|
|
| السنة - | 676 | ه - العدد | 1427 | جمادي الأولي | من | 29 | - م | 2006 | يونيو | من | 25 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:47:04 ك |
 |
الساعة - |
 |
24/06/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ضواحي الفضفضة |
 |
|
|
محمد مستجاب.. الراحلون في الوجدان
محمد الراوي
في يوم 2/11/1977 اتصل بي محمد مستجاب في السويس وقال لي كلمة واحدة (تعال) انتابتني الدهشة، فقد كنت في القاهرة لمدة أربعة أيام حتي يوم 1/11 أي قبل مكالمة مستجاب بيوم واحد، قلت له: ماذا حدث؟ قال (ضياء الشرقاوي مات.. تعال). كيف؟ وقد كنت معه طوال الأيام الأربعة وكانت إقامتي خلال تلك الفترة معه هو وأسرته في بيته، مما دفع زوجته بعد الجنازة أن تجذبني من كتفي وتدمدم بصوت مكتوم هستيري: كنت تعرف.. كنتما تعرفان وتودعان (بعضكما) لم يحدث من قبل أن أقمت عندنا ثلاث ليال كاملة.
لكن عندما مات مستجاب لم يتصل بي ليقول لي (تعالي.. أنا مت)، ربما فضل ألا يكرر كلمة تعال وتركني لأقرأ خبر رحيله في الصحف كأقصوصة تتزين بأسلوبه الساخر في كل شيء، حتي من نفسه، حتي في حالة موته، وأقعدتني الصدمة والحزن والاكتئاب عن السفر إليه.. علي الأقل لتعزية السيدة العظيمة زوجته التي عاشت مع مستجاب حلو الحياة ومرها، وعلي الأقل أن تتاح لي فرصة تأمل ملامح أحمد وسوسن منذ تركتهما أطفالا.
محمد مستجاب كالجمل، لم ينس الطريقة المفاجئة التي مات بها ضياء فرد علي رحيله المفاجئ عام 1977 برحيل مفاجئ مماثل عام 2005، فهما من مواليد عام واحد 1938، مستجاب ولد في شهر يوليو في نفس العام الذي ولد فيه ضياء في شهر أبريل، ولم يتركا لي فرصة مفاجأتهما لأنها ستكون نمرة بايخة ومستهلكة، ولم أكن أتصور أن مستجاب سيتركني وحيدا مثلما فعل ضياء، مع عشرات المشاهد والمواقف خلال التحامنا الإنساني والأدبي، ليهرب هو بجسده ويتركني للشقاء، فلو كانت لي أهمية ما لما بقيت حيا حتي الآن.
مستجاب الذي كان يوقظني من النوم في الصباح الباكر لأهبط معه سلالم بيته في شارع أبورابية بالعمرانية بصحبة ابنه حمادة الذي يحتض كزرولة الفول لنلعب الكرة بالقرب من مسرح سيد درويش ونظل نشوط الكرة في وجه وجسم حارس المرمي الذي هو ابنه حمادة، ولا نتوقف عن اللعب والتهديف إلا بعد سماع بياع الفول وهو ينادي (يا لوز) لنعود إلي صعود السلالم لنتناول إفطارنا.. أشهي إفطار.
إفطار مماثل ولكنه كان في بيتي بالسويس، حينما قمت مبكرا لأعد إفطارا يليق بشهية محمد مستجاب، لكني لم أجده في سريره وأخذت أبحث عنه في البيت وكان عبارة عن فيلا من دورين، وأخيرا وجدته وحيدا في المطبخ في الدور الأرضي، قلت له: لقد سبقتني سأعد لك إفطارا خاصا، قال لي لقد فطرت لكني لن أتركك تفطر وحيدا.. سأشاركك، قلت له: ماذا أفطرت؟ فأشار لي ناحية حلة كانت فوق البوتاجاز، قال أكلت ما فيها، قلت له هذه الحلة كان فيها ملوخية وأرنب مسلوق أعدتها زوجي خصيصا لغدائنا في الظهر بمناسبة زيارتك، قال في الظهر يحلها حلال.. ماذا ستفطرني الآن؟
كتبت عن مستجاب المبدع في مرحلته الأولي 1974 حيث خرج علي الساحة الأدبية بلون مختلف وشخصيات مختلفة غير نمطية، إذ يبدو أن مستجاب قد اصطحب معه من ديروط عند اقامته بالقاهرة مجتمعا يتسم بالشراسة وأناسا يعالجون أبسط مشاكلهم بالتحطيم والقتل، كما يعبرون عن مشاعرهم بسلوك دموي دون أن يرف لهم جفن، وقد ذكرت في إحدي مقالاتي أن شخصيات مستجاب تلجأ في حل الصراعات والمواقف إلي الطريقة الحلمية، وأقصد بالحلمية هنا ميكانيكية الحلم، الطرق والوسائل التي يعبر بها الحلم عن مضمونه والتي غالبا ما تكون وسائل متطرفة وبدائية تنتمي إلي إنسان العصر الحجري.
فن محمد مستجاب في تلك المرحلة كان يتراوح ما بين الموت والدم والضحك الأسود أو الدعابة السوداء، وقد يرمي هذا إلي نقد صريح أو ضمني، قوة تصب فعلها علي مجموعة من الوقائع المألوفة لتتولد عنها تصادمات غير متوقعة وهي التي صدمت إحساس المتلقي وقتذاك ولفتت انتباهه إلي عالم له قوانين لم يألفها أو يعايشها بعد.. إلا مستجاب.. وكنت أخشي من أن يقع مستجاب في فخ ينصبه لنفسه عندما يتحول الضحك والدعابة السوداء إلي مفارقة تمتص المضمون وتشتته، فيصبح المضمون هو الهامش والمفارقة هي الأساس.
استهل مستجاب مرحلته الثانية بروايته (التاريخ السري لنعمان عبدالحافظ) التي كنا ضياء وأنا نتابع كتابتها فصلا فصلا مع مستجاب في بيته، هذه الفصول التي نشرت تباعا في مجلة الكاتب التي كان يرأس تحريرها وقتذاك الشاعر الكبير الراحل صلاح عبدالصبور وكان مدير تحريرها الراحل علي شلش.
ذات مرة سألنا علي شلش عن رواية نعمان: متي ستنتهي؟ وكان مستجاب غائبا في هذا اللقاء، وفهمنا من علي شلش أن عملية نشر الرواية علي حلقات قد طالت مدتها ولابد من وقفة، وفهمنا أيضا أن علي شلش يحملنا رسالة خاصة إلي صديقنا مستجاب بهذا المعني بخصوص الرواية.. لكننا لم نفعل.
ودارت الأيام لنذهب نحن الثلاثة في زيارة جديدة لمجلة الكاتب فاستقبلنا علي شلش بابتسامته المعهودة معتقدا أن الرسالة قد وصلت لصاحبها الذي هو مستجاب، وسألنا علي شلش بطريقة دبلوماسية عن الإنتاج الجديد فرد عليه مستجاب بأن أخرج من جيبه فصلا جديدا من رواية (التاريخ السري لنعمان عبدالحافظ).
لم أتصور أن تبقي لي هذه المواقف والحكايات بعد قرارك المفاجئ يا مستجاب بالتخلص من جلبابك وجسدك في لحظة خاطفة، هكذا يا مستجاب أيقنت أن الحياة الدنيا مجموعة من المشاهد والصور تركها لنا أصحابها بعد رحيلهم وكأنهم يتحايلون علي الحياة بشكل آخر من الوجود الذي يتجلي في ذاكرتنا ووجداننا.
 غدا الاثنين يمر عام علي رحيل الكاتب الكبير محمد مستجاب
|
|
|
|