|
|
| السنة - | 655 | ه - العدد | 1426 | ذو الحجة | من | 29 | - م | 2006 | يناير | من | 29 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:04:08 ك |
 |
الساعة - |
 |
28/01/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
الحفلة
لم يبق من المدعوين في الحفلة سوي القلة التي دائما تبقي للآخر: لتنعم بالجلسة الهادئة الحميمة والتعليق علي كل ما قيل من أخبار ونكات وقصص. كنت مع أسعد نودع الضيوف حين سحبتني ساره من يدي إلي الخارج لتأكيد موعد سفرنا معا غدا في الواحدة بعد الظهر لميلانو لمتابعة عروض أزياء الخريف التي نحضرها كل سنة. قالت لي: ¢لا تهتمي.. غدا نتكلم بالطائرة¢. وقالت: ¢لا داعي للحديث مع أسعد بالموضوع¢. قالت أيضا: ¢لا تكوني هبلة¢. كان في عينيها حسم وغضب، قالت: ¢سيدفع الشيك كاملا. سوف ترين¢. وقبل وصولها إلي بيتها اتصلت ثانية من السيارة لتقول:¢ سنتكلم بالطائرة والله والله والله سيدفع لك الشيك كاملا.. ماذا تظن نفسك يا سيد بشارة¢. أسعد لا يمانع في سفري مع ساره في طائرتها الخاصة كالعادة عند نزول موضة الموسم إلي السوق. كنتج منهارة وفي قلبي غضب كالنار المشتعلة. أهانني بشارة. لعله كان ينتقم من أسعد أو مني ومنه. وأنا مترددة. ماذا أقول لأسعد وماذا سيفعل. هل سيلغي اجتماعه مع بشارة ومستشاريه غدا. هل سيقذف الشيك بوجهه؟ وكيف ستكون علاقتي بأسعد بعد ذلك. فضيحة. والقصص التي ستجروي. سأكون علي كل لسان. ماذا يضير بشارة. سيسافر بعد غد وقد لا يعود إلا بعد عشر سنوات أيضا وقد لا يعود أبدا. ماذا عنده هنا... لا بلد ولا ولد. ومريام التي تدخل كل البيوت وتنقل كل الأخبار. ستنبري لنقل الأخبار للرجال والنساء و للحيطان وللطيور في السماء لو لم تجد من تروي له وتتبادل معه الروايات والاتصالات خاصة كونها صاحبتنا وتعرف أخبارنا. مريام لو عرفت ما فعل بشارة لا يستطيع أحد قطع لسانها أو ألسنتها، ومن سيمنعها من دخول البيوت؟ وحتي أنا وساره هل سنستغني عن سماع الأخبار والقصص والإشاعات منها. هي جزء لا نستغني عنه، أنا وساره خاصة حين نتشمس أو حين تمارس اليوغا ساعتين في اليوم وهي لا تحب التركيز الذهني، بل تبحث عن مريام لتجلس عندها تقص القصص وتحكي وتعلق وتنكت وتبادلها الضحكات. صارت كالشمس التي لا بد أن تظهر كي لا يضمحل الجسم. أحيانا أشمئز من أخبارها، أستغرب حين تحكي عن البيوت الحميمة التي تدخلها وتعيش تقريبا فيها ومعها ومنها. تضحك ساره وتردد: ¢لكن قلبها طيب¢.
في الحفلة وكنا قد دعونا كل أصدقائنا الذين يعرفون بشارة منذ زمن والجدد الذين يسمعون عنه ولم يروه من قبل، أو لم يتعرفوا إليه و يصادقونه، ولكنهم كانوا يرغبون في التعرف إليه بعد أن تَبلَيَن. ¢بعد أن تبلين¢. هذا التعبير الذي صاغته مريام بسبب قدراتها اللغوية من كلمة بليونير وصارت بعد الحفلة عبارة شائعة. دعونا أكثر من 30 زوجا وزوجة وأصدقاء وصديقات لم يتزوجوا بعد. الصالة مليئة بالضيوف والبلكونة أيضا، وفي الحديقة حيث أعددنا طاولة الأكل. ينتشر الضيوف في مجموعات أنا وأسعد نتجول بينهم ونتبادل الأحاديث وبشارة كذلك في بنطلون حرير كحلي خفيف وقميص أزرق شفاف وحزام جلد تمساح وحذاء من نفس الجلد وبنفس اللون. في كل مكان ينتشر الضيوف ما عدا غرف النوم والمطبخ. لم نبخل في الإعداد لهذه الحفلة. أنا وأسعد في الليل يشاهد الأخبار وأنا أراجع الأسماء ويحذف أسماء من لا يحبهم أو من لا يروقون له من الرجال والنساء. وأنا وساره بعد العصر ومعنا مريام نعد قائمة المدعوين التي تَعهَّدت مريام بإرسال دعواتهم شخصيا باسمي بالجوال للسرعة. وأعددنا قائمة طعام متنوعة، أرنب كولومبي، وسلطة باذنجان أوزبكية ومشويات، وبرياني بالطريقة البنجابية، سوشي، زبيدي وطبعا كبة نية، وحلويات فرنسية ونمساوية من أيام آل هبسبورغ. والجميع بأحلي لبس وأناقة وأغني مجوهرات. رجالا ونساء، أناقة، وتسريحات ومكياج، وألماس، نقطة ضعفي الألماس. كان المنزل معرضا متنقلا للمجوهرات. والنساء عارضات أزياء من كل الأعمار وأرقي من أحسن عروض الأزياء التي يعدونها لموسم رأس السنة في فندق البالاس في سان مورتيز. عرض أزياء للجنسين. الذكور حين يحلقون ويصففون شعورهم ويتعطرون ويمشون بخفة ويبحلقون بالنساء ويميلون عليهن بالهمس والغمز واللمز واستعراض الوشايات والنميمة وترديد أخبار المجتمع كله كأنه لا يفوتهم شيء منها أبدا. من لا يحب الألماس. ضحك عليَّ بشارة قال: لم أجلب لك ألماس حتي لا يشعر بذلك أسعد. المخادع قال شيك 5 مليون دولار تشتري به ما تشائين. وقفت إلي جانب ساره عند مدخل القاعة الشرقية أحكي لها وعيناها تفضحان وتسألان قالت: ¢خذي الشيك¢، كنتج مترددة. أين أضع الشيك وأسعد يعرف كل حساباتي. كيف سأخفي هذا المبلغ عنه. ماذا سأقول له. المبلغ مغر. عند هاري ونستون بمليونين دولار طقم زمرد وألماس 10 قيراط للقطعة. وعند شانيل بسبعة مليون دولار طقم ألماس نقي مع تاج وحزام وشنطة وحذاء بنفس التصميم. يمكن إذا دفعت له نقدا يخفض السعر إلي خمسة مليون ويمكن إلغاء الحزام إذا أصر علي السبعة. كنتج مترددة وبشارة يتبعني للبلكون. وضع يده علي كتفي وأكَّد عليَّ أن أسعد سيكون في اجتماع بالشركة عندنا. لن ينتهي الاجتماع قبل الحادية عشرة. رتبتج كل شيء. لا تخافي. كان يريدني أن أمر عليه بالفندق بالتاسعة. ساعة فقط كان يقول بإلحاح. ساعة لوحدنا حتي السكرتيرة ستكون معهم في الاجتماع. نظر إليَّ: "سأموت لو لم تأتي¢.
سمعت بوصول بشارة من أسعد قبل أسبوع، الظهر علي التليفون وكنتج عند ساره في حمام السباحة ومعنا مريام النحيلة تحكي وتنقل القصص والأخبار وتشغل العيون ورادارات الآذان. وما إن سمعت ساره تسألني: ¢يعني بشارة سيأتي.¢ حتي أوقفت قراءة الفنجان لساره وأخذت تدقق فيما تسمع. ساره استغربت وقالت ¢يعني من كل الناس اتصل بأسعد بالذات¢.. هكذا قال لي أسعد: ¢طلب تأكيد الحجز بالفندق... بالفورسيزن... الجناح الملكي مع مكتب للسكرتيرة بجانب الصالون وغرفتين مجاورتين للحارسين اللذين يرافقانه. قال أسعد: ¢لم يحدد وقت الوصول، قال في المساء فقط.. لا بد أنه سيأتي بطائرة خاصة... أكيد طائرته¢، والغريب أنه قال لأسعد: ¢أريدك أن تنظم لي حفلة عشاء أري فيها كل الجماعة¢. قال أنه سيبقي يومين فقط. ساره أخذت تعلق وتتساءل ومريام تعقب وتشارك وأنا ارتحت علي المقعد الكبير ومددت ساقيٌ. لبست النظارة السوداء والشمس تملأ السماء ورحتج وحدي أتخيل بشارة. عدت للوراء عشرة أعوام. أدهن ساقيٌ وفخذيٌ بكريم مضاد للشمس، ومريام تساعد في دهن أكتافي وتدليكها وأنا اطلب منها أن تحك ظهري علي خفيف وهي عادة تعودتها منذ الصغر من أمي وهي تدغدغني. أحيانا أرفع فخذي أدهنه وأستدير نحو حمام السباحة وأحيانا أستدير صوب الحديقة. كنت أشاهد المجزارع الأفغاني بيده المقص يقص الأشجار ويبصبص. أنا وساره دائما نراه يبصبص. دون العشرين أسمراني شعره ناعم وفمه صغير وعيناه بياضهما ناصع. يبصبص وأنا وساره نشاهده. نتركه يبصبص. أحيانا أرفع السوتيان وساره ترفع الجريدة عن عينيها وتحكي لي أنه نسي حنفية الماء تهدر علي الأرض وفتح كوة بين الأشجار والورود يبصبص من خلالها. وحين ندخل البيت كنتج أمشي مشية القطة كعارضات الأزياء وبالبكيني أحيانا بدون فوطة مايوه وألتفت فجأة نحوه ألاحظه يقبع بين الأشجار التي تتلاصق بسرعة لكي تعينه علي الاختفاء. ربما كانت الشجيرات والورود مثلنا تفسح له المجال ليبصبص وتسرع بتغطية الكوة وهي تتمايل طربا للحظات القلق والشبق والحياء والاختباء وخفقان القلب واللهاث والغرق والانتشاء نتسلي، أو كما تسميها ساره ¢خيانة في الخيال¢.
عشر سنوات منذ هاجر بشارة. سافر بعد نكبة أبيه في سوق الأسهم وإصابته بانسداد في الشرايين وانتحاره بالمستشفي، حين قفل غرفته ذات ليلة وقطع شريانه بسكين الأكل التي تركوها بعد العشاء. كنا أنا وبشارة علي وشك الزواج. وقبيل سفره أخذني بالسيارة وقال: "سأعود بعد سنة أرجوك لا تتزوجين¢. وحين تزوجت بعد عام اتصل بي بالتليفون ونحن، أنا وأسعد، بهنولولو في شهر العسل. اتصل بي بالغرفة وقال لي: ¢تتزوجين أسعد؟! لا أحد غير أسعد ... من كل الدنيا أسعد. تقتلينني مرتين. تتزوجين، ومن أسعد بالذات!¢. ذاك النهار لم أنزل البحر ولم أشتهِ العشاء وأنا أقول لأسعد: ¢عندي صداع. ما زلت لا أعرف كيف عرف اسم الفندق الذي نقيم فيه ولا كيف أعطوه رقم غرفتي رغم أنها مسجلة باسم أسعد ورغم أنهم في العادة لا يوصلون التليفونات للغرف إلا بعد التأكد من الاسم. لا أعرف كيف اتصل بي بعد خروج أسعد من الغرفة بدقائق. هل كان يتابعني دقيقة بدقيقة. أَلَه أناس يتجسسون عليَّ أينما ذهبت؟ ولماذا المشقة والعتاب وهو قد هاجر علي كل حال وقطع الاتصال بي سبعة أشهر قبل زواجي من أسعد. الغائب عذره معه يقولون. OKأنا لست جولييت.
أول ما وصل بشارة اتصل، وذهبتج مع أسعد إليه بالفندق. عند المصعد حارسان أوروبيان اقتادانا لغرفة السكرتيرة. أمريكية ترتدي تنورة خضراء داكنة وقميصا أبيض مزينا بورود خضراء فاتحة من فندي وتلبس نظارات كارتييه وساعة شوبارد. ترفع شعرها فتظهر رقبتها ناعمة وطويلة. رحبت بنا وقالت: ¢بشارة ينتظر¢ دخلت عنده وعادت مسرعة وبيدها بعض الأوراق وضعتها علي مكتبها حيث يوجد ثلاث تليفونات غير الجوال وكمبيوتر وفاكس واقتادتنا للصالون. هذا هو بشارة لم يتغير. لم يتغير. الابتسامة تغمر الوجه. الكتفان العريضان. الجسم الذي تعب عليه وصقله برياضة كمال الأجسام من زمان. لم يتغير. العينان الواسعتان الحادتان. الرجولة والأناقة تجعل كافة بنات حواء وحفيدات حفيدات حفيداتها يحلمن لو يحبلن منه. ضمني أولا وصافح أسعد وبدأ الكلام ضاحكا مجلجلا دون رتوش أو مجاملات أو مقدمات "تتزوجين أسعد. أسعد بالذات¢ وأسعد يضحك ويقول: ¢ما أنتَ سافرت. تخيل لو كانت تنتظرك حتي الآن¢. وأنا أضحك وجماله الساحر لم يتغير ولا جرأته وكلامه المباشر مثل طلقات سريعة في الهواء الطلق والسماء العريضة الملونة بالغيوم الخفيفة البيضاء. يضحك شعره مصفوف وشاربه خفيف يرتدي بدلة كانالي بيج من قطني نقي وقميصا أبيضَ شفافا يجظهر سمار الجسد الذي لوحه التشمس والاسترخاء عند حمام السباحة، وحذاء خفيفا من نفس اللون بدون جوارب. وساعة من المجموعة الخاصة الأخيرة لأديمار بييجيه. سألنا عن الحفلة وذكرنا له بعض المدعوين الذين يعرفهم وأسعد يشاغبه بالكلام: ¢أين زوجتك؟¢ معقول حتي الآن لم تتزوج. ستجد في الحفلة فتيات كثيرات علي وجه الزواج.. كلهن بانتظار فارس الأحلام أم أنك تقتصر علي السكرتيرات. الفاتنات. الأمريكيات¢. كان أسعد يشير بذلك لسكرتيرته التي رأيناها قبل قليل وهي في أعلي درجات الرشاقة والأناقة عيناها خضراوان وثدياها منتصبان وطبيعيان. وهو يبتسم ينظر إليَّ ويشير برأسه نحوي: ¢لقد تعاهدنا يا لولو أن لا أتزوج غيرك. أنت حرة إنما أنا علي العهد باق¢. ما كان يحسن أن يكرر هذه الجملة. جسور لا يجامل. صادق طبعا لكنني لست جولييت لأنتظره وحده. أعطاني شنطة بركنز مع إيشارب من صنع هرمز، قال: هذه هديتك. وفي المصعد كان أسعد ينظر إليٌ ويهز رأسه. ¢لم ينسَكِ¢ وفي البيت كنا نشاهد التلفزيون وأسعد يقول: ¢خطفتك منه .. كنا نتنافس عليك أنا وبشارة. مرات ومرات تحدثنا معا بالموضوع. أنا في النهاية غلبته. حين ذهبت بنتي ليال للنوم جلست بجانب أسعد رأسي علي كتفه وهو يدير التلفزيون ويداعب شعري بأصابعه. ينفث دخان السيكار ويردد: ¢لم يكن كفؤا لك أبدا¢ ويضع يده في صدري. كان قميص بشارة شفافا به خطوط بيضاء ناعمة وشعيرات صدره تظهر من تحت القميص. لم يتغير. صدر رياضي عريض يتكثف وسطه الشعر. صدر ألذ من المخدة. وأسعد لاحظ أنه لم يحجز غرفة نوم خاصة بالسكرتيرة. قلت يمكن زوجة أو رفيقة أحد الحارسين وأسعد أشار بإصبعه نافيا: لا لا.
منذ تزوجت لم أخن زوجي سوي مرة واحدة. ليلتان في ميلانو. بعد العشاء ذهبت ساره مع صديقها مساعد الطيار للغرفة وبقيتج أنا مع بيير. ساره دبرت اللقاء. أخبرتني بعد ذلك أنها دعت بيير ليلحق بنا في ميلانو. قالت لي: ¢جاء من أجلك¢. بيير التحق بالسفارة الفرنسية ملحقا إعلاميا منذ ثلاث سنوات. رأيناه أول مرة في عشاء بمطعم الصالة. أتت به مريام لتجعرٌِفه علي المجتمع. جزء من عملها في شركة العلاقات العامة. تحفظ الأغاني وتقرأ الشعر بصوت إذاعي فصيح وتتحدث الفرنسية بطلاقة مع شويه إيطالي. لم تتزوج. تعرف كل الناس، السياسيين والمقاولين والأطباء والمحامين. أتت معه وكان حديث المجتمع كله. يعرف العربية. مريام تجعرٌِفه علي كل التفاصيل. كل القال والقيل. ونحن كما يقولون مجتمع بدون إشاعات. مجتمع شفاف. مجتمع انفتاح. الأخبار بكل تفاصيلها تنقلها مريام أولا بأول لمن يريد ومن لا يريد أن يسمع ومن ضمنهم بيير. بيير صار جزءا منا بسرعة: في أول الثلاثينيات رشيق.. أنيق.. ودبلوماسي. الوحيد الذي كانت أصابعه تحاور. كل الرجال يحاورون بالعيون والحواجب وأحيانا بضم الشفتين. الوحيد الذي أعرفه يحاور بالأصابع هو بيير. أول ما صافحته شعرت أن أصابعه تضغط قليلا. لا يسحب يده بسرعة. يبقيها وأحد أصابعه يحسس ويتحرك قليلا لليمين وقليلا للشمال وفوق وتحت خلال لحظات. وفيما بعد حين تعارفنا أكثر كان يسلم بابتسامة عريضة يفتح ذراعيه يضم يقٌبل ويلف يده علي الرقبة أو الكتف لتحاور أصابعه الموقع الذي تهبط عليه. مريام تحكي لنا عن صديقاته الكثيرات والمعجبات الأكثر. وساره تغمزني وهي العارفة بالعيون والقلوب وتقول لي: ¢حين يراك لا يرفع عينيه عنك¢. في ميلانو تلك الليلة خرجنا أنا وبيير نتجول في ساحة الدومو. كان لطيفا وقصصه لا تمل. لكنته الفرنسية حين يتحدث بالعربية أو الإنجليزية لها نكهة دافئة وحنونة. الموضيع والكلمات تخرج تلقائية دون تصنع أو بطء أو تردد. تنزلق جملة واحدة بعد أخري وكل كلمة في مكانها يمزج الأغنية بالموضوع بالنكتة اللاذعة بلا تصنٌع. وضع يده حول كتفي وأصابعه تحاور. دخلنا مرقصا صغيرا ويداه حول خصري وأصابعه كلها تحاور. حين عدنا أوصلني لغرفتي دخلتج الغرفة ولم أستطع أن أقفل الباب دفع الباب ودخل. أخذنا حماما ساخنا ودخلنا السرير. مرة واحدة خنتج أسعد. ليلتان مع بيير. ساره في الصباح تبتسم وتغمز لي بعينيها: ¢ولايهمك الرجال يخونون¢. أكثر وأكثر. صرنا أصحابا ولم أخرج معه مرة أخري. أحيانا في أوقات الوحدة والضيق أتلفن له كي أسمع صوته الرخيم. مرة واحدة قال أنه مشغول وفعلا اتصل بعد ربع ساعة. لا يتململ. يعطي كل الوقت بالتلفون. يستمع ويتفهم ويناقش ويحب أن يساعد ويساعد إذا استطاع. لطيف متفهم حنون وصوته رخيم.
في الحفلة كان بيير موجودا، وحين قال لي بشارة: ¢تأتين لي غدا بالتاسعة في الفندق سنكون لوحدنا. لوحدنا لمدة ساعة¢ كنتج علي وشك أن أصفعه. ماذا يقول؟ ساعة فقط؟ تركته واقفا لوحده وساره لاحظت شيئا ما. اقتربت مني وسألتني أخبرتها ما قاله لي. ضحكت وغمزت بعينيها: ¢جريء¢ هزت رأسها ابتسمت وقالت: "لم ينسك يا لولو¢. لم يزعجني كلامه فقط أدهشني بقسوته وجرأته. لم أتوقع هذه المفاجأة ولا هذه السرعة ولا الجرأة. كنتج أتحدث مع مجموعة من الضيوف وكل دماغي مشغول بكلامه. ماذا يظن بي "تزوجت _ كما يقولون _ وفاتحة فخذيها¢. ما زال واقفا هناك يتحدث بالموبايل. أراه خلف الزجاج في البلكونة. جينز وقميص أبيض وجاكيت كحلي قطني نقي وحذاء كله من جوشي. وأشار لي بإصبعه. يتهادي كالنسمة ويستدير كالإعصار مثل عارضي الأزياء فوق ممر العروض. ذهبت إليه طائعة لا مختارة. قادتني قدماي والحيرة. قال دون مقدمات كعادته التي لم تتغير: ¢هديتك ليست الشنطة ولا الإيشارب. أعرف كم تحبين الألماز. كنتج سأشتري لك هدية علي مستواك لكنني خفتج أن يغضب أسعد¢. قلتج له وأنا صادقة: ¢رؤيتك بخير أكبر هدية لي¢، مد يده نحو ذراعي وسحبني قليلا وعضلات ذراعه وصدره كما كانا قويين. همس: "هديتك شيك¢ قلت مستغربة: ¢شيك! لماذا الشيك¢؟ وأنا محبطة وأكاد أرتجف قال بسرعة: "خمسة مليون دولار تشترين بها ما تشائين من الألماز¢ كدتج أنهار دخل عليٌ من نقطة ضعفي. ربطت لساني الدهشة. إهانة. ماذا يظنني... عدتج للصالون وساره هرعت نحوي والسيكارة بيدها اليسري وخواتم الألماز التي اشترت منها الكثير بعد وفاة زوجها واشترت الطائرة كذلك: "اتفقتما¢؟ قلت: هل تعرفين ماذا قال؟ سمعت بتركيز ونفحت سيكارتها فوق وقالت: ¢خذي الشيك. خذيه¢ كنت مترددة. كنت أودع بعض المدعوين وأود لو مريام تخرج حالا حتي لا تلاحظ شيئا وأكون غسيل الألسن والخيالات. وبيير الذي لم أخرج معه ثانية تمنيتج لو يخرج لئلا يلاحظ شيئا والأخطر لو روي لمريام أية ملاحظة. جلستج مع أسعد وبشارة وبقية مدعويين وحين ذهب أسعد يقدم سيكارا لبعض أصدقائه اقترب مني بشارة، وقال: "الشيك جاهز¢ ، لاحظت ساره خروجه للبلكون وأشارت لي بعينيها أن أتبعه. كنت مستعجلة ومترددة وقلت: أين الشيك. مد يده في جيبه وأخرج دفتر الشيكات وكتب المبلغ. سلمني الشيك وشد علي يدي: ¢غدا في التاسعة صباحا¢، وابتسم: ¢أنا لست عطيل أموت غيرة.. أنا بشارة أغار وأقطف¢. كان يبتسم مبتهجا وأنا وضعت الشيك في صدري عدت للصالون بسرعة. مع أسعد كنا نجودٌِع بعض المدعوين. كرهتج الفكرة كلها. أخذ الشيك وإخفاؤه بعد ذلك كالحرامية. ربما كنت سأذهب إليه في وقت آخر بدون الشيك¢ وساره دنت مني وحين تأكدت أنني استلمته. قالت: ¢لا تقلقي سأحفظه عندي حتي نجد طريقة لإظهاره¢، كنتج مضطربة قليلا بسبب مكان الشيك مع خوفي أن يلاحظ أسعد أو أي أحد شيئا في صدري. كنتج أخاف أن أعرق. دخلتج الحمام وبلهفة تطلعتج بالشيك. كان قد أخطأ في الكتابة. ظننته أخطأ الكتابة. ظننته كان مستعجلا ومرتبكا. ظننته يحبني. خمسة آلاف دولار. قبل أن يخرج من الحفلة سحبته من يده ومن يد السكرتيرة الحسناء وهي تشده في الاتجاه الآخر. وفي البلكونة قلتج له: ¢الشيك غلط¢ نظر إليَّ باسما وسألني: ¢لماذا غلط¢؟ قال وهو يمسك يدي: ¢لا. لا يوجد غلط¢. كدتج أموت غيظا وهو ينظر في وجهي بصفاقة ووقاحة قلت: "أنت قلت خمسة مليون¢، شد علي يدي باسما وقال بكل ثقة وبدون تردد أو مجاملة أو ارتباك: ¢لا بأس الليلة اتفقنا علي المبدأ وغدا يا لولو نتفاهم علي الثمن¢.
|
|
|
|