|
|
| السنة - | 647 | ه - العدد | 1426 | ذو القعدة | من | 2 | - م | 2005 | ديسمبر | من | 4 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
02:11:27 ك |
 |
الساعة - |
 |
03/12/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| بستان الكتب |
 |
|
|
أماكن تتماهي مع بعضها البعض
وحفنة تراب تصير وطنا
كاتدرائية الكلمات!
بعد ربع قرن، وسنة إضافية أخري، بعيدا عن وطنه: العراق، نشر الروائي العراقي جمعة اللاٌمي، كتابا يتضمن شذرات شعرية، علي حسب
'حلم شارل بودلير'، لحياته الجديدة في امارة الشارقة المقيم فيها منذ سنة 1980 وفي دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام.
في البدء يواجهنا العنوان، بكونه استهلالا بهذا التركيب اللغوي: 'دفتر الشارقة ابن ميسان في عزلته'، ، ثم يقدم لنا جمعة الٌلامي استهلالا آخر، استعاره من إحدي رسائل الشاعر الفرنسي 'بول ايلوار' الي معشوقته 'جالا' لنصعد إلي العتبة الأولي من سلم حجري يقود إلي المنزل، أو المكان إن شئت.
'يا امرأتي الجميلة' لايجب أن نندم علي شيء أما عن حزني فإنه ولد معي، فلا تبتئسي لذلك لم يكن حبي لك خلاصا، لكنه، في الأقل الشيء الثابت والأكيد في حياتي. كل ماعداه كذب ضروري أوغير ضروري. أنت أول فكري وآخره. أنا بدونك لا أعود أفكر إلا بالموت.
ليس هذا استهلالا فقط، انه دعوة للمغامرة في التعرف إلي 'ابن ميسان، البعيد عن سومر، والمقصي عن فراهات الجنوب العراقي، والمغيب عن المشهد الثقافي والسياسي العراقي، بقرار من المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، منذ النصف الأول من عقد سبعينات القرن الماضي، والمطارد من قبل 'محكمة الثورة' في العهد السابق.
وهذا ماسوف نطالعه بيسر في 'إشارات الفصول' التي هي استهلال أخر منصص، سوف يجعل المتلقي الذي لم يعرف هذا الروائي العراقي بشكل كاف، علي بينة من انه يقدم إليه وطنه من خلال مكان الهجرة.
إن الشارقة تبدو له 'ميسان' ، مثلما 'الإمارات العربية المتحدة' هي العراق، حين يتماهي المكان بالمكان، وعندما تكون اللغة العربية، ليست أداة للتخاطب ووسيلة لترتيب وضع اقتصادي في مجتمع استهلاكي بامتياز، وإنما بكونها أي اللغة مشهدا للأنتماء.
في أول أبواب الكتاب الذي هو 'باب الرولة' يريد جمعة الٌلامي من شجرة 'الرولة' المعروفة علي نطاق واسع في إمارة الشارقة بكونها تاريخا خاصا لشخصية المكان، ان يقوك لنا: اذا كانت الرولة، وهي شجرة وافدة الي هذه الجغرافيا العربية في زمن الفقر، قد صارت إحدي علامات المكان، فان المواطن العربي، الكاتب/ الاديب، الفنان خصوصا، هو إعادة تاليف إبداعي للعلاقة بين الشجرة والأرض.
وهكذا سيمنحنا المشهد الثقافي والأخلاقي الذي ابتناه ابن ميسان في الشارقة، نبالة الأنتقال إلي الإمارات العربية المتحدة، والإقليم عموما، حيث 'الهور'، في جنوب العراق، 'وجلفار' هي 'رأس الخيمة'، ورؤوس الجبال إشارة إلي 'الشحوح' العرب الذين عرفوا باليأس والحفاظ علي الهوية العربية الأصيلة.
ان جمعة الٌلامي في 'ابن ميسان في عزلته' يشيد كاتدرائية عربية بالكلمات انه وهو المولع بتشييد مدن الكلمات، يعيد ترتيب تجربته الأدبية ومنجزه الإبداعي، كما في مجموعاته القصصية 'من قتل حكمة الشامي' 'اليشين' و 'الثلاثيات' ثم في رواياته الثلاث 'الثلاثية الأولي' 'المقامة اللامية' ومجنون زينب' في نصوص شعرية كان قد بشر بها 'بودلير' في كتابه 'سأم باريس' وان كانت نثرا مسرودا، ليصوغ شخصية المكان، الشارقة، بوصفها مشهدا ثقافيا، وبيئة معرفية ومجالا عربيا إسلاميا ساميا.
'كيف يتسني لحفنة من تراب، أن تتحول إلي وطن لايشتري بالمال، ولا يكتسب بقرارات رسمية ولايستبدل بقوانين الحرمان والإقصاء الرسمي؟'
'كيف تأتي لهذا الحنين الذي لم تجربه أي أمرأة ثكلي، ولم يحظ به أي منفي آخر، أن يصيرني صرة من تراب، هي بعض بقايا أجدادي وأهلي، من ميسان إلي بغداد إلي الشارقة؟'
إن الٌلامي يتحدث في هذا النص، كما في الكتاب كله، تصريحا وتلميحا، حول صرة من تراب، هي تراب أجداده، التي حملها معه، بعدما كانت وديعة لدي والده عن جده، الي الشارقة، وليقول لقرائه: لقد انتقلت من عرصة إلي عرصة ومن شارع إلي شارع، ومن غرفة إلي غرفة أن انهماكات جمعة الٌلامي طيلة أربعين سنة من الكتابة، تتلخص في إعادة تشييد الحقيقة التي هي إنسانية بامتياز كما اختبرت أصالتها في كل بلدة وقرية، ومحلة وعرصة في الخليج العربي.
لقد تحول تراب الأجداد إلي وطن في صرة حول رقبته، هي أيضا ذلك القماش الذي غسله بماء زمزم في الكعبة المشرفة، بعدما اشتراه من أحد أسواق المدينة المنورة، ومرره قريبا من قبر الرسول عليه الصلاة والسلام
يتوجه جمعة الٌلامي في نص بعنوان 'سومرية' إلي امرأة ما سنتعرف عليها فيما بعد بأنها ميسان، بل هي الشارقة، إشارة صريحة واضحة أوتأويلا بليغا ذا دلالة رمزية، لأننا سنعثر علي محلات ميسان وعرصاتها في الشارقة. إمارة، وفي الإمارات العربية المتحدة.. دولة.
انه، هنا، يستدرجنا إلي معرفة 'شخصية المكان' ومروءته، فهو يدخلنا حقا بنصوصه اللاحقة من خلال أبواب 'الصحين' و 'تموز' و 'الخلاص' و' الحنين' الي المشهد السومري القديم، أي إلي نحو سبعة آلاف سنة، حين كان الساحل الشرقي من الخليج العربي مواطنا سومريا، كما تؤكد ذلك المكتشفات الأنثروبولوجية والمدونات الطينية الموثقة في الرقائم السومرية.
هذا ماسوف نطالعه في نص 'تباريح' الذي يذكرنا بأناشيد
'جلجامش' لكننا سنري ونحن نتحري صفحات الكتاب، أن 'الماجدية' وهي مسقط رأس الكاتب، وإحدي محلات مدينة العمارة 'مركز محافظة' ميسان التي دمرتها قوات التحالف، الأمريكي البريطاني، هي 'دبا' الجبلية بالشارقة، وهي 'الخان' في مدينة الشارقة، وهي 'شارع العروبة'، في مدينة الشارقة.
ربما يتصادي هذا البوح الٌلامي، مع إنغمار 'كفافيس في اسكندرية' مصر لكن 'ابن ميسان في عزلته' الصادر عن المركز الثقافي العربي يمتلك امتياز قصيدة عربية يجد فيها كل نبض عربي نفسه، سواء أقام في بلد عربي، أو اضطر إلي العيش في مكان غير عربي. إنه نشيد متصل من الحب والحنين.
ابراهيم سعيد الظاهري
|
|
|
|