دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
رحلات
السنة -691ه - العدد1427رمضانمن15- م2006أكتوبر من8 الأحد
بتوقيت القاهرة 10:35:16 ص الساعة - 07/10/2006 آخر تحديث يوم
      ضواحي الفضفضة
اضغط أي زر للاستمرار...
د. سلوي محمد العوا
إنني في الحقيقة لم أتناول قلما لأخط هذه الكلمات وهذا أمر عجيب جداّ ليس في ذاكرتي مما علمتني أمي انه من بين الممكنات. وإني لأعجب من هذه الممكنات المتغيرة جدا عبر الزمان. وربما لهذا السبب تحديدا أضغط الأزرار لأكتب أو... ماذا يمكنني أن أزعم أني أفعل بهذه الكلمات. وهل نسميها كلمات بعد؟
إنني أستطيع أن أتذكر رجوعا إلي ما قبل خمسة وعشرين عاما أو أكثر بالتأكيد، حينما بدأت أمي تشحن الكرة المثبتة فوق عنقي بالمعجم، بقصد تحويلي من مجرد مخلوق متحرك إلي إنسان، وكان هذا المعجم ككل المعاجم البشرية قليلا عما عداه، ومتفقا في معظم الأشياء والعلاقات.
ومن بين علاقات معجم أمي كانت كلمات من قبيل: الكلمة والكلمات والقلم والورق والقراءة والدفاتر. وجمل فعلية من قبيل: امسحي، أعيدي الكتابة، اقلبي الصفحة، اكتبي من أول السطر، سطري، خطي..
وكانت لكل كلمة مقتضياتها، من تراكيب لغوية معينة، وأوضاع محددة لها في تلك التراكيب، بحيث يكون كل ذلك مقيدا بحدود المعني الذي أرغب في توصيله. وكان للكلمات مقتضيات من الأشياء أيضا..
فلطالما قد أغرمت بقلم الحبر الأسود، بالمحابر والألوان وأسماء العلامات التجارية الأجنبية، الباركرز والشفرز، ثم بتلك الاخري الصينية والتايوانية ذات الأسنات الصفراء العريضة، تلك التي لم يكن لها من البريق إلا كونها رخيصة وفي متناول الشراء، فكان لها إغراء الوفرة. ومقتضيات وتوابع لها اخري من أحداث الحياة..
فلعمتني معلمتي في الصف الخامس بعد سنوات كيف أقص السن مائلا لأكتب خطا عربيا مؤثرا بحروفه العريضة وزواياه المائلة في أوضاع أكثر استرخاء من أوضاع تلك الاخري المستقيمة والمتعامدة. وصار علي أمي أن تغسل المزيد من أكمام قمصان المدرسة البيضاء، علي ثقة من أن سخاء أي لم يسمح له طبعا أن يلاحظ النفقات المتزايدة في ميزانية الصابون ومزيلات البقع المستعصية، وأما تلمني أبدا علي أي من هذا إلا جعل يدي قبيحة بتلويثها أرزق وأسود في أثناء القيام بأجمل مايمكن للإنسان من أعمال.. الكتابة!
وأدخل القلم في حياتي ناسا وأبقي ناسا، ولعله يوما قد طرد آخرين..
فلعمتني صديقني مي مزيدا من الحيل لصقل سن القلمه المقصوص، وكانت هذه هي البداية الوحيدة لعلاقة استمرت بيننا سنوات طويلة تالية، وبواسطة القلم لاغير، إذ جاء يوم غادرت فيه الصف الخامس والمدرسة، ورحلت مع أسرتي خارج البلد. وكان هذا النوع من العلاقات يسمي صداقة القلم وليس cyber friend.. ولم تكن تلك هي الخطوط القليلة الوحيدة القليلة للقلم في حياتي الصغيرة، بل إن القلم الشيفرز الأحمر الذي كان آخر ماقصصت من أقلام مع مي، قد لبث في درج مكتبي خمس عشرة سنة، حتي تخلصت منه مؤخرا مع كل ماغدر به سفري من أشياء عاطفية وغير عملية، لاتسمح الرغبة المستميتة للمهاجر في التظاهر بالقوة والصلابة أن يبقيها علي قيد الحياة.
ولكن المعجم بقي راسخا علي كل حال، وعلي رغم من سفر بعد سفر، وحب بعد هجر، وأحياء وأموات، أكتب بالقلم، أكتب علي ورق، وأقرأ الكلمات، وأمحو أو أشطب لأغير ما كتبت، أسود ثم أبيض، وما من سبيل لتغيير هذا الترتيب فإنها قوانين الكتابة. أخط الهوامش يمنة ويسرة، وفي الأسفل نصف خط فقط للحواشي وفي الأعلي بسم الله لا ابدأ إلا به. وإن راودتني نفسي لأتخلص من هذا الروتين الذي ليس من أصل النص، وظهوره أو إضماره لا يغير من حقيقة وجوده، إن فعلت، عادت إلي أوراقي ومعها سؤال صارم من أي كيف أمكن أن أبدأ بغير اسم الله؟! وعجبا لجحود الكتاب اسم الله الذي علم بالقلم، القلم الذي أكتب به، ولم يكن من الممكنات أن أكتب إلا به، ولا أن أبدأ إلا به...
وأما أبي الذي حفظني تلك الآيات وعلمني الكتاب والمفردات، لم يكن ليكتب أيضا إلا به، وما كان أكثرها مفردات الكتابة في كل يوم من حياتنا.
أبي الآن لايكتب إلا بالقلم، ولكني أكتب لا بالقلم بل بالزر. وهذه الجملة غريبة جدا بالطبع، وغير متوافقة مع مقتضيات الاستعمال المعجمي كما وضعتها أمي قبل عشرين أو خمس وعشرين عاما.
وأمي لسبب ما، هو الأجل، الذي خطه في كتاب سطور محفوظ من خلق القلم، وعلمنا اياه في كلمات، ماتت قبل ان أناقشها في شأن هذه الجملة، ولا غيرها من الجمل الممكنات اليوم المستحيلات بالأمس..
اضغط أي زر للاستمرار،
اختر أيقونة 'كلمة' لتدخل،
اضغط الأزرار للمعالجة،
ارجع بالمؤشر ذي الوميض للخلف للمحو،
اضغط الغاء لتختفي الكلمات غير المرغوب فيها.. بل الصفحات والملفات.
اذن قلم بعد التخلص من التاريخ والأدلة يستدعي جهد الاحراق بل سلاسة اللمسة علي سطح 'الشريحة' التي لا يعرف لها اسم بالعربية، شريحة اللمسة السحرية تلك المثبة وسط مكان يثبه مكان الحاشية من الصفحة مرر عليها اصبعك برقة بالغة وبحساسية فتنتقل من مكان إلي مكان علي صفحتك غير ورقية.
فكيف امكن ان تكون الصفحة غير ورقية، وان تحال إلي معاش التاريخ مئات من الصفحات خط فيها القلقشندي وغيره من العرب أسرار الكتابة وآلاتها ولوازمها؟
كان ينبغي علي ان اخبر امي ان ما نسمح به قوانين المعجم الجديد من جمل محتملات ستجبرنا علي تعديل معجمها السابق والا ضاعت منا معاني الكلمات إذا تركناها لغير ما جعلها له اجدادنا.
ولتكن اللغة الجديدة ملعونة ام مباركة، لا ندري حتي الآن، وربما حشرة العام 2000 التي قد تلغي كل مفردات العصر أو لا تفعل اي شيء.. وربما ستؤكد لنا أو تنفي الشكوك حول موضوع اللعنة هذا.
سأخطر روحك الآن يا امي بالتغيير في اللغة، متاحات اللغة، فلعلك ان تقبليه وتصدقي انني ما زلت انتج الكلمات، حتي ان اردت الا تسمي ما افعله بالكتابة، ولعلك ان تعرفي انني اكتب لا علي ورق بل علي شباك مضيء مثبت في مكان ما فوق سطح بلاستيكي معتم ثقيل، وعلي الشباك صور يترجمها لغويو شركة صغير جدا ناعم ميكروسوفت، إلي ايقونات وهي ليست ايقونات دينية مسيحية، بل صور صغيرة في مربعات، ولها دلالات ذات تأثيرات سحرية كما في الحكايات، ولكن سحرها لا يغير حياة الابطال بل فقط يغير الملفات. وتنتج كلمات مطبوعة بعد الضغط علي زر متصل بأيقونة عليها صورة آلة طابعة.
وهناك مؤشر، المؤشر بدلا من يدي يا أمي، والزر بدلا من القلم، واما الطباعة فأفضل كثيرا مما كانت تقدر عليه الآلة الكاتبة قبل سنوات. وهناك انواع جديدة كثيرة جدا من الآلات الكاتبة ذات خصائص تشبه خصائص ما احدثك عنه الآن. ذلك ان الآلة الكاتبة تحاول الا تموت، ولكن ماذا سيفعل القلم يا أمي؟
أنا لم اتناول القلم لأخط هذه الكلمات، ولم اخرج من درجي محبرة ولم اوسخ كم قميصي ولم امزق ورقة، ولم يعد في درجي محبرة علي اية حال. ولا أذكر متي كانت آخر مرة فعلت هذا، ليس بالزمن الطويل بالتأكيد لأنني قد تخلصت من آخر محبرة يوم السفر، وذلك ليس ببعيد. لكنني كتبت كثيرا منذ ذلك الحين يا أمي.
أخشي يا ام ان الجهد الكبير الذي بذلته لتعليميني كيف امسك بالقلم بيمناي علي نحو صحيح لم يكن مكتوبا له ان يستمر في اثمار الكتابات الكثيرة التي نتمني ان انتجها قبل ان الحق بك واخشي ان لو كانت لي ابنة ذات يوم، سأكسل كثيرا ان اعلمها بالقسر والصبر والعناد شيئا ربما لن تحتاج اليه ابدا. ذلك انها ستولد علي مكتب عليه صندوق اسود صغير يفتح ككتاب، فيظهر السطحان اللذين حدثتك عنهما لتوي: المضيء الذي تظهر عليه الكتابة والمعتم ذي الأزرار. وهل سيبقي سبب لأعلمها ان المائدة تسمي مكتبا؟ أو ان هذا العمل يسمي كتابة؟ وهل هو حقا كتابة إذا لم تكن لتخط بالقلم؟ وهل ذلك تعليم إذا لم يكن بكتابة؟ وهل هو محو إذا لم يكن بالممحاة؟
ان الكلمات القديمة اصبحت تدل علي معان لأعمال قديمة اعمال ربما تسمع بها ابنتي وتمارسها بضعف وعلي نطاق ضيق، ولكن ابنها ربما لن يسمع عنها ابتداء اللهم إلا في تاريخ الفكر، ان كان مهتما بقراءاته. وهل ياتري سيهتم احد مؤسسي مواقع المعلومات علي 'الشبكة' بتأسيس موقع ليقرأ فيه حفيد حفيدتك عن اهتمامات جدة من جداته في مهارة يدوية قديمة تسببت في نفقات لم يكن لها داع علي سوائل ملونة تجري كالدماء في شرايين قضبان نحيفة كعيدان وكذا علي مساحيق تنظيف؟؟
عفوا إذا لم اتوقف عند كلمة 'الشبكة' لأشرح معناها الجديد إذ اني لو فعلت لاستوجب الأمر ان اعلق حواشي علي نصف كلمات هذه المقالة، إذ ان اكثرها قد غادرتها معانيها الأولي فماذا عسانا فاعلين بكلماتنا القديمة يا أمي؟
هل ستتخلص منها إذا لم تعد بأولادنا حاجة إلي معانيها، أو إذا اصبح استعمالها مضللا نوعا ما حيث ستستعمل دائما لغير ما جعلت له جذورها، وستنبت العلاقة بين دلالات مشتقاتها وسيغير او يتبعثر تاريخ اللغة، فإذن من الافضل ان نخفي الاقلام والكلمات، ونستغني بكلمات دالة حقا وصدقا علي ما تستعل له.
وهل تظنين يا أمي ان الله حافظ امة هجرت اقلامها والكلمات؟!
انتهي المقال
*****


الآن سأضغط زرا يسمي حفظ، لكي لاتختفي الكلمات إذا عدت إلي الصندوق مرة اخري.


وبعد ذلك لن احتاج لأن اعطيها لأحد ليراجعها لي، فأنا كما لا ادري تعلمين أم لا، اعيش وحدي، وستقوم الخطوط الحمرآء المتعرجة كزجزاج الحياكة الذي كنت تحبين تزيين ملابس طفولتي به بلفت نظري إلي مواضع الاخطاء الاملائية (طبعا هذه ليست إملاء فلنبحث عن كلمة أخري) والخطوط الخضراء المزجزجة هي الأخري ستقوم بلفت نظري إلي الاخطاء النحوية، وسيصححها جميعا من القائمة الي يزودني بها زر أيمن واقع اسفل الشريحة اللمسة السحرية (تلك القائمة التي أعدها في عناية وحشا بها هذا الصندوق لغويو شركة الصغير الناعم) فلن أحتاج في الغالب إلي مراجعة المخزون الإملائي والنحوي الذي تممت به عملك في بناء معجمي قبل عشرين عاما.


ثم عندما انتهي وأطمئن، سأضغط زر الاحتفاظ بالمكتوب مرة اخري لكي تثبت التصحيحات.


ولإنهاء العملية ابدأ بضغط زر يسمي إغلاق لكي ينطفيء ضوء الشباك شبيه الزجاج المضيء، وذلك لكي لاتعود كلماتي ظاهرة علي الشباك، فهي تقريبا كوضع الأوراق في الدرج بعد الانتهاء من الكتابة.


ثم سأضغط زرا يسمي خروج لكي أقوم وأغادر المكتب، أي لكي يسمح لي علي كل حال بطي الشباك.


ثم سأضغط زرا يسمي إغلاق نهائي يبدو كأنه هو الذي يسمح لي بعده بمغادرة غرفة المكتب.


ثم بعد أن يسألني سائل اذا كنت متأكدة تماما من أنني أنوي الخروج من غرفة المكتب، يسمع أنين غريب.


ثم تنطفيء جميع أضواء الشباك وأستطيع الآن في هدوء وثقة أن أطوي علي القاعدة ذات الأزرار.


وأزيح جانبا هذه الماكينة التي تسمي بالمناسبة 'سطح المكتب' أو 'سطح معمل' أو 'دفتر' وأما لغويو شركة الصغير الناعم فيترجمونها إلي 'الحاسب النقال'.
*****
هذه كلمات غير جميلة يا أمي، سأزيحها الآن وأخرج ورقة وقلما لأكتب رسالة إلي أبي الذي يبغض الآلات الجديدة حقا.

كلية الآداب ­ جامعة عين شمس


 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: