دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -690ه - العدد1427رمضانمن8- م2006أكتوبر من1 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:36:11 ك الساعة - 30/09/2006 آخر تحديث يوم
      جسر الحنين
قانون تتنفسه فلا تشعر به ..
و معدة قادرة علي هضم جميع ما تقول
هولندا.. الروح الطليقة
سعد القرش
بدا مطار سخيبول في أمستردام، هذه المرة، أقل اتساعا مما كان العام الماضي. لعل ألفة المكان جعلته أكثر دفئا، بما يساعد علي اجتياز مسافة كبيرة، في طقس شديد البرودة.
يعد المطار مدينة كبري، وسوقا يباع فيها كل شيء، اللهم إلا الطائرات. هنا تجد تراث السينما العالمية، وبعض المأكولات الشعبية، وتمثلها سمكة تأتي في هذا التوقيت إلي بحر الشمال، وتبيعها سيدة ترتدي زيا هولنديا تقليديا لم يعد موجودا في الشارع. أما البرج فتري منه مشهدا كليا للمطار الذي يعد الأوسع في العالم، كما تري علي المدي جنة الله في أرضه. ولعل قول المستشرق الهولندي بيتر شورد فان كونينجسفيلد، لي فيما بعد: هولندا دار الإسلام ، تشير ولو ببعض المزاح، إلي أن هذا البلد، الأشبه بجنة تجري من تحتها أنهار كثيرة، هو الروح الطليقة.
والروح لا سلطان عليها: تتحرر من الجسد، لتعود إليه في صدمة الاستيقاظ. ومادام الجسد قويا، فهو قادر علي تحمل الروح حين ترتديه، وإذا أصيب بالعطب، تبحث الروح عن جسد آخر.. فتيٌ قادر علي تحمل نزواتها. لهذا وجدت البوذية حلا لمشكلة الموت، فالميت وأهله لا ينزعجون من فناء جسد يرونه مجرد وعاء لم يعد صالحا، ويجب في إحدي المراحل التخلص منه، كي تبحث الروح عن جسد تتجدد معه.
هولندا هي تلك الروح المتجددة: روح قوية، أو تكتسب قوتها من القانون، أو العقد الاجتماعي، الذي أقره الجميع ويخضعون له طواعية، باحترام يؤكد إنسانيتهم، بعيدا عن الرقابة، أو الخوف من العقاب. لهذا يمكن أن تتجول أسبوعا، في ثلاث مدن كبري، ولا يخدش عينيك، مشهد مصري بامتياز، تصطف فيه عشرات السيارات المصفحة، وتفرض طوقا أمنيا حول مبان مخصصة لأنبل المهن، كالقضاء والصحافة والمحاماة. حدث هذا في القاهرة، أكثر من مرة في الأشهر الأخيرة، وبدا الأمر كأنه مشهد في فيلم عبثي، ديناصور في مواجهة إنسان: أسلحة تكفي للرد علي (أو الثأر من) قتلة الجنود المصريين في رفح، في مواجهة شرفاء يحملون قلما، أو يرتدون وشاح العدالة. ربما يشعر الديناصور أن غيابه أحد قوانين الطبيعة، التي لا تحتمل بقاء أمثاله، ممن يمكن القضاء عليهم بوخزة قلم، لينهار التمثال، ويسقط سليمان علي عصاه.
يتخذ القانون في مصر غطاء لحماية الفساد، وفي هولندا أصبح القانون كالماء والهواء، جزءا من حياتك، تتنفسه ولا تشعر به، وربما يمر وقت طويل حتي تشعر بالحاجة إليه.
هل كان ذلك سبب الصداع الذي لازمني طوال سبعة أيام؟، ربما. لكن السينما، أعظم إنجاز بشري كانت علاجا، يفوق مسكنات واظب علي إمدادي بها، يوميا حتي من دون أن أطلب، المخرج الفلسطيني المقيم بألمانيا عبد الرحمن عثمان، والمنتج السينمائي المصري محمد زين.
فكرة جديدة تماما أن أجرب العلاج بالسينما، أن تسرقني الأفلام من نفسي ومن الصداع الدائم، وهو جهد يجب أن نحيي عليه القائمين علي مهرجان الفيلم العربي العربي بروتردام: مديره الدكتور خالد شوكات، ومديره التنفيذي الناقد انتشال التميمي، ورئيسه محمد أبو ليل، أما الرئيس الشرفي فهو الكاتب محفوظ عبد الرحمن. بيني وبين خالد مساحة من الصداقة والاتفاق علي قضايا كثيرة، كما نختلف علي أشياء كالاحتلال الأمريكي للعراق مثلا. أما انتشال الذي يحمل هم العراق علي كاهله أينما يذهب، فتكفي مقولته التي صارت عنوانا له مشتاقين ، لمدٌ جسور صداقة تبحث لنفسها عن تاريخ ما قبل اللقاء الأول بسنين. فضيلة انتشال، علي عكس بعض العراقيين، أنه لا يملك يقينا فيما يخص عراقا مفتوحا علي كل شيء: المقاومة والعنف الواجب، والإرهاب، والاحتلال المهين لبلاد عرفت الكتابة والقانون والحرية وفكرة الدولة، حين كان الأمريكيون الأصليون والمرتزقة الوافدون لا يدركون هذه الأفكار.
في مجمع سينراما، الذي استضاف عروض المهرجان (30 مايو ايار 2006 حتي 4 يونيو حزيران)، كان يعرض فيلم (شفرة دافنشي)، وقدرت أن الأفلام الآتية من عواصم عربية وأجنبية أولي بالمشاهدة، فلن تتاح لي فرصة مشاهدتها في مكان آخر، أما (شفرة دافنشي) فيمكن أن أشاهده في القاهرة. كنت أفكر بحرية، أو ما تصورت أنه كذلك، وأنا في بلد كل شيء فيه طليق وصريح، ولا شيء يدعو للنفاق أو المزايدة، علي الأفكار أو الإيمان.
كنت متفائلا أكثر من اللازم، فعند عودتي إلي مصر، كانت هناك مفاجأة: صادرت شرطة المصنفات الفنية نحو ألفي نسخة مقلدة من الفيلم، بأوامر جهات رسمية، ثم في مشهد تعبوي، أعلن مجلس الشعب الحرب علي الفيلم والرواية، في زمن عز فيه إعلان حروب الكلام علي أعداء حقيقيين.
في حالة قوة الدولة، هولندا مثلا، قل ما شئت، وأعلن والعن من تشاء وما تشاء، واقرأ واكتب وشاهد ما شئت، فمعدة الدولة والمواطنين تهضم كل شيء، ولها أن تسفيد من هذا أو تلفظ ذاك، بدون إرهاب صاحبه (الإرهاب لغة هو الترويع). هذا بلد مفتوح علي كل شيء، بشرط الوضوح والشفافية: فإذا أردت أن تتاجر في الحشيش فلا حرج. حلال عليك الربح وعلي الحشاشين الكيف وعلي الدولة الضرائب. ليس ضارا بالأخلاق، ولا بالصحة ولا بالنظام العام. ادفع الضرائب المستحقة، وتوكل علي الله. وإذا أردت أن تذهب إلي حي المتعة في أمستردام، ستجد أمامك كل ألوان الطيف، وعليك أن تختار باحترام، ولا تحاول أن تنتهك إنسانية امرأة بأن تصورها خلسة بكاميرا أو هاتف محمول، سيأتيك من حيث لا تتوقع من يطلب إليك بهدوء أن تمسح الصورة، ولن يستخدم العنف المصري في إتلاف الكاميرا أو مصادرة الهاتف.
كل شيء يحدث، بدون مزايدة علي الأخلاق، أو غيرة مصطنعة علي انهيار النظام الاجتماعي أو تكدير السلم العام، أو غيرها من المصطلحات المطاطة الأشبه بجسر ملكي تعبر منه كل شرور السلطة، التي تستر عورتها ببعض الفرقعات.
أما حالة ضعف الدولة فتنتقل لا إراديا إلي مواطين فقدوا الأمل في الدنيا، فبحثوا عن خلاص فردي في العالم الآخر.
أينما تكونوا يدرككم صدام
لا يشعر بالحرية المطلقة التي يتمتع بها بلد مثل هولندا أكثر من العراقيين، ولعل الفضيلة الوحيدة، غير المقصودة بالطبع، لدكتاتور مثل صدام حسين، أن سياساته دفعت هؤلاء إلي الخروج من القبو البعثي إلي آفاق بلا حدود، فانتشروا في بلاد سمحت لهم بالإنجاز اللائق بمواهبهم.
في هولندا، للعام الثاني، أشعر بتفاؤل كلما رأيت الصديقين محمد موسي وعبد الرحمن الماجدي. وقبل أن يمتد بيني وبين الماجدي حوار طويل، لا أدري كيف اقتحم صدام، وبلا مناسبة، نقاشا مع سيدة عراقية، قالت إن العراق تحرر من أكبر دكتاتورية. في تلك اللحظة تذكرت خارطة لبغداد، أطلق علي أحد أحيائها الشرقية (9 نيسان)، وأجهدت نفسي في تذكر المناسبات الوطنية أو الثورية، فوجدتها تقريبا وقعت في يوليو تموز، إلي أن صعقت بتذكر أن 9 نيسان (ابريل) هو يوم الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003!
ولم تبال السيدة العراقية بقولي إن مثل هذا التحرر ملعون، والله الغني عن استبدال عشرات العملاء بعميل واحد اسمه صدام. ما معني أن تذهب دكتاتورية محلية الصنع، ويأتي احتلال يدمر في أشهر أضعاف ما دمر صدام في سنوات، ليعود البلد إلي ما قبل العام صفر. ما حدث للعراق يشبه زوجة تعاني مرضا نفسيا، يدفعها لأن تستبدل بزوج قاس لا تحبه مغتصبين ساديين لا يحترمونها ولا يحبهم أبناؤها. وقال صديق تونسي، ونحن في بهو الفندق: والله هذا عجيب ما نسمعه من بعض إخواننا العراقيين، إذا كانت بلادهم تحررت، فلماذا لا يعودون ليستمتعوا بثمار هذه الحرية؟
بصحبة عبد الرحمن الماجدي، كنت قد تجاوزت الجسر المعلق فوق نهر الراين، وقال لي وهو الشاعر العاشق للحياة إنه لا يريد العودة إلي عراق ملطخ بالدم. هذا حقه، فلا يتصور أن يقوم بإزهاق روحه من أجل أي شيء، أو أي أحد. وقدرت منطقه، وقلت له إن الحياة تستحق أن نعشقها، وتذكرت عنوان الديوان الأخير لمجدي الجابري (الحياة مش بروفة). وقلت لعبد الرحمن: يجب ألا نفرض وصايتنا أو تصوراتنا للحياة والحرية والاستقلال علي أحد، هناك من يستعدون للتضحية، وعلينا ألا نخذلهم بسلبيتنا. ومن السذاجة تصور أن أمريكا أتت لتخلص العراق من طاغية صنعته ودعمته حتي بعد إخراجه من الكويت: فلولا مساعدتها له لسقط نظامه عام 1991 في انتفاضة الشيعة وغيرهم. ولن تخرج من العراق إلا إذا أيقنت أن بقاءه فيه أكثر تكلفة من انسحابها منه. وذكرته بفيلم تسجيلي عرضه التلفزيون المصري، في بداية شهر مارس آذار عام 2003، أعلن فيه الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديجول، وهو يخطب في جيشه عام 1959، بلهجة لا تقل حماسة عن هوس شارون وأولمرت بالقتل والتشريد وابتلاع فلسطين، قائلا:
إننا نعيش تمردا دام خمس سنوات وخسارتنا للجزائر كارثة لنا وللدول الأوروبية.
لكن العنف المقدس الذي أدي إلي نجاح ثورة استهلكت مليون ونصف المليون شهيد، غيٌر نبرة الجنرال، في الفيلم نفسه، إذ تحدث عن آفاق التعاون المشترك بين بلاده وبين الجزائر.
المراهنة علي الصمود، كطريق للحرية، ليست مجانية: فلم يكن أكثر المتفائلين يتصور أن ينتصر الجزائريون، إذا ما قارن قوتهم بعتاد دولة استعمارية، ليصبح الاستقلال من قبضة الإمبراطورية الفرنسية حقيقة. وفي ضوء عناصر القوة بمعناها التقليدي المنظور، كانت المقارنة بين القوتين تثير الرثاء، حيث لا تري القوي العمياء إرادة الشعوب، ولا تعمل لها حسابا.
وقلت لعبد الرحمن إنه في حالة اختلال موازين القوي لا يجدي التفاوض: فقد خاض آلاف الجزائريين الحرب العالمية الثانية، ضد الغزو النازي، ثم رفضت فرنسا أن تمنحهم الاستقلال الذي وعدتهم به، فانتفضوا في مظاهرات سلمية، واجهها الجيش الاستعماري بارتكاب مذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف في مدن قسنطينة وقالمة وسطيف. وفي مصر يحاول السذج أن يحملوا الفلسطينيين مسؤولية ما يتعرضون له الآن، قائلين إنهم رفضوا فرصة السلام، في عهد السادات. وتقول الوقائع إن الوفد الإسرائيلي رفض دخول فندق مينا هاوس، إلا بعد استبعاد علم فلسطين. فهل كانوا يقبلون وجود ممثلين لمنظمة التحرير، وهم مصابون بهستيريا لمجرد رفع علم فلسطين؟
كنا قد عبرنا الراين، واسترحنا علي الضفة الأخري، والمطر يهطل بغزارة، والريح تشتد، فتسحب الشمسية بقوة في اتجاه النهر. وأشار الماجدي إلي بطة خرجت من الماء، تلتمس دفقة من شعاع الشمس، وقال إن سيارة إسعاف جاءت، ذات مرة، بعد الإبلاغ عن بطة كسر جناحها. ما أسعد حظ البط في هذا البلد!
اقترحت عليه أن يزور القاهرة، مرة واحدة، كفيلة بكسر ساقه، أو إتلاف سيارته، بسبب مطبات نبتت في كل مكان، حتي مطار القاهرة انتشرت فيه هذه المطبات، علي الرغم من أنه تحت السيطرة!. أسفلت الشوارع في هولندا يخلو من أي مطب، والأرصفة ترتفع عن الأسفلت بضعة سنتيمترات. طوال أسبوع قضيته بين روتردام ولايدن وأمستردام، لم أسمع منبه سيارة إلا مرة واحدة، وحين التفت مندهشا إلي مصدر الصوت، وجدت الصديق خالد شوكات هو الذي يفعلها مداعبا!
في مصر أصبحت المطبات بديلا عصريا للفتوات والبلطجية، الذين كانوا بنادق للإيجار قبل استقواء الدولة، في بداية القرن العشرين. المطبات الرسمية والأهلية المنتشرة الآن في كل الشوارع، تؤكد غياب الدولة، أو هشاشتها.
كانت سيرة صدام قد أتعبتنا، حتي شعرت ببودار الصداع، والمسكنات في الفندق. ونظر الماجدي إلي النهر، وقال إن في هولندا زوجين لا يملكان مسكنا. وقبل إبداء الدهشة أوضح أنهما يقيمان في مركب صغير بمثابة بيت متكامل، يتجول بهما في الدول المجاورة كلما أرادا، وعندما يرغبان في الذهاب إلي أي مكان في هولندا، فعندهما سيارة صغيرة هنا في روتردام.
موسيقي غير الموسيقي
كنت أنتظر صديقي عمرو رياض، للذهاب إلي الدكتور فان في لايدن. وأخبرني انتشال بتأجيل الموعد، واسترحت لأن الصداع اشتد، وكان عبد الرحمن عثمان قد وصل، سألني عن الصداع ولم ينتظر جوابا وأعطاني بعض المسكنات. كنا علي العشاء، ورأي صاحب المطعم التركي أن يقدم لنا أو للرواد تحية، في نهاية الأسبوع، حيث بدأ شابان في الغناء، مع عزف علي الجيتار، تصاعد شيئا فشيئا حتي أصبح صداعا حقيقيا. قلت إن هذا يلائم قوما تمضي أيامهم في هدوء قاتل، وآلية تحتاج قدرا من الجنون المتمثل في كسر الإيقاع. يحتاجون إلي بعض الصخب لتجديد نشاطهم وحيويتهم.
المصريون، الذين تطربهم الموسيقي الهادئة، يعشقون السلطنة مع الكمنجة والعود والآهات، وشمس الأصيل، والأولة في الغرام. لهذا وجدت ألحان الشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي وبليغ حمدي هوي في نفوسهم، علي عكس ألحان محمد عبد الوهاب ذات الطابع الإنشائي، ولنا أن نقارن، في أغنيات أم كلثوم وحدها، بين لحن (الهوي غلاب) و(الأطلال) و(سيرة الحب) من جهة و(انت الحب) من جهة أخري.
ما عزفه الشابان لون موسيقي لا يناسب مصريين يحيون في هذا الضجيج ليل نهار.. من أشرطة الوعظ أو الأغاني القبيحة في السيارات، إلي مكبرات الصوت الخارجة من كيانات صغيرة للصلاة أسفل البنايات، تلك التي تضخ باستمرار نفاقا لله. أما الهولنديون فيتقون الله في كل شيء، وليسوا مضطرين لإشهار نفاقهم، هم منضبطون ربما أكثر من اللازم، يعملون بجد في ساعات العمل الرسمية، طوال الأسبوع، فإذا انتهي العمل فلا عمل، ولهذا يستحيل أن تجد في البلد، يوم العطلة الرسمية، محلا واحدا مفتوحا. البلد كله في إجازة، باستثناء المطاعم والبارات.
هممت بالخروج، تجنبا لصداع أهادنه منذ أيام، وقال عبد الرحمن عثمان إن صديقنا السوري أحمد حسو وصل من ألمانيا، وربما يلحق سمير جريس بالسيدة زوجته التي وصلت بالفعل. سألتها عن سمير فقالت إنه مشغول بترجمة رواية. لم أر أحمد حسو منذ سنوات، حين تقابلنا في معهد جوته بالقاهرة. كان قد انشغل بتحرير مجلة (فكر وفن).
بيروت.. بيروت
اعتذرت لعبد الرحمن عثمان عن عدم تمكني من مشاهدة فيلمه الوثائقي، عن المسلمين في ألمانيا، حيث عرض صباحا في كنيسة أرمينيس المجاورة للفندق. حدثني الرجل الذي يقيم في ألمانيا منذ أكثر من 25 عاما عن صعوبات إنتاج الفيلم، وكيف أن كثيرا من خطباء المساجد رفضوا دخول الكاميرات، بحجة أن هذا سلوك يحرمه الإسلام! إلي أن سمح له إمام تعرض لانتقادهم الشديد!
قال إننا تركنا الشقاق في بلادنا، لكنه قدر! وتذكر أيامه الأخيرة في لبنان، وقال إن بيروت كانت قبلة لكل الثوريين والليبراليين العرب المنبوذين في أوطانهم، بعد انهيار الأحلام الكبري، ولهذا تواطأ كل الحكام العرب علي ضرب نقطة النور العربية الوحيدة، ليستريحوا من هذا الصداع، وسألني عن أخبار الصداع، وكدت أن أحكي له عما فعله السادات، وآثرت الصمت تجنبا للشماتة. رفض السادات إدانة الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1978. ويحكي وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل، الذي استقال فيما بعد أثناء توقيع اتفاقية كامب ديفيد، أنه اتصل بالسادات صباح اليوم التالي للغزو، ليطلعه علي بيان يدين إسرائيل، فسأله السادات: هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟ لأن إسرائيل أبلغته ليلة الغزو أنها ستؤدب الفدائيين.
كان معنا سينمائي شاب، لا أعرف بلده، ليس مصريا ولا لبنانيا، كانت تطل من نظرته، وهو يستمع إلينا، بقايا رومانتيكية. تحمس لعمل فيلم وثائقي عن تلك التجربة الحالة ، وقلت له إن معظم الثوريين عادوا إلي بلادهم بعد أن هزمتهم المنافي، وفشلت فكرة الخلاص الشخصي، وإن أنجزوا بجهد شاق بعض طموحاتهم، منهم يسري نصر الله، مخرج (باب الشمس) مثلا، ولم يكن المخرج الكاتب اللبناني محمد سويد حاضرا، وأيدني عبد الرحمن في أن تجربة العمل الطلابي، التي كان الصديق الفلسطيني رياض أبو عواد مشاركا فيها بقوة، يمكن أو توفر له مادة مهمة للفيلم، وبقي عليه الاتصال برياض في القاهرة، حيث يمارس الصحافة والكسل باحتراف.
كل من عليها فان
كان عليٌ الذهاب بالقطار إلي لايدن، هناك انتظرني عمرو رياض، الذي أنقذه الله من بيروقراطية مصر والأزهر، وحصل علي الماجستير من كلية الآداب واللاهوت بجامعة لايدن، وسينتهي قريبا من الدكتوراه حول أفكار الشيخ رشيد رضا عن الغرب والمسيحية من خلال مجلة المنار. كان في انتظاري زميلاه محمد غالي الذي يعالج في رسالته للدكتوراه قضية (الإعاقة من منظور إسلامي)، ومحمود الصيفي الذي تتطرق رسالته للدكتوراه إلي (فقة الأقليات المسلمة في الغرب). وبجوارهما وقف المستشرق المستشرق الهولندي بيتر شورد فان كونينجسفيلد.
من محطة القطار إلي بيته، قاد الأستاذ سيارته بصحبة أربعة مصريين، يشرف علي ثلاثة منهم، بعيدا عن تضخم الذات الذي أصبح مرضا في الجامعات المصرية، حيث الأستاذ إله، والطالب يجب أن يمر بمرحلة العبودية، فيذوق الذل، ليصبح بعد الحصول علي الدكتوراه مملوكا صغيرا جاهزا للممارسة ساديته علي طلبة آخرين.
لم أقرأ للدكتور شورد شيئا، بل إنني نسيت اسمه، ولم أتذكر منه إلا فان ، وسألته مداعبا لأفتح ثغرة في حوار يستعصي علي الاسترسال: معظم الناس في هولندا يتخذون من فان اسما لهم، فهل هو مثل محمد في العالم العربي؟. أوضح أن فان ليس اسما، وإنما يشبه ياء النسب في العربية، كأن تقول: فلان مصري أو مغربي أو جنايني. وضحك قائلا إن بعض العرب ينادونه دكتور فان .
قدرت في الرجل حماسه لما يؤمن به، ولو كانت زوجته الفنانة التشكيلية العراقية عفيفة العيبي حاضرة، لبدأنا الحوار من منطقة أخري، عن لوحاتها التي تزين البيت الجميل، والتراث التشكيلي العراقي الذي دمره الاحتلال، وعن جواد سليم وجيل الرواد، وعن تمثال أبو جعفر المنصور الذي تم تفجيره العام الماضي. كانت السيدة خارج البلاد، فوجدت في إدوارد سعيد ثغرة أخري.
أسس الدكتور شورد قسم أصول الدين الإسلامي بكلية اللاهوت (الأديان) بجامعة لايدن، لتدريس الفقه والمذاهب والتيارات الفكرية الإسلامية وعلاقة المسلمين بالدول الأوروبية، وستبدأ الدراسة به في سبتمبر أيلول 2006، ورصدت له وزارة التعليم في هولندا 2.5 مليون يورو. وسيقوم بالتدريس فيه أجانب وعرب منهم الدكتور نصر حامد أبو زيد. ولهولندا تجربة مبكرة في هذا المجال، إذ بدأت الدراسات العربية بجامعة لايدن في نهاية القرن السادس عشر، حين تأسس بها أول كرسي للدراسات العربية.
قال الدكتور شورد إنه مهتم بإدماج المذاهب والأفكار الإسلامية، في نظام التعليم الجامعي في هولندا، ويطمح إلي أن يصل الطلاب في دراساتهم، عن وضع الإسلام والمسلمين في الغرب، إلي درجة عالية من فهم الخلفيات الفكرية للأقليات الإسلامية في أوروبا. وتتناول مناهج الدراسة بالقسم الجديد علوم القرآن، والحديث النبوي، ودور الفتوي بالنسبة لمسلمي أوروبا، وأوضاع المسلمين في الغرب.
وقال الرجل إن 250 طالبا عربيا يفدون لدراسة العلوم الاجتماعية أو الطبيعية في هولندا، التي يصدر فيها سنويا نحو 200 كتاب عن العرب وتاريخهم وتراثهم المخطوط، بلغات مختلفة منها العربية، ولا تجد هذه الكتب طريقا إلي العالم العربي.
ويقيم في هولندا التي يبلغ عدد سكانها 16 مليونا نحو مليون مسلم معظمهم من أصول تركية ومغربية ويشكلون نحو ستة في المئة من مجموع السكان.
إدوارد سعيد طبعا
زار الدكتور شورد جامعة محمد بن سعود في المملكة العربية السعودية، وبحث عن كتب تناقش قضية الاستشراق، وذهبوا معه إلي خزانة مغلقة، ليس فيها إلا الموسوعة الإسلامية والكتاب المقدس، وسأل عن كتب تعالج قضية الاستشراق، ولم يجد جوابا.
سألته عما إذا كان المستشرق لايزال يؤدي دورا طليعيا في خدمة الحكومات، حيث مهد بعضهم للزحف الأوروبي نحو الشرق، في مرحلة المد الاستعماري، قبل نحو قرنين. فقال إن المستشرق يجتهد، وربما تستعين بأفكاره الحكومة، كما يحدث في الفترة الأخيرة مع المستشرق الأمريكي برنارد لويس، الذي تستعين بأفكاره الإدارة الأمريكية. لم ينكر أن تراث الاستشراق يثبت أن مستشرقين مهدوا لاقتسام العالم العربي، بين بريطانيا وفرنسا، في مطلع القرن العشرين، فيما عرف باتفاقية سايكس بيكو عام 1916.
ذكرته بما أورده إدوارد سعيد في كتابه (تغطية الإسلام)، عن التعاون غير البريء بين الاستعمار وكثير من المستشرقين، لدرجة يندر معها وجود خبير من خبراء الإسلام لم يكن مستشارا لحكومة بلاده، واستشهد بالمستشرق الهولندي سنوك هوخرونيه (1857 _ 1936) الذي يتهمه سعيد بأنه استغل الثقة التي أولاه المسلمون إياها في تخطيط وتنفيذ الحرب الهولندية الوحشية ضد أبناء شعب أتشيه المقيمين في سومطرة .
قال شورد إنه أول من انتقد سنوك هوخرونيه، الذي كان ينظر إليه بكثير من الاحترام في الدراسات الهولندية، وإنه سجل بصراحة أنه قضي 16 عاما، في خدمة الحكومة الهولندية، لكنه علي الجانب الآخر وضع تصورات لدولة إندونيسيا بحدودها المعروفة: بدون سنوك لا وجود لدولة إندونيسيا، وبدونه أيضا ما كانت تلك الدولة لتصبح مستعمرة هولندية.
كان سنوك يقترح أن تكون إندونيسيا جزءا من المملكة الهولندية، ودعا إلي عدم التسامح مع أي حركة تقاوم القوات الهولندية. ثم أعلن إسلامه، وحمل اسم عبد الغفار وذهب عام 1885 إلي الحج، ومكث هناك بضعة أشهر لدراسة سيكلوجية المسلمين، ووثق علاقاته ببعض علماء مكة، ثم عاد إلي إندونيسيا.
لكن الدكتور شورد له رأي آخر في الاستشراق السعيدي .
قال إنه قابل سعيد، ودار بينهما حوار طويل، وإن سعيد اطلع علي دراسته عن سنوك هوخرونيه، قبل أن يكتب (تغطية الإسلام). لكن الاستشراق التاريخي يختلف عن الاستشراق السعيدي، كتب سعيد مهمة، ولكنها لم تقل الكلمة الأخيرة في قضية الاستشراق، لأنه لم يطلع علي الاستشراق الألماني، الذي لا تكتمل دراسة في هذا الشأن إلا به. وقال إن سعيد اعتمد في دراسته عن الاستشراق علي مصادر أدبية، باعتباره، في الأساس، ناقدا أدبيا.
تناولنا بعض الحلوي، مع شاي أعده الأستاذ لي وللطلبة الذين يشرف علي رسائلهم، ثم قاد الرجل سيارته، وتوجهنا إلي منزل عمرو رياض، تلبية لدعوة علي غداء أعدته السيدة زوجته. لحق بنا هناك، طالب رابع للأستاذ شورد، هو المغربي سمير قدوري ورسالته للدكتوراه عن تحليل نصي نقدي لكتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم الأندلسي. وأهداني سمير تحقيقا لكتاب (التبيين في معرفة دخول الشهور والسنين) لأحمد بن محمد اليحصبي القرطبي. ثم جاء الباحث اللبناني عبد الله صوفان، خريج الجامعة الأمريكية في بيروت، ورسالته للدكتوراه عن (تاريخ المنطق الإسلامي).
كانت الجميلة جومانة عمرو رياض التي أتمت عامها الأول، تنتقل من يد إلي يد، وقال عمرو إنها تنسجم مع ذوي البشرات القمحية، العرب، أما أخوالها الهولنديون فلا تستجيب لهم بمثل هذه السهولة.
سألني الدكتور شورد: كيف تروننا؟
فاجأني السؤال، إذ جئت لأستمع. كان في كلام الرجل مودة ودفء، وقلت له إن المصريين لا يحملون ذكري استعمارية لهولندا، والمثقفون الملتزمون يستبعدونها أيضا من شبهة التواطؤ مع إسرائيل، فلا تثير أمستردام في النفوس ذكري تطبيعية ، مثل تلك التي أصبحت مستقرة كلما جاء ذكر كوبنهاجن. علي سبيل المثال، يكفي أن تقول إن فلانا من جماعة كوبنهاجن. أما في الضمير الشعبي، فتأتي الدنمرك في مقام العدو الديني، بعد أزمة الرسوم الأخيرة. هنا في هولندا حرية تسمح لكل صاحب ديانة بممارستها، والتبشير بها، وإعلان نتائج هذا التبشير، والفخر بإسلام بعض أتباع الديانات الأخري. يؤمن الجميع، بأن الله ليس حكرا علي أحد، وأن الأرض تتسع للجميع، وأنك حر في كل شيء إلا أن تؤذي غيرك. رويت حكاية مؤذن جامع في قريتنا، اسمه الشيخ عثمان، كان صوته عذبا، وهو يقرأ القرآن أو يؤذن للصلوات، من فوق مئذنة، فنسمعه في الغيطان، علي بعد ألفين أو ثلاثة آلاف متر، قبل أن تضيق المآذن بالمؤذنين حسني الصوت، وتتسع لمكبرات معدنية يتباري في زرعها، بلا داع، كثير من الذين لا تعرف مصادر أموالهم. كان أبي حريصا علي صلاة الفجر كل يوم، لا يحول دون ذلك برد شديد، أو مطر تزل بسببه الأقدام. لا أحد يجرؤ الآن علي المطالبة بأن يكون مكبر الصوت في المساجد للأذان فقط، حرصا علي المرضي والنيام. المفارقة أن المكبرات التي تعمل قبل أذان الفجر بساعة، لم تفلح في زيادة أعداد المصلين. هم أنفسهم الذين يذهبون إلي صلاة الفجر في ليالي البرد والمطر، حين تنقطع الكهرباء وتتعطل مكبرات الصوت. في هولندا تمنع هذه المكبرات إلا يوم الجمعة، وداخل المساجد فقط، وليس في هذا عداء للإسلام، فالدولة علمانية، لا تمنح المسيحيين ميزة تمنعها عن المسلمين. حق الفرد مقدس، كما كرمه القرآن.
قلت إن المسلمين هنا محظوظون، وعليهم أن يثبتوا جدارتهم بالحرية، هبة الله للعالمين، بعيدا عن تقسيمات عنصرية مارستها معظم الحضارات المنتصرة، حيث الأنا مركز العالم، والآخرون أغيار كما يعتقد اليهود، أو بربر همج كما صنفهم الأوروبيون في بعض المراحل، أو عجم يقيمون بدار الحرب وفقا لنظرة المسلمين في فجر الإسلام.
ضحك الدكتور شورد قائلا: بمعني ما فإن هولندا دار الإسلام!

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: