|
|
| السنة - | 697 | ه - العدد | 1427 | شوال | من | 27 | - م | 2006 | نوفمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:01:07 PM |
 |
الساعة - |
 |
11/18/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
إسماعيل صبري عبد الله ..
المفكر المتفرد.. ورجل الدولة الاستثنائي
نبيل عبدالفتاح
أستاذنا إسماعيل صبري عبد الله، كان ولايزال أكبر من أن يكون مفكرا وقائدا يساريا بارزا، ولامعا، كان أكبر من انتمائه اليساري، وتأثيره أكبر من زملائه، وتلاميذه، ومحبيه.
رجل كان حضوره يعني بلاغة الثقافة والسياسة والادب والتاريخ، والأناقة، والموسيقي، والنزعة الموسوعية في التكوين، وعالمية التفكير، وإنسانية التوجه الطبقي الأممي، في اجتهاد وإبداع وحركية، ومن ثم أنت إزاءه دائما إزاء الجديد، وأنت تحاوره، أو تناقشه.
استاذيته متفردة لأنها تفرض حضورها الطاغي والمؤثر والعميق، ومن ثم كانت استاذية مشروعة، أي تكتسب سلطتها المعرفية، من عمق التخصص، والوعي الفلسفي المرهف، من التناسق والتكامل والتناغم بين الإنسان الاستثنائي، والمفكر المتميز، ورجل الدولة والسياسي والمناضل الطبقي الأممي، عناصر ائتلفت، وامتزجت في مثال واحد، رجل من طراز فريد، في ظل جيل استثنائي ساهم في تطوير بلاده، عبر العطاء الأكاديمي والسياسي والثقافي، بل كان تمرده الراديكالي في إطار المدرسة المصرية الاشتراكية، إضافة بناءة، وتجديدا للفكر السياسي، والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والتطبيقي رجل جمع بين لمعان الفكر، وخبرات التنظيم السياسي، وإدارة الدولة، وعرف قسوة السجن وخشونة الحياة داخله مرتين 1956، ومن 1959 إلي 1964 ، الأهم كان صلبا وعنيدا وشجاعا رافع الرأس موفور الكبرياء لم ينحن قط لسلطة القمع والعذاب!
يمكنك أن تعتبر أستاذنا الجليل إسماعيل صبري عبد الله حالة مصرية وإنسانية نسيجا وحدها إذا شئنا استعارة بعض من نضارة البلاغة التقليدية في السرد رجل صارم في إهاب من اللطف والمرونة الذكية جمعتنا حوارات وجدالات الطليعة بالتي هي أحسن في إصدارها الثاني، في منزل لطفي الخولي، أو مكتبه، حيث الجدل الخلاق، والافكار المتوهجة، والفكر المنهجي، وأساليب المحاججة والبرهنة رفيعة المستوي، من إسماعيل صبري، وإبراهيم سعد الدين، ولطفي الخولي، وأبو سيف يوسف، وفيليب جلاب، وأنس مصطفي كامل ولانزال في أوائل الشباب، ونمارس تمردنا في ظل أساتذتنا الكبار بالمعرفة والخبرات، وتشجيعهم لنا علي نقد أفكارهم تعلمنا منه كما تعلمنا من أستاذنا الكبير والعالم البروفسور أنورعبدالملك ولا نزال، ومن أستاذنا الجليل السيد يسين، وآخرين.
أستاذنا إسماعيل صبري عبد الله، من قلائل في تاريخ الفكر والسياسة المصرية، الذي داوم علي الاطلاع المستمر علي مناهل المعرفة وإنتاج الافكار والنظريات الفلسفية والسياسية والاقتصادية الجديدة في عالمنا شخصية دولية متميزة ومؤثرة في دوائر الاهتمام بجنوب العالم، واقتصادياته وخطط تنميته كان حاضرا وبقوة في الجدل العالمي حول التنمية، والمستقبل، ومن ثم نسج علاقات دولية متمزية، كان يستخدمها لصالح مصر كان محاورا فاعلا ومؤثرا علي المستوي العالمي. وفي دوائر البحث الأكاديمي، والسياسي، والاقتصادي حول الجنوب والنظام الدولي كان ضليعا في الاقتصاد والسياسة، وفي الفقه الإسلامي، وتاريخ المسيحية والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكان لغويا متميزا كما يبدو في كتاباته، وفي نحت الاصطلاحات والاشتقاقات اللغوية المناسبة للمصطلحات الاقتصادية والسياسية والأهم لغته المتميزة والانيقة في بلاغة متقصده، ومحكمة البنيان، بلا ترهل أوتفكك علي نحو لم نره لدي كثير من الكتاب والاقتصاديين، ورجال السياسة.
رجل سيظل حاضرا في مخيلة وتفكير، وذاكرة أجيال من المثقفين البارزين وتلامذته من الاقتصاديين البارزين علم من أعلام مصر الكبار سافرفي سلام بعد عطاء موفور الإبداع، يرحمه الله.
|
|
|
بغداد
ميسلون هادي
أينما تكونون أيها الأبناء الطيبون.. أينما حل بكم الدهر ورمت بكم الأقدار.. صعودا إلي الظل من الحرور .. وهروبا من الظلمة الداجية إلي النور.. وتعلقا بألوان القزح والفرح بعد ألوان السواد والرماد.. أيها المغني والمنشد والعوٌاد وقارئ المقام والملحن والزمٌار.. أيها المعماري والمهندس والرسام والعطار والصفار والنحات.. أيها الكاتب والشاعر والناثر والمعلم والمؤلف وشاه بندر التجار.. كن أينما تكن بعيدا عن النار والدخان.. وضع رأسك باردا علي وسادة طرية خالية.. وانقل قدميك من مقهي إلي مطعم أو ناصية .. ودلٌل أنفاسك بأنفاس باردة ونسائم حانية.. لك الحق في ذلك فلا أحد يلوم هاربا من هاوية.. ولكن من فضلك.. لا تتباكّ علي بغداد التي اكتوت بالموت وخراب الديار، ولا تندب المدن التي هجرتّها والأم التي تهتّ عنها إلي أشباه الأمهات.. لا تشبك، من فضلك، عشرك علي رأسك وتصيح (مظلومة يا بغداد).. لا تنصب لها مأتما في بلد بعيد ونظيف، تبكي فيه شارعّ المطار أو تنعي الجسرّ المعلق أو تؤبٌن جسرّ الجمهورية، وتقول أين بغداد وكيف بغداد ولماذا بغداد؟
صادق في كل كلمة تقولها وفي كل سؤال.. وانت محب وعاشق لها في الحل والترحال.. ولكن بغداد ليست محتاجة إلي فناجين القهوة المرة السريعة وإلي سرادق عزاء مقام فوق السحاب.. هي ليست محتاجة منا إلي قصيدة ترفع العتب ولا إلي رواية تجسقط الفريضة.. والعالم أيضا لم يعد محتاجا إلي دندنة العود وبكاء المغنين ونواح الشعراء والكتاب والقصاصين.
بغداد محتاجة إلي أبنائها.. إلي الصٌِيد الأجاويد أحبابها.. عميّتْ عيونها وهي تبكي عليهم.. وجفت أشجارها وهي تذوي من نقص الحنان.. فليأت الذي يحبها إليها ويضمد جراحها.. فنحن نخجل منها أن نغني وهي تنزف دما.. ونخجل أن نملأ فمنا بالكلمات وفمها مملوء بالدم. نخجل أن نتفرج عليها وهي تتحول من وردة الله إلي منفضة للقذائف والجثامين، نخجل أن يحافظ عليها عامل النظافة والجنائني والخباز ومحصل الكهرباء، والنخبة تدير ظهرها لبغداد ثم تبكي عليها في المحافل والمنافي والفضائيات.
لقد سئم العالم هذا البكاء.. ملٌ الناس هذا الكلام وهذا الهجران وجاء اليوم الذي يسألكم فيه: ألا تستحق بغداد التي تبكونها شيئا آخر غير الكلام والبكاء؟ ألا تستحق أن يكون هناك في كل حي مثقف حي، وفي كل شارع شاعر مرهف الحس، وفي كل ركن عامر معماري صاحب ذوق رفيع فيشمل كل أولاء بذوقهم ونظافتهم وجمالهم الأحياء كلها والشوارع كلها؟.. الا تستحق أن يأتي إليها عازف العود الذي يبدو أنه لن يعود، والمغني الذي مللناه يغني علينا من سدني إلي قرطاج، وقارئ المقام الذي أقام إقامة دائمة في تلفات الدنيا الإسكندنافية، والمعماري الذي عمٌر بيوت العالم وبيتجه خراب، والشاعر الذي لم يشعر بوقع كلامه علي عنفوان النخيل عندما قال (لن أعود إلي خراب)، فاجتمعت الشيخوخة مع الشعر لتجرح أرض النخلة البرحية وتعتدي علي مشاتل بغداد وبساتينها وعذوبة العشب المبلل بندي الصباح وطعم الهواء الطلق يسبح بين سعفات النخيل وهديل الفواخت التي تنادي (كوكوكتي.. كوكوكتي.. وين أختي.. كوكوكتي) بغداد.. وا أسفاه عليها إذ يقتلها الأعراب قبل الأغراب.. بغداد.. يهجرها أهلها ولايحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم.
بغداد.. حراسها أنتم وأمناؤها الازليون.. فتوقف أيها الزمان وردٌهم إليها ما بقي من العمر بقية.. ويا نار كوني بردا وسلاما علينا وعليهم وعلي بغداد وكل العراق. العراق
|
|
|
|