|
|
| السنة - | 691 | ه - العدد | 1427 | رمضان | من | 15 | - م | 2006 | أكتوبر | من | 8 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
10:33:09 ص |
 |
الساعة - |
 |
07/10/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جسر الحنين |
 |
|
|
يعبرون فيه من زمن إلي آخر و اكتماله قرين الموت:
المأثور الشعبي لرمضان
مسعود شومان
رمضان ليس مفردة في معجم المناسبات الدينية ، وليس حلية أو فانوسا يضاء كلما هلت الرؤية ، ويتم حشوه حتي اتخم بالأغاني الرمضانية علي جمالها كما يجفعل بالقطائف ، إنما دورة حياة مكتملة تبدأ بالرؤية : رؤية القمر يوحا وتزخم بالعادات والتقاليد والتعابير والتحايا وعناصر الثقافة المادية ، وبلغة تتحصن بالسماح ، لتمتليء حصالة الخير فالقرش الابيض ينفع في اليوم الاسود أو ربما تحويشة لمواجهة شر قادم ، ما يستلفت العين ، وتنصت له الأذن ، وتتشممه الأنوف يؤكد علي مصرية رمضان ، أو علي وجه أكثر دقة يتزيا بلباس مصري ، كأنه مارس طقس العبور من الدين إلي الجماعة الشعبية ، فهي تسعد حينما يكون الدين يدا بيد مع ما تشربته الروح المصرية من إرث ثقافي هو العرق الذي حفظ لنيلها الفولكلوري بقاءه ، فظل مستمرا يمزج بين العناصر بعد أن تصهرها روحه أو يستبدل أو يعدل ، لكن يظل الدين جليا في الشعبي ، والشعبي قادرا علي الصمود.
فليس غريبا أن تجد أغنية ليس رمضانية لكنها تؤكد الفكرة مثل :
ياطالع الشجره / هات لي معاك بقره / تحلب وتسقيني / بالمعلقه الصيني / والمعلقه انكسرت / يا مين يربيني / رباني عبد الله / وانا زرت بيت الله / لقيت حمام اخضر / بيلقط السكر .. إلخ .
هكذا تتجلي شجرة الخلد لتحمل بين فروعها مزيج العناصر ، وكأنها طراحة لأبقار ترضع المعرفة / الخير / الحق / الجمال ، ولما لا وهي ليست بقرة أسطورية كما يدعي البعض ، أو خيالا شعبيا شطح عن مجراه المعتاد ، إنها حتحور ربة السماء التي أرضعت حورس. وقد كانت ربة للأمومة والموسيقي والبهجة ، هكذا تقيم الجماعة الوصال بين الدين والسعادة ، لتواصل البحث عن الحق حينما ينكسر الوسيط المعلقه انكسرت ، فيكون الملجأ عبد الله و زيارة بيت الله دون تحديد لطبيعتهما ، لكنهما يتحددان في الدين برقة مداخله وحنوه كما تراه الجماعة لقيت حمام أخضر .. بيلقط السكر، وكلما طالعت الوجوه ،الأبنية ، الأغاني الشعبية ، العادات والتقاليد ، موالد الأولياء والقديسين ستجد روحا مصرية تستنهض العروق السحيقة في جوهرها لتعلن عن وجودها الخاص الذي ينماز عن أقرانها ، ومالها من قرين .
ليلة الرؤية
كان القضاة هم شهود الهلال ، يشاهدونه ليعلنوا ميلاد شهر ، علي دكة يقال لها دكة القضاة ، لتصبح شاهدا من أعلي منطقة في جبل المقطم علي الرؤية ، وكان الخليفة الفاطمي يتهيأ لاستقبال الهلال بملابس تليق بميلاد قمر ، حينها يخرج من باب الذهب ، ومعه الوزراء بخيول سروجها مذهبة ، وفي أيديهم تلمع السيوف والرماح المذهبة والمفضضة ، ليداعب الهواء راياتهم الحريرية الملونة ، تصحبهم الموسيقي ، وتكون الحوانيت قد اسلمت واجهاتها للزينات ، هنا يبدأ ركب الاستقبال مارا من باب القصرين ، إلي باب النصر ، وياله من نصر للفقراء والمساكين حين توزع الهبات والصدقات والأفراح الصغيرة، وفي تطور لاحق كان المماليك يسمون ذلك يوم الارتقاب ، بما يحمل معاني الشوق والحنين تليق بغائب طال انتظاره ، وهنا يستقبل بالمشاعل والفوانيس ، أما الآن فإن الهلال قد اصبح تلفزيونيا ، حينما تواري خلف العمارات القبيحة ، وارادوا أن يظهروه في مجموعة من العبارات التي تؤكد حضوره الرسمي .
فانوس رمضان
لفتني تسمية الأخوة الأقباط لاسمائهم بفانوس ، وهو اسم منتشر بينهم ، فأعادني إلي النيروز الذي يؤكد البعض أنه عيد الربيع عند الفرس ، طيب ، وماذا يعني اسم ناروز عندنا غير الضوء ، وها هم معظم فلاحي مصر يطلقون علي كوة في البيوت الطينية اسم ناروزه ، فالفانوس قديم في مصر ، قدم اكتشاف الشموع ، قدم المعابد ، قدم معرفة الإله ، واكتشاف الضوء و الظلمة ، وتتبدي المصرية قي ارتباط الشموع بالسبوع كطقس احتفالي لكن الفانوس ارتبط بميلاد هلال ودولة في آن واحد حينما استقبل المصريون هلالهم ومعه المعز لدين الله الفاطمي الذي وصل القاهرة ليلا ، فكان الاستقبال بالفوانيس والمشاعل ، أكان الفانوس حلما انتقاليا ، مساحة ضوء بين زمنين ، ليتحول قيما بعد إلي فانوس / ضوء ، يحمله الأطفال كأن كل واحد يحمل قمره ، أو رمز الضوء ، وبعد أن عبر تاريخا طويلا جاء الفانوس الصيني ليصدر إلينا مرة أخري أغانينا الشعبية ، وينهي علي حرفة عريقة ، ورمز مصري .
المسحراتي
حينما تأخذك النشوة وانت تسمع المسحر العظيم فؤاد حداد يقول :حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال ، وكل حته وشبر من بلدي .. حته من كبدي .. حته من موال .. رمضان كريم ستتأكد أنه سليل ابن نقطه الذي ترنم بفن القوما ، ذلك الفن الذي اشتق اسمه من قول المغنين للتسحير في آخر كل بيت منه ، بعد غناء الرمل أو الزجل : قوما للسحور ، ينبهون به رب المنزل ، ويذكرون فيه مدحه ، والدعاء له ، وتقاضيه بالانعام ، فانطلق هذا الاسم وصار علما له ، وقد نظم فيه الغزل والعتاب الزهري ، ومن نماذجه التي ذكرها صفي الدين الحلي في كتابه العاطل الحالي والمرخص الغالي :
حال الهوي مخبور /يريد جلدا صبور يصون / سرو والا / يبقي من أهل القبور / من كان هواه مستور/ يحظي برفع الستور / ومن هتك سر حبو / يمحي من الدستور
لكن يظل حداد علامة مصرية خالصة ، كأنها يوقع علي البازه (مستفعلاتن مستفعلاتن) ليقوم الأرواح من غفوة الركون للقوالب التي انهكت شعرا . أكان حداد يوقع نصه وهو يتسمع إلي ضربة الجلده علي البازه ، حينما يقول المسحراتي : عز من يقول لا إله إلا الله ، (تن تتن تن تن ) محمد الهادي رسول الله ،( (تن تتن تن تن ) ، وأسعد لياليك ، يا ابن شومان ((تن تتن تن تن ) ، ليتواصل الإيقاع موقظا ، أين المسحراتي ، هل أصبح علي رأي المثل أمام سطوة الإضاءة والفضائيات بيطبل في المتطبل .
الأغنية الشعبية
كلما استمعت إلي أغنية شعبية رمضانية ستجد يوحا أو وحوي أمامك ، ينير لك الطريق إلي المعني ، إن أيوح هو القمر قي اللغة المصرية القديمة ، فالشهور القبطية قمرية أيضا ، وأيوح ملكا للجميع ، يستدعونه الأطفال ويغنون في جماعية مجلجلة : طلعنا الجبل/ يوحا .. قابلتنا قطيطه / يوحا .. لقيت محجوب / يوحا .. راحت بو السوق/ يوحا.. جابت بو حنه / يوحا.. حنت إيديها / يوحا .. حنت رجليها / يوحا .. الكعب التاني / يوحا.. أحمر سلطاني / يوحا.. ضهري مكسور / يوحا .. يا بابور السكة / .. رايح علي فين / يوحا .... إلخ ، وتتواصل الجذور معلنة عن نفسها لتغني حالو يا حالو أليست العلاقة قائمة بينها وبين هالو وبينها وبين الهالة ، ففي المصرية القديمة هالا بمعني حلاوة ، فالقران جائز بينها وبين مفردة الله وهي تعني السمو والرفعة والعلو ، وكذا بينها وبين الحلاوة بمعني الجمال والاستحسان .
نحن بحاجة حقيقية لجمع عادات وتقاليد وأغاني وصناعات وأطعمة رمضان ، فهو جماع لها ، والذاكرة ملآنة بالأغاني لكننا لسنا في معرض لذكرها ، وإنما التنبيه بمنطق المسحراتي لطغيان ثقافات أخري علي عناصرنا ، مرة بإعادة تصديرها عبر وسائطها ، وأخري عبر محوها ، وثالثة بالانتصار عليها .
التوديع
كما يولد القمر ، وينمو ويعيش بيننا عمرا قصيرا لكنه يعشق وداعه بما يليق بقمر مكتمل ، فالاكتمال قرين الموت ، لا أوحش الله منك ياشهر الصيام .. يا شهر الخير والبركات ، تتردد الكلمات مع الدموع رايح وسايبنا لمين يا رمضان .. عديت بسرعه وماشي مستعجل ، كأنها عدودة في شاب يافع ترك أهله ، فالمصريون يمارسون طقس العبور من زمن الي زمن ، و بعضهم يقوم وهو يودعه بحمل بعض الصفائح ليدق عليها حتي يهرب الشيطان ، فرمضان سيرحل وسيفك الشيطان حبسه ، هيهات يحلمون ، فالشيطان أصبح في بيوتنا ، وفي أوطاننا يمارس غزوه وسيطرته في زي الاستعمار الجديد .
|
|
|
|