|
|
| السنة - | 697 | ه - العدد | 1427 | شوال | من | 27 | - م | 2006 | نوفمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:48:05 PM |
 |
الساعة - |
 |
11/18/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
صانع الأقفال الذي أصبح أسطورة .. يروي ذكريات الطفولة :
كنت طفلابائسا والكتابة
عن الجنس ليست ذنبا!
حوار : ميجيل مورا
" الذكريات الصغيرة "، الذي صدر يوم الخميس الماضي مواقفا الاحتفال بعيد ميلاده الرابع و الثمانين ، جاء جوزيه ساراماجو ليروي طفولته الهادئة و الفقيرة في قرية أزينهاجا و لشبونة . و كتب في صدر الكتاب عبارة شديدة العمق تناسب بشكل كبير مضمون الكتاب : " أترك نفسك للطفل الذي كان يعيش بداخلك".
إنه طفل منعزل و جاد ، يعشق كثيرا التفكير و التأمل ، يبدو سعيدا علي طريقته الهادئة ، خاصة عندما يسير حافي القدمين. " كنا نسير في القرية حفاة، الأطفال و النساء. حتي الرجال ايضا كانوا حفاة، لكنهم كانوا يلبسون الحذاء ذي الرقبة عندما يذهبون للعمل .كنت أعشق السير في القرية ، أخلع حذائي ، أنزل للنهر ،أطأ الطمي، أسير علي حزم النباتات الجافة...كان الجميع يفعل ما افعل، وكنا جميعا نعيش بنفس الطريقة في تلك الأيام.و مازال الفقر يسكن هذه الأركان حتي الان ، بل و زاد."
إختار ساراماجو لكتابه الجديد عنوان " الذكريات الصغيرة "، ووفي بوعده الثلاثي:جعل ذكرياته موجزة(150 صفحة )، روي فترة الطفولة (حتي 14 او 15 سنة )،جعله خاليا من الصبغة الادبية .. كما لو كان ساراماجو يريد أن يقصي الكاتب عن حياته ، ليكتب هو كإنسان بسيط حكايات طفولته.
هذا الطفل المروي عنه طفل فضولي وفطن، لكن من الصعب التنبؤ له بمستقبل لامع، ومن الأصعب التكهن بأن يكون كاتبا. ربما هو أميل بشكل ما لأن يكون فلاحا وعاملا. أو ربما يصبح شرطيا مثل ابيه. " عندما كان عمري 14 عاما،كنا مفلسين في البيت ، فقرر ابي ان أدرس صناعة الأقفال . بدت لي فكرة جيدة ، ففعلت ما اراد."
إنتقلت حياة الطفل من مكان إلي اخر ، ما بين لشبونه ، حيث هاجرت أسرته عندما كان عمره عام و نصف ، و بين أزينهاجا ، وهي القرية الواقعة علي ضفاف نهر الموندا، بالقرب من التاجو علي بعد ساعة شمال العاصمة ، وهو المكان الذي كان يقضي فبه أجازاته الدراسية .
كان هذا الطفل ، المسمي خوسيه دي سوسا (يروي ساراماجو في كتابه ان إسم ساراماجو هو الإسم الذي أضافه موظف السجل السكران ، حيث ان إسم ساراماجو هو لقب العائلة في القرية ." نقول إن هذا الطفل ترعرع في كنف بلد فلاح و أمي،لكنه كان مسليا ، ففيه الكثير من الاسر كثيرة الأفراد ، و الغيرة الآكلة ، و الأحصنة و الكلاب ، وبعض الثورات العسكرية و النظام السالازاري الذي يجبر الطلبة علي إرتداء الزي الرسمي الذي يعبر عن الشباب البرتغالي.
في حياة ساراماجو ايضا العديد من السيدات و البنات اللاتي عشقهن .إلا انه لم يعشق احدا مثلما عشق جده وجدته لأمه، جيرونيمو و جوزيفا. " كنت سعيد الحظ لأن الله قد وهبني هذين الجدين، لكن احفادي ليسوا بنفس الحظ لأننا اجدادهم ، فعندما اصابني الدور لاكون جدا، لم أكن قد تعلمت الدرس بعد . وعادة ما اقول إنني لست جدا ، ولي احفاد ، فأنا رجل ناكر للجميل لأنني مازلت حفيدا لأجدادي و لست جدا لأحفادي
وبمناسبة كتاب ساراماجو الجديد و يوم ميلاده ، أجرت معه جريدة الباييس هذا الحوار:
 من المثير للدهشة إختفاء الصبغة الادبية من الكتاب ...
لقد تخيلت نفسي بدون نوبل ، بل و بدون قلم الكاتب، و انني في هذا العمر أقرر أن أتذكر الطفل الذي عاش منذ زمن بعيد بداخلي . هذا هو الكتاب بإختصار.فأنا في العمق فعلت ما يمكن أن يفعله أي احد : أن أتذكر بدقة ما . نعم أنا حائز علي نوبل ، لكن هذا الطفل الذي اكتب عنه لم يكن يعرف شيئا عن هذا ، فما حاولت ان افعله هو الا امزج بين هذا و ذاك .
 الشيء المدهش حقا أنك استطعت أن ترتدي عباءة هذا الطفل !
لقد حاولت بقدر الإمكان أن أكون مخلصا لذكرياتي الخاصة ، و بالرغم من أن الذاكرة ليست محل ثقة،إلا أن هذه الذكريات رافقتني دائما في مشوار حياتي .لكن تفسير هذه الذكريات ربما سيكون اكثر تأثيرا ، لان صاحبها حائز علي النوبل و اشياء اخري .
 كما أننا نلاحظ في الكتاب المجهود الذي بذلته لإحتوائه ؟
لقد كان هذا هو هدفي ، فبالرغم من ان الناشر ( كامينهو ) أخبرني إنه يمكن الإطناب فيه ليصل إلي 300 أو 400 صفحة ، إلا أنني لم أرد به أدبا . إن ما كان يهمني حقا هو الحدث ، و أحداث الكتاب ليست جافة ، فلكل حدث صداه . و لعل اكثر ما يهمني هو الا يكون كتابي تدريبا علي إسلوب ما.
 تبقي إذن حياة هذا الطفل، البسيطة و القاسية في الوقت نفسه، هذا الطفل القنوع بما يجده .
لقد كانت هذه هي حياته ، فلنضع في الإعتبار أن الفقراء في العشرينيات والثلاثينيات كانوا في غاية الفقر ، كما كان الاثرياء في غاية الثراء ، و كان كل منهما في مكانه، و لم نجد تفسيرا لهذا الوضع ، وكان الفقراء يتقبلونه. لقد كانت الأمور هكذا دائما ، ولن أقول إن الفقراء كانوا مستسلمين ، لكنهم بكل بساطة كانوا يتقبلون الوضع .
 لم تكن صورة الاب غاية في اللطف ، حتي انه لم يتركك تلهو معه .
لم يكن ابي سيء النية ، لكن هذا هو طبع الحياة في ذلك الزمن ، فرجل البيت دائما علي حق و الاخرون ليسوا إلا خيال مآته. لقد ساد الحب في أسرتنا، بالرغم من اننا لم نكن دائما عائلة سعيدة. لقد خرج ابي من القرية و عمل شرطيا، و بالتالي تبدلت أحوالنا ، فزي الشرطة بطابعه الجنسي كان يثير غيرة أمي.
 هل كانت صورة الاب الشرطي هي المفجر لميولك الإشتراكية ؟
لا أعتقد . فابي كان يمكث في البيت بملابسه الداخلية ، وملابسه الرسمية لم تمثل صدمة لي ، بل انها من المفترض ان تشعرني بشيء من الفخر بسبب السلطة . فمنظره وهو يضع العصا في جانبه و في الجانب الأخر المسدس، كان يأسرني ...وربما كان ابي يتباهي بذلك .
 هل كنت طفلا شديد العزلة ؟
كنت طفلا بائسا حزينا... لكن هذا الشعور ليس مضرا ! ، فعندما اري الأباء مشغولين بعزلة أبنائهم أقول لهم دائما : " دعوه في سلام ،إنه ينضج "
 هناك ذكريات كثيرة تشير إلي قدرتك الفائقة علي الملاحظة، هل تعتقد أن الكاتب كان بداخلك؟
كنت قوي الملاحظة نعم ، لكنني لم اكتب روايات في سن السادسة. كنت طالبا نجيبا في الإبتدائية، وفي السنة الأولي من الثانوية كنت نجيبا جدا ، لكنني لم اكن مجتهدا،ولم أرسب ابدا ، ثم تغير الحال و لم أعد نجيبا . و ذاكرت بعد ذلك لأكون صانع اقفال ، و كنا ندرس حينها مادة الأدب ، ومن هنا إستيقظ القاريء بداخلي .
 الكتاب لم يتعرض للسياسة؟
في هذه الفترة لم يكن احد يتحدث في السياسة ، و لاحتي في البيت . كان أبي يردد دائما أقاويل الحكام . أما امي فكانت أمية ، ولم تكن تتناقش . أما حوارات الأسرة فكانت تدور حول الوقت ، و اين الشبشب و الشوربة كانت كثيرة الملح !
 هناك ذكريات أيضا متعلقة بمغامرات الحب و الجنس الاولي ليس هذا بغريب، أليس كذلك ! لقد عشنا جميعا هذه المرحلة ، القضية هي هل تروي أم نسكت عنها . لقد كانت أشياء بريئة ورويتها بطابع فكاهي .. ربما لو كانت إحدي الفتيات مازالت تعيش سيضقها ذلك... لكن علي أي حال هو ذنب مغفور .
 أبطال ذكرياتك هم أجدادك!
إنهم الصورة المثالية بالطبع، أري ذكرهم أمرا طبيعيا. الأن لا نجد سوي الأباء (ومحظوظا من يجد أبويه ) اما الاجداد فهم يعرفون أماكنهم ، و لا احد ينتبه لهم ، فأهميتهم الكبري في الماضي تلاشت ، و اصبح مكانهم المنطقي الان في النسيان. فلولم أكتب عنهم في هذه المذكرات لوقعوا في طي النسيان و لم يتبق منهم سوي أسماء في السجل المدني. أنا مسرور لكتابتي عنهم حتي يظلوا في الحياة بشكل ما .
 لا نسمع في كتابك نغمات الموسيقي بالرغم من أن حي موراريا بلشبونة مشهور باغانيه الشعبية !
لم يكن لدينا راديو ، و كانت الفرقة الموسيقية بالنسبة لنا هي اصوات النساء اللاتي يطبخن و يثرثرن في ذات الوقت ، مصطحبا لاصوات الأطفال الذين يلعبون و يصرخون .
 ماذا تبقي لك من هذا الطفل ؟
مازلت فلاحا بشكل ما . قد يبدو قول ذلك حماقة ، لكنني وحدي أستطيع ان اعرف ما احتفظ به بداخلي من الطفل الفلاح . مازلت هذا الطفل بشكل كبير، وهذه هي اصولي الحقيقية .
 هل أردت تحطيم أسطورة ساراماجو بهذه المذكرات ؟
هم من صنعوا مني إسطورة، بالرغم من أني لم افعل شيئا يستحق .مذكراتي ببساطة أرادت أن تقول : " حضرتك تعرف رجلا كذا و كذا . بمعني ان هذا الرجل كان ذلك الطفل الغريب بعض الشيء . " لقد اشرت إلي حياتي البعيدة ، فلقد كان من الممكن أن أظل صانع اقفال بدون ان اخطو خطوة للأمام، لكن لسبب أو لأخر...عندما كان عمري 17 عاما تفوهت بعبارة لأصدقائي كانت تبدو لهم في ظاهرها بلا معني : " نصيبي سيصل إلي يدي. ".ربما تعني هذه العبارة ألا نسعي ، إلا أنني سعيت كثيرا .
 متي وجدت مفتاح حياتك ؟
كانت اللحظة الحاسمة سنة 1975 حيث حرقت نفسي من أجل الثورة ، و بقيت بلا عمل، وقررت حينئذ أن أري أين يمكنني ان اصل ككاتب . كانت لدي بعض الروايات ، لكنني لم امتلك عملا كاملا . فلو وافتني المنية سنة 1975كنت ساترك القليل ليقرأ، و كان إسمي سيذكر في تاريخ الادب البرتغالي في سطرين !. وفي 1986تعرفت علي بيلار ( زوجته و مترجمته للإسبانية ) و كانت معرفتي بها ثورة اخري في حياتي .
 وبعد ذلك حصلت علي نوبل و كتبت عن اجدادك .
ليس لكل الناس جدا كجدي ، عندما كان في طريقه إلي الموت بلشبونة، مر بحديقته ليودع الأشجار .لو نسيت هذا الحدث سأكون ساذجا.فلو لم نتغذي من هذه الاحداث سنخسر كثيرا.لقد كانوا حقا في قمة الرقة ، حتي أن الخنازير التي كانت تمرض كانوا يأخذونها لسرائرهم و يغطونها ببطاطينهم التي يتغطون بها ولو وصل عدد الخنازير لثلاثة او أربعة ، كل هذا من اجل ألا تموت الخنازير!. و لأنني شاهدت هذا في طفولتي ، اثر في كثيرا .
|
|
|
|