|
|
| السنة - | 647 | ه - العدد | 1426 | ذو القعدة | من | 2 | - م | 2005 | ديسمبر | من | 4 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:53:01 ك |
 |
الساعة - |
 |
03/12/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| بستان الكتب |
 |
|
|
سيمفونية ريفية
من سبع حركات
حسنا فعلت دار الشروق بإصدارها طبعة جديدة من رواية عبدالحكيم قاسم "أيام الإنسان السبعة" مستعيدة إحدي العلامات المميزة لجيل من الكتاب أبناء الفلاحين الذين حملوا الكتابة عن القرية إلي آفاق أبعد من تلك التي حققها الكتاب الزائرون من أبناء أصحاب الأملاك وموظفي المدن أمثال يحي حقي وتوفيق الحكيم وقبلهما بالطبع محمد حسين هيكل.
تلك الآفاق الجديدة ارتادتها الرواية والقصة الريفية علي يد يوسف إدريس ومن بعده عدد من أبناء جيل الستينيات الريفيين، بينهم عبد الحكيم قاسم (1935 ك 1990 ) الذي يمثل مدرسة وحده من حيث امتلاك رواياته وقصصه كثافة لغة الشعر وصوره. وقد كان هو نفسه علي وعي بنقطة تميزه هذه حتي أنه عنون مجموعته القصصية:"الهجرة إلي غير المألوف" ب "ديوان قصص" ولم يتنازل عبد الحكيم عن هذه الشعرية في كل ما كتب منذ بدأ الكتابة منتصف الستينيات وحتي القصص الأخيرة التي نشرت بعد رحيله.
في رواية "أيام الإنسان السبعة" يتوفر قاسم علي عالم خاص جدا، داخل البيئة الريفية هو عالم التصوف حيث "الحضرة" التي تقرأ فيها دلائل الخيرات وبردة البوصيري، وحيث حضور مولد السيد البدوي في طنطا.
والرواية مقسمة إلي سبع لوحات بما يمتلك الرقم سبعة من دلالات أسطورية واجتماعية: الحضرة، الخبيز، السفر، الخدمة، الليلة الكبيرة، الوداع، والطريق. هي تقريبا رحلة الإنسان في حياة راكدة شقاؤها كبير ورضاها كثير مع ذلك، حيث تصنع الغبطة بأفراحها القليلة سيمفونية للبهجة تتردد أصداؤها علي مدي مئتي وخمسين صفحة.
ليست لغة عبد الحكيم قاسم هي الخاصة فقط، وإنما وإحساسه بالجانب الروحي من حياة المجتمع الريفي المصري الذي لم يسبقه إليه أحد، أما الصور الشعرية فتفاجئ قارئ الرواية منذ المفتتح:" طول عمر الولد عبد العزيز وهو يحب صلاة المغرب، فهي تأتي في وقت يكون فيه النهار رقيقا، الشمس غاربة، والأضواء لينة، وربما حزينة قليلا، والأب الحاج كريم يقول في وقار وترتيل: المغرب جوهرة فالتقطوها..".
علي هذا النحو الشاعري يبدأ الراوي متناوبا القص مع "الولد عبد العزيز" في سرد وقائع ليلة الحضرة، والتي تبدأ بعودة الحاج كريم من صلاة المغرب مبكرا ليجلس في شرفة الدوار، علي جبينه تراب من أثر السجود وفمه مشغول بالتسابيح في انتظار أصدقائه الذين يتوافدون واحدا بعد الآخر في ليلة للسمر يتثاءب فيها الوقت ويمد السلام جناحيه فوقها: وقت للرب ووقت لرواية الحكايات وربما النكت والنوادر، وجل أبطالها من الحاضرين. وذكرياتهم المشتركة في الغالب ذكريات من رحلة السنة الماضية إلي المولد، بما جري فيها من صلاة وإطعام للطعام وأخذ العهود من شيوخ الطريقة إلي وقائع السرقة أو التعرض لعملية نصب من أبناء المدينة وحتي الفسق والاختلاط بالغجريات.
وفي عالم سكوني كذلك الذي يصفه عبدالحكيم قاسم تقوم اللغة وصورها الشعرية بالعبء الأكبر في الحكاية فتصبح حركة لف سيجارة أو إنضاج فنجان من القهوة، أو إشعال المصباح عملا كبيرا، بينما يمثل "يوم الخبيز" الذي يسبق السفر إلي طنطا نوعا من ملحمة، ابتداء من استيقاظ الزوجتين المبكر، مرورا بمعاينة درجة خجمر العجين وإحماء الفرن وما إلي ذلك من تفاصيل نري خلالها خلافا يمتد بطول العمر بين الحاج كريم وإحدي زوجتيه (أم عبدالعزيز) الزوج المتصوف يري أن تكثير القليل الذي يملكه لا يمر إلا عبر منحه للفقراء، والأم وزير الخزانة اليقظ، تعرف بالأرقام والأوزان حجم ما تبقي في مخازنها، لكن السلام الذي يهيمن علي الرواية كلها لا يستثني هذا الخلاف، الذي يظل قائما دون أن يكف الحاج كريم عن بذل ماله في سبيل الله ودون أن تعصاه زوجته أو تمتنع عن خبز الزوادة التي سيأخذها زادا لنفسه ولأصدقائه من أهل الطريق.
أجاد عبدالحكيم قاسم الإنصات للصوت الأكثر رهافة في المجتمع الريفي، في هذه الرواية وفي كل أعماله القليلة، ورغم مكانته غير المنكورة إلا أننا لا نعرف ما كان يمكن لقاسم أن يقدمه لولا الحياة الحرون التي عاندته منذ ميلاده كاتبا وحتي رحيله العاصف.
ولد قاسم في قرية البندرة قرب مدينة طنطا، وانتقل في منتصف الخمسينيات إلي القاهرة وبدأ الكتابة الأدبية في منتصف الستينيات ولكنه سجن عدة مرات لانتمائه إلي تنظيم يساري قبل أن يسافر إلي برلين الشرقية عام 1974 إلي 1985 في نوع من النفي، أو التهريب إلي خارج البلاد، لكنه عمل هناك حارس أمن بعيدا عن القراءة والكتابة، وعندما عندما عاد كان مثل كتلة لهب مشتعلة ، عاش لمدة خمس سنوات كتب خلالها كالمحموم، وتعارك وجمع من العداوات في تلك السنوات القليلة ما يعجز عنه غيره في عمر كامل من التشاحن، ورشح نفسه لعضوية البرلمان محسنا الظن ببيئة فاسدة، فسقط في الانتخابات وفي المرض، ومات لتخسر مصر واحدا من أندر الكتاب، لم يجد الفرصة الكافية للعيش أو الكتابة.
عزت القمحاوي
|
|
|
|