|
|
| السنة - | 675 | ه - العدد | 1427 | جمادي الأولي | من | 22 | - م | 2006 | يونيو | من | 18 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:33:59 ص |
 |
الساعة - |
 |
17/06/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
ليس لدي شروط للعودة ..
لكني لن أعود إلي زنزانة وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت هزمت أعتي الأنظمة الفاشية وفكت الحصار علي أبناء الوطن الواحد
حوار :محمد شعير
ظل الناقد والمترجم السوري صبحي حديدي ممنوعا من زيارة القاهرة سنوات طويلة!
كان الأمر مفاجئا، فهو ممنوع من زيارة بلده سوريا فلماذا يمنع إذن من زيارة القاهرة؟
قال ساخرا: لأن الوحدة المصرية السورية انتهت ولكنها ظلت قائمة في وزارات الداخلية حيث يمنع الأشخاص غير المرغوب فيهم في احدي الدولتين من الدخول إلي الدولة الأخري!
قلت: وأيضا تمنع محاكمة الوزراء المصريين إلا بموافقة الدولة الأخري!
المهم تدخلت بعض الشخصيات في الجهاز الثقافي المصري لترفع الحظر عن حديدي بعد دعوته للمشاركة في احدي المؤتمرات.
ولد حديدي في بلدة القامشلي عام 1951 ودرس الأدب الانجليزي بجامعة دمشق، لوحق لأسباب سياسية، فكان الخروج هو الحل، وظل مشردا بين لندن وباريس قبل أن يستقر في مدينة الجن والملائكة!
منفاه كان قاسيا وصارما حتي انه عندما ماتت أمه لم يستطع العودة ليتلقي فيها العزاء.
نشر حديدي العديد من الدراسات والابحاث والترجمات من أهمها: 'تعقيب علي الاستشراق' لإدوار د سعيد، 'الاسطورة والمعني' لكلود ليفي شتراوس، 'ضجيج الجبل' لكاواباتا، 'طيران فوق عش الواقواق' لكين كيس وغيرها من الترجمات.
سألته في البداية:
 ماذا تصنف نفسك في حالتك هذه خارج الوطن (منفي _ مهاجر _ مغترب) ؟
لست مهاجرا ولا مغتربا، لأنني لم أتخذ قرار السفر بإرادتي. لقد لوحقت في بلدي لأسباب سياسية، وعشت الحياة السرية طيلة سنوات، ثم بات قرار السفر هو الخيار الأفضل لأهلي ولرفاقي ولنفسي، فغادرت الوطن سرا. أظن أن صفة ¢المنفيٌ¢ هي الأسلم اصطلاحيا والحال هذه!
 كيف تري المنفي؟
في مقابلة مطوٌلة أجريتها في باريس، عام 1994، مع الناقد والمفكٌر الفلسطيني الكبير الراحل إدوارد سعيد، طرحتج عليه السؤال التالي: كيف تعيد اليوم صياغة عبارتك الشهيرة: 'أعتقد أنني شعبان في واحد، وأشعر أحيانا أنٌ لا مقام لي في أيٌة ثقافة'؟ ماذا يعني لك المنفي الآن؟ ولقد فاجأني سعيد بإجابة لم أكن أتوقعها، إذ قال: ¢في الحقيقة لم أعد أشعر أنني شعبان منفصلان في واحد، بل أربعة أو خمسة ربما! كان الجواب هو حالة التعدٌد في الاهتمامات ودونما نظر إلي محاولة مصالحة بعضها مع البعض الآخر. لقد توقفتج عن محاولة القيام بذلك، وأكتفي بالإفتراض القائل إنني، وأيٌ شخص آخر، هوية متناقضة وتعددية¢. وأضاف: ¢أنا مخلوقج الدرب الذي سرت عليه، مخلوقج تاريخي، ومخلوق اللغات والثقافات التي اشتققتج نفسي منها ولكنها لم تعد بالنسبة إليٌ العلٌة الرئيسية لوجودي. إنها جزء من هذه الصورة الشاسعة التي أسميها المنفي، الذي بات عندي حقلا كريما، بعض الشيء، في منح الفرصة¢.
كان مفاجئا لي أن يمدح إدوارد سعيد المنفي ويعتبره 'حقلا كريما'. وفي تلك الفترة، وربما بتأثير حرب الخليج الثانية بصفة أساسية، كنٌا نري المنافي بمثابة سجون أخري ساقتنا إليها الأنظمة القمعية التي تحكم بلداننا الأصلية. وكانت كتابات سعيد بصفة خاصة، وتحديدا عمله الكلاسيكي 'الاستشراق'، تزوٌدنا بما نحتاج إليه من عجدٌة فكرية إضافية لكي نحوٌل عذابات المنفي إلي ما يشبه 'النظريات' الكبري حول تناقضات الذات والآخر، وصراع الشرق والغرب، وتوازن المقهور والقاهر. إجابة سعيد كانت قد حيٌرتني في العام 1994، ولكن أعترف اليوم أنني بلغت النتيجة ذاتها، سواء لجهة التحرٌر من ضغط الإحساس بوجود 'هويٌة خالصة'، أو لجهة الإحساس بمدي تعدٌد تلك الهوية، وإقراري بالدّيْن الذي أحمله لكلٌ الثقافات التي جعلت منٌي 'مخلوق الدرب الذي سرتج عليه'، كما في عبارة سعيد
 ما هي الأسباب التي دفعتك إلي الخروج؟
هي أسباب سياسية محضة، إذْ بدا في مرحلة ما أنٌني لا أملك هامش مناورة ذا قيمة بين خيارين أحلاهما مرٌ: الاعتقال بما يعنيه من عواقب عديدة في ظلٌ نظام استبدادي دكتاتوري بربري النهج والوسائل، أو السفر ببساطة.
 ولكن هل اختيار المثقف للخروج هو تعبير عن مثقف منسحب؟
في يقيني أنه لا توجد إجابة واحدة تصلح كمعيار للحكم علي خروج المثقف زيد مثل خروج المثقف عمرو. ثمة عوامل موضوعية وأخري ذاتية، وثمة اعتبارات بالغة الخصوصية، عليا ومستقلة وعاجلة، يمكن أن تتحكم بقرار السفر أو البقاء دون أن تترك لصاحب العلاقة فرصة تقليب أمر السفر علي مختلف وجوهه. هذا، في المناسبة، لا ينطبق علي المثقف وحده حين نتحدث عن النفي لأسباب سياسية، إذ يحدث أن تكون غالبية ساحقة من المنفيين كوادر تنظيمية عمالية أو فلاحية ليست ذات صلة البتة بأمور الثقافة. ولكن لكي أجيب مباشرة علي سؤالك أقول إن معني الانسحاب قد يشمل معظم حالات المثقفين الذين يغادرون بلدانهم طواعية ودون إكراه، لكنٌ الانسحاب هنا لا يعني بالضرورة الهروب أو إلقاء السلاح أو رفع الراية البيضاء. قد يتضح أن العكس هو الصحيح!
 وهل اختيار المنفي يعد هروبا من المواجهة الحقيقية؟
الأمور نسبية هنا أيضا، إذ لعلٌ الخروج إلي أرض أخري قرار يسمح بامتلاك حقائق أوسع وأعمق وأنصع، ويتيح كذلك فرصة التعبير عنها وإضاءتها علي نحو أكثر حرٌية وجدوي، الأمر الذي لم يكن سيتوفر للمثقف لو بقي في بلده. المواجهة، حتي في معناها العسكري المحض، لا تشترط الصدام مع الخصم دائما وأبدا وأيا كانت طبيعة علاقات القوٌة، كما أنها لا تحرٌم الانسحاب المؤقت من أجل انخراط أفضل في الصراع.
 كيف تنظر إلي الثقافة التي في بلادك من بعيد؟
أحاول ما أمكن أن أراها عن قرب، وأجهد ما وسعتني الوسائل لخدمتها من بعيد. وفي حالتي علي الأقل، وبسبب من استمرار الالتزام السياسي جوهريا، أعرف أنني أمتلك حصانة عالية في ما يخصٌ احتمالات التحلل من واجباتي تجاه ثقافتي الوطنية، وأعرف أنني تدربٌت جيدا علي ¢استدخال¢ هذه الثقافة في مفردات عيشي اليومي في المنفي. ولكن دعني أضيف أنٌ الإقامة في المنفي درٌبتني علي واجب النظر بشكل تركيبي تعددي إزاء ثقافتي الوطنية، فتعلٌمتج إبداء المزيد من الاحترام تجاه ثقافات الأقليات في بلدي، كما في نموذج الأكراد مثلا.
 كيف تتعامل مع ثقافة بلد المنفي في المنفي؟
لثقافة البلد المضيف، وللثقافة الأوروبية إجمالا، دّيْن في ذمتي لا أستطيع إلا الإقرار به، وبهذا المعني أصادق علي ما يقوله إدوارد سعيد من أن المنفي حقل كريم. بالطبع، وكما هي الحال في كلٌ ثقافات العالم، ثمة الكثير من الجوانب السيئة العنصرية والاستعلائية في ثقافة البلد المضيف وعلي صعيد النظر إلي الآخر تحديدا. وهذه جوانب لا يحقٌ للمنفيٌ أن ينتبذها تماما فحسب، بل من واجبه أن يبادر إلي هجائها وفضحها. تلك، في نهاية الأمر، بديهيات شائعة تفرضها ضرورات الحياة اليومية، وفي الأزمات بصفة خاصة.
أما التثقيف بمعناه البسيط، أي تحصيل معارف البلد المضيف، فهذا لا يحتاج إلي السفر دائما، إذ في وسع المرء أن يراكم ثقافة إنجليزية أو فرنسية عالية وهو في دمشق أو القاهرة، دون حاجة للسفر إلي لندن أو باريس.
 ما هي الأجواء التي توفرها ثقافة المنفي لصالحك؟
حرية التعبير بصفة أساسية، وسيادة القانون رغم الثغرات الكبيرة في تطبيقه، واحترام الآخر، والديمقراطية، وقبول الاختلاف.
 هل هي ثقافة خاصة؟
لم أعد متأكدا من معني الحديث عن ¢ثقافة خاصة¢ في زمن العولمة. ثمة عناصر وطنية أصلية تخصٌ كلٌ ثقافة، وذلك بالمعاني التاريخية والحضارية والمعنوية في الإجمال، وهذه لا تبرر البتة دعوات التقوقع علي الذات ورفض التثاقف الصحيٌ والانفتاح الإيجابي علي الثقافات الأخري. الآن يقاوم الفرنسيون دفاعا عمٌا يسمونه ¢الخصوصية الفرنسية¢ ضدٌ الاجتياح الأمريكي، ولا يبدو أنهم يحققون نجاحات ذات معني. ولكن ما الثقافة الأمريكية ذاتها، في نهاية الأمر؟ أهي، حقا ثقافة خاصة، أم حصيلة ثقافات؟
 كيف تري الاضطهاد السياسي والاجتماعي والثقافي والديني؟
وكيف تريدني أن أراه، بمعزل عن إدانة كلٌ أشكال الاضطهاد والنضال من أجل الغائها مرٌة وإلي الأبد، سواء بوصفها ممارسات مقترنة بسلطة سياسية أو بنظام حاكم أو مراكز قوٌة من أيٌ نوع، أو بوصفها ثقافة سلوكية فردية تخصٌ الأفراد المؤمنين بتفوٌق البشر علي بعضهم البعض استنادا إلي امتيازات اقتصادية أو سياسية أو مذهبية أو عرقية.
 في تقديرك هل تضيف ثقافة المنفي إلي الثقافة العربية؟
كلٌ شيء، وأي شيء ينفع الناس في الأرض ولا يذهب جفاء كالزبد! التثاقف الصحيٌ لا يتوقف عند مادٌة بعينها أو عصر أو حقل، وفي وسع الثقافة العربية أن تقدم الكثير إلي الآخرين، وثمة الكثير من السوابق في هذا الميدان. كذلك في وسعنا أن نأخذ من الآخرين كلٌ شيء وأيٌ شيء، وهذه بديهيات لا يلوح أنٌ تاريخ العمران البشري سيكذبها في أي يوم قريب.
 هل يعيش المنفي العربي الاغتراب المزدوج؟
الحلم بأوطان أصلية سعيدة، ديمقراطية تعددية، تصون كرامة أبنائها وتفتح لهم كلٌ الآفاق وكلٌ الفجرّص، ما يزال يهيمن علي عقلي وسلوكي ووجداني في المنفي. ولكن صحيح، أيضا، أنٌ المكان غيٌر فيٌ الكثير، لصالحي تارة وضدٌي طورا. واليوم أدرك أنٌ كينونتي الإنسانية باتت أوسع بكثير من مجرٌد الإنغلاق في هوية واحدة، أزلية، صافية، مطلقة!
 هل هناك متغيرات اساسية لحياة المنفي بعد 11 سبتمبر وخاصة أن الصورة تغيرت كثير بعد ذلك: العيش بين ثقافتين كلهما ترفضك.. ثقافة وطنك وثقافة بلد المنفي التي تنظر إليك كعربي قادم من الشرق الأوسط نظرة إدانة؟
لا ريب أن 11 سبتمبر قلب موازين العلاقة بين الغرب والشرق رأسا علي عقب، والصورة لم تتغير فقط كما تقول، بل لعلها طجويت تماما واستجبدلت بصورة أخري. ولكني لا أري أن سوء المتغيرات قد بلغ الدرجة القصوي التي تصفها من حيث رفض الثقافتين معا للمنفيٌ. فمن جانب أوٌل لا أدري لماذا تفترض أن نأي المرء عن بلده اضطرارا ينبغي أن يسفر آليا عن رفض ثقافته له. فهل النظام الحاكم في البلد هو الثقافة الوطنية أو سادنها الشرعي؟ ومن جانب ثان، لماذا تفترض أن ثقافة بلد المنفي ليست سوي مرض الخواف من الغريب والنظر إليه نظرة إدانة فقط؟ الأمر ليس بهذه الثنائية الحادة، وهو أكثر تعقيدا من حيث معطيات العلاقة الجدلية بين الذات والآخر.
 كيف تعيش في المنفي؟
الكاتب الألماني الكبير إريك أويرباخ ، أحد كبار منفيي القرن العشرين ومؤلف كتاب ¢المحاكاة¢، العمل الأوحد الذي جعل من صاحبه واحدا من أعظم نقٌاد القرن العشرين، كان قد اقتبس نصا فاتنا حول الغربة والغريب والوطن، كتبه في القرن الثاني عشر راهب من ساكسونيا يدعي هوجو أوف سان فكتور. يقول النصٌ: 'مّنْ يجد وطنه جميلا، فإنه في عداد المبتدئين ذوي المشاعر الرقيقة. ومّنْ يجد وطنه في كلٌ أرض يقيم عليها، فإنه في عداد أهل القوٌة. ولكن مّنْ يجد أن الأرض بأسرها مقام غريب أبدا، هو وحده صاحب الكمال. ذو النفس الرقيقة حصر عشقه في بقعة محددة من العالم، وذو النفس القوية وسٌع عشقه ليشمل كل أرض يطأها، وذو النفس التامة أطفأ كل عشق لأنٌ الإنسان غريب أينما أقام¢.
وأعرف أنني غريب هنا، وأنٌ المنفي شاقٌ وطافح بالمرارة، والوطن ناءي رازح تحت النير. ولكنٌي أعرف أيضا أنٌ الغربة علٌمتني الكثير، ودرٌبتني علي طرائق أفضل في فهم أهلي وعشق بلادي.
 هل تحلم بالعودة؟ وهل تشعر بالانقطاع عن ثقافتك وزملائك؟
أنا لا أحلم بالعودة... أنا أعرف أنني سأعود إلي وطني، حتما! صحيح أنني منقطع عن الأهل والأصدقاء، وقبل سنين رحلت أمٌي دون أن أطبع قبلة الوداع علي جبينها، وأخشي كل يوم أن يصلني نبأ فقدان عزيز هناك. ولكني لست البتة منقطعا عن ثقافتي الوطنية، وكما تعلم فإن وسائل الاتصال الحديثة والفضائيات والإنترنيت أخذت تهزم طرائق أعتي الأنظمة الفاشية في فرض الحصار علي أبناء الوطن الواحد.
 ما هي شروط العودة؟
لن أعود إلي الزنزانة بالطبع، ولن أعود ضمن صفقة فردية بالتأكيد. سوي ذلك لن أضع شروطا علي أحد، ولكني أيضا لن أقبل شروطا من أحد!
|
|
|
|