|
|
| السنة - | 676 | ه - العدد | 1427 | جمادي الأولي | من | 29 | - م | 2006 | يونيو | من | 25 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:52:00 ك |
 |
الساعة - |
 |
24/06/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
في وداع الهلالي:
الحب يليق بالرجل النبيل
محمود الورداني
الحداد لا يليق بمحبي نبيل الهلالي، لذلك كان أغلبهم يحملون ورودا ولافتات ويهتفون في جنازة تحولت إلي مظاهرة (لم يتعرض لها الأمن هذه المرة!)، لقد أحسست بما يشبه الفرح لأن الهلالي فعل كل هذا: عاش حياته كما اختار وكما أراد
ليس الحزن وحده هو ما كان يشعر به المئات الذين شيعوا جنازة نبيل الهلالي.. أظن أنه أيضا الفخر والإعزاز والاحترام لرجل اختار حياته وطريقه علي مدي ثمانين عاما. لا يملك نبيل الهلالي شيئا وليس هناك مصالح بينه وبين أحد، ومع ذلك تدافع المئات نحو جامع عمر مكرم وحوٌلوا جنازته إلي مظاهرة يهتفون فيها من أجل الوطن الذي نذر نبيل الهلالي حياته من أجله، ماركسيون وناصريون وليبراليون وإخوان وتيارات إسلامية أخري.. كل هؤلاء تدافعوا شبابهم وشيوخهم نحو الجنازة دون أن يدعهم أحد ودون أن يعرفوا نبيل الهلالي شخصيا.
الحداد لا يليق بمحبي نبيل الهلالي، لذلك كان أغلبهم يحملون ورودا ولافتات ويهتفون في جنازة تحولت إلي مظاهرة (لم يتعرض لها الأمن هذه المرة!)، لقد أحسست بما يشبه الفرح لأن الهلالي فعل كل هذا: عاش حياته كما اختار وكما أراد . دافع عمن رأي أنهم يستحقون الدفاع وسبح ضد التيار في كل اختياراته سواء ضد الطبقة التي انتمي إليها بحكم الميلاد أو في عمله كمحام ومناضل سياسي يكفيه أنه مات وهو يمارس حريته ويناضل كما اختار.
من الصعب أن تجد جنازة كل من شارك فيها، شارك بمحبة حقيقية واحترام لقيمة كبري عاشت شامخة بحق وفي نكران ذات يليق بنبلاء من هذا الطراز النادر.
وعلي الرغم من شهرته، إلا أنني عجزت عن العثور علي مادة من أجل الكتابة عنه، فالرجل الذي كان قامة قانونية بارزة، بل هو أحد كبار هذه القامات، لم يترك إلا كتابه الأخير 'اليسار الشيوعي المفتري عليه' حول علاقة اليسار بالقضية الفلسطينية، وكتاب آخر أظن أنه تضمن مرافعة مهمة له صدر منذ عدة سنوات، وعندما بحثت في الأرشيف لم أجد في ملفه إلا عرضا لكتابه الأول كنت قد نشرته في أخبار الأدب وحوارا قصيرا في الأهالي في 18/8/..1993 فقط لا غير.. وعندما بحثت عنه علي (النت) لم أجد إلا نتفا قليلة جدا إذا ذكر أحد اسمه في مقال مثلا.
لم يكن نكران الذات إذن لدي الهلالي مسألة عابرة، وعندما اتصلت بالمناضل الكبير فخري لبيب لأعزيه فاجأني بأنه يعاني من نفس المشكلة، فالهلالي كان حريصا علي ألا يتحدث كثيرا عن نفسه، وجرت محاولات عديدة من أجل تسجيل شهادة معه، وحاولت عشرات الصحف والفضائيات ومراكز الأبحاث وغيرها، إلا أنه كان يعتبر أن ما قام به مسائل شخصية لا يجوز الطنطنة حولها.
كان مشيعو الهلالي يتبادلون العزاء فيما بينهم، ليس هناك من كان يأخذ العزاء، كما جرت العادة، الجميع واقفون في وقدة الشمس يتبادلون الأحضان ينتظرون جثمانه الملفوف في علم مصر، اختطف الشباب نعش الهلالي وساروا في المقدمة ووراءه المئات يهتفون من أجل القيم والمعاني التي دافع عنها الهلالي. ينتمي هؤلاء الذين كانوا وراءه لكل الأجيال من النساء والرجال، مثلما ينتمون لكل الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية في هذا الوطن.
لذلك لم أكن حزينا وأنا أسير وراء نعشه والأعلام واللافتات والناس والشباب والشابات والهتافات تحيط بي.
كنت أقول لنفسي إن نبيل الهلالي سبق أن دافع عن أغلب هؤلاء الذين يسيرون وراءه في أروقة المحاكم مرتديا روبه الأسود وصوته يجلجل مدافعا عن حقوق الطبقة العاملة وعن الحق في التنظيم المستقل وعن حرية التعبير، وله في عنقي أنا شخصيا فضل الدفاع عني عدة مرات.. بعد أن مات الهلالي أستطيع أن أقول دون أن أسبب له ضيقا أن كل القضايا العمالية والسياسية (وهي فقط القضايا التي كان يقبلها) لم يكن يتقاضي عنها أتعابا بل ويدفع رسومها من جيبه الخاص دون أن يعلم أحد، لم يكن هذا بدافع الإنسان بطبيعة الحال أو طبيعته الخيٌِرة، لا.. بل لأنه نبيل الهلالي الذي ليس مثله أحد مطلقا. وربما كانت خسارتنا في الهلالي أنه فريد ووحيد ولن نستطيع تعويضه.
كنت أحيانا ألقاه مصادفة في مترو الأنفاق أو في الشارع، في طريقه لمكتبه أو للمحكمة، وفيما بينهما كان يجد الوقت للعكوف علي كتابة مرافعاته التي كانت في حد ذاتها مثالا رفيعا علي الإمكانات التي تنطوي عليها الثقافة السياسية، كما كان يجد الوقت أيضا لممارسة النضال السياسي في حزبه.. وعندما نتجاذب أطراف الحديث قليلا، كان يصبر حتي إذا اقتربت من التغني بفضائله علي الجميع، انسل من أمامي خجولا معتذرا بأن وراءه جلسة في المحكمة حتي لو كنا في الليل!
هل أقول لمن لا يعرف انه كان ابن نجيب الهلالي باشا رئيس وزراء مصر الأسبق، وأنه اختار الارتباط بالفقراء والعمال والدفاع عن مصالحهم وبالتالي اختار الاعتقال والتعذيب والنفي لسنوات طوال.. هل أقول إنه لم يدافع في حياته إلا عن القضايا التي يؤمن بها، وعلي الأخص قضايا الحريات، كان وهو المحامي الشيوعي يدافع عن الإسلاميين والطلاب والعمال بنفس الحماس والحمية، لذلك تمتع باحترام الجميع بما في ذلك القضاة الذين كان يترافع أمامهم.
وأخيرا.. كانت الجنازة بحق تليق بالهلالي وكان مشيعوه يليقون به ويليق هو بهم.. وداعا أيها القديس.
|
|
|
|