|
|
| السنة - | 675 | ه - العدد | 1427 | جمادي الأولي | من | 22 | - م | 2006 | يونيو | من | 18 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:58:18 ص |
 |
الساعة - |
 |
17/06/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
(لوانا) تعيد الذاكرة المفقودة لبائع الكتب القديم: هل تكون ' شعلة الملكة' الرواية الأخيرة لإيكو؟!
د. حسين محمود
¢أفقت كأنني أصحو من حلم طويل، ومع هذا ما زلت معلقا في رمادية غائمة. أو أنني لم أكن مستيقظا ولكنني أحلم. كان حلما غريبا، خاليا من الصور، تسكنه الأصوات. كأنني لا أري، ولكنني أسمع أصوات كانت تحكي لي ما لابد أنني أراه. كانت تحكي لي أنني لم أكن أري بعد شيئا، سوي تصاعد البخار علي طول القنوات، حيث كان المنظر يتحلل. بروجس، قيل لي، كنت في بروجس. هل ذهبت أبدا إلي بروجس الميتة؟ حيث يتماوج الضباب بين الأبراج كأنه البخور الذي يحلم. مدينة رمادية، حزينة كأنها قبر عليه زهور الأقحوان حيث ينسدل الضباب تشقه واجهات المنازل كأنه سجف لها¢. هكذا يقدم أومبرتو إيكو شخصية يامبو بطل روايته الأخيرة ¢الشعلة الغامضة للملكة لوانا¢ التي صدرت عام 2004 بالإيطالية وظهرت لها ترجمات كثيرا خلال العامين الماضيين، ولم تترجم بعد إلي العربية.ولد إيكو في يناير عام 1932، في مدينة الإسكندرية الإيطالية التي تقع شرق تورينو وعلي بعد 90 كيلومترا من ميلانو. وطبيعة المنطقة الجبلية جعلت منها منطقة معزولة كأنها دولة مستقلة عن إيطاليا، تقترب في طباعها من فرنسا أكثر من تميزها بالسخونة الجنوبية التقليدية. والده جوليو إيكو كان يعمل محاسبا، ومحاربا خاض ثلاثة حروب، وجاء بدوره من أسرة تتكون من ثلاثة عشر طفلا. كان جد إيكو يزعم أنه لقيط وأن اسم إيكو أعطته له مصلحة الأحوال المدنية وقد يكون اختصارا حرفيا لكلمات ex caelis oblatus ومعناها ¢عطية السماء¢. كانت جدته تحب بورخيس، ومنها اكتسب حبه للمجرد. وما أن اشتعلت الحرب العالمية الثانية حتي انتقل إيكو الصغير مع أمه إلي إحدي قري الجبال حيث كان يشاهد الاشتباكات العسكرية بين الفاشيين وقوات المقاومة، وكانت هذه المعارك تثيره وكان يأسف لأنه أصغر من أن يشارك فيها، دون أن يدرك علي وجه التحديد إلي أي فريق سوف ينضم. وهذه الذكريات شكلت جزءا مما يشبه سيرته الذاتية التي شكلت إطار روايته الثانية ' بندول فوكو '.


حثه أبوه علي دراسة القانون، فالتحق بجامعة تورينو، ولكنه مثل جميع الذين أصابتهم حرفة الأدب، خرج علي رغبة أبيه ونقل نفسه إلي قسم فلسفة وأدب العصور الوسطي، وكتب رسالته عن توما الأكويني التي حصل بها علي درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1954. عمل بعد ذلك في الصحافة كمحرر للبرامج الثقافية في تليفزيون الدولة وهو المنصب الذي أعطاه الفرصة لكي يطلع علي الثقافة الحديثة من خلال الإعلام. وفي عام 1956 نشر أول كتبه الذي كان امتدادا لرسالة الدكتوراه وجاء بعنوان ¢المشكلة الجمالية عند سان توماس¢ ، وبدأ في نفس العام يكون شبكة من الأدباء والفنانين ما يزال الكثير منهم مرتبطا به حتي الآن. وفي عام 1959 نشر عمله الثاني وفقد عمله في التليفزيون الإيطالي. وجاء كتاب ¢تطور الجمال في العصور الوسطي¢ ليضعه بين كبار المفكرين المتخصصين في العصور الوسطي ولكي يقنع والده بأنه اختار الخيار الصحيح. وفي نفس العام الذي فقد فيه عمله في التليفزيون استطاع أن يعمل في دار نشر بومبياني الشهيرة في قسم الأعمال غير القصصية، وظل في هذه المنصب حتي عام 1975 وفي نفس الوقت عمل بالتدريس في الجامعات المختلفة. وفي عام 1959 بدأ أيضا يكتب عامودا بعنوان ¢اليوميات الصغري¢ في مجلة ¢فيري¢ والتي كانت مخصصة للأعمال الطليعية، ووجد إيكو في هذا العامود فرصة لكي يظهر موهبته في الكتابة الساخرة. خلال هذه السنوات طور إيكو فكرته عن السيميائية أو السيميوطيقا أو علم العلامات وكتب عنها العديد من الدراسات توجها بكتابه عام 1962 بعنوان ¢العمل المفتوح¢. وفي الأعوام التالية انتشرت كتابات إيكو في الصحف الإيطالية الكبري مثل إلجورنو ولاستامبا وكورييري ديللا سيرا. وفي عام 1964 انتقل إلي ميلانو حيث عمل محاضرا ، وبعدها بعام انتخب أستاذا للاتصال البصري في فلورنسا. وانتقل عام 1966 إلي ميلانو ليعمل أستاذا للسيميوطيقا حيث استغل الفرصة لكي يطور نظريته الخاصة في السيميوطيقا ونشر كتابه عام 1968 بعنوان ¢البنية الغائبة¢ والذي نشر فيما بعد بعنوان ¢نظرية في السيميوطيقا¢ عام 1977. بعد ذلك أكد إيكو نفسه كعالم سيميوطيقي في أقدم الجامعات الأوروبية وهي جامعة بولونيا، وذاع صيته في العالم في هذا العلم. أما في الرواية فقد بدأ عام 1978 في كتابة روايته الأولي ¢اسم الوردة¢ وتدور أحداثها في العصور الوسطي، وأراد إيكو لهذه الرواية أن تكون مقروءة علي عدة مستويات من التفسير ولهذا غير اسمها من ¢جريمة قتل في الدير¢ حتي لا تركز علي غموض الأحداث، وإنما تصبح نصا مفتوحا مركبا ملغزا ومفتوحا لطبقات مختلفة من التفسير. ونشرت هذه الرواية عام 1980 وأثارت علي الفور ضجة نقدية وقدمت إيكو للعالم غير الأكاديمي،حقق عمله الروائي الأول انتشارا عالميا، حتي أنه ترجم إلي العربية ثلاث مرات في مدة قصيرة.


وتوالت أعمال إيكو فكانت روايته التالية ¢بندول فوكو¢ عام 1988 وهي الرواية التي رسخت مكانته كأحد أهم الروائيين العالميين. أما رواية ¢جزيرة اليوم السابق¢ فهي رواية ¢مفاهيم¢ حول الكتابة عن الطبيعة.
روايته الأخيرة والتي رأيت لعنوانها ترجمة بالعربية هي ¢النداء الغامض للملكة لوانا¢ والحقيقة هي أن العنوان الأصلي وعنوان الترجمة الإنجليزية تدل علي أنه ¢الشعلة¢ أو ¢جذوة النار¢ وربما كان معني النداء مستترا ولكنني أفضل نقل العنوان كما أراده المؤلف وهو ¢الشعلة الغامضة للملكة لوانا¢. وتقدم هذه الرواية الشخصية الرئيسية يامبو الذي خرج لتوه من غيبوبة ولكنه لا يستطيع أن يميز جيدا مكان وجوده. وما تزال عينه مغطاة بغشاوة غامضة تمنعه من تمييز صور الشخصيات من حوله. وشيئا فشيئا يستعيد حواسه ويستطيع أن يميز كل شيء تمييزا جيدا. يتعرف علي الرجل الذي يرتدي الأبيض ويقف أمامه علي أنه طبيب، وأنه موجود في مستشفي لا يعرف كيف وصل إليها. باختصار ينجح في التعرف علي مظاهر الحياة اليومية العادية. ولكنه علي السؤال اللحوح ¢ما أسمك؟¢ يرد يامبو: ¢انتظر انتظر، إنه علي طرف لساني¢.
إن مشكلته هي أنه لم يعد يحتفظ بأي ذكري عن نفسه: الاسم، ما اسمه، وما اسم أبويه، وهل هو متزوج ومن هي زوجته، وهل لديه أولاد. إن الحادث الذي تعرض له حفظ له ذاكرته التي تسمي بالذاكر السيمانطيقية علي حساب ذاكرة السيرة الذاتية. تجري في ذهنه كمية كبيرة من الأقوال المأخوذة من كم هائل من الأعمال الأدبية (الحقيقة أنه يعمل بائع كتب قديمة وخاصة الطبعات الأولي للأعمال الكبيرة والنادرة). ومن أجل حل هذه المشكلة يستمع يامبو إلي نصيحة زوجته ويقرر أن يسافر إلي سولارا وهي البلد التي قضي فيها طفولته علي أمل أن يعثر علي ذاكرته ويتذكر شيئا من ماضيه بين الكتب التي قرأها والأسطوانات التي استمع إليها والأماكن التي كان يقصدها وهو صغير يوميا في سنوات البراءة. ولكن للأسف لم يمكن عمل شيء، فلم يستطع أن يزيح الغشاوة عن عينيه لكي يري ماضيه واضحا.
وفيما يستمر بحثه عن الزمن المفقود تقع بين يديه مطوية شكسبير الأولي التي ظهرت عام 1632 ولأنه بائع الكتب المغرم بالكتب القديمة فقد هزه العثور علي هذه المطوية انفعاليا لدرجة جعلت ضغط الدم يرتفع عنده فجأة فيدخل في الغيبوبة من جديد. وفي حالته الجديدة ينجح في إعادة بناء ماضيه بخلط الحياة التي عاشها مع الأدب الذي قرأه، الماضي كله إلا شيئا واحدا. فعندما كان صغيرا في سنوات الدراسة أحب فتاة جميلة اسمها ليلا، ولم ينجح في تذكر أي شيء عنها. الآن وقد عاد إليه ماضيه كله لم يبق سوي هذه الفقرة الهامة وهي أن يعود إلي تذكر ليلا ويطلب من الملكة لوانا التي يمكنها بشعلتها الغامضة أن تعيد أي شيء في الحياة. فهل تستطيع؟


ويحتفظ إيكو في هذه الرواية بأحد المعالم الهامة لفنه الروائي وهو أن القارئ يجد نفسه في موقف معروف مسبقا ويطل منه الماضي شيئا فشيئا مع تطور الأحداث. ويقول إيكو ¢إنه يؤدي التقنية المعاكسة تماما لتقنية ¢التغريب¢ أي أنه يجعل القارئ يألف الأماكن والشخصيات التي يتحدث عنها ويقرب إليه أماكن بعيدة في العصور الوسطي، حتي تصبح مألوفة لديه. أما ما هو مختلف عن الروايات الأربع السابقة له فهو أنه يجري الأحداث لأول مرة في العصر الحديث، وليس كما تعود في العصور الوسطي. ولكن الأهم في رأينا أن هذه الرواية التي أعلن إيكو إنها قد تكون آخر رواياته فيها معالم من السيميوطيقا التي برع فيها المؤلف، فالصورة جزء لا يتجزأ من الرواية، فسوف تجد لوحات في الرواية تعتبر بديلا للكلام، أي أنه يستبدل نظاما للرموز بنظام آخر، وكلاهما وسيلة تعبير مساوية للأخري، وهو ما يؤكد مفهومه علي إمكان الترجمة بين نظم العلامات المختلفة، فمن الممكن تحويل قصيدة إلي سيمفونية، أو رواية إلي فيلم سينمائي. كذلك نري في الرواية اعتمادا علي مظهر هام من مظاهر علم النص وهو الإحالة المستمرة إلي نصوص سابقة، أو ما يعرف باسم التبادلية النصية ¢intretextuality¢ . وهذا يعني أن إيكو في هذه الرواية يقدم لنا نفسه خير تقديم، فهو الفنان الروائي والعالم والفليسوف، وربما كان علي حق في اعتبارها آخر رواياته، علي الأقل من حيث اكتمالها وقدرتها علي تمثيل شخصية إيكو الحقيقية.
|
|
|
|