|
|
| السنة - | 690 | ه - العدد | 1427 | رمضان | من | 8 | - م | 2006 | أكتوبر | من | 1 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:34:26 ك |
 |
الساعة - |
 |
30/09/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
مشرط روائي يكشف عن الداء:
خلخلة ناموس الحكاية!
مسعودة أبو بكر
في روايته المشرط يخوض كمال الرياحي تجربة الكتابة الروائية غير مستعجل . ربٌما لوعيه بصعوبة هذا الفن وأهمٌيته علي غير ما يتصوٌر البعض ممن يركبون هذا الفن بلا تهيٌب، ويجري في الفؤاد أنٌه الباب الواسع الذي يلج منه كلٌ شيء بلا حسبان.
يتركٌب العنوان من كلمة واحدة : المشرط، يليها عنوان فرعي من سيرة خديجة و أحزانها . فلئن كان المشرط واضح الدلالة يرشح بزبدة النصٌ محيلا علي حدث جرت بذكره المجالس وتناقلته العامٌة عمٌن يشبه السفاح الذي لم يستهدف الرٌقاب أو الرؤوس بل المؤخرات، و مؤخرات النساء تحديدا يهاجمهن في شوارع العاصمة. وكأنٌما الرؤوس أفرغت من أهميتها والرٌقاب ما عادت تّفدِي وتجفدّي. وكأنٌما المؤخرات حازت الإهتمام وعلا شأنها في بورصة القيم المنقولة .
أمٌا العنوان الفرعي فقد غاب وجه الإسم ووجاهته، وغابت الدلالة في اللغة ليظل المعني في كنايته من قاموس شورٌب إحدي الشٌخوص المنحرفة وجماعته.
يتموضع الكاتب في حمٌي المعيش في حاضر الحياة، وسط جغرافية الأحداث حتٌي وهو يستدعي الماضي إلي الحاضر في رمز من رموز الفكر الإنساني ( عبد الرحمان بن خلدون) محاورا تارة و منصتا تارة أخري.
أمٌا الرٌاوي، فيضطلع منذ البداية دور شخصية الشاهد علي صيرورة الوقائع من حوله يقف عند وسط الحلبة في حاضره بين الماضي والآتي، متوغٌلا في الذات الإنسانية، مسائلا وعي الإنسان انطلاقا من أحد الوجوه الراقية في سلم المجتمع المتمثل في العلامة والذي كما يقول نادر الرنتيسي يعدٌ بنظر علماء النفس نمطا راقيا من الأسوياء الذين يتمايزون عن العاديين من الناس ومواجها من جهة أخري المرابطين في المستنقع، في الدرك الأسفل من الحياة ، في الحضيض أمثال شورٌب وجماعته. عند نقطة الوسط يتموضع الكاتب.
يري الفيلسوف الفرنسي GILLES DELEUSE أنٌ للوسط أهميٌة خاصٌة في الكتابة الأدبية ويري أنٌ الأشياء لا تبدأ في مزاولة الحياة إلاٌ في الوسط. والوسط هو الطريق، وهو الحاضر، وهو ما يتمسٌك به الكاتب المبدع ويحقٌق الصيرورة والمرور والقفز والقوٌة الخارقة، واستمرارية التواشج مع الخارج.
قد تبدو الرواية متاهتية في قراءة عابرة. لكن سرعان ما يكتشف القارئ أنٌ الشخصية الشاهدة تشدٌ خيط الوقائع، من جهة، خلف تحرٌكات بقيٌة الشخوص الرئيسية منها والثانوية تتموضع في قلب الحلبة، ومن جهة أخري، علي خطٌ التقاء كل الأفكار المختلفة في مضامينها ومستوياتها وطروحاتها وتفاعلاتها مع المحيط ، وتفاعل الأحداث ليربط بين كل ذلك. يقول GILLES DELEUSE : ينبغي إحلال الربط محل الوجود.
نمضي خلف أوٌل الأتلام في طينة النص فتنبجس كلمة الحقيقة ساطعة بأحرف بيضاء مطوٌقة بالسواد وكأني بالسارد يشير قبل بدء الحكاية هنا مربط الفرس وببلاغ رسمي. تماما مثل بلاغات الموت المجاني الذي يقتحم هدأة البيوتات يندلق من أفواه مذيعي قنوات الأخبار بكلٌ أنواعها، بلاغات عن الكوارث الطبيعية المختلفة واحصاءات القتلي والمغتالين والمذبوحين والمغتصبين والمشنوقين والمحروقين ومقطوعي الأعناق بالسيف والصورة وبرودة الدم، والتائهين والمنبوذين، مع تتبيل المعرض الكوارثي ببعض التفاصيل والصور البليغة، وكما لا تخلو بعض الأخبار من اللبس جاءت بداية هذا النص ملتبسة . لخبطة مقصودة. كبٌة من خيط الحرير الرفيع التي هجتك لفٌها فضاع رأس الخيط واختلط بعقبه.
ثمٌ يبادرنا الرٌاوي في مستهل أخباره عن الهدهد الذي سكن الخروبة المبروكة. هذا الطائر الذي كثيرا ما كانت العامة تربط بنواصيه الأخبار. وله في قصٌة الملك سليمان إخبار عجيب وقاه من عقاب شديد. يليه خبر الثعبان الذي يتسيٌد في موضع غير موضعه. يخلي له أهل البيت المكان طوعا ورهبة. أليس هو الولي الصالح في عداد الخرافة وتفسير الأحلام ؟ أليس هو الذي لا يجوع ولا يبيت في الخلاء ولا يؤذي إلا من يؤذيه! وهنا تظهر المفارقة عبر صورة التقديس والرهبة من قبل أهل الخرافة وحقيقة الثعبان المتسلطة الذي لا يبطن غير السمٌ لكنٌ الكثير لا يعقلون. وتمضي الأخبار المعلٌقة بناصية الهدهد القائم في الخراب. وأيٌ خبر في حجم ذكر المخٌاخ! يمتصٌ ما في الرؤوس ويبث الهلع في النفوس.
ثمٌ يروي الشاهد عن العلاٌمة وكيف أنٌه يرحل إلي عصر تفصله عنه ستة عقود رأي فيه ما لا يقلٌ عجبا عمٌا شهد في عصره المترجرج بالأحداث. وكأني به يروي إلي جليسه الليلي (شاهد الوقائع) رحلة سندبادية في جزيرة من جزر الرعب والسحرة والعفاريت التي طوٌف بها في رحلاته العجيبة محدٌثا إيٌاه وهو يشاطره تدخين سيجارة حديث العجب : عن بغلة تلد مسخا... فينطلق هذا المسخ يتهدٌد الإنسان ويلتهم ما ضمٌ قحف الدٌماغ . فإذا الأجساد كجذوع النخل الخاوية بلا نبض وبلا عقل. إصبع ممدودة إلي المسوخ الإنسانية التي تهيم في عصرنا منبتٌة عن هويتها وكرامتها وطمأنينتها وقد سلب لبٌها وضميرها فإذا الجسد، كما يقول الرٌواي ص 54:
ينساب الجسد، يتحوٌل إلي شيء غريب أشبه بجذع شجرة يابسة اجتثٌته الريح من مكانه ورمت به في شارع مقفر تصطاف فيه الريح ويواقع فيه الوحشةّ الغبارج تتلاشي تضاريس وجهه ويتلاشي إحساسه بها... هو لا يذكر كيف كانت ملامحه، ينتابه شعور بالنسيان وإحساس بالخوف ورؤيا تخلع أقفال مخازنه.
تأتي الوقائع مسرودة بشكل إخباري، ويستبطن المتن سخرية مريرة. وإن بدا النص مثقلا بمدلولاته ومرموزاته ففي بعض المواضع تمتد إصبع الإنتقاد مباشرة إلي العلٌة، إذ النص خطاب نقدي واضح لقضايا المجتمع وأورامه.
إنٌ نصاٌ يحضر فيه ابن خلدون ويحضر فيه شورب وجماعته وبولحية وآدم وحوٌاء ومومس شارع الشوارع ، لدليل علي عصر اختلاط الحابل بالنابل، تعكس مراياه وضع المثقف في نسق اجتماعي غريب. قاموس خطابه ومفاهيمه مرسوم بالفج، فاتح علي الخواء الروحي وقانون العنف والمادةٌ، في مجتمع تحق فيه قولة الماغوط :
نصفه نجوم ونصفه الآخر بغايا
وأشجار عالية
ذلك الشارع المنكفيء علي نفسه
كخيط من وحل.
المشرط نص يتقصٌد خلخلة ناموس الحكاية. هزهزة مجلسها الثابت. إرباك الكتابة وإخراجها عارية مشوشة من مخدعها ومباغتتها حتٌي تطلع بلا مساحيق تجميل، بلا زيف تحت الشمس. فاستمرأت هذا التحدي والإستفزاز وهي تلمح الكائنات تمنح لشمس السؤال عريها بكل ما تستملحه العين وتستقبحه وبكل ما يباركه الوعي ويستهجنه.
هو نصٌ يؤكد أنٌ كلٌ شيء قد قيل، ولكن كل شيء قابل للتعرية بوسائل وطقوس لم تستنفذ بعد، ووسائل تتغير بمتغيٌرات عصرها، فإذا هو نصٌ مضمٌخ بسرٌ إمتاعه وطرافته.
الحكي في هذا النصٌ قد غيٌر أبجديته وأربك المجلس التقليدي لروٌاد حكواتي الخرافة. و السؤال قد بعثر نقاط استفهامه المنكفئة حول استدارة بطنها ببلاهة الخنوع.
أن تصدم بلا هوادة، ذاك هو القصد البيٌن من هذا النصٌ. فمبضع الجرٌاح حاسم في فصده لنسيج اللحم وإلاٌ تاه عن موطن الخلل في العضل العليل.
المشرط نصٌ منفتح ربٌما علي تجربة الرواقصٌة حيث الفصول متصلة منفصلة، تتغيٌر الأحداث والراوي /الشٌاهد /الشخصية الأساسية القابع خلف كاميرا المعاينة، واحد ، يتموضع وراء منسج الوقائع، هو نفسه ... وإن اختلفت الأقنعة.
|
|
|
|