|
|
| السنة - | 676 | ه - العدد | 1427 | جمادي الأولي | من | 29 | - م | 2006 | يونيو | من | 25 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
01:18:23 ك |
 |
الساعة - |
 |
24/06/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
عن العلاقة بين الإسلام والمسيحية واليهودية:
أسس الحوار بين الديانات الثلاث!
مني نور
علاقة الاسلام باليهودية والمسيحية.. قضية قديمة جديدة ضمها كتاب المستشرق الالماني المعاصر 'هربرت بوسه'.. 'أسس الحوار في القرآن الكريم.. دراسة في علاقة الاسلام باليهودية والمسيحية'.. هذا الكتاب ترجمه وقدم له الدكتور أحمد هويدي أستاذ الادب العبري بآداب القاهرة وصدر عن المشروع القومي للترجمة وهو يتناول قضية التأثير والتأثر بين الاديان الثلاثة، واسقاط مناهج نقد العهدين القديم والجديد علي نص القرآن الكريم..
في تقديمه للكتاب تعرض د. هويدي لأهم الدراسات التي تناولت علاقة الاسلام باليهودية والمسيحية، موضحا أن القضية الرئيسية في الدوائر الاستشراقية، هي قضية مصدر القرآن الكريم، وشخصية عيسي عليه السلام ودور ذلك في الجدل والحوار المسيحي الاسلامي، كما قام المترجم بتنفيد أقاويل وأسانيد المؤلف والرد عليها.
جاء الكتاب في خمسة فصول تبني فيها المؤلف نظرية أن نص القرآن الكريم يعود الي عصر النبي صلي الله عليه وسلم وانه جمع في عصر عثمان بن عفان، كما تناول المؤلف قضية الوضع الديني في شبه الجزيرة العربية في عصر ما قبل ظهور الاسلام، وأكد المؤلف علي انتشار المسيحية في أطراف شبه الجزيرة العربية، مع وجود اليهود في يثرب، اضافة الي وجود جماعات دينية أخري مثل طائفة المعمدان المانوية والغنوصية، مما ادي الي تأثر الاطراف بهذه الديانات، أما وسط شبه الجزيرة والحجاز، فابتعدا عن مجال التأثير الخارجي لانعزالهما عن العالم الخارجي مؤكدا عدم ظهور أو وجود جماعات يهودية في مكة،
وموضحا ان النصرانية أيضا لم تتمكن من تثبيت قدمها في الحجاز، هذا يعني كما يقول المترجم نفي شبهة ان النبي قد تعلم أو عرف اليهودية من خلال وسيط نصراني كما يدعي المؤلف، وأن هذا التناقض عند المؤلف واحد من التناقضات العديدة التي يقع فيها كثير من المستشرقين، وهذا التناقض يؤكد عدم وجود أدلة يقينية تؤكد اعتماد النبي علي مصادر يهودية أو مسيحية أو غيرها، ولم تكن له أية علاقات مع أصحاب هاتين الديانتين قبل بعثته، مما يؤكد في الوقت نفسه علي إلهية نص القرآن الكريم.
ويتناول المؤلف رحلات تجار مكة وأثرها في التعرف علي الديانات وخاصة الديانة المسيحية، غير انه عاد وأكد ان الكتاب المقدس لم يترجم الا في القرن السابع/ الثامن الميلادي، فكيف بناء علي ذلك قدم المسيحيون دينهم الي عرب شبه الجزيرة العربية؟!
ومن الموضوعات المهمة التي عرضها المؤلف موضوع الحنفاء وانتشار عقيدتهم بين عرب شبه الجزيرة العربية، وخاصة عرب الحجاز، وهذا يؤكد كما يقول المترجم عدم وجود تأثير يهودي أو مسيحي لدي عرب الحجاز.
ثم عرض المؤلف لقضية مصدر القرآن الكريم، وهي القضية الرئيسية التي تناولها كثير من المستشرقين قدمائهم ومحدثيهم ومعاصريهم ورغم ادعاء المستشرق 'بوسه' ان النبي صلي الله عليه وسلم قد أفاد من مادة العهدين القديم والجديد، فانه قد أكد وجود علاقة بين كتابات الوحي اليهودية والنصرانية من جانب والقرآن الكريم من جانب آخر.
وحول هذه النقطة تساءل د. هويدي في مقدمته اذا كان المؤلف يعتقد في وجود وحي في اليهودية والمسيحية ووجود علاقة بينهما وبين الاسلام فلماذا الادعاء بأن محمد أخذ عن اليهودية أو المسيحية؟! فالمؤكد كما يقول د.هويدي ان النبي قد تلقي وحيا إلهيا، وأن التشابه في القصص يؤكد وحدة المصدر، وليس التأثير والتأثر والاختلاف يعني بعد أحد المصادر عن النص الاصلي وغالبا ما يكون الاقدم لان الاحدث يأتي دائما لتصحيح الاقدم.
وقد أشار المؤلف نفسه الي أن مصدر كتب ديانات الوحي واحد.
|
|
|
ابقي الباب مفتوحا:
ألعاب الحياة والقدر!
د.سعيد توفيق
فبينما يغط نادر في نوم عميق تزمجر السماء وتبرق وترعد، ثم تسيل وتفيض، فيندفع السيل المنحدر من الجبل علي البلدة التي ترقد تحت سفحه، حاملا نادر بالمرتبة الاسفنجية التي ينام عليها وبالبطانية التي يلتحف بها، والمرسوم عليها نمر يكشر عن أنيابه، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا إزاء هذا السيل العارم الذي أفضي بالمرتبة إلي النهر الواسع، ومنه إلي ما شاء الله. ومن هنا تبدأ الحكاية أو سلسلة الحكايات التي لا تنتهي إلا بالعودة إلي الدار التي طلب نادر من زوجه سهاد أن تجبقي بابها مفتوحة.
يجرف النهر نادر إلي بلاد بعيدة غريبة مليئة بالسحر والأساطير، لا نعرف كنهها، ولكن يتولد في أنفسنا شعور بأنها بلاد أفريقية واقعة عند منابع النهر العظيم، في زمن لا نعرف وقته. تقع في هواه وتحبه بإخلاص فتاة من تلك البلدة متعطشة لحب حقيقي، في نفس الوقت الذي تقع في هواه ابنة عمها سلطانة البلاد التي تريد أن تتخذه زوجا لها وأن يشاركها في حكم البلاد. ورغم هذا العرض المغري، فإنه يتوق للعودة إلي موطنه: إلي زوجته وإلي داره الذي ترك بابه مفتوحا، ولكنه لا يجد سبيلا للخلاص من هذه الورطة سوي تلك الفتاة التي أحبته بجنون، وساعدته علي الهروب من البلدة بصحبتها: إذ كانت علي استعداد لأن تصاحبه أيان ذهب. ولكنه فقدها في النهر حينما زمجر مرة أخري أثناء عودته بصحبتها إلي دياره.
كل هذا لا يهم! لا يهم في الرواية الحكاية أو الحدوتة، وإنما ما يهم في المقام الأول أسلوب الحكي الذي يخلق الرواية. وأنا لا أعني بأسلوب الحكي هنا لغة الأديب فحسب: لأن تلك اللغة مهما كانت أهميتها تظل أحد أساليب الحكي التي تميز الروائي. ولا شك أن لغة فؤاد قنديل لغة موحية قادرة علي الوصف والتشخيص، وهو ما يمكن أن يلحظه القارئ علي الفور من خلال كثير من المقاطع الموحية في الرواية، كما نجد ذلك علي سبيل المثال حينما يصور نشأة السيل الذي أخذ نادر إلي النهر:
اشتاقت السماء إلي البحر فأسقطت أشواقها ماء فوق الجبال، وأوحت إليها أن تركب النهر نحو البحر، أخفت السماء عشقها في الظلمة.. لم تكن تعلم أن أي شيء علي الأرض يهفو للبحر ويمضي إليه، حتي الأمنيات الجميلة.. ومن لا يسلم نفسه للبحر تقذفه الأقدار إليه.. (ص. 8 ).
غير أن ما يميز أسلوب الحكي هنا بخلاف اللغة إنما هو الخيال الذي لا يتوقف أبدا: فنحن هنا لسنا بإزاء حكاية واحدة، وإنما بإزاء سلسلة من الحكايات الخيالية التي تسلم كل منها إلي الأخري. يذكرني هذا بأسلوب الحكي في ألف ليلة وليلة حيث تسلمنا الحكايات إلي بعضها دون توقف أو انقطاع. وهذه الرواية بوجه خاص لا تشبه أسلوب الحكي في ألف ليلة وليلة فقط من حيث بناء السرد، وإنما أيضا من حيث روح مضمونه: إذ أن الموضوعات والشخوص المصورة في هذه الرواية يغلب عليها الطابع الأسطوري السحري، باعتبارها موضوعات وشخوص أتت من عالم خفي خيالي.. بلاد بعيدة لا نعرف كنهها تحديدا، ولكننا نتخيلها كما لو كانت بلادا أفريقية تقع عند منابع النيل في زمان غير زماننا هذا. لذلك نجد الناس هنا مختلفين في هيئتهم ولونهم وأسمائهم ولغتهم (التي دقق قنديل في تصويرها)، بل في ثقافتهم وأسلوب حياتهم الذي يقوم علي السحر والغيب. ولذلك فإنه عندما يختبئ بتلك البلاد بمعونة تلك الفتاة التي آوته وأحبته، يدرك سحرتها وكهنتها أن هناك غريبا بينهم: ولهذا فإن مينوت كبير السحرة الذي يقرأ الأسرار أمر بما يلي:
.. أمر بجمع عشرة من أغصان شجر السرو وقدر به ماء بحر، وتشعل تحته النار وفيه توضع ضفدعتان وسبعة من أنياب تمساح شاب لم يبلغ بعد، وسبع ريشات من ببغاء أحمر وبيضة نسر أفريقي وبعض الأعشاب ولسان أفعي حية.. بعد الغلي لمدة ساعة ارتفعت أنياب التمساح وهبطت ريشات الببغاء، وقال مينوت: غريب في البلاد قادم من مناطق بعيدة، لا يظهر القمر ولا الشمس عندنا وعندهم في وقت واحد.. (ص.54 ).
والمدهش هنا أن قنديل يصور لنا الأحداث المتعاقبة المتخيلة اللاواقعية والخرافية الأسطورية كما لو كانت أحداثا واقعية جدية: لأنه يمزج دائما عناصر واقعية بنسيج عمله الخيالي بشكل لا يخلو في مواضع كثيرة من السخرية والدعابة، بحيث يبدو لنا عمله في النهاية نوعا من الفانتازيا المتقنة. وهذا المزج بين الواقعي والمتخيل، وبين الجاد والساخر، يتبدي لنا في مواضع كثيرة، خاصة تلك التي يسيطر عليها نوع من الإسقاط السياسي، كما في الحوارات العديدة التي تدور بينه وسلطانة البلاد التي تحاول إغرائه بالبقاء، ليس فقط بأسلحتها الأنثوية، وإنما بأن يشاركها الحكم سلطانا علي البلاد.
وفضلا عن ذلك، فإن من أهم ما يميز أسلوب الحكي هنا هو التشويق في سرد الحكايات التي لا تنقطع. ولا شك أن التشويق في حد ذاته يجعتّبر قيمة جمالية كما لاحظ ذلك وبينه بالتفصيل الفيلسوف الكبير رومان إنجاردن (الذي يعد من أهم الفلاسفة في علم الجمال المعاصر). وربما تتبدي أهمية التشويق في الأعمال السينمائية أكثر من غيرها، إلا أن هذه القيمة الجمالية تظل أيضا أحد معايير جماليات الحكي الروائي. والتشويق هنا يعني ببساطة أن أسلوب الحكي يجعلنا دائما في شوق لمعرفة ما ستفضي إليه الأحداث والحكايات المتلاحقة. ولقد نسج قنديل بعناية فائقة كل حكاية من حكاياته التي تسلمنا الواحدة منها إلي الأخري دون أن نشعر بوجود انقطاع أو انتقال فجائي غير مبرر في أي موضع من المواضع.
شيء واحد يبدو وكأنه قد انبثق فجأة دون تبرير، وعليه قامت سائر أحداث الرواية التي تسلمنا بعضها إلي بعض.. إنه نقطة البدء.. ذلك السيل العارم الذي يبدو موضوعا واقعيا ممكنا، والذي تنشأ عنه كل تلك الأحداث المتخيلة اللاواقعية! ولكن في هذا الحدث الفجائي علي وجه التحديد تكمن الرؤية المهيمنة علي الرواية والموجهة لها! إنها فكرة القدر الذي يهيمن علي حياتنا ووجودنا، وكأن حياة كل منا في مجملها إنما هي أشبه برحلة طويلة تترتب سائر أحداثها علي لحظة قدرية لم نخترها ولم نتوقعها، فنبدو وكأننا نسير في حياتنا مأخوذين ومدفوعين بما أرادته الأقدار لنا. هذه الرؤية المهيمنة علي العمل متناثرة في ثناياه صراحة حينا، وتلميحا حينا آخر. فمنذ البدء، حينما جرفه السيل إلي النهر، واندفع به الماء إلي حيث لا يدري، أدرك معني القدر الذي يوجه رحلتنا ومسارنا في الحياة:
كنت تحب السفر والترحال. هذا هو حبك قد حط بين يديك، وحملك حملا، وأطلقك دون أجنحة، وبعد أن كنت سادرا في أعماق النوم، أنت الآن بلا أجنحة تسابق الريح، وكأن خادم الخاتم هو الماء الذي يطير بك بسرعة أسطورية إلي حيث لا تعلم.. فكر كما تشاء، لكنك أبدا لن تستطيع أن تقبض علي النهاية.. حدق في الأفق كما تشاء، واستسلم لقدرك لأنك لا تملك القدرة علي الإمساك بمقود المياه، ولا تملك أن تحيل الإقدام إدبارا. أنت الآن لا تري بعيونك وإنما بعيون النهر الذي يواصل اقتراف جريمة تعاطي الانحدار نحو الهاوية (ص. 13 ).
وحتي عندما يمضي نادر في رحلته التي رسم القدر مسارها، ويصبح حكم البلاد التي بلغها طوع يديه بعد أن كان أقرب إلي الموت غرقا في النهر، تظل فكرة القدر حاضرة تلح علي ذهنه: ولهذا نراه: يتساءل بينه وبين نفسه عن السر في أن شخصا يمكن أن ينتقل من الموت إلي المجد، أو من الضياع إلي المجلك.. (ص. 76 ).
وبذلك يمكن القول إن فكرة القدر المغلفة بنزعة إيمانية عميقة مستترة هي ما يسود هذا العمل، وإن كان بشكل خفي إيحائي، وهذا هو ما يضفي عليه كثافته وعمقه الوجودي.
الكتاب: ابقي الباب مفتوحا
المؤلف : فؤآد قنديل
الناشر: الهلال
|
|
|
من كيد النساء إلي كي الرجال:
فخاخ المهمشين وعجائبهم
د.سعيد الوكيل
تبدو رواية 'كيد النساء' لخيري عبدالجواد ربما بسبب عنوانها ومفتتحها محفزة لتأمل ثنائية كيد النساء وكي الرجال،ف:
'كيد النسا يشبه الكي/ من مكرهم رحت هارب
يتحزموا بالحنش حي/ ويتعصبوا بالعقارب'.
وهي مقطوعة من فن الواو تنسب الي ابن عروس، وافتتح بها خيري روايته التي تظهر حقا جانبا من جوانب كيد النساء واكتواء الرجال به، وصحيح أن كثيرا من الدواعي يحفز القاريء علي أن يركز علي قيمة كيد النساء في رواية خيري عبدالجواد، ومن بين تلك الدواعي العنوان نفسه، وكذلك التداخل النصي العمدي الواضح مع بعض حكايات ألف ليلة وليلة، التي تركز علي كيد العجائز، لكن هناك من الوعي ما يدفع الي الاضراب صفحا عن تلك التيمة، ووجوب الانتباه الي ما يصنعه الكتاب من فخاخ تليق بالقراء الأبرياء، وغالبا ما ينصب الفخ في العنوان علي وجه الخصوص. العنوان الذي غالبا ما يضعه الكاتب بعد الانتهاء من عمله، غالبا ما ينطلق من تصور ذهني وقراءة فردية لمجمل العمل وفهم خاص له، وهذا كله لا يلزمنا نحن القراء غير الأبرياء بأي التزام، نحن أحرار تماما في الدخول الي النص.
بل إن مفتتح الرواية المقتبس من ابن عروس الذي كان في بعض ما يروي عنه قاطع طريق وتاب، وهو في هذا يقترب من طبيعة احدي الشخصيات المحورية في الرواية 'نور' هذا المفتتح يؤكد محورية كيد النساء في الرواية والعالم، لكن هذا الذي يسمي كيدا وينظر اليه مجتمعيا نظرة تأثيم، يمكن النظر اليه في الرواية بوصفه قيمة تعلي من شأن الأنثي، وتؤكد مركزيتها في العالم الذي ترسمه الرواية، فالكيد هنا ليس سوي ملمح من ملامح فعالية المرأة وقدرتها علي التأثير في العالم من حولها، في مقابل رجال يستسلمون للاغواء والكيد والاقصاء وكل ما تمارسه المرأة منفعل. ان كيد النساء اذن هو التعبير الشعبي عن اقتدار المرأة وعظمتها الحقيقية في مقابل الفخر الكاذب الذي يسم الرجال.
***
ينجح خيري في أن يقيم توازنا بين الولع بالحكي والرغبة الجامحة في التجريب وابتكار الشكل. الحكاية داخل الرواية شديدة التشويق والاثارة والبساطة أيضا، لكنها تقدم من خلال تقنية التغريب السردي أو 'تعرية أسلوب السرد' وهي تقنية تحتاج الي براعة فائقة لا تعوز خيري حتي لا تفلت خيوط العمل من بين يدي الكاتب، تعتمد تقنية التغريب السردي هنا علي الاستحضار العمدي لكل أطراف نظرية التواصل، فالكاتب هنا يظهر داخل الرواية نفسها باسمه المدون علي غلافها، وهو هنا شخصية تتعدد أدوارها لكن الاهم من بينها الشهادة علي أحداث الرواية والتماهي الكامل مع الراوي. ويبدو من خلال تقنية التغريب السردي الحضور الطاغي للشفرات الجامعة بين الكاتب والقاريء حيث يكشف الكاتب عما يقوم به من عمليات ابداع تتشكل أمام عيني القاريء بل يتم تخصيص فصول كاملة للكشف عن كيفيات تشكل خيوط السرد بين يدي الراوي الذي نعرفه نحن القراء من خلال اسمه ككاتب، ومن خلال وجوده الحي بين شخوص الرواية.
لكن الراوي لا يعتمد علي تلك الاساليب المعتادة في التغريب السردي فحسب، بل يلجأ الي وسيلة بلاغية أكثر رهافة: حيث يتبني أساليب لغوية وبلاغية تنتمي بطبيعتها الي الحكايات الشعبية وإلي حكايات ألف ليلة وليلة، ليؤكد للقاريء أننا أمام نص تخييلي علي الرغم من كل العناصر الواقعية الواردة فيه، كذلك يتم استخدام التعبيرات السائدة في ألف ليلة وليلة، والاعتماد علي طريقتها الاثيرة في تداخل الحكايات، واستثارة الرواية فضول المتلقين لان يقصوا حكاياتهم ان الكاتب يعي ان ما لديه من ارث حكائي شعبي عربي خصوصا في ألف ليلة وليلة والسير الشعبية وسير المتصوفة لا تنقضي عجائبه، ومن ثم يمتح من ذلك الارث ما شاء ما دام يراه قابلا للاندماج في نسيج السرد.
ويرصد النص الوعي الشعبي وما يحفل به من اهتمام بالغيبيات والعجائبي من الاحداث، ومن ثم يقدم ذلك الوعي بدون أن يحكم عليه بالقيمة، بل يتعاطف مع الشخصيات ومواقفها تاركا الحكم للقاريء ويظهر حرص الكاتب علي انتماء الرواية الي النص العجائبي حين يجعل من الراوي / المؤلف شاهدا علي بعض الاحداث العجائبية، كرؤيته جسد نور المسجي في القبر منذ عشرين عاما وكأنه مات لتوه، بل يعتمد الراوي علي تقنية التغريب السردي فيفرد فصلا من فصول الرواية لتأكيد أن ما هو خارق انما هو ظاهرة لا تقبل التكذيب.
***
تتعدد الطبقات النصية داخل الرواية، وهو ما يحدث تنوعا في الاصوات والايقاع، ويقوم الكاتب بهذا مجترئا علي التقاليد الادبية حتي اننا لنجد نصا شعبيا شعريا مطولا يحكي حكاية السيد أحمد البدوي مع خضرة الشريفة التي أسرها الكفار واستعادها معتمدا علي دراويشه ومريديه 'وربما يبرر وجود ذلك النص انه جاء بمنام بديعة التي تحلم بأن تتماهي مع نموذج أنثوي مبتغي يحظي برعاية البدوي الذي قد يعادل موضوعيا حبيبها نور، وإن كان النص مبالغا في طوله قياسا الي حجم الرواية'، كما نجد استحضارا مباشرا لكرامات الحلاج حين نسبها الي شخصية 'نور' الذي رسم مركبا وهو في سجنه وجعل من بالسجن يركبون فيه، ونجد كذلك حضورا قويا لكتب الاحلام وخصوصا حين افرد الراوي فصلا لمنامات 'نور'، وعلي الرغم من أن الراوي يوهمنا بانه واحد فان الاصوات تتعدد، حيث نجد الراوي احيانا شاهدا أو نجده ناقلا لحكايات عن غيره، كما نجده احيانا راويا عليما، كذلك قد يستعير الراوي صوت الشخصية، فنجده يحكي بطريقة الاطفال ولغتهم حين يحكي من الذاكرة ما عاشه وهو طفل، وهذا النوع من الرواية اسميه 'الراوي الممسوس بالشخصية'، وهو اصطلاح أظنه يحتاج الي فضل تأمل وتدقيق. ومن الطبقات النصية كذلك بعض الاجزاء الواردة في رواية سابقة للكاتب نفسه، وكذلك نصوص السحر والتمائم، بل ان بعض أجزاء الرواية يستلهم علي نحو مباشر بعض تيمات ألف ليلة وليلة.
***
تحكي الرواية عن تداخل مصائر عدة شخصيات تنتمي الي جيلين، يدخل آخرهما القرن الجديد بلا هوية، ولا تنفصل تلك المصائر عن مصير المكان الذي تدور فيه الاحداث، وهو حي بولاق الدكرور الذي كان منطقة ريفية تتاخم العاصمة وتحول الي منطقة عشوائية ليس ثم شيء أصيل مؤسس علي قيمة حقيقية يهبها هويتها. والمتابع لابداع خيري منذ بداياته مع مجموعته القصصية غير العادية 'حكايات الديب رماح' يعرف أن علاقته بالتراث تقوم علي أسس يحكمها الوعي والتقدير والانتماء، فهو مفتون بالتراث لكن تلك الفتنة لا تصل به الي حد الاستلاب، فهو من قبل ومن بعد باحث أيضا وذو بصيرة تقية الزلل، والمتابع لأعماله أيضا يعلم وكما يصرح هو نفسه في روايته يكتب عما يعرف.
تتداخل مصائر أسرة حفني واخوته مع آخرين، ومن خلال ذلك نري صورة تفسخ مجتمع من خلال مجموعة هامشية تنتمي اليه، بديعة أخت حفني وهي أكثر الشخصيات حضورا في الرواية وبها تفتتح الرواية بديعة تحب البلطجي الوسيم 'نور' ، وتحتال باستخدام السحر للزواج منه، وتنجح في اخراجه من السجن والزواج منه، ولا يلبث نور أن يتوب ويعمل ويسير سيرة حسنة الي ان يموت تاركا كراسة كتب فيها منامات تنبأ فيه بموته، وبعد سنوات تذكر بديعة أنها رأت منامات يطالب فيها نور أن ينقل من مدفنه ويقام له ضريح، وتنجح بديعة مرة أخري في تحقيق أحلامها، وتتكرر تجربة بديعة مع ابنتها فتحية التي تخرجت من مدرسة التمريض واحبت رمضان الموظف بوزارة الزراعة، فتزوجته معتمدة علي معرفتها بالسحر.
اما الأخ الاكبر حفني الذي يعمل نقاشا فانه يتعشق فاتنة تدعي صفاء، ولم يكن كفئا لها، لكنه يتزوجها، ولا تلبث صفية أن تخونه مع محمد عبدون سواق النقل مفتول العضلات وزوج صديقة أخت حفني وبديعة، وتكتشف صديقة دليلا علي تلك العلاقة الآثمة وهو شريط سجله محمد عبدون للحظة عشق جمعته مع صفاء بدون علمها، وكانت فضيحة مدوية، صفية لم تخذل صديقة في الزوج فقط، بل في الابن كذلك: فقد جمعتها علاقة آثمة بنصر ابن صديقة وتاجر البانجو، ثم تزوجته، ويبقي من أفراد أسرة حفني اخته محاسن التي عاشت عانسا، وتنتهي الرواية بتأكيد ان البشر آفتهم النسيان، حيث نقل رفات بديعة الي جانب زوجها وصارت ولية وشهيدة عشق زوجها الولي الصالح.
حرص الكاتب علي حكاية تلك الحكاية معتمدا علي تقسيم الرواية الي أربعة أقسام، مع الحرص علي تحقيق بعض التوازنات المهمة في السرد علي نحو يحفظ تناسق العمل وجماله، فقط احتوي كل قسم علي جانب من الحكاية وبعض الشخصيات، فالقسم الاول يركز علي بديعة ونور، والثاني يركز علي فتحية وصديقة، والثالث علي محمد عبدون، والاخير علي حفني وعلاقة صفاء بنصر، واقامة مقام نور.
كذلك احتوي كل قسم علي جزء نصي غير سردي يتحقق توازن آخر من خلال حضور المؤلف نفسه باسمه وشخصه داخل كل قسم من أقسام الرواية بلا استثناء، فقد ظهر بوضوح في الفصل 2 بالقسم الاول، وفي 'حرب السحرة' بالقسم الثاني، وفي الفصلين 5 ، 6 بالقسم الثالث، ثم بدء من الفصل 6 من القسم الرابع حتي نهاية الرواية. وقد وصل حضور المؤلف راويا داخل الرواية الي حد رصد مصادره المعرفية خصوصا ما يرتبط بالواقعية السحرية من نصوص شعبية وصوفية بل قدم رؤيته لشخوص الرواية وأسباب رصد علاقاتها.
الكتاب: كيد النساء 'رواية'
الكاتب: خيري عبدالجواد
الناشر: دار الآداب، بيروت 2006
|
|
|
|