|
|
| السنة - | 690 | ه - العدد | 1427 | رمضان | من | 8 | - م | 2006 | أكتوبر | من | 1 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:25:45 ك |
 |
الساعة - |
 |
30/09/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
ما لم ينتبه إليه المحتجون علي محاضرة البابا:
أوروبا تسعي إلي النقاء المسيحي المستحيل
طارق رمضان
ترجمة: مرفت عمارة
أحدثت بعض العبارات التي وردت علي لسان البابا بنديكت السادس عشر ما فيه الكفاية من ردود الفعل الغاضبة عبر دول العالم الاسلامي.
زعماء دينيون، ورؤساء دول، وسياسيون، ومفكرون، عبروا عن غبضهم في صورة احتجاج جماعي علي إهانة مشاعرهم الدينية، دون أن يقرأ معظمهم نص خطبة البابا، حيث أعتمد بعضهم علي لمحة موجزة وسريعة تتعلق بربط البابا الاسلام بالعنف، بل كان كل الشجب واللوم موجها ضد ما اعتبروه إساءة بالغة.
أيا كان تقدير هؤلاء الفقهاء والمفكرين، علينا أن نأمل تبنيهم وجهه نظر عقلانية تجاه تعليقاتهم الناقدة لسببين، الأول أنه برغم توقير المسلمين للنبي 'محمد' صلي الله عليه وسلم، فإن بعض الجماعات أو الحكومات تستخدم هذا النوع من الأزمات كصمام أمان لكل من الغضب الشعبي والأجندة السياسية، فعندما يحرم الناس من حقوقهم الأساسية، فلا مانع من إفساح المجال لهم للتعبير عن غضبهم حول الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية، أو كلمات البابا.
ثانيا ذلك الاحتجاج الضخم الذي نشهده الآن يتصف في المقام الأول بتدفق المشاعر المتعذر ضبطه، منتهيا بتقديم دليل حي علي أن المسلمين لايمكنهم المشاركة في مناظرة عقلانية، وتلك العدائية اللفظية والعنف قاعدة اكثر منها استثناء، ويتحمل المفكرون الاسلاميون مسئولية أساسية في إعطاء مصداقية لتلك اللعبة.
علاوة علي وجود باعث للدهشة جراء اقتباس عبارة مبهمه و تعود للقرن الرابع عشر تنقد (الاعمال الضغغينه) لنبي الاسلام، وربما كان مجمل خطاب البابا يضمر شيئا إلي حد ما، مفتقدا الوضوح، سطحيا، أو جانحا بعض الشيء، لكن هل كانت تلك الإهانة تستدعي المطالبة باعتذار رسمي مكتوب؟
وهل كان من الحكمة، أو من أجل تطيب خاطر المسلمين، يتم التعبير عن الاستياء حول دلالة ذلك الاقتباس، لأنه ببساطة قام باختياره، بينما يتم تجاهل التساؤل اليومي المستمر الذي يواجهه المسلمون حول معني الجهاد واللجوء إلي العنف؟
ان بنديكت رجل من هذا العصر، ويطرح سؤالا حول مسلمين ينتمون لنفس العصر، أسئلة يمكن ويجب الاجابة عنها بوضوح، ونقاش جاد، وحتي نبدأ ذلك، علينا عدم قبول أن يكون معني الجهاد هو الحرب المقدسة، بل أن تصبح الأولوية لشرح مباديء المقاومة المعترف بها شرعيا، وأخلاقيات الاسلام في ظل الصراع، ليس من أجل تشجيع الناس علي الاحتجاج بعنف ضد إتهامهم باعتناق الدين العنيف.
ربما يكون أكثر ما سبب الكوارث، أن المناقشة الفعلية التي بدأها بنديكت بدت منطوية علي تجنب لمعظم التوضيحات، في كلمته التي ألقاها بجامعة ريجنسبرج، طور بنديكت الفرضيات الثنائية المعني، وقام بالتركيز علي هؤلاء العلمانيين العقلانيين، ممن يرون أن عليهم تحرير حركة التنوير الفلسفية من الصلة بالمسيحية، تلك الصلة هي عنصر متكامل من الهوية الأوروبية، وسوف يكون من المستحيل بالنسبة لهم الإندماج في حوار ديني متبادل، اذا لم يتمكنوا من قبول أساس هويتهم المبني علي المسيحية، سواء كانوا مؤمنين أم غير ذلك.
عندها يجرب البابا بدء مرحلة الهوية الأوروبية، التي تزعم أنها مسيحية ايمانا، مع الاخذ بالاسباب الفلسفية الاغريقية، بينما يبدو بوضوح أن الاسلام لا ينطوي علي تلك العلاقة بالأسباب الفلسفية بالتالي يصبح غريبا عن الهوية الأوروبية التي تم بناؤها علي قمة ذلك التراث.
منذ سنوات قليلة عندما تصاعد تصدي الكاردينال جوزيف اتزنجر لادماج تركيا مع أوروبا طبقا لقاعدة مشابهة، أن المسلمين الاتراك لم ولن يصبحوا قادرين علي الزعم بأصالة نسبهم للحضارة الأوروبية، انهم شيء آخر، انهم (الآخرون).
تلك هي الخطابات التي تصرخ طالبة ردا واجابة، أكبر من الحديث حول الجهاد، ذلك البابا الأوروبي العويص الفهم، يدعو شعب القارة لإدراك أهمية المركزية، وحتمية الشخصية المسيحية كهوية والتي يخاطرون بفقدها، ربما تكون تلك رسالة مشروعة في أوقات أزمة الهوية، لكنها مزعجة ويمكن أن تصبح خطيرة.
ذلك هو ما يجب علي المسلمين عمله، قبل كل شيء، التجاوب، عليهم تحدي قراءة أفكار التاريخ الأوروبي، بداية من حذف الدور العقلاني الاسلامي، هذا هو ما يجب علي المسلمين تحقيقه قبل كل شيء، عليهم مواجهة القراءة الأوروبية للتاريخ، بداية من محو أي دور للفكر الاسلامي، من حيث الإدعاء باختصار المساهمة العربية الاسلامية إلي مجرد ترجمة للأعمال اليونانية والرمانية العظيمة، الذاكرة الانتقائية من السهل عليها إغفال المساهمات الدامغة من المفكرين الإسلاميين، مثل الفارابي (القرن العاشر) وابن سينا (القرن 11) والغزالي (لقرن 12)، والشاطبي (القرن 13)، وابن خلدون (القرن 14)، يجددون خداع أوروبا لنفسها حول ماضيها، اذا كان من أجل استباحة الأخذ من تراثهم فعلي المسلمين البرهان، بطريقة عقلانية خالية من الانفعال العاطفي، بأنهم جزء من القيمة الجوهرية لما اكتشفته أوروبا والغرب، ولن يستمر البقاء لأوروبا والغرب علي قيد الحياة، اذا استمرت في التعريف بنفسها بمعزل عن الآخرين، عن الاسلام، عن المسلمين، ممن تخاف؟!
ربما اكثر ما تحتاجه أوروبا الآن، ليس حوارا مع حضارات أخري، لكن حوار حقيقي مع نفسها، مع تلك المظاهر التي بها والتي بقيت مدة طويلة ترفض التعرف عليها، والتي حتي الآن تمنعها من الاستفادة الكاملة من ثراء مقوماتها الدينية، وتقاليدها الفلسفية.
يجب علي أوروبا أن تتعلم كيف تسوي خلافها مع تنوع ماضيها من أجل الوصول الي الضرورة التعددية لمستقبلها، واستخفاف البابا لم يفعل شيئا لمساندة ذلك الاجراء، والوضع الحرج الحالي علينا أن لا نتوقع خلاله أن يقدم اعتذارا، لكن علينا ببساطة وتعقل ان نكشف له انه قد اخطأ من الناحية التاريخية والعلمية والدينية.
وعلينا أيضا منح مسلمي الحاضر الوسيلة لاكتشاف انفسهم في الابداع الهائل للمفكرين المسلمين الأوروبيين في الماضي، الذين منذ عشرة قرون مضت تقبلوا هويتهم الأوروبية بجرأة.
(دون قلق المناظرات العقيمة المتقدمة باستمرار حول الدمج) مما أثري الغرب بانعكاسهم العميق علي كل من أوروبا والغرب بأكمله.
عن الهيرالد تريبيون
|
|
|
الفاتيكان: دولة أم مركز روحي؟
محمود سالم الشيخ
الانهيار المفاجئ الذي هوي إليه المقر البابوي بعد رجنسيرج، كان بمثابة وورترلو حقيقية ملموسة أجبرت البابا علي الاعتذار الشخصي والعلني، وهو أكثر من مجرد حدث عارض في التواصل والاتصال. فالاقتباس الفاشل ضد النبي محمد، وهو إساءة غير مقبولة بأي حال من الأحوال، تبعتها ردود أفعال عنيفة من العالم الإسلامي كافة ومن مسلمي أوروبا ومرارة الإهانة عالقة في حلوقهم، هذا الاقتباس حمل إلي دائرة الضوء بعنف الخرق الذي قام به راتزنجر حيال الاستراتيجية التي اتبعها البابا يوحنا بولس الثاني بنجاح لأكثر من عشرين سنة . تجاوز فويتيلا (يوحنا بولس الثاني) حسن النوايا والطوية. وكان مقتنعا تمام الاقتناع بوجود عناصر العنف في التراث الإسلامي ولوجود نبضات من عدوانية وعدم تسامح . وكانت هذه النبضات في رأيه متعارضة مع بعض أجزاء من القرآن وتفسيراته والتي كانت دائما مع تتوافق مع قيم التسامح واحترام المؤمنين بالأديان السماوية الكبري مثل المسيحية واليهودية
لم يكن فويتيلا يخفي شيئا، ولا حتي خطورة الأصولية الوليدة، والتي تواكبت مع اعتلائه كرسي البابوية ومعها ظهور الإمام الخوميني في إيران. ويعرف هذا أصدقاؤه المقربون، ويعرف هذا الأشخاص الذين استطاعوا أن يواجهوا الموضوع معه. وأعرف هذا أنا أيضا.
إن يوحنا بولس الثاني والذي كان زاهد النفس، وكان أيضا فليسوفا في التاريخ وزعيما دينيا وسياسيا، قد بني علي هذا التحليل المحايد للواقع استراتيجية مبرمجة تشرك الصفوة من المسلمين من جميع الأنحاء العالم. من الدار البيضاء إلي القاهرة، ومن السودان إلي سوريا، ومن أي ركن يوجد فيه ممثل معتبر للمسلمين، كان يوحنا بولس الثاني يدعو إلي الإيمان بالله الواحد، رب أبناء إبراهيم، وإلي صلاة مشتركة _ وكان حلمه أيضا أن يحقق ذلك علي جبل سيناء _ والالتزام المشترك لليهود والمسيحيين والمسلمين بالسلام والعدل.
لم يكن هذا من باب البلاغة. وإنما كان عملية سياسية وكان فويتيلا الخبير الوحيد بها. وكانت أيضا رغبة لتوحيد رؤية مشتركة باسم الأخوة الروحية يمكن الانطلاق منها لنبذ العنف الذي يرتكب باسم الدين، والإرهاب ديني البواعث، وأي مناورة تتخذ من اسم الإله مبررا لمشروعات دموية.
بهذا الترتيب أنشأ يوحنا بولس الثاني رئيس الدولة وبابا الكنيسة الكاثوليكية، شبكة اتصالات وعلاقات ذات أهمية قصوي في عصر تفجرت فيه المسألة الإسلامية علي مستوي الكرة الأرضية. لقد أصبح بابا روما في العالم الإسلامي زعيما روحيا ورئيسا لدولة محترما ومسموع الكلمة، ولم يعتبر أبدا من النخب الدينية والسياسية عدوا غربيا ، وخاصة بعد جهده الوفير للوقوف في وجه غزو العراق.
ولكن جوزيف راتزنجر حطم عمدا وبشكل مأساوي هذا كله، منذ الصلاة الافتتاحية عقب تعيينه في منصبه. في تلك المناسبة وفي أول ظهور علني له والتي كان يمكن أن تفصح عن السياسة الجديدة لدولة الفاتيكان حذف البابا بندكت السادس عشر مرجعية العلاقات الأخوية بالدين السماوي الإسلامي. فجأة فقد هذا المثلث الذي بناه يوحنا بولس الثاني بدأب وصبر أحد أضلاعه، ولم تتبق سوي العلاقة الخاصة بين اليهودية والمسيحية. بعدها مباشرة أودع بندكت دور مجلس الحوار بين الأديان المستقل الأرشيف، وكان يقوده خبير إسلاميات مرموق من الطراز الأول هو مايكل فيتزجيرالد، والذي أرسله البابا إلي المنفي في القاهرة. ووصل هذا العمل التخريبي للجهود السابقة ذروته مع الذكري العشرين للصلاة الكبري بين الأديان في أسيزي، والتي دعا إليها يوحنا بولس الثاني لأول مرة عام 1986. وعندما سأل منظمو الصلاة راتزنجر العام الماضي كيف ينوي أن يحتفل بهذه الذكري سمعوه يرد بأدب بأنه ليس هناك داع خاص للاحتفال بالذكري العشرين. وفي النهاية تمت إقامة الاحتفالية _ بعد تقليصها إلي يومين _ وكان من عداد المعجزات أن تصل رسالة تشجيع من البابا، وقد كان المنظمون أنفسهم واثقين حتي عشية الاحتفال أنها لن تصل.
في تلك الرسالة، وبعيدا عن كلمات الرثاء الواجبة لذكري يوحنا بولس الثاني، كان المهم هو إصرار بندكت السادس علي أن كل واحد كان لابد أن يصلي صلاته، وألا يتم الخلط بين الصلوات، وأن يتم تحاشي النسبيات . حوار نعم، ولكن مع تخندق كل واحد في بيته ودينه. لا صلاة مشتركة، لأن كل واحد يصلي إلي ربه، وليس إلي الإله الواحد الذي كان يدعو إليه فويتيلا. التمييز بين رب الكاثوليك ورب المسلمين لم يولد إذا في راتسبون.
أما كون البابا بندكت السادس عشر في مناسبات متعددة قد أعرب عن رغبتة في متابعة الحوار مع الإسلام، فهو لا يغير التحول النوعي الذي شهدته آراؤه. فبدلا من الانطلاق من الإله المشترك بدا جوزيف راتزنجر معذبا من القلق الذي تحمله رسائل العنف، حسب قوله، الداخلة في نسيج القرآن. ووصلت الغرابة قمتها عندما ظهر وهو رئيس الدولة والكنيسة متشككا من القدرات الحقيقية للعقيدة الإسلامية علي التكيف مع مشكلة المدنية العلمانية. ومثل جميع أولئك الذين ينكرون قيمة الوحي القرآني يقال إنه تلح عليه تساؤلات تتعلق بالدين الذي قلص لفترة طويلة مساحات التفسير المرن للنص المقدس، والذي في كثير من أنحاء العالم اليوم يخضع لتوجيه أصولي ، وتشارك في فصيله المتطرف فلول الإرهاب المجنونة. وترجمة هذا في سطور قليلة: تحديث الإسلام!
كانت هذه هي الأفكار التي أراد جوزيف راتزنجر أن يذيبها في محاضرته العلمية في رحاب جامعة رجنسبرج، وهو يرسم في رحاب تلك الجامعة صورة الدين الذي يتزاوج مع العقلانية ولهذا السبب نفسه يجب أن يبعد عن العنف. ولكن البابا الألماني كان قد نسي في تلك المناسبة أن العالم ليس قاعة محاضرات جامعية وأن التحولات في مجتمعات الآخرين لا تحدث بناء علي ما يدور في أروقة الجامعة مثلما بدا أن بندكت السادس عشر قد توصل إلي تصوره. كما نسي كذلك أنه رغم كونه بابا فإن لا يستطيع أن يفرض شيئا علي أي من كان.
وبناء عليه لا يجب أن نتوقف علي الإساءة القميئة التي وجهها بابا الكاثوليك إلي النبي وإلي القرآن، وفوق كل شيء إلي جوهر العقيدة الإسلامية في ميونيخ وراتسبون. يجب أن نذهب إلي ما هو أبعد. إن البابا بالتأكيد حر في أن يفكر وفي أن يقول ما يحلو له. وهو حر في أن يعتقد بأن دينه هو الأجمل والأكثر تسامحا والأكثر عقلانية والأكثر مرونة. ولكنه ليس لديه الحق في سب أو اتهام الديانات الأخري بأنها استاتيكية ومتخلفة وعنيفة وغير عقلانية وغير متسامحة. هو حر في أن يحكي العجائب والمعجزات التي أتي بها هذا القديس أو ذاك. ولكن ليس لديه الحق في أن يسب أيا من كان لمجرد أنه لا ينتمي إلي نفس دينه ولا يقاسمه فكره. هو حر في أن يأخذ صفة عالم اللاهوت ومفسر نصوص دينه وأن يبحث في كتبه المقدسة وأن يحلل المسرة التاريخية لعقيدته وأن يعترف بالأخطاء والأعمال الوحشية وأن يطلب عنها المغفرة، كما فعل فويتيلا عن الجرائم التي ارتكبتها المسيحية في الماضي، ولأن الكهنوت المسيحي كان يسب اليهود لما ارتكبوه في حق المسيح حتي وقت قريب مضي. ولكن ليس من حقه أن يتجرأ علي إهانة العقائد الأخري بارتجال مقارنات غير صحيحة واللجوء إلي استشهادات تاريخية مسيئة، وهو يعرف أنه يسيء بها! هو حر في أن يقرر العلاقات التفضيلية بذلك الدين أو بغيره وأن يوثق العلاقات مع الدين الذي يري أنه يقترب إلي دينه أكثر. ولكن علي شرط أن يمضي إلي آخر الطريق وأن يتحلي بشجاعة التخلي عن الرغبة الزائفة في الحوار مع الأديان الأخري والذي يستبعده مسبقا. وألا يرسل مبعوثيه وسفراءه إلي كل مكان لكي يشرحوا ما لا يمكن شرحه.
كما أننا أحرار نحن أيضا في انتقاد البابا بطريقة متحضرة. ونخالفه فيما يحكي ويقرر في جدله اللاهوتي، دون أن نسيء إلي معتقداته أو دينه، والذي ينتمي إلينا نحن أيضا. ولكن من في العالم الإسلامي يمكنه أن يتحمل عبء ومسئولية الرد علي البابا باسم الإسلام ولصالح المسلمين؟ إن الإسلام لا يعرف لا الكهنة ولا القديسين ولا القساوسة، ولا هذا الكهنوت الذي يميز الكنائس المسيحية. أما المقيمون للشعائر والحافظون لشرع الله فيمثلهم دائما العلماء الدارسون. وغياب هذا الكهنوت شديد التنظيم يجعل الإسلام دينا للجماعة، يتألف من المؤمنين به المتساوين فيما بينهم. ومن ثم فلا يوجد في الإسلام درجة مساوية للبابا يرخص لها بالرد عليه أو دحض فرضياته. مع الاحترام الكامل الواجب لشخصية المفتي لدينا ومهام وظيفته، والتي تتبع وزارة العدل، وله قانونا واجبان: رؤية هلال رمضان وإبداء الرأي لوزير العدل في حالة الحكم بالإعدام. وهو يعين من السلطة السياسية. والإمام الأكبر شيخ الأزهر أيضا، والذي لا يكف عن أن يؤكد لكل المتحدثين إلي فضيلته أنه لا يمثل جميع أهل السنة، وهو بالفعل ليس بابا أهل السنة، هو أيضا، رغم علو مكانته وشخصيته القانونية والدينية، يتم تعيينه بواسطة رئيس الجمهورية.
وهنا نطرح بجدية مشكلة كيفية التحدث إلي بابا الفاتيكان. وقد يقترح أحد طريق الحوار بين الأدبان . ولكن راتزنجر نفسه، ربما لإغلاق قناة الاتصال الوحيدة الرسمية مع الإسلام ، هو الذي أجهض مجلس الحوار بين الأديان ، والذي كان يقوده الصديق وعالم الإسلاميات مايكل فيتزجيرالد، والذي يعمل حاليا رسولا بابويا (سفيرا) بالقاهرة.
والحقيقة أن الأديان لا تتحاور، ولكن الأشخاص، في حياتهم اليومية، وفي قناعاتهم الذاتية (الثقافية والدينية والسياسية الخ) هم الذين يبنون علاقاتهم عبر الحوار والتعايش السلمي. والحوار الرسمي المسمي بين الأديان أصبح أحد الطقوس الاجتماعية الدعائية لاستعراض الأزياء الدينية الملونة، وخاصة إذا كانت وراءها هيئات واتحادات، أو ما هو أسوأ، وأعني الحكومات. وهو صيغة أثبتت فشلها الذريع منذ فترة طويلة.
وقد يقترح ثان الطريق الحكومي. مؤكد! فالبابا يتحدث أساسا كرئيس دولة الفاتيكان، ومن ثم فهو يتحدث كرجل سياسة. وإذا كانت هذه هي السياسة الجديدة للفاتيكان في مواجهة الإسلام، فعلي الدول الإسلامية أن تتخذ إجراءا تجاه هذا الموقف الجديد وتحاول التعمق في أسباب التحول عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة والتحرك بناء علي ذلك. ولكن كيف التحرك؟ إن وسائل السياسة والدبلوماسية لا تنتهي، ولن أكون أنا بالتأكيد من يقترح كيفية استخدامها.
علي أي حال ينبغي أن نتوقف عن الإحساس بالإهانة في كل مرة يمس فيها ديننا أحد الكاردينالات أو الأساقفة أو الباباوات بطريقة فظة ومسيئة. وينبغي أيضا أن نكف عن الرد العاطفي علي أي هجمات أو انتقادات. لا ينبغي أن نسقط بين فكي عقدة الاضطهاد ونري مؤامرات ليس موجودة بالفعل. لنعهد بالرد الدبلوماسي إلي السياسة، ولنحاول أن نرسخ علاقات التعاون الثقافي والعلمي مع الجامعات الكاثوليكية المنتشرة في أنحاء العالم، ونكون مجموعات بحثية ونكثف اللقاءات ونبتكر المناسبات التي تهيئ المواجهة الحضارية للمشاكل، لا المشاكل الدينية، وإنما مشاكل التعايش السلمي اليومي بالاحترام المتبادل للهوية والكرامة للجميع. وفي هذا المجال فإن رابطة الجامعات الإسلامية يمكن أن تلعب دورا أساسيا من خلال خبرتها الطويلة في العلاقات والمبادرات مع الجامعات الغربية.
ينبغي أن تكون قوتنا هي السكينة والهدوء في مواجهة هذه المواضيع، لأن علي عاتق البابوية الحالية تقع مشكلة أفدح. وتتجسد هذه المشكلة في الحضور القوي للإسلام في إيطاليا ودخوله كشخصية دينية في المحيط العام. وهو حضور غير مرغوب فيه لدي البعض ويسبب إزعاجا مستمرا لا ينتهي ولا يمكن تحمله. ذلك أن مجرد حضور الإسلام يعجل بإجابات علي مسائل جوهرية تخص العلاقات بين الأجواء المختلفة، وهي مسائل ظلت دائما مسكوتا عنها أو مؤجلة عن عمد إلي لحظة الاحتضار.
والإسلام يفجر مشكلة العلاقة بين قانون الدولة والقانون الديني ، وبين قانون الدولة وحقوق الفرد، بين عقل الدولة وعقل الكنيسة. هذا هو ما غيره الإسلام في بلد لا يزال غير قادر، لوجود دولة الفاتيكان علي أرضه، علي الاعتراف بأي نموذج للتعايش في سياق التعددية الدينية، ناهيك عن ممارسة هذا النموذج. وهذه هي العقدة الضخمة التي يجب حلها والتي تؤرق فاتيكان راتزنجر وتصيبه بالتوتر.
أستاذ فقه اللغات الرومانسية ونائب رئيس جامعة فلورنسا وعضو نشط في حركة الحوار بين الأديان
|
|
|
وول سونيكا يتساءل في باريس:
هل انتهي الاستعمار؟
بمناسبة مرور خمسين عاما علي المؤتمر الدولي للكتاب السود , عقد في جامعة السوربون بباريس مؤخرا احتفالية حضرها 63 كاتبا من أفريقيا وأمريكا الشمالية والقي فيها الكاتب النيجيري وول سونيكا الحاصل علي جائزة نوبل للآداب عام 1986 خطبة عن العنصرية وقال فيها : منذ نحو عام , قبلت أن أكون رئيسا للجنة الافريقية للثقافة وذلك بناء علي طلب من زوجة صديقي العزير الراحل دويب وبمباركة ايميه سيزار. لقد قبلت لان أخي الكبير الراحل عومل معاملة سيئة من الحكومة النيجيرية المسلحة أثناء المهرجان العالمي للفنون النيجيرية في عام 1977. وبصراحة أن قبولي ليس إلا تسديد ديوان باسم الوطنية. لقد حاول عليون دويب طوال حياته اثبات حق الوجود الافريقي في الحياة واثبات أن السود مبدعين ومفكرين يحاربون في الظلام وفي النور. الاستعمار مازال موجودا , فهناك مؤسسات تستعمرالعقول وتدمرها. هل انتهي الاستعمار؟ لا. بل ومازال الخطاب التمييزي موجودا وحيا بيننا. أيستطيع الزمن أن يدوي جرح اهانة البشر؟ مستحيل. أن من يقول عكس ذلك أما أن يكون واهما أو حالما... وفي كلا الحالتين فهو مجنون. فالحقائق ولاحصائيات تؤكد أنه منذ انعقاد المؤتمر الأول للكتاب السود في خريف 1956 وحتي اليوم , انخفضت العنصرية في العالم ولكن بعدما حطمت الكثيرون في طريقها. ولعلنا نذكر ما دفعه نيسلون مانديلا ثمنا للوقوف ضد العنصرية في جنوب أفريقيا. أعتقد وفي رأيي أن العنصرية لاتزال حتي اليوم قضية شائكة وصعبة. ونذكر في النهاية هؤلاء الذين يعتقدون أن العنصرية نتيجة لآفعال الآخرون وليس من صنع أشخاص من أصل أفريقي: ولكن هؤلاء الآفارقة لم يحركوا سكانا ضد النظام العنصري وإنما اضطروا إلي إجابة دعوة النظام العنصري المهين. والذي لايفهم ما أقوله فلينظر إلي ما يحدث في دارفور .
ت: شيماء سامي
|
|
|
اليابان: الحداثة زائد الدين
فيليب يونس
ترجمة: محمد برادة
حظيت اشكالية علاقة الحداثة بالدين باهتمام كبير في تحليلات المؤرخين والسوسيولوجيين والفلاسفة وفي كثير من المناقشات والخصومات الجدالية التي عرفتها الساحة العربية طرحت هذه المعضلة إما من منظور يتوخي ابراز التعارض بينهما أو من منظور يحرص علي التوفيق بين أغراضهما... وفي كلا الموقفين لا نكاد نعثر علي تفكيك موضعي لما ينطوي عليه مفهوما الحداثة والدين من تمايزات واختلافات ونقط التقاء في الآن نفسه.
ولعل تجربة اليابان التي تزاملت انطلاقتها الحداثية في نهاية القرن 19 مع محاولة انطلاقة النهضة العربية تبدو مجالا ملائما للمقارنة والتساؤل خاصة وأن اليابان استطاع أن ينغمر في الحداثة محققا حصيلة مبهرة ومكيفا الدينين الأساسيين: البوذية والشنتو، مع مقتضيات الحداثة من دون أن يضخم الحدود الفاصلة بين الديني والدنيوي. وفي العرض التالي نقرأ ملخص حوار بين باحثة فرنسية وباحث ياباني حول تجربة الحداثة والدين في اليابان.
هل نحن ذاهبون نحو تسامح أكثر، أم علي العكس نحو المزيد من الصراعات الدينية؟ يبدو أن هناك اتجاها إلي التفكير بأن هذا السؤال يطرح بمصطلحات متطابقة عبر العالم ثم يعود ليقيم تعارضا بين الحداثة التي تحتوي علي الدين كعامل هوياتي من بين عوامل أخري، وبين النزعة المحافظة الثقافية التي تطابق الحداثة بالهوية الأساس.
في الفترة الأخيرة جرت مناقشة حول (الدنيوة وأشكال جديدة للتدين) بالبيت الفرنسي الياباني في طوكيو وشاركت فيها دانييل هيرفيوليجي باحثة في سوسيولوجيا الأديان ومديرة المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية وسيزيمي شمازونو الاستاذ بجامعة طوكيو. وقد ألقي هذا الحوار الضوء علي أهمية الأسس التاريخية والثقافية في إدراك مثل هذه الاشكالية.
ان كلا من اليابان والغرب المسيحي 'أوربا الغربية وأمريكا الشمالية' يشتركان في كونهما غائصين في الحداثة. إلا أنهما يختلفان حول نقطة جوهرية: هي أن الحداثة اليابانية المنافسة إلي حد ما للغرب ليست 'غريبة' تماما وتنحو إلي إلغاء النموذج الذي طالما استندت إليه سوسيولوجيا الأديان والذين يرون أن الحداثة تتسع وتنمو من حال معارضتها للدين. حسب هذه الأطروحة تفهم الحداثة بوصفها حركة يتلاءم داخلها الصوغ العقلاني العلمي وتأكيد استقلالية الفرد الفاعل المتمتع باختيارات من بينها حرية اختيار الاعتقاد أو اللا اعتقاد وتوفر المؤسسات علي التخصص. مثل هذه الحداثة ستسيد من خلال انتزاع نفسها من الكون 'اللامعقول' الذي يهيمن عليه الديني. وتتحقق الدنيوة علي أساس عدم أهلية القانون الديني لأن يكون أساس للحياة الاجتماعية (لايعود الدين هو المبدأ المنظم للحياة الاجتماعية) وعلي أساس إنقاص تحكم مؤسساته في الرد، هذا علي الأقل، هو مسار الحداثة في الغرب التوحيدي.
أما في اليابان المتعدد الاديان حيث يتعايش دينان كبيران (عبادة الشنتو القائمة علي الأرواجية وتمجيد الأجداد ثم البوذية) اللذان حققا إلي منتصف القرن 19 توفيقية لافتة واللذان لاتلغي ممارسة أحدهما الآخر، أو كما يقول البروفسور شامزونو 'لاشك أن استعمال العقل قد اصطدم بالمعتقدات لكنه أبدا لم يبعدها'. ان اليابان الذي يشترط دستوره فصل الدين عن الدولة وهو مثال للحداثة التي تعايشت مع 'لامعقولية' المعتقدات في خضم إلا هبات صغيرة من عبادة الشنتو ولممارسات البوذية. واليابان الذي لايميل كثيرا إلي الغلوصية يوحي بأن الإبقاء علي تدين طاف نبحث داخله علي تهدئة النفس أكثر من بحثنا عن الحقيقة لايعني بالضرورة أنه مرادف لرفض الحداثة.
ان فرضية الخفاء الديني وسط الحداثة قد دحضها ما اكتشف في الغرب ما بين 1960 و 1980 من تناسل متعاظم للاعتقاد في مناطق النشاط الاجتماعي الدنيوي والتي كانت تعتبر مناطق انتزعت من لامعقولية المعتقدات الدينية بحسب ما أكدته الأستاذة دانييل.
إنه رد فعل علي 'فسولة العالم' وفتور حماسه، وبحث عن جواب علي القلق البشري وعلي تساؤلات الحداثة نفسها. وعودة الروحية هذه إلي المشهد العمومي إنما تتم عبر أشكال معدلة وفق حاجيات الأفراد. إلي هذا 'الإيمان' المفتت المتحدر من تلفق للتقاليد الغربية والشرقية الممتزج بلجوء إلي تدين سحري يضاف ما أتاحه العلم من انبثاق لمعتقدات جديدة خالية من التعصب بل هي تغذي ظلامية مستجدة حسب تعبير الأستاذة دانييل.
مصادر جديدة لمضي الوجود
في اليابان الذي لم يعرف انكفاء للديني، فإن موجات التطلع إلي الروحي كجواب علي لاينيات الحداثة (نهاية القرن 19، أعقاب هزيمة اليابان، أزمات الرأسمالية) قد تجلت أيضا من خلال تفريخ طوائف جديدة لها أحيانا تبشير مناضل ومن خلال ظهور خليط من المعتقدات المستقاة من منابع مختلفة. في الحالتين معا اليابانية والغربية فإن أنساق معني الأديان المماسة قد عوضت بطوائف تكونت حول تجارب أو انفعالات يسعي أتباعها من خلال هذه المشاطرة إلي مجاورة وعي مسرف في التمركز حول الذات. وهذا البحث المتطلب عن مصادر جديدة لمعني الوجود ليس من صنع فئات متأخرة بل هو صادر غالبا عن أشخاص تكيفوا مع الحداثة. وبشير شمازونو إلي أنه في اليابان 'حيث الدين ليس بالضرورة نسقا' فإن هذا الازدهار لمعتقدات يوحي بها 'العصر الجديد' والمعاد تشكيلها أو المطعمة بتقاليد محلية قد ولد روحانية منفشية تذوب الحدود بين الديني والدنيوي وتندرج ضمن تدين دنيوي غائم القسمات. في أديان الكتب المقدسة يكون الايمان والممارسات اللذان يعبران عنها هما الوثاق الرابط بين الانسان والله، لكن بالنسبة للبوذيين اليابانيين يكون الدين طريقا نحو الحكمة المتعالية، بينما في عبادة الشيتو الشعبية يكتفي الدين بأن يمجد الحياة والطبيعة من دون مقابل أخلاقي أو ممارسة خاضعة للتحقيق.
ان تسامح البوذية اليابانية التي لم تسع إلي اجتثاث الدين الأهلي بل علي العكس، أدمجت إلاهيات الشينو ضمن مجمع آلهتها، قد حبذت هذا الشكل من التدين، وعلي مستوي المؤسسة فإن هذين الدينيين مفصولان إلا أن المعتقدات التي يشيعانها ليست، في أذهان الناس مقتصرة علي كل منهما.
ان هذا الاستعداد الفكري لايهيء الطريق للأصولية. والحرب المقدسة هي صورة صراع غير معروفة كثيرا في الأرخبيل الياباني: صحيح أنه كانت هناك حروب بين طوائف، لكن لم يكن الرهان هو العقيدة بقدر ما كان حول السلطة أو الأرض، لقد كان اجتثاث المسيحية في بداية القرن 17 متصلا بالإرادة السياسية للشوكون: إنه لم يدبر من لدن البوذيين ولا هم تبنوه. وعندما ارتقت عبادة الشينو إلي مرتبة دين للدولة من نهاية ق. 19 إلي هزيمة 1945، فقد استعملت بالتأكيد كدعامة إيديولوجية للسكرتارية، لكن العبادة نفسها ليست تبشيرية.
مزيد من التسامح أم صراع ديني أكثر؟ تري الأساتذة دانييل أن الحركتين معا (التسامح والصراع) مترابطتان وأن جميع الأديان الكبيرة مخترقة بهذه النزعة المزدوجة. وفي حالة اليابان، باستثناء انحراف الشينو عندما غدا دينا للدولة، فإن مسار الديني يبدو كأنما يتلاقي الاندفاعات الراديكالية.
|
|
|
محاولة إصلاح ما أفسده البابا
رسالة ايطاليا:جمال الغيطاني
علي الرغم أن هذا المؤتمر كان مقررا منذ حوالي عام، إلا أن التداعيات المترتبة علي تصريحات بابا الفاتيكان القت بظلال كثيفة علي المناقشات التي جرت خلال يومين بإحدي ضواحي مدينة روما، وكما قلت للمشاركين فإن محاضرة البابا قد سددت طعنة قاتلة إلي الجهود التي تبذل منذ بداية العصر الحديث لاثراء الحوارات بين ضفتي المتوسط، بين الإسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، هذه الآراء التي أعلن عنها البابا أججت حملة ترتد بالانسانية إلي العصور الوسطي، وبالتالي تبدو تلك المؤتمرات التي تعقد الآن غريبة في هذا المناخ الغريب علي الزمن الذي نعيشه، لقد ظننت أن التدخل في عقائد الآخرين قد ولي.
لم افاجأ عندما أعلن بعض المشاركين موقفا يتفق مع ما قلته بوضوح وصراحة حادة، مثل الكاتب اليوغسلافي بريدريك ميتائيفتش المشرف علي المؤتمر، وهو مؤلف أحد أجمل الكتب عن البحر الأبيض المتوسط وقد صدرت ترجمته العربية في المغرب عن دار توبقال، ويعد منذ سنوات كتابا عن الخبز في المتوسط، كذلك الكاتب الفرنسي الذي يجيد اللغة العربية تيري فابر، ما فوجئت به موقف الأب هنري تيسيه أسقف الجزائر، الذي اتفق معي في ضرورة احترام عقائد الآخرين، وتكثيف الترجمة بين الضفتين حتي يسهل معرفة كل طرف للآخر، لقد سعينا نحن لترجمة التراث الغربي، في العلم والأدب، أشرت إلي بيت الحكمة في بغداد خلال القرن الرابع الهجري، ودار الحكمة في القاهرة في نفس الفترة، ومنذ بداية القرن التاسع عشر اتجهنا غربا، فالانفتاح جاء من طرفنا، ارسلنا البعثات إلي الغرب، وتعلمنا منه، وسلكنا طرقه، غير أن معرفة الجانب الآخر بنا ظلت ناقصة، حتي أن نجيب محفوظ اضطر الي تقديم نفسه في كلمته بمناسبة حصوله علي جائزة نوبل، بعد ان ظهرت مقالات في صحف الغرب تتساءل عن نجيب محفوظ الذي منحت له الجائزة.
المؤتمر عقد ضمن نشاط ثقافي متصل بدأ الأسبوع قبل الماضي ويستمر حتي الثاني والعشرين من الشهر الحالي، ينظمه اقليم لازيو الذي تقع به العاصمة الايطالية، بالاشتراك مع مؤسسة البحر المتوسط التي تتخذ مقرا لها في نابولي.
لم أتصور أن الصديق بريدريك ميتائيفتش عنده جديد عن البحر الابيض ، بعد أن قرأت كتابه، في محاضرته أفاض في الحديث عن الرمزية في البحر الأبيض، تساءل عن السبب في تسمية البحر بالأبيض، قال انها رمزية الألوان، لقد كان يرمز إلي الغرب بالأبيض، وإلي الشرق بالأحمر، أما الأسود فكان يعني الشمال، اطلق عليه العرب البحر الابيض، وجدوا في البحر قرينا للصحراء، التشابه بين الكثبان الرملية والامواج، الريح هي هي، الماء يتغير من ساحل إلي آخر، افاض بريدريك ميتائيفتش في شرح دلالة البحر عبر اللغات المختلفة غير أن المحاضرة التالية للأب هنري تيسيه أسقف الجزائر اقتربت من المشاكل المثارة.
***
في هدوء تحدث الاب هنري تيسيه اسقف الجزائر، أشار الي اختلاف وضع المسيحية في المغرب العربي عن المشرق، لقد كانت موجودة بقوة من قبل ثم عادت مع الاستعمار، خاصة الجمعيات التبشيرية التي ركزت علي منطقة القبائل، ثم تحدث عن موقف أسقف الجزائر دوفال الذي تولي الاسقفية منذ عام اربعة وخمسين حتي اثنين وستين، أي في الفترة الحساسة التي اندلعت فيها الثورة، كان علي رأس مجموعة من رجال الكنيسة انضموا الي الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار، ثم تحدث عن اختلاف الواقع في التسعينات، عندما استهدف المتطرفون في الجزائر المسيحيين، وأشار الي المقالات التي كتبها صحفيون جزائريون مسلمون تضامنا مع المسيحيين المستهدفين، ثم قال ان الاحكام المسبقة تعمق الفروق وتزيد التوتر.
ومما يؤسف له أن الصراع يحتد والهوة تتسع، أشار إلي صعوبة منح تأشيرات السفر الآن الي دول أوروبا، وصفها بانها سياسة التأشيرات القمعية والتي طالت حتي بعض الشخصيات الثقافية المرموقة التي دعيت الي منتديات الحوار في أوروبا، تحدث عن المناخ الثقافي الذي ساد الجزائر قبل ظهور تيارات التطرف ساعد علي التعايش بين الإسلام والمسيحية، قال انه شارك أول أمس في دفن راهبة استجابت لدعوة الاسقف دوفال وضعت خدماتها تحت الثورة الجزائرية، وركز في نهاية كلمته علي ضرورة ما اسماه بمصالحة الذاكرة، أي تجاوز خلافات الماضي الي المستقبل.
***
من تونس جاء الدكتور عبدالمجيد الشارفي، الاستاذ بجامعة بنوبة، القي بحثا رصينا عميقا بعنوان 'بحر وثلاثة أديان' اشار فيه الي وجود ديانات أخري صغيرة في البحر الابيض لم تلق اهتماما من المؤرخين والباحثين، وقال ان مؤسسي الامبراطوريات كانوا في حاجة الي تبرير باسم الدين وكذلك بعض القوي السياسية في العصر الحديث، استغلال الدين يتم علي جبهات مختلفة، بدءا من استخدام المجاهدين في أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي، وما ان انتهي حتي انقلبت التحالفات فأصبح اسمهم الارهابيين لأنهم ضد الغزو الامريكي، برز استغلال الدين أيضا في عمل حزب الله الذي استغل الدين للوصول الي أهداف سياسية، كل طرف يستغل الدين بشكل ما، سواء أنظمة الحكم التي تدعي الحداثة في العالم العربي، أو قوي المعارضة التي ترفع شعارات دينية للوصول إلي السلطة باسم الاسلام، اما عن البابا بند كت فإن رؤيته التي عبر عنها في محاضرته توازي رؤية الاصوليين الاسلاميين وتزيد من هوة الخلاف.
الباحث الايطالي برونوسجري، والمتخصص في الدراسات العبرية، قال ان البحر يمثل جسرا وهذا أفضل من الجدار، قال ان محاضرة البابا أكدت أن هناك عداء في العمق، لقد كانت بمثابة الشرارة التي اظهرت الشقاق، غير أن المناخ كان مهيأ من قبل، قال ان العولمة توفر الوسائل المتقدمة ليس لتوحيد العالم أو تقريب أطرافه من بعضها البعض ولكن لتدميره، 'للأسف محكوم علينا ان ندمر بعضنا بعضا' هكذا انهي برونوسيجري محاضرته بتلك الرؤية المتشائمة.
البروفيسور انريكو فيري رئيس المؤتمر قال معقبا لا يحق لأحد أن يتحدث باسم الله، أو يقتل الآخرين باسم الله.
أحد المستمعين من الجمهور 'ايطالي' عقب مؤكدا علي ضرورة استعادة فكرة التعددية، وان مد الجسور الي الطرف الآخر يجب الا يقتصر علي ارسال الجنود الايطاليين الي لبنان، وطالب بكتابة توصيات محددة عقب انتهاء اللقاء ترفع الي الحكومة الايطالية.
من لبنان جاء الاب جورج جد يقة 'كاثوليكي' القي محاضرة عن مضمون البحر الابيض الثقافي، غير انها كانت أقرب الي عظة الأحد، قال ان مبدأ التناقض يدير معادلة الوجود، وان أي عنف سيواجه العدالة الكونية التي تسهر عليها الآلهة.
عقب نور الدين حشاد الكاتب والمفكر التونسي قائلا انه كان سفيرا لتونس لدي الاتحاد الاوروبي، في الاجتماعات التي كانت تجري منذ عشر سنوات لم يكن هناك من يتحدث عن الاديان، الآن لا نكف عن الحديث عن الاديان، للأسف نحن نعود الي الوراء، من يختفي الآن وراء الاديان يعود بالبشرية الي الوراء، فلننظر الي المستقبل بعد عشرين عاما لن يكون شيئا بعد حضور الصين والهند، انني اتساءل بألم: أين سيعيش أولادنا؟ هل فشلنا في كل شيء؟ ان الولايات المتحدة تفقد الآن روحها التي كانت تتمحور حول الدعوة الي الديموقراطية وأخشي أن تنفجر من الداخل وأن ينفجر معها العالم.
***
في الجلسة المسائية التي رأستها المستعربة المعروفة ايزابيلا كامارا ديفلتو، أكد فرانكوريس الاكاديمي الايطالي، ان الحوار مع الضفة الجنوبية يجب الا يتوقف، وانه لمكافحة الاصولية المتطرفة علي الجانبين يجب أن نضع أمام أعيننا بعضنا البعض، البحر الابيض ربما يكون رمزا للحوار، للتبادل الفكري والمادي، لكن من ينكر اننا في لحظة سوء تفاهم كبري؟
***
ثم تحدث الاديب والمفكر الفرنسي تيري فابر، وهو يتقن اللغة العربية، ومن أبرز المدافعين عن التقارب الانساني، وقد التقيت به مرات في مناسبات ثقافية سابقة ويمكن القول انني اعرف أفكاره جيدا. قال تيري فابر انه يجب الاعتراف ان البحر الابيض الآن يحترق، يجب أن نعترف انه حاليا توجد مواجهة بين الاسلام والغرب، اتفق مع الغيطاني الذي قال إن استشهاد البابا بعبارات محددة، يثير احقادا وصراعات ويبعث برسائل مزعجة، لقد ايقنت أوروبا بفشل برشلونة في ديسمبر الماضي، وعدم حضور معظم القادة العرب للقمة يؤكد ذلك، اذن.. كيف نفتح اعيننا علي هذه الحقيقة؟ سوف أتحدث عن الثقافة، الخروج من هذه المواجهة الحالية لن يتم الا باعتراف كل طرف بالآخر، يجب أن تتخطي الذاكرة الحافلة بالصراعات، لقد نسي البابا بينديكت في محاضرته الاسهامات العربية في الثقافة الاوروبية، يجب الا ننسي هذه الاسهامات، ان التعبئة تذهب بمفهوم أوروبا كقلعة حصينة، كما يجب الخروج من التضييق علي حركة السفر، لا أريد أن أكون مركزيا أوروبيا، أنني اتفق مع الغيطاني أيضا في ضرورة تقوية وتكثيف حركة الترجمة حتي يعرف كل طرف آخر.
الروائي المغربي سالم بن حميش قال انه متوسطي بالنسبة لثقافتي، أتحدث عن تقاليدي الموروثة، ثم تلا أبياتا شعرية من محيي الدين ابن عربي الشيخ الأكبر، مطلعها: ادين بدين الحب، واشار الي نص فولتير الذي كان عنوانه 'مديح الاسلاميين' ودعا الي قراءة جوتة ونيتشه مرة أخري لكي ندرك الي أي حد اختلف الامر عما كان عليه في القرن التاسع عشر، اننا نواجه نقصا في المعرفة والغريب ان المعرفة الآن أقل من الماضي، هذا كله مصدره رفض الاسلام، وبعض المتطرفين من جانبنا.
بريدريك ميتائيفتش، أكد في نهاية اللقاء أن أخطر شيء علي البشرية هو تصادم الثقافات وتعميقه، البابا أحزنني كثيرا، لقد ارتكب خطأ كبيرا من المؤسف أن يتحدث الجميع عن ضحايا مركز التجارة العالمي ولا يتحدث احد عن ثمانية آلاف قتلوا من المسلمين في مذبحة سربنتسا خلال يوم واحد، انني أطالب أيضا المسلمين في مراجعة نظرتهم إلي الآخرين إلي العالم.
|
|
|
شخصيات لا تنسي
حينما كنت طفلا واظبت علي قراءة مجلة كانت تصل إلي والدي وكان بها باب عنوانه شخصية لا تنسي في حياتي ، وكان يتيح لأشخاص عاديين أن يتحدثوا عن أشخاص في حياتهم اليومية أثروا في مسارهم.كان عمري آنذاك تسع أو عشر سنين وأظن ساعتها أنني قد أصبحت شخصية صلبة، لكنني أيضا كنت أعلم أنني سأنضج أكثر مع الأيام، لذا قررت ألا أرسل مقالا للمجلة أو أنشر قصة أو تجربة.(ولا أدري علي أية حال كيف كان من الممكن أن ينشروا تجربة لفتي في هذا السن!)
وقد مضي الزمن، وصادفت في الحياة العديد من الأشخاص ساعدوني في لحظات حرجة في حياتي وألهموني ودلوني علي العديد من المسارات التي كانت تستحق أن أسلكها. لكن رغم ذلك تظل خيالات وأساطير الطفولة تداعب الفكر بقوة، فهي تمر بمراحل غموض وكمون لكنها تعود بعد سنوات لتلهم المرء بقيم ومثل ومواقف.
من الذين أذكرهم ولا أنساهم في حياتي شخصية جوزيه، الأخ الأصغر لجدي. لم يتزوج خوزيه وعمل كمهندس، وحين تقاعد قرر أن يعيش في مدينة آرارواما القريبة من ريو دي جانيرو.
وكانت الأسرة الكبيرة كلها تقضي أجازة الصيف هناك وتصطحب أطفال العائلة. ولأنه عاش حياته أعزب فربما لم يكن العم خوزيه يملك الصبر علي ضجيج كل هؤلاء الأطفال، لكنها بالتأكيد كانت أوقات نادرة للخروج من وحدته.
ولأنه كان مهندسا يحب الاختراعات فقد صمم غرفةلا تظهر إلا حين نزوره في الصيف، إذ اخترع ونفذ حوائط منزلقة خفية بأسرة مطوية وحين يحرك الحائط تتكون غرفة ويكون لكل واحد من الأحفاد فراشه المستقل. و بعد انتهاءالكرنفال يطوي كل شيء لتعود المساحة مفتوحة ويعود للعمل في تصميمات اختراعاته المبتكرة.
كان العم خوزيه يصنع سيارات، بل اخترع حافلة هي خليط من القطار الصغير و السيارة الجيب لتسع كل الأسرة في نزهاتنا لبحيرة آرارواما.
كنا نذهب للسباحة والاستمتاع بالطبيعة ونقضي اليوم كله في اللعب ، وكنت أتساءل: لماذا اختار أن يعيش وحده في تلك البلدة وهو ثري ويمكنه العيش برغد في ريودي جانيرو؟
كان يجكي لنا عن زيارانه للولايات المتحدة حيث عمل كمهندس في مناجم الفحم وزار وتجول في مناطق غير معروفة بدافع من حب المغامرة. لم يكن أحد يصدقه وكانوا يقولون أنه يكذب في رواية الحكايات ، وكام يرتدي ملابس بسيطة أقرب لملابس العمال البسطاء فكان كبار الأسرة يبدون امتعاضهم ويتعجبون لم لا يشتري ملابس أرقي وأغلي.
وقد كان من أوائل من اشتروا التلفاز في البرازيل، ووضعه علي الرصيف بجوار منزله كي يتمكن الشارع كله من مشاهدة برامجه.
وقد علمني أن أحب الأشياء التي نفعلها من كل قلوبنا وأهمية أن يفعل المرء ما يتمني ويحب بغض النظر عن رأي الآخرين.
وقد آواني حين كنت أواجه مشكلات مع أسرتي كمراهق متمرد.وقال لي ذات يوم: لقد اخترعت ناقل السرعات الأوتوماتيكي للسيارات وذهبت بالإختراع لشركة جنرال موتورز في ديترويت وعرضوا عليٌ عشرة آلاف دولار أو دولاراّ عن كل سيارة تنتجها المصانع بعد تبني تلاختراع فقررت أن آخذ العشرة آلاف دولار ،وأنفقتها في الأسفار والتجوال وعشت أجمل سنين العمر.
وكانت الأسرة تحذرني من قصصه التي يخترعها هي أيضا، ورغم أنني استمتعت بسماع مغامراته، وأعجبت بطريقة حياته ، وتمتعت بكرمه، لكنني لم أصدق هذه القصة..وحكيتها لصديقي الصحفي البارز فرناندو مورايس فقط لفرط حبي لعمي وفي سياق الحديث بشغف عن ذكرياتي التي يكتبها فرناندو في كتاب يروي سيرتي الذاتية.
لكن فرناندو قرر أن يبحث في الأمر ويختبر القصة.ووقع علي مقال موثق طويل أنتخب منه هذه الفقرة التي توجز المفاجأة:
كان أول ناقل سرعات أوتوماتيكي للسيارات من اختراع الأخوين ستيرتوفانت ببوسطن 1902، لكن النظام لم يكن يعمل بكفاءة لمشكلة تتعلق بثقل آلته. لكن اختراعا متطورا لخوزيه براز آراريبيه وفرناندو إيلهي دي ليموس باعاه لجنرال موتورز عام 1932 هو الذي طور نظام الهيدروماتيك الذي سوقته الشركة بشكل تجاري بدءا من عام 1939.
وبما أن الشركة أنتجت ملايين السيارات التي تدور في العالم فإن الأسرة كان يمكنها لو اختار عمي خوزيه الخيار الأول وورثت الأسرة الحق في دولار لكل سيارة لكانت ترفل في ثروة مذهلة. عزائي أن العم خوزيه عندما قرر أن يأخذ العشرة آلاف دولار قد استمتع وهو ينفقها في حياته بسنوات رائعة.
|
|
|
|