اللحظة الراهنة وكأنها الأخيرة.
إنني أتذكر جيدا مواقف في حياتي شممت فيها رائحة الموت، أذكر مثلا ذلك اليوم عام 1974 في شارع آتيرو دو فلامنجو في مدينة ريو دي جانيرو، عندماكنت أستقل سيارة تاكسي وقطعت طريقها سيارة نزل منها مسلحون تابعون لإحدي الميليشيات وهم يشهرون بنادقهم ووضعوا غطاءا أسود علي رأسي، ورغم أنهم أكدوا لي ساعتها أنني لن يصيبني أذي إلا أنني كنت ساعتها موقنا أنني سأصبح أحدالمفقودين في ظل نظام كان عسكريا آنذاك.
أذكر أيضا في أغسطس عام 1989 أنني ضللت طريقي وأنا أتسلق جبال البيرينييه، وحين نظرت للقمة التي لم يكن يغطيها جليد ولا عشب شعرت أنني لا أمتلك القوة للعودة وأنهم سيجدون جثتي في الصيف التالي، وبعد ساعات طويلة من التجوال وجدت طريقا صخريا قادني لقرية نائية.
لكن صحفي جريدة الميل أصر علي أن أجيبه عن سؤال :¢كيف تتصور جنازتك¢.
في الحقيقة فإنني وفقا لوصيتي التي كتبتها فلن تكون هناك جنازة ابتداء،ذلك أنني قررت أن يحرق جثماني وتقوم زوجتي بذر الرماد في بقعة في أسبانيا تسمي سيبريرو حيث وجدت سيفي وأنا علي طريق سانتياغو. قررت أيضا ألا تنشر مخطوطات أعمالي بعد وفاتي، ففكرةأن ينشر الورثة أوراقا مبعثرة لم تنشر في حياة كاتبها من أجل جمع مزيد من المال تستفزني ، فلماذا لا يتم احترام حقيقة أن كاتبها مات ولم تنشر؟ أما السيف فوصيتي أن يقذف به في البحر، ليعود من حيث أتي.و بالنسبة لأموالي وحقوق الملكية الفكرية التي ستظل تدر أموالا لمدة 50 سنة فسيتم توجيهها للمعهد الذي أسسته.
¢وماذا عن عبارة شاهد القبر¢ أصر الصحفي رغم كل ما سبق، فكان ردي أنه ما دام الرماد سينثر وستحمله الريح فلن يوجد شاهد قبر ، ولكن إذا كان علي أن أنتقي عبارة لكنت أوصيت بكتابة:¢مات وهو يعايش الحياة¢.
قد تبدو هذه الكلمات بلا معني، لكن الحقيقة هي أنني أعرف الكثير من الناس الذين يعيشون لكنهم في الواقع توقفوا عن الحياة، رغم أنهم يعملون ويأكلون ويمارسون أنشطتهم الاجتماعية الأخري.
إنهم يقومون بكل أفعالهم بشك آلي، وبدون أن يتسرب لوعيهم اللحظات السحرية التي يحملها كل يوم جديد لحياتهم،وبدون أن يتوقفوا ليتأملوا في معجزة الحياة ، وأن اللحظة التالية قد تكون الأخيرة في حياتهم علي ظهر هذا الكوكب.
وبعد أن مضي الصحفي ، جلست أمام جهاز الكومبيوتر وقررت أن أكتب هذا العمود،وأنا أعلم جيدا أن أحدا لا يحب التفكير في هذا الموضوع، لكن عليٌ مسئولية تجاه قرائي، وهي أن أجعلهم يفكرون في الأمور الهامة المرتبطة بوجودهم...والموت بالتأكيد أهم تلك الأمور، لأننا نتوجه له دون أن نعرف متي يحين الأجل، لذا فإن علينا أن نتلفت حولنا ونري تفاصيل الحياة ، ونشعر بالحمد علي كل لحظة نعيشها، وأيضا لأن الوعي بالموت يدفعنا للتفكير العميق بشأن كل أمر أو موقف نجحنا أو فشلنا في القيام به، وحين نفكر بتلك الطريقة يجب أن نتوقف عن كل ما يجعلنا نعيش كالأموات، ونغامر بكل ما نملك لتحقيق ما كنا نحلم دوما بتحقيقه.
وسواء رضينا أم لم نرض ، فإن ملك الموت في انتظارنا.
|
|
|
|