دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -675ه - العدد1427جمادي الأوليمن22- م2006يونيو من18 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:26:54 ك الساعة - 17/06/2006 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
جدارية علي حائط مائل
خليل صويلح
كيف لرواية عربية ترزح تحت وطأة محرمات بالجملة،أن تنتهك اللغة والخطاب السائد،ثم تعلن عري فضاءاتها،من دون أن تواجه باتهامات ونفي وإقصاء؟
ثم ماهي استراتيجية الرواية المضادة،وهي تتأرجح في زئبق اللغة،كي لا تقع متلبسة في الجريمة الكاملة؟
وهل للرواية العربية سلطة حقا؟
أسئلة تتناهبها هواجس الاختلاف،ونبش السرد المضاد،هذا السرد الذي هو جوهر الرواية المضادة ومبتغاها البلاغي والجمالي.السرد الذي يؤكد علي سباحة ضد التيار،واكتشاف جزر مجهولة في سيرورة الحكي،والإطاحة بالمتوقع والمنجز،في سبيل فتح ثغرات داخل حقل ألغام اللغة وقدسيتها،وكيفية أن نطهو اليومي والعابر بتوابل حريٌفة،تزعزع شروط اللعبة التقليدية،طالما أن هذا اليومي والعابر يفرض وجوده خارج النص بمقترحات لا تحصي.
تحتاج الرواية المضادة في اللحظة الاستبدادية التي نعيش،إلي لغة استبدادية مماثلة،تواكب أنواع الاستبداد:استبداد الصورة،واستبداد الجسد،واستبداد العبودية،واستبداد القبيلة،بمهارة في اللعب والمراوغة،ومراقبة الحشود من زاوية نظر واسعة الطيف،في سعي حتمي للهتك المعرفي والحياتي واللغوي،خصوصا إن حياتنا اليوم تقترح لحظة مضادة للملمة شظايا زجاج مغبش بالاحتمالات.فروائي اليوم ينبغي أن يعلن ضجرا صريحا من سردية طال أمدها.سردية تناوش صورة الأب المقدسة المعلٌقة في غرفة الضيوف،وما علي هذا الروائي سوي اختبار غبار الصورة،وربما تحطيم الإطار،وتشكيل سرد آخر،ينهض علي آليات أخري،تقترحها بل عناء،معطيات بالجملة،تقنية وحكائية،من دون وهم ايديلوجي.
ولعل ما يدعو للدهشة حقا ،أن يذهب الروائي إلي نصه بعدة قديمة،متجاهلا سطوة الآن،فهو ينظر إلي نفسه في المرآة كل يوم،ثم يكتب سيرة أخري.يتلقي بريده الالكتروني من قارة أخري،ويكتفي بما يشاهده من نافذته المواربة وشارعه الضيٌق.
لا تحتاج الصورة الفوتوغرافية اليوم إلي تظهير وغرفة مظلمة،إنما إلي ضغطة واحدة علي عدسة الديجيتال لتوثيق لحظته،وأمر واحد لإرسال بريده الالكتروني،فلماذا يتلكأ هذا الروائي حين يختلي بنصه،وكأنه يكتب بريشة مصنوعة من جناح نسر،وحبر من شقائق النعمان،عن وقائع فقدت صلاحيتها منذ زمن.
علي النص المضاد أن يختبر كل هذه العناصر،ويجترح سرديته ومدونته من فضاء متجدد علي الدوام وبكارة سردية متوهجة.
لا يرتبك باولو كويلهو في كتابة رواية من نوع"إحدي عشرة دقيقة"،فلن يتهمه أحد بتمجيد البورنوغرافيا،فيما لا يزال الروائي العربي يتردد في استعمال ضمير المتكلم،فسوف يتهم بشكل ما ،بما هو سيروي صرف،في أكبر عملية تنكيل في المخيٌلة.
كان عبد الرحمن منيف قد أنجز"قصة حب مجوسية" كأول عمل روائي له،لكنه تردد في نشرها أولا،حتي لا يتهم بأنه يكتب في لذة العشق والافتتان بغواية الجسد،مفضلا أن يقدم نصا آخر أكثر رصانة،يليق بتاريخه النضالي هو"الأشجار واغتيال مرزوق"،ذلك إن كتابة رواية مضادة،تضع الروائي العربي في موقع المساءلة والنبذ المعيشي والنقدي إلا فيما ندر،فنحن لم نستقبل عمل محمد شكري "الخبز الحافي"إلا بعد طبعته الفرنسية،واليوم صارت الرواية ذاتها عملا كلاسيكيا،من دون أن نتجاهل فضيلتها في هتك محرمات كثيرة،ومساهمتها في فتح الباب علي مصراعيه أمام نصوص المكاشفة العربية اللاحقة.
ولكن هل هناك رواية مضادة علي الدوام؟
حين قرأنا"شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف،قبل ربع قرن،كانت رواية مضادة بحق،في اقتحامها مناخات جديدة وفضاءات كتيمة،غير أن النسخة الثانية منها"شرق المتوسط مرة أخري"،لم تحقق بهجة التلقي ذاتها،ربما بسبب انكفاء اللحظة الاستبدادية التي كتبت فيها،وتفكك آليات الاستبداد،بالمقارنة بما كان عليه الأمر،في حقبة الثمانينات،لحظة القراءة الأولي.
معاينة النصين الآن،تستدعي سياقا آخر،يؤكد أن كتابة تاريخ الاستبداد،من دون تفكيكه سرديا وسوسيلوجيا،لن يحقق رواية مضادة،خصوصا أن الروائي العربي يرغب باحتلال موقع المؤرخ وليس عالم الاجتماع.
استبداد النص الرسمي ومحاولة نسف الحيٌز الذي يحتله،وخلخلة الأرضية التي يستند إليها،هي مجال عمل الروائي الجديد واشتغالاته السردية والحكائية،حين يبدٌل بقصدية،مواصفات البطل واهتماماته الحياتية والوجدانية،ويعري نزواته وانحطاطه وعالمه السرٌي،فينشأ اللابطل كترجيع لجملة هزائم وانتكاسات متراكمة،إلي مشاركته في التفكير بصوت عال،بارتجالات لغوية وحلمية،كي لا يرتطم بفخاخ الواقع وشباكه.وهكذا فإن هذا البطل المجازي يسعي إلي تحطيم القفص الضيٌق الذي وجد نفسه بين قضبانه،ليذهب إلي حرية التسكع في مناطق لغوية وحكائية مجهولة،تقوم علي الاشتباك المباشر بالحدث،وتتخفف من إنشاء الوصف،وبهذا المعني فإنه يتمرد لغويا في الدرجة الأولي،كي لا يغوص في الوحل أكثر.وكأن الرواية العربية الجديدة،في بعض نماذجها المضادة،تسعي إلي الاستفادة من ثراء جماليات قصيدة النثر،في تجوالها الطليق بين حقول كثيرة،بصرية وذهنية،تؤكد علي سينوغرافيا لغوية،تضيء المناطق الخصوصية المعتمة،وتمجٌد اللحظة العابرة،اللحظة المتشظية،في انفلاتها ،قبل أن تدخل في الهباء والعادة،لحظات متجاورة،هي في المآل الأخير،جدارية ضخمة يسندها حائط مائل.
قدمت هذه الشهادة في ندوة"سلطة التخييل الروائي"في باريس

غياب أحمد عبدالله
الفتي النحيل ذو الكوفية في شتاء الغضب
محمود الورداني
عندما دخلت سرادق عزاء أحمد عبدالله الأسبوع الماضي هالني عدد الواقفين ممن يأخذون العزاء، كما هالني هذا العدد الضخم من المعزين الذين توافدوا واستمروا جالسين معا حتي بعد انتهاء العزاء. لم يكن هؤلاء مجايليه فقط من أبناء الحركة الطلابية عام 1972، كان هناك فنانون وقضاة ويساريون وشباب قدامي بل ووزراء سابقون في حكومات قمعية.
في السنوات الأخيرة اختار أحمد عبدالله أن يقتصر عمله علي مركز الجيل الذي أسسه وبناه في الحي الشعبي الذي ولد وعاش فيه­ عين الصيرة­ ثم ترشح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عن الحي ذاته، بالطبع ليس من أجل النجاح، فالنجاح محسوم سلفا واللعبة البرلمانية لا تحتاج لذكاء شديد، وكل شيء سابق التجهيز كما هو معروف، ولكن لأنه تأكد أن العمل مع أهلنا وناسنا هو ما سوف يبقي وينمو.
لا يمكن نسيان هذا الفتي البالغ النحول في تلك الليالي الشتوية القارسة من يناير عام 1972 عندما اندلعت الحركة الطلابية إثر خطاب الضباب الشهير، والذي أعلن فيه السادات تعذر تنفيذ الوعد الذي طنطن به في العام الفائت وهو تحرير سيناء سلما أو حربا، لم يستغرق الأمر إلا أياما قليلة جدا فالجميع مجروحون من استمرار الاحتلال خمس سنوات، وقبضة الدولة القمعية تزداد قمعا في الصحافة والإعلام والشارع، ولا بصيص أمل من أي نوع. وإذا كانت الحركة قد اندلعت في جامعة القاهرة، إلا أنها ما لبثت ان امتدت إلي سائر الجامعات.
في هذا الجو ظهر الفتي البالغ النحول أحمد عبدالله بكوفيته (لا أذكر جيدا ما إذا كانت حمراء أم زرقاء) إلا أنها كانت 'شغل يد' . كان يمتلك كاريزما خاصة، ليست كاريزما الزعماء العمالقة المفتونين بأنفسهم، بل هو واحد مثل سائر زملائه وفي تلك السن التي يتشابه فيها الجميع، كل ما في الأمر أن عقله حاضر ومرتب دائما وقادر علي أسر الناس عندما يتحدث أو يخطب. كان يملك شيئا ما عصيا علي الوصف: مزيج من الحدة والصدق والضيق والرهافة وسرعة الاستجابة والإحساس بالآخرين.
وعندما تقرر تشكيل لجنة وطنية عليا للطلاب تقود الحركة، اختار الطلاب أن تكون بالانتخاب، وتم انتخاب الفتي النحيل بكوفيته الشهيرة أمينا للجنة الوطنية العليا للطلاب، والتي أعادت للأذهان ذكري انتفاضة 1946 وقد بدأها الطلاب أيضا احتجاجا علي الاحتلال والملك، ثم انضم إليها العمال لتتشكل لجنة وطنية عليا للطلبة والعمال، وهو ما كان يجري الإعداد له بالفعل عام .1972
كان غريبا أن أشاهد بعيني أحداثا تشبه أحداثا قرأت عنها، والأغرب هو هذا الغضب النبيل الذي شمل الجميع، فهذا البلد بلدنا وعلينا أن نحدد مستقبله، لذلك جاءت الوثيقة الأولي التي تضمنت تساؤلات في جانب منها، ومطالب في الجانب الآخر تطرح وتناقش مستقبل الوطن، ويمكنني أن أقول باطمئنان أن المطالب الواردة في هذه الوثيقة مازالت حتي هذه اللحظة وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما صالحة، فلم يتحقق منها إلا القليل، ناهيك بالطبع عن المطالب التي استجدت وما أكثرها!
الوثيقة الأولي­ والتي انتهت بذلك الشعار النبيل: كل الديمقراطية للشعب.. كل التفاني للوطن مثل سائر البيانات والوثائق التي أصدرتها حركة 1972 وجهت للحكم والشعب معا فقد اعتبر هؤلاء الطلاب أنفسهم منذ الخطة الأولي معبرين عن أهلهم وناسهم، فطرحوا قضايا الوطن الكبري: الاحتلال والديمقراطية والاقتصاد والعلاقات الدولية والحرب الشعبية، ولم يتطرقوا من قريب أو بعيد لأي قضايا تخصهم بوصفهم مجرد طلاب علم.
في هذا الجو ظهر أحمد عبدالله، وواجه مع رفاقه من أعضاء اللجنة الوطنية العليا هذا الاختبار الصعب: قيادة حركة تتسع كل ساعة وليس كل يوم وتتزايد أعباؤها التي تتطلب ضرورة اتخاذ قرارات سريعة، لأن رجال الحكم سرعان ما توافدوا. أعضاء في البرلمان والاتحاد الاشتراكي ووزراء وكوادر أمنية ومسئولون كبار كانت مهمتهم كيف يخدعون هؤلاء العيال الصغار لينهوا هذا العبث والمظاهرات ومجلات الحائط، لكنهم فوجئوا بما لم يتوقعوه مطلقا، وهو أن هؤلاء العيال الذين يقف علي رأسهم هذا الولد النحيل علي قدر كبير من الصلابة والفهم والمناقشة واتخاذ القرار.
كان جموع الطلاب قد فتحوا لحسابهم القاعة الكبري، قاعة جمال عبدالناصر التي كان مغلقة علي الدوام ولا تفتح إلا بأمر عال، وجرت فيها انتخابات اللجنة الوطنية العليا، وهي انتخابات علنية وشفافة بطبيعة الحال، وانتخب الجميع هذا الولد النحيل، كما استخدمت المطبعة و الورق الموجود في طباعة البيانات والوثائق التي توالت.. وعندما فشلت المفاوضات مع الحكم لنشر البيان الأساسي، وتأكد للجميع أن الأمر لا يعدو أن يكون تسويفا وتأجيلا حتي يهدأ الجو ويتعب هؤلاء العيال، طرح أحمد عبدالله واللجنة أن نعتصم في القاعة ذاتها حتي تتم الاستجابة لمطالبنا، ووافق الآلاف علي القرار.
أمكنني أثناء الاعتصام أن أتعرف علي أحمد عبدالله عن قرب وعرفت سبب الإجماع المنعقد عليه، وعرفت أيضا أنه يستحق هذا الإجماع، كان يمتلك صدقا وإصرارا وتجردا وإيمانا بالقضايا التي يدافع عنها، وعندما بدأت الحرب القذرة بإطلاق الإشاعات أن الأمن ألقي القبض علي والد أحمد عبدالله أو أنهم هاجموا بيته، وقف أحمد صامدا، وعندما أطلقوا شائعات أخري أن السادات سوف يلتقي بالطلاب بشرط إنهاء الاعتصام، رفض أحمد واللجنة وكل المعتصمين فض الاعتصام وأن يأتي السادات­ إذا كان يريد­ وهم معتصمون.
ليلاحظ القارئ أنني أتحدث عن عام 1972 حيث كانت الأمور مختلفة بالتأكيد، وكان ما فعلناه أقرب للجنون، غير أنه جنون نبيل ويليق بوطن جري ويجري انتهاكه أمام عيوننا لسنوات وسنوات.
لم يكن لأحد من أعضاء اللجنة أو جموع الطلاب سابق خبرة بما فرض فرضا من أحداث تتزايد سرعتها وتتعقد وتحاك حولها مؤامرات صغيرة وكبيرة وتطلق الإشاعات لشق الصفوف، أثناء النهار كان الاعتصام يضم آلافا من المشاركين، وبسبب تعقد المفاوضات بين الطلاب وممثلي الرئيس سرت إشاعة أنهم سيرسلون مخربين لإنهاء الاعتصام بأي شكل، فوقف عدد من الطلاب علي البوابة للحراسة والتأكد من الداخلين، وعندما يحل الليل في برد يناير القارس كان عدد كبير يفضل النوم في البيوت، ويظل الباقون في الاعتصام ومن بينهم بالطبع أعضاء اللجنة العليا خصوصا بعد أن سرت اشاعات أخري أن الأمن سيختطف البعض.
أشهد أن أحمد عبدالله علي وجه الخصوص كان قائدا كفؤا، ومختلفا وقادرا علي استشعار النبض الحقيقي، ليس لأنه مات أو لأنني حزين لأنه غادرنا مبكرا شأن كثير من أبناء هذا الجيل­ أقربهم تيمور الملواني وآروي صالح علي سبيل المثال­ بل لأنه بالفعل أثبت في أقسي اللحظات ثباتا نادرا كما سوف يتضح.
كان الاعتصام قد طال حتي 23 يناير، والمفاوضات تتعثر حتي وصلت إلي ما يشبه الطريق المسدود، لأن الحكم لم يكن ينوي أصلا أن يحقق أي مطلب، لكنه يعتمد سياسة الإنهاك المستمر والوعود التي يتملص منها وإطلاق الشائعات حتي وصلت الأمور إلي وعد نهائي وقاطع: غدا ستذاع الوثيقة الطلابية في الإذاعة والتليفزيون وتنشر في الصحف ثم يأتي الرئيس ليجيب بنفسه علي التساؤلات ، وفي الفجر اقتحمت مصفحات الشرطة وقوات الأمن المركزي البوابة الرئيسية للجامعة. علمنا بوصولهم قبل اقتحامهم قاعة جمال عبدالناصر، فقد كان هناك حراس دائمون من الطلاب علي البوابة الرئيسية وأسرعوا بإبلاغنا الاقتحام الذي جري في الفجر.
كان من السهل جدا أن تحدث مجزرة تعد لها قوات الأمن، فالفوضي التي تعقب اقتحامهم والتصدي لهم والاشتباك معهم سوف تؤدي بلا شك إلي سقوط قتلي وجرحي من الطلاب المنهكين العزل والذين استمر اعتصامهم المتوتر عدة ليال، لحسن الحظ كان كثير من المعتصمين يعودون إلي بيوتهم في الليل ثم يواصلون اعتصامهم في الصباح، لذلك لم يكن العدد يتجاوز ألفا من الطلاب من جامعات مختلفة. لكن الألف أيضا ليس بالعدد القليل والسيطرة عليهم وهم في هذه الحالة من التوتر ليس سهلا، كان القرار الذي ينبغي اتخاذه في تلك اللحظات القليلة بين إبلاغ الاعتصام باقتحام البوابة الرئيسية، ووصول القوات إلي قاعة جمال عبدالناصر ليس سهلا علي الإطلاق، فلا وقت للمناقشة أو التداول أو التصويت، وكان البعض قد استعد بالفعل للاشتباك بينما خاف البعض الآخر­ وهو أمر طبيعي­ في تلك اللحظات القليلة هرع أعضاء اللجنة إلي المسرح ليطالبوا المعتصمين بالهدوء والتزام أماكنهم وأمسك أحمد عبدالله بالميكروفون وراح يهدئ الجميع طالبا منهم ألا يغادر أحد مكانه، ثم سمعنا أصوات الاقتحام لأبواب القاعة الخارجية، ثم الداخلية وتوقف الضباط المسلحون بالرشاشات والجنود القابضون علي بجلط كانوا قد اقتحموا بها الأبواب لتوهم علي البوابات الداخلية متأهبين للانقضاض، لكنهم فوجئوا بأن هؤلاء الذين يقترب عددهم من الألف ثابتين في أماكنهم ولم يتحرك أحد فأسقط في أيديهم.
كان أحمد عبدالله مازال ممسكا بالميكروفون يدعو زملاءه للهدوء، ومن الخلف سمعنا صوتا أجش في ميكروفون آخر يقول إن وجودنا غير قانوني وعلينا أن نغادر القاعة لنركب سيارات معدة في الخارج، حاول أحمد عبدالله أن يحصل أولا علي ما يفيد خروجنا سلميا حتي لا يتم الاعتداء علينا في الخارج وصاح في الميكروفون يطلب ورقة من قائد القوة تفيد أنه تم فض الاعتصام سلميا لكن قائد القوة رفض، فعاد يسأله إذن إلي أين ستذهبون بنا، فأجابه قائد القوة ان الجامعة بكاملها محاصرة وعلينا الامتثال وإلا فإن لديه أوامر بإجبارنا علي الامتثال، وبعد محاولات من أحمد عبدالله (كان هو وأعضاء اللجنة يقفون علي المسرح وقائد القوة مختف علي الباب الداخلي نسمع صوته الأجش في الميكروفون فقط) لم تسفر عن شيء، طلب من قائد القوة أن يتيح للجنة تنظيم الخروج ومغادرة القاعة حتي لا تحدث أي مصادمات.
في تلك اللحظات تبينت معدن أحمد عبدالله الحقيقي وثباته وقدرته علي الحسم. ووقف أحمد وزملاؤه: سهام صبري وأحمد بهاء الدين شعبان وثناء عبدالعزيز وزين العابدين فؤاد وغيرهم وغيرهن بثبات نادر ينظمون الطوابير الخارجة ويعانقون كل من يخطو خارج الباب إلي برد يناير القارس في فجر 24 يناير في طابور طويل طويل يمتد من أبواب قاعة جمال عبدالناصر حتي السور الخارجي للجامعة بين صفين من جنود الأمن المركزي، ونحن نصفر­ بعد أن منعوا الهتاف­ نشيد بلادي بلادي. ثم ركبنا لوريات الأمن المركزي الحديثة جدا كأنهم استوردوها الآن فقط، وانطلق طابور طويل من اللوريات في الفجر إلي أحد المعسكرات في الدراسة حيث اكتشفنا اختفاء أعضاء اللجنة الوطنية، ظللنا هناك حتي أول الليل، حيث انطلقوا بنا مرة أخري إلي معهد أمناء الشرطة بحلوان الذي استضافنا عدة أيام أخري، بينما سججن أحمد عبدالله ورفاقه من اللجنة الوطنية بمعتقل القلعة.
تذكرت كل هذا وأنا جالس في السرادق المزدحم، انظر في وجوه أصدقائي وأبناء جيلي فأري نفسي كهلا مثلهم، خابت آمال وأحلام الكثير منا في وطن عادل وحر، وها نحن نودع واحدا منا لعله كان أفضلنا، فقد حصل علي الدكتوراه من واحدة من كبريات جامعات العالم­ كامبريدج­ وعلي الرغم من الفرص العديدة التي أتيحت له للعمل أستاذا جامعيا في أي جامعة أوروبية، إلا أنه فضٌل أن يبقي هنا مع أهله وناسه في عين الصيرة.. وداعا يا أحمد.







في الليلة التالية كنت أجلس في نفس القاعة معزيا في المناضل الكبير الراحل يوسف درويش الذي قضي ثمانين عاما من عمره البالغ 96 عاما يحلم بوطن عادل وحر أيضا، يناضل من أجله كواحد من أقدم المحامين الذين يتولون قضايا العمال، وأحد كبار المناضلين في صفوف المنظمات الشيوعية، وعلي مدي ثمانين عاما لم يتوقف ولم يهن علي الرغم من سنوات الاعتقال الدامي.
لم أشرف بلقاء الراحل يوسف درويش مطلقا لكنني أعرف قدره وأعرف الدور الذي لعبه، وأعلم جيدا أن هذا الشيخ الجليل­ وهو في هذه السن­ كان يتعرض كلما سافر للخارج لاستجوابات طويلة وسخيفة من الأمن، فما الذي يمكن أن يفعله شيخ في السادسة والتسعين وما الخطر الذي يمثله؟
لفت نظري العدد القليل من المعزين في السرادق وغياب رموز اليسار الكبار، فسألت نفسي هل الخلافات القديمة مازالت قائمة بعد نصف قرن من الحل؟!
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: