|
|
| السنة - | 647 | ه - العدد | 1426 | شوال | من | 2 | - م | 2006 | ديسمبر | من | 4 | الإثنين |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:03:32 ك |
 |
الساعة - |
 |
03/12/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| نقطة عبور |
 |
|
|
|
عن الشرق والغرب
جمال
الغيطاني
g _elghitany@
akhbarelyom.org
بالنسبة لي فإنني غير قادر حتي الآن علي استيعاب مساندة الغرب لدولة تقوم علي أساس ديني، والغرب هو مصدر العلمانية التي نحاول تكريسها في الأقطار العربية سعيا الي الوصول الي دولة حديثة عصرية في مواجهة الأصوليين الذين يحاولون العودة بالمجتمعات العربية الي عصر الدولة الدينية.
تقدمت مصر بمشروع إلي الأمم المتحدة لاستصدار قرار ضد ازدراء الأديان، بعد تصاعد موجة غير مسبوقة في الغرب تتهجم علي الإسلام والمسلمين، وتخوض في العقيدة نفسها، وقد وجدت هذه الموجة صداها في ديارنا، وفي رأيي أن أخطر ما يجري الآن الخوض في العقائد والذي وصلت أعراضه إلي مصر، هجوم في الزوايا وبعض المساجد، وهجوم وتجريح من جانب رجل دين قبطي عبر فضائية تنطلق من أوروبا، وهذا يحتاج إلي تفصيل ووقفة، ولكن تصاعد الترويج للصدام بين الشرق والغرب انتكاسة للإنسانية، والوقوف ضدها واجب أي مثقف من أي جنس أو دين، لم يكن الشرق منغلقا انما كان متطلعا الي الغرب كمصدر للعلم ولعل ماجري في مصر خلال القرن الماضي دليل قوي علي ذلك.
عرف العصر الحديث حركة ترجمة واسعة، ومحاولة اتصال وثيقة بالحضارة الغربية، جري ذلك في مصر والشام، وبالتحديد في مطلع القرن التاسع عشر مع بدء محمد علي باشا تأسيس الدولة المصرية الحديثة. ويمكن القول أن النصف الأول من هذا القرن شهد أوسع وأكبر حركة ثقافية بين الشرق والغرب اتخذت عدة محاور، إذ أرسل محمد علي باشا بعثات مصرية إلي فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا و انجلترا لدراسة العلوم الحديثة، كان الغرب يقدم لمحمد علي ومن جاءوا بعده النموذج في التقدم العلمي، وشملت البعثات التي سافرت الي أوروبا كافة التخصصات من الهندسة إلي الفلك إلي تجليد الكتب، وعندما عاد الشيخ رفاعة من فرنسا أسس مدرسة الألسن المتخصصة في اللغات والمستمرة حتي الآن، كانت فرنسا هي النموذج الأقرب، ربما بتأثير وجود بعض أتباع سان سيمون الاشتراكي في مصر واستعانة محمد علي بهم، لقد تم تأسيس الإدارة المصرية علي النمط الفرنسي، كذلك القانون المصري والدستور حتي الدستور المعمول به حاليا.
لقد كانت حركة الترجمة من اللغات الأوروبية الي العربية نموذجا للتفاعل الحضاري الخلاق، كانت تتم من منطلق الرغبة في بناء دولة حديثة علي أساس علمي، هذا التفاعل كان يتم من طرف واحد، فلم يقابله اهتمام من الطرف الآخر لنفس الغرض، إنما كانت البواعث مختلفة، فقد تحركت القوي الغربية من منطلق استعماري مدفوعة بمصالح مادية في الأساس، وميراث معقد ينتمي الي العصور الوسطي زمن الحملات الصليبية، وتأجج الصراع العسكري بين الشرق والغرب. في عام 1882 بدأ الاحتلال البريطاني لمصر والذي استمر حوالي سبعين عاما، وفي عام 1948 أسهمت الدول الغربية في تأسيس دولة اسرائيل في قلب العالم العربي، مع انحياز كامل لها علي حساب الشعب الفلسطيني، وكان تأسيس دولة اسرائيل بالنسبة للغرب حلا لمشكلة العلاقة مع اليهود والتي ارتكبت فيها جرائم إنسانية مهولة، أبرزها المحرقة التي تسببت فيها النازية، ولكن محاولة الحل هذه جاءت علي حساب الشعب الفلسطيني والعرب الذين لم يلحقوا الأذي باليهود، بالعكس فإن التاريخ يؤكد أواصر الصلات بينهما، فعندما انتهي الحكم العربي في الأندلس، خرج المسلمون واليهود معا الي الشاطيء الآخر في المغرب العربي، والمشرق العربي، وبالنسبة لي فإنني غير قادر حتي الآن علي استيعاب مساندة الغرب لدولة تقوم علي أساس ديني، والغرب هو مصدر العلمانية التي نحاول تكريسها في الأقطار العربية سعيا إلي الوصول الي دولة حديثة عصرية في مواجهة الأصوليين الذين يحاولون العودة بالمجتمعات العربية الي عصر الدولة الدينية.
كثيرا ما تتردد كلمة (الغرب) في الشرق أو الغرب، ولكن الغرب ليس كلا واحدا، كذلك الشرق، أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو التعميم، في الغرب يعيش مثقفون وأشخاص عاديون هم أقرب اليٌ من أبناء جلدتي، انني أفضل الحديث عن قوي سياسية ومذاهب ثقافية ومواقف واتجاهات.
عندما نقول الغرب الآن، فالذهن ينصرف أولا الي الولايات المتحدة الأمريكية، بالتحديد الي السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، تجاه الدول العربية واسرائيل، بالنسبة للدول العربية مرت تلك السياسة بمراحل، الأهم منها خلال وجود الاتحاد السوفيتي وحتي انهياره. كانت السياسة الأمريكية التي ورثت الاستعمار الإنجليزي القديم، وتحاول وراثة الدور الفرنسي أيضا تعتمد علي ثوابت أهمها، دعم الأنظمة الحاكمة وكلها أنظمة رجعية ودكتاتورية تحسبا وخوفا من أي تطورات تؤدي الي تغيرات راديكالية في المنطقة، من ناحية أخري محاربة الشيوعية ودعم مطلق لدولة اسرائيل، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي برز التطبيق العملي لصراع الحضارات، أو صراع الثقافات، والواجب الإنساني الأول لأي مثقف هو الوقوف ضد هذا المفهوم الذي يرتد بالبشرية الي القرون الوسطي، وما يعنينا في مصر ألا نسمح بظلاله علي أي مستوي.
|
|
|
|