|
|
| السنة - | 690 | ه - العدد | 1427 | رمضان | من | 8 | - م | 2006 | أكتوبر | من | 1 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:55:57 ص |
 |
الساعة - |
 |
30/09/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| أحداث |
 |
|
|
نقطة ناقصة أو زائدة قد تأخذك إلي هناك :
الدفترخانة متاهة الأسماء
أحمد ناجي
يّحكي البرتغالي خوسيه ساراماجو في رائعته ¢كل الأسمّاء¢ عن أرشيف يحتوي عدد لامتناهي من السجلات لحيّاة كل البشر حيث بداخل سجل كل فرد بطّاقات تؤرخ لميلاده وزواجه ولحظات حزنه وسعادته وبالطبع وفاتهم أن كانوا أموات، السجلات موزعة في عدد من الممرات المتشابكة حتي أن جوزيه بطل الرواية الذي وقع في فتنة التلصص ومجطّالعة تلك السجلات كان يربط قدمه بخيط قبل الدخول في متاهة السجلات حتي يتمكن من العودة ولا يفقد طريقه بين الأموات!!
سجلات ساراماجو وبطله جوزيه تبدو إلي حد كبير شبيهة بممرات وسجلات دار المحفوظات ¢الدفتر خانة سابقا¢ الموجودة بجوار القلعة والتي تحوي جميع شهادات الميلاد والوفاة والشهادات الدراسية وكل المعاملات الورقيه للحكومة المصرية مع المواطنين لأكثر من مائه عام تحديدا منذ 1860 وحتي 1961.
فتّاريخ الدفتر خانة يبدأ منذ عام 1828 حين أمر محمد علي بإنشائها لتكون أرشيفا يحفظ فيه جميع أنشطة الدولة المصرية وسجلاتها، ففيها حفظت الوثائق والمراسلات التي تتعلق بعمل الحكومة وشهادات ميلاد ووفاة المواطنين المصريين وكل تعاملاتهم مع الدولة. ومع الوقت تعددت سجلات الدفتر خانة وتضخمت دفاترها، حتي أمر الملك فؤاد الأول الذي كان لديه اهتمام خاص بجمع الوثائق وحفظ تاريخ مصر بعمل لجنة لحصر وثائق القصر الملكي بعابدين وضمها لسجلات الدفتر خانة وعهد بهذه المهمة إلي لجنة أشرف عليها المستشرق الفرنسي ديني الذي أوصي في تقريره بضم الوثّائق التركية والمصرية والأجنبية إلي وثائق الدفتر خانة. وفي 1932 أنشأ الملك فؤاد ((قسم المحفوظات التاريخية)) حيث جمع في الدار جميع الفرمانات الصادرة من السلاطين في تركيا والتي بلغ عددها وقتها 1064 فرمانا صدر أولها عام 1597 مع بداية دخول العثمانيين مصر.ومع بداية الستينات أنشأت حكومة الثورة مصلحة الأحوال المدنية حيث انتقلت عملية حفظ السجلات و الملفات من الدفتر خانة أو دار المحفوظات بالقلعة إلي مصلحة الأحوال المدنية بالعباسية. بينما بقيت السجلات التي تعود إلي ما قبل عام 1961 في دار المحفوظات التي لم يتوقف تعامل المصريين معها حتي الآن لدواعي مختلفة بداية من استخراج شهادة ميلاد للوالد أو الوالدة أو تصحيح اسم الجد الذي سقطت عليه نقطة هنا أو فقد نقطة هناك ليصير مثلا العيوطي اسمه العبوطي!!
دار المحفوظات لا تحتوي فقط علي شهادات المواطنين المصريين العاديين بل هناك مثلا شهادات ميلاد الزعماء والشخصيات الشهيرة وشهادتهم الدراسية، فهناك شهادة دراسة الطالب نجيب محفوظ وشهادة ميلاد محمد سامي البارودي بالإضافة إلي سجلات المحاكم المصرية كمحاكمات ريا وسكينة والزعيم أحمد عرابي وصفقة الأسلحة الفاسدة.
  
لا تزال دار المحفوظات بمكانها بجوار القلعة، الوصول إليها من ميدان جامع السلطان حسن عبر شارع ضيق، بجوار المبني يوجد مسجد صغير نصفه أسفل الأرض عليه لافته خضراء قديمة كتب عليها ¢مسجد العارف بالله الشيخ حسن الروبي¢ حول المسجد و علي سطحه الكثير من أكياس القمامة التي تمتد لحدود مدخل الدار.
المبني نفسه بناء حجري شامخ يغلب علي معماره طابع الهيبة الملكية التي تميز جميع المنشآت التي بنيت في العصر الملكي قبل الثورة، استخدم في بنائه حجارة ضخمة تغطي جدرانه الخارجية ذات اللون الأصفر. دخول المواطنين إليه يتم عبر سلالم عريضة تؤدي إلي بهو دائري و مكتب الأمن، لدي دخولك البهو ستجد علي اليمين صورة سياحية ضخمة و قديمة لمعبد أبو سمبل وعلي اليسار صورة مماثلة لدير سانت كاترين، يبدو منظر الصورتين ملفت الانتباه للزائر فوجودهم غير مبرر.
علي السلالم نفسها يجلس أحيانا عدد من المواطنين في انتظار انتهاء معاملتهم وأوراقهم، بعضهم يدخن سيجارة والبعض يستلقي في كسل ممدا رجليه، هناك أخر وجدته قد أخذ كامل راحته ومدد جسمه واستغرق في النوم. علي السلالم أيضا وجدت الحاج عبد الرسول أحمد عبد اللاه يرتدي العمامةالبيضاء وجلباب بني اللون أتي خصيصا من سوهاج لتصحيح اسم الجد في شهادة ميلاد الأم. فالحاج عبد الرسول الذي يحمل بطاقة شخصية منذ عام 1978 قرر منذ ثلاث أشهر استخراج بطاقة شخصية جديدة عن طريق الكمبيوتر و حين ذهب لاستخراج تلك البطاقة اكتشف وجود خطأ في اسم الأم الذي كتب ¢بسيمه عطيه¢ بينما الاسم الحقيقي ¢بسيمه عطا¢ ولتصحيح هذا الخطأ كان عليه أن يسافر إلي القاهرة حيث دار المحفوظات ليستخرج نسخة من شهادة ميلاد الجد الذي توفي بأربعينات القرن الماضي، وها هو الآن بعد انتظار دام لأكثر من شهر يجلس علي السلالم في انتظار نداء اسمه من خلال الميكرفون لتسلم تلك الشهادة.
معاملات المواطنين مع الموظفين في الدار تتم في قاعة مكيفة وردية اللون، يجلس المواطنون فيها علي كراسي زرقاء حديثة، بينما الموظفون خلف مكاتبهم يفصلهم عن المواطنين حاجز زجاجي، وبين فترة و أخري يظهر موظف قادما من الأرشيف الموجود في الأدوار العلوية يحمل بيده عدد من الأوراق و السجلات، يسلمها لموظف أخر يمسك ¢ميكرفون¢ ينادي من خلاله علي كل مواطن لكي يأتي لتسلم شهادته أو أوراقه. جلست في تلك القاعة بجوار شاب في أوساط العشرينات اسمه ¢روماني مكرم¢ من أسيوط لكنه مقيم بالقاهرة لظروف العمل أتي لتصحيح شهادة ميلاد الجدة حيث اخطأ الموظف وكتبها كمال بدلا من كمالة، كان روماني يحكي لي عن الرحلات المكوكية التي قطعها بين مصلحة الأحوال المدنية بالعباسية و أسيوط ودار المحفوظات حينما قطع حديثنا عاملة محجبة ترتدي جيب جينز ((تشرب شاي)) رد عليها روماني ((لا شكرا)) تبرمت و جاوبته (( شكرا!! خلاص بقي اسمها سوري)).
يبدو المواطنون في الدفتر خانة تائهين في غابة كاملة من التواريخ الأسماء و الأخطاء الإملائية، متاهة حجرية ذات جدران وردية من الداخل يدخلونها بمحض إرادتهم مقابل الحصول علي ورقة لشهادة ميلاد الجد أو الجدة.
|
|
|
|