دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -697ه - العدد1427شوالمن27- م2006نوفمبر من19 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:45:33 PM الساعة - 11/18/2006 آخر تحديث يوم
      شرق وغرب
دراسة تاريخية تعيد فتح الملف:
هل كان أونجاريتي عميلا للفاشية؟!
روما: د. حسين محمود
هل يجوز إعادة محاكمة شاعر بعد 36 سنة من وفاته و63 من نشره إحدي قصائده؟ أيا كانت الإجابة فإن هذا هو ما حدث بالفعل عندما نشر العدد الأخير من مجلة "التاريخ المعاصر الجديد" والتي تحاول إعادة كتابة الأحداث المعاصرة من منظور مختلف بحثا لجوفاني سيديتا يحاكم فيه الشاعر سكندري المولد جوزيبي أونجاريتي لموقفه الذي اتهم فيه بأنه يناصر الفاشية، إلي الحد الذي طلبت فيه لجنة تطهير جامعة روما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فصله من الجامعة التي كان يتولي فيها منصب أستاذ كرسي التاريخ الحديث والمعاصر.
السبب الذي كان وراء التحقيق مع اونجاريتي في ذلك الوقت إعادة محاكمته الآن هو قصيدة قال فيها:
في الإبادة المجنونة
قد أنسي وجوها ظهرت
ليس فيها من الإنسانية
إلا الملامح.
وتم تفسير هذه الأبيات كتعبير عن انتماء الشاعر للفاشية واعتراضه علي تحرير الحلفاء لإيطاليا من الحكم الفاشي، وهو ما يطرح من جديد قضية الموقف الأدبي داخل السياق التاريخي، ويعني أن مشاركة الكاتب الألماني صاحب نوبل جونتر جراس في جيش النازي يمكن أن تعبر عن نازيته، أو أن المدافعين عن مواقف الملك فاروق أو فؤاد في عهديهما ملكيون ضد الثورة وضد الجمهورية.
وكنت قد ناقشت في القاهرة قبل سفري إلي روما رسالة ماجيستير في كلية الألسن للباحثة جيهان ابراهيم دياب عن الكاتب الإيطالي مالابارته، والذي اتفق النقاد علي وصفه بأنه أجمل أقلام الفاشية، ولم يكن يخفي مناصرته لنظام موسوليني، ولم يكن يخفي أيضا معارضته لهذا النظام، فقد كان ممن يرون أن مثل هذه النظم القومية يمكن إصلاحها من داخلها، مثل بعض اليسار المصري الذي كانت له مواقف معارضة أثناء حكم عبد الناصر ولكن هذا لم يكن يعني أنهم خارج نظام عبد الناصر، علي عكس التيارات التي كانت تناوئ الثورة بمواقف معادية مثل اليمين المصري التقليدي والإخوان المسلمين. في تلك الرسالة أوضحت الباحثة أن مالابارته اتخذ مواقف شديدة المعارضة لسلوك الحلفاء عندما دخلوا إيطاليا، وكان يواجههم ويعارضهم في مواقعهم وفي الشارع وفي كل مكان، حتي أنه كان يري أن الانحلال الخلقي الذي تفشي في مدينة مثل نابولي بعد نهاية الحرب لم يكن سببه أن أهل نابولي فاسدون أخلاقيا وإنما لأنهم كانوا في موقع المهزوم أمام غطرسة قوة الأمريكيين الذي كانوا يقودون الحلفاء.
وفي هذه القصيدة التي عبر فيها اونجاريتي عن حزنه لقصف الحلفاء العنيف لروما تم تفسير هذا الموقف علي أنه انتماء للفاشية ومعارضة لتحرير إيطاليا منها، في خليط من الشفقة والكراهية، الشفقة علي المدينة المدمرة والكراهية للقادمين من خارجها لتحريرها.
كانت هذه الأبيات جزءا من قصيدة نشرت في شهر أغسطس عام 1943 بعنوان "أيها الشعراء القادمون من خلف المحيط أقول لكم" عقب قصف روما مباشرة، وكان ذلك سببا دفع المؤرخ الإيطالي لويجي سلفاتوريللي لأن يطلب إبعاد اونجاريتي عن كرسي التاريخ الحديث والمعاصرفي جامعة روما. والدراسة التي نشرت مؤخرا تذيع للمرة الأولي وقائع التحقيقات التي أجرتها لجنة تطهير الجامعة من الفاشيين، وهي وقائع يمكن أن نصفها بأنها كانت معارك أدبية عاصفة حول تفسير وتأويل نصوص أدبية. فماذا جاء في هذه التحقيقات؟
بدأت التحقيقات حول موقف اونجاريتي في يوليو عام 1944 بحجة أنه تعيينه في الجامعة لم يكن قانونيا، وإنما لأنه كان مسنودا من كبار رجال الحكم الفاشي، مكافأة له علي مواقفه الموافقة لفكر الفاشيين. وتم تكوين لجنة ثلاثية للتحقيق في هذا الأمر أثارت كثيرا من الشكوك بعد ذلك فيما وصلت إليه من استنتاجات تشتم منها رائحة تصفية الحسابات، ليس مع اونجاريتي وحده ولكن مع العديد
الفاشية، وفي مرافعته المكتوبة أوضح أونجاريتي موقفه الرافض للخيارات السياسية الأخيرة للنظام الفاشي، وأهمها قرارات الحرب والقرارات المتخذة ضد اليهود، ويقول الباحث إنه لو كان إثبات بعده عن النظام الفاشية ليس مصدقا لأنه يحمل بطاقة عضوية الحزب التي تعود إلي عام 1924 إلا أن تلك المرافعة تثبت أنه كان منشقا عليه.
في الجلسات الأولي أعلنت اللجنة حفظ التحقيق. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فخصوم الشاعر الإيطالي كانوا مستعدين للاستئناف الذي أشهروا فيه مزيدا من الأسلحة لتدميره، ومنها تتمة للقصيدة المشار إليها يتضرع فيها اونجاريتي إلي الله أن ينصر الإيطاليين علي الحلفاء، واستدعوا من أرشيف أشعاره قصيدة أخري تمدح موسوليني وانجازاته والتي ورد عليها الدوتشي بكتابة مقدمة لطبعة نادرة من ديوان أونجاريتي "الميناء المدفون" الذي صدر عام 1923، والذي ترجمنا بعضا من قصائده في "أخبار الأدب".
وفي النهاية قامت اللجنة بفتح الملف المالي لأونجاريتي بحثا عن دليل إدانة، وبالفعل وضعت يدها علي الدليل، فقد تبين أن أونجاريتي كان يحصل من الدولة، أو من النظام الفاشي آنذاك، ما بين عامي 1934 و1942 علي راتب شهري ثابت يشبه ما يتقرر أحيانا في مصر للأدباء من بدل تفرغ، وكان هذا المبلغ كبيرا، نحو ألف وخمسمائة من الليرات الإيطالية القديمة، وكانت قيمتها آنذاك عالية، مع العلم أن كثيرا من الأدباء الذين كانوا يتلقون هذه الراوتب كانوا يحصلون علي نحو 500 ليرة، وكان الحد الأقصي لها 2000 ليرة، مما يعني أن أونجاريتي كان من بين المميزين لدي النظام. ويقرر الباحث أيضا أن مجرد قبول أونجاريتي لهذا الراتب يعني أنه منحاز لفكر النظام الفاشي، سواء كان انحيازا نشطا أو متحمسا، صريحا أو ضمنيا. وأن استمراره في قبول الراتب الحكومي، علي عكس كتاب آخرين كانوا يتلقونه أحيانا وينقطع عنهم أحيانا أخري، يعني أنه لم يتراجع عن موقفه، فلم ينقطع راتب أونجاريتي سوي عندما ذهب للبرازيل للتدريس في جامعة ساو باولو عام 1939 ولما عاد حصل علي المتأخرات المستحقة له جميعها، ثم انقطع الراتب عندما تولي تدريس التاريخ في جامعة روما عام 1942، بما يوحي بأن هذا التعيين كان بديلا للراتب الذي قرره له النظام الفاشي. ويدافع اونجاريتي عن موقفه قائلا إنها كانت إعانة تعطيها الدول لغير القادرين وأنه لم يكن يملك مليما واحدا، ولا يجد أي فرق بين هذه الإعانة وتلك التي قررتها الدولة آنذاك للفلاحين لاستصلاح الأراضي البور. وفي نهاية مرافعته تناول أونجاريتي بالتحليل النقدي الذاتي الأشعار التي فجرت المشكلة وأوضح أنه كان يخشي من تدمير التراث الحضاري الضخم (وهو ما حدث فعلا، حيث دمرت قنابل الحلفاء بعضا من أجمل الآثار في روما) وأنه كان شديد الرقة في خطابه للشعراء الأمريكيين حتي لا يتسببوا في تدمير تراث إنساني لا ينتمي إليه وحده وإنما ينتمي إليهم أيضا.
وانتهت المحاكمة في مايو عام 1945 بتأييد قرار أول درجة، أي تثبيت أونجاريتي في منصبه، ولكن العقاب الحقيقي كان عقابا فنيا، فقد اختفت القصيدة أو الأبيات التي تسببت في المشكلة من الطبعات التالية لدواوين أونجاريتي الذي أعاد استخدام بعض هذه الأبيات التي لا تمس الشأن السياسي في قصائد أخري. لكن السؤال المحير الذي لم أجد له إجابة، سواء في البحث المنشور في المجلة التاريخية، أو في عرض صحيفة كورييري ديلا سيرا له، يتعلق بالدواعي التي تقود لفتح مثل هذه الملفات الآن، وهل هناك من "يدعبس" في الدفاتر القديمة من أجل إدانات جديدة تصب في خانة مستفيد واحد ووحيد في العالم من مآسي النازية والفاشية؟
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: