|
|
| السنة - | 697 | ه - العدد | 1427 | شوال | من | 27 | - م | 2006 | نوفمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:45:43 PM |
 |
الساعة - |
 |
11/18/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
هكذا تكلم قرشولي:
ليتني كنت ياسمينة
من دمشق!
حوار : أحمد تيناوي
في هذا الحوار يتحدث قرشولي عن حياته وابداعه.
 دعنا نبدأ الحوار بالسؤال عن قصائدك الأخيرة هكذا تكلم عبد الله المكتوبة بالألمانية. من هو عبد الله؟
 عبد الله هو في هذه المجموعة تحديدا شخصية مفترضة، هو ذات تموضعت في القصيدة لإجراء حوار مع الذات الأخري الكامنة في الداخل. كان يمكن لعبد الله هذا أن يحمل من هذا المنطلق أي اسم آخر. تبدأ كل قصيدة من قصائد المجموعة إما بعبارة وقال عبد الله لي أو بعبارة وقال لي. استفدت في هذا الأستخدام من مواقف النفري. قصائد المجموعة يغلب عليها الطابع الفلسفي التأملي. وقد لجأت إلي هذه التقنية لجعل الذات مخاطبا للقصيدة خلال اللحظة الإبداعية نفسها من جهة، وتحويل تلك التأملات من جهة أخري إلي نوع من الحوار والمناجاة مع هذه االذات.
 ولكنك استخدمت لغة الآخر ( اللغة الألمانية) في حوارك مع هذه الذات.. التي هي أنت؟
 هذا صحيح إلي حد بعيد. الغالبية العظمي من قصائد المجموعة كتبت بالفعل باللغة الألمانية. هناك عشر قصائد تقريبا كتبت أولا بالعربية، ثم أعيدت صياغتها بالألمانية. لكنني كما تعرف أعايش لغة ألآخر هذه، كما تسميها، منذ أربعين عاما. وأعيش عوالمها بكل ماتعنيه هذه الكلمة من أبعاد. وأنا لم أعش منذ بدايات وجودي في ألمانيا علي هامش المشهد الثقافي. ولعل لغة الآخر هذه لم تعد لغته وحده، بل تحولت إلي لغة الذات أيضا، إلي لغة موازية للغة الأم، حياتيا وشعريا.
 ولكن، كما أشرت، هي ليست لغتك الأم. وأنا أسأل عن شاعر يحمل خصوصية هذا الآخر.. الذي اتي من خارج الرحم..؟!
 رب أخ ياعزيزي لم تلده أمك.. ولكن لنترك المزاح. لاشك أنك تلامس بهذا التساؤل قضية معقدة لها تشعبات كثيرة، سميولوجية، وجمالية، بل وحتي سياسية.. ساقتصر في إجابتي علي مسألة اللغة الشعرية وعلاقتها بلغة الواقع في تجلياته. حين كنت طفلا أتسلق أزقة حارتنا نحو قمة قاسيون لم أكن أتكلم لامع أمي ولا مع أبناء حارتي لغة الشعر التي كتبت فيما بعد قصيدتي العربية بها. كلنا نتعلم الفصحي في المدرسة. وهي إذن في إطار هذه الإزدواجية بمعني ما، لغة أم ثانية، موازية للغة الأم الخارجة من رحم اليومي. وما أقوله هنا بالمناسبة ليس مقتصرا البتة علي اللغة العربية وحدها، بل علي كل لغة. وإذا نظرنا إلي هذه اللغة بشكل ميكانيكي في ضوء نظرية المحاكاة، فنحن لانتعامل مع اليومي من خلالها. يحق لنا هنا أن نتساءل في هذا الإطار ما إذا كانت لغتنا الشعرية هي فعلا لغتنا الأم؟ علي الصعيد الدلالي والإيحائي لايوجد نموذج مؤطر لما نسميه اللغة الأم. هناك، تطبيقيا، لغات أم مختلفة. اللغة الشعرية لها عموما دلالاتها وايحاءاتها المغايرة للغة المحامي أو الشرطي في إطار اللغة الأم. من ناحية أخري لابد لنا من الإعتراف أنه بإمكان المرء ان يتعرف علي التاريخ الدلالي للكلمة المكتسبة من لغة غير لغة المنشأ بسهولة أكبر من اكتسابه لتاريخ هذه الكلمة الحسي الإيحائي. الكلمة الشعرية لاتعتمد علي المعاني الدلالية فحسب، بل تتجاوزها إلي الأبعاد الحسية والإيحائية والايقاعية. ومن الصعب أن نستنبط هذه الأبعاد من قاموس. علينا أن نعايش الكلمة في إطارها الحياتي المعيش وفي لحظاتها الشعورية واستخداماتها الشعرية وغير ذلك.. هذا بالضبط ماحاولت في الواقع أن افعله علي مدي أربعين عاما، كما أسلفت. أنا أكرر دائما أنني لم أكتب القصيدة الألمانية إلا بحكم الضرورة. في لحظة من اللحظات أبعدتني لغتي الأم بتجلياتها اليومية والشعرية علي حد سواء عما كنت أعايشه وأعيشه مع الآخر بلغته تلك، بايحاءاتها ودلالاتها. وخيل لي في لحظة من اللحظات أنه لابد لي كي أتمكن من مواجهته والوصول إليه أن أستخدم الدلالات والايحاءات نفسها.
 هل ستحمل هذه الدلالة وهذا الايحاء غرابة ما بالنسبة للقاريء العربي عندما تترجم له هذه القصائد؟
 ربما، لأن كل نص ادبي ينقل من لغة إلي لغة، يتلبس باللغة الأخري دلالات وايحاءات مغايرة للغة التي كتب بها. ومع ذلك فإن كاتب قصائد هكذا تكلم عبد الله بالذات يحمل في ذاته ثقافة ومشاعر ورؤية للعالم تتماهي إلي حد كبير مع ثقافة ومشاعر ورؤية القاريء العربي. هذا من جهة. ومن جهة أخري أكثر تعميما، إننا كثيرا ما نقرأ قصيدة لشاعر ينتمي إلي عالم بعيد كل البعد عن عالمنا وتراثنا، ونشعر أنها أقرب إلينا من قصيدة كتبها شاعر يعيش بيننا. هذه هي معجزة الشعر حين يستطيع ولوج مساحات الإنساني العام.
 لا اقصد الانساني العام. وانما اقصد النسق الدالالي اللغوي المغاير في تجلياته الشعرية؟
 لقد قلت إن لكل لغة أنساقها الدلالية والايحائية، ولكننا لانستطيع بحث ذلك بشكل محدد عياني إلا في دراسات مقارنة بين الأصل والترجمة. الأمر يختلف من قصيدة إلي قصيدة ومن لغة إلي لغة. قد تفقد القصيدة دلالات وايحاءات تفقرها وقد تكتسب دلالات وايحاءات تغنيها.
 تجربتك الشعرية انطوت علي ثلاث مراحل: 1 التفتح الأول في الوطن، 2 المرحلة ذات الدلالة الفكرية والسياسية (ألمانيا الشرقية تحديدا)، 3 الآن، لماذا، وماذا حدث للشاعر فيك علي الصعيدين الفكري والتعبيري عبر هذه المراحل الثلاث!
 موضوع تقسيم المراحل بالنسبة لأعمال أي كاتب هو دائما موضوع نسبي. وهو في أغلب الأحيان قضية بحثية إجرائية. لاشك أن ثمة حدودا مفصلية بين مرحلة وأخري، ولكن ثمة تداخل بينها أيضا. في البدايات كتبت شعرا رومانسيا متأثرا بجبران وعلي محمود طه وأمين نخلة ونازك الملائكة وأبي شادي وغيرهم.. ثم توجهت مع المد الوطني في منتصف الخمسينات إلي الشعر السياسي ومحاولة المزاوجة بين الرومانسي والسياسي. ومع ذلك لم أنج آنذاك كغيري من الوقوع في فخ الخطاب التبشيري. لم أكن آنذاك قد تجاوزت العشرين من العمر، ورغم أن بعض ماكتبته من شعرآنذاك يحمل بعض البشائر، لكنه كان لم يزل غضا. في بدايات الكتابة باللغة الألمانية في مطالع الستينات كان هدف القصيدة الأساس هدفا تواصليا. كنت قد وجدت نفسي آنذاك فجأة في مواجهة مع مخاطب آخر هو المخاطب الألماني في ألمانيا الشرقية تحديدا ممثلا بالمشهد الثقافي هناك في الستينات. وذلك بكل ما في هذه المواجهة من اقتراب ونفور وصدام وعناق. وكان المحور الرئيس في قصيدتي تلك وبشكل عام هو محاولة المساهمة في عملية التغيير. وقد وجدت نفسي منخرطا في ما سمي في تاريخ أدب المانيا الديمقراطية بالموجة الشعرية، حيث كان الشعراء يقيمون أمسيات شعرية جماعية تلقي رواجا كبيرا وتثير جدلا واسعا. في تلك الفترة بدأ الشعراء يفصحون عن مواقفهم النقدية من التناقضات التي يفرزها المجتمع الإشتراكي بشكل أوضح من ذي قبل. وذلك رغبة منهم في المزيد من الإنخراط والمساهمة في عملية التغيير. كان شعري ينتظم إلي حد ما في هذا الإطار رغم اختلاف نظرتي التغريبية إن صح التعبير عن نظرة زملائي الآخرين. في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات بدأ يتولد لدي شعور بأن دور قصيدتي في تغيير الحدث الخارجي أضأل بكثير مما كنت أتصور. في تلك الفترة بدأت في إبعاد المخاطب الخارجي قدر الإمكان عن اللحظة الإبداعية وفي محاولة فتح الأبواب نحو الداخل للولوج من خلاله قبل كل شيء إلي العالم الأرحب.
 هل رميت العمامة عن رأسك في مرحلة ما؟ وأقصد في الغربة!
 أظن أنك تشير هنا إلي قصيدتي العمامة المهترئة. في هذه القصيدة وفي كثير من قصائد الستينات والسبعينات الألمانية كنت أريد في الحقيقة أن يرمي الآخر أولا عن رأسي هذه العمامة، لأنني كنت ألاحظ أنه كان يحاول أن يلبسني إياها باستمرار مدججا بأحكام مسبقة عن الحضارة التي كونتني. ولذلك رميتها بالفعل في لحظة من اللحظات من بداياتي الألمانية عن رأس قصيدتي وحاولت أن أبعد عن تلك القصيدة كل مايشير إلي هذه العمامة. لم أشأ أن يقبل بي الآخر فقط من خلال الصورة الغريبة والموضوع الغريب. أدرك اليوم أن إلقاء العمامة بتلك الحدية وتلك العصابية جعلني أتحول أحيانا إلي مقلد يستعير لسان الآخر وصوته وايقاعاته في كثير من تلك القصائد الأولي. ولاشك أن بريشت الذي كتبت عنه آنذاك رسالة دكتوراه لعب دورا في ذاك التوجه. ومع ذلك لست نادما ولست راغبا في التنصل من تلك المرحلة. ومازلت أقرأ في أمسياتي الشعرية بعض تلك القصائد وأفاجأ كل مرة بالترحيب الذي تلقاه. في تلك المرحلة تعلمت مثلا الحد بعض الشيء من الاستطراد والثرثرة. وإعطاء الصورة الشعرية بعدها المعرفي. وضرورة التخلي أحيانا عن صورة أو فكرة تبدو مجانية في سياق البنية الكلية للقصيدة رغم عشقي لها. وتعلمت في فترة لاحقة الإنصات بصبر ودأب شديدين إلي صراخ الصمت. وأنا أعتقد أن تلك المرحلة كانت مرحلة مهمة بالنسبة لتطوري الفكري والشعري، وربما للتوصل فيما بعد إلي نوع من النتيجة المركبة بالمفهوم الهيجلي، خاصة في بعض قصائد وطن في الغربة و هكذا تكلم عبد الله. وأنا اليوم لم أعد أخشي ربما بفضل تلك المرحلة أيضا من وضع العمامة علي رأسي بنفسي أحيانا، ولكنها لن تكون كما آمل عمامة مهترئة.
 متي تكتب بالعربية، ومتي تكتب بالألمانية؟
 لاأدري. إن ما يحدد الكتابة بهذه اللغة أو تلك هو اللمحة أو الفكرة أو الصورة الشعرية التي تفاجئني في مكان ما، في مقهي أو حديقة أو ترام أو حلم. هذه الفكرة أو الصورة الشعرية تملي نفسها علي القلم إما بالألمانية أو بالعربية. وأنا لاأتابع عادة كتابة القصيدة إلا بلغة الصورة الأولي التي هربت في لحظة شعرية أو شعورية ما من مساحات اللاوعي إلي حيز البوح. ويمكنني أن أكرر هنا أن اللغة هي التي تختارني إن صح التعبير ولست أنا من يختارها.
 هل ثمة حالة نفسية أو فيزيولوجية تستدعي الكتابة بإحدي اللغتين؟
بالتأكيد. ولعل المعايشة الآنية لحالة ما هي التي تهيج مخزونا في الذاكرة الحسية وتدفعه في هذا الاتجاه أو ذاك مرجعة إياه إلي لغته الأم.
 هل تحب أن يطلق عليك شاعر ألماني أم شاعر عربي؟
أحب أن يطلق علي اسم عادل قرشولي.
 ولكنك شاعر؟
لنقل إن شئت الشاعر عادل قرشولي.
 وإن أردنا التحديد بشكل أكثر!
ربما يمكننا القول إنني في قصيدتي العربية شاعر عربي وفي قصيدتي الألمانية من شعراء اللغة الألمانية..
 أي القصائد أقرب إليك، وأعني تلك المكتوبة بالعربية، أم المكتوبة بالألمانية؟
لاأحب كثيرا من قصائدي العربية، ولا أحب كذلك كثيرا من قصائدي المكتوبة بالألمانية، بل أحب بعضا من هذه، وبعضا من تلك“
هل تفضل أن تترجم أنت قصائدك، أم تحب أن يفعل الآخرون هذا الأمر؟
اتمني أن يترجمني آخرون ترجمة أشعر أنها تقترب من هاجس الأصل. لكن من ترجموا الشعر كما تعرف من الألمانية إلي العربية قلة. وأنا لا أحسد نفسي علي هذا. ترجمت قصائد لي إلي لغات أخري مثل الفرنسية والروسية والإسبانية والإيطالية والسويدية وحتي الإسلندية، وأنا سعيد بذلك، لأنني لا أتقن لغة من هذه اللغات، ولأنني لا أدري ماذا فعل الآخرون بنصوصي وبي. أما حين يترجم نص لك إلي لغة أخري تتقنها أنت، بل وتعتقد أنك تستطيع التعبير بها شعريا، فمن الصعب أن تجد نفسك بسهولة في النص الآخر. علي سبيل المثال عندما قرأ الدكتور عبد الغفار مكاوي مجموعتي هكذا تكلم عبد الله بدأ للتو بترجمة بعض القصائد إلي العربية علي المساحات البيضاء في صفحات الكتاب نفسه، كما ذكر لي، دون أن يدري أنني كنت قد ترجمت المجموعة بنفسي إلي العربية. ولأنني أكن للدكتور عبد الغفار ودا وتقديرا كبيرين، إنسانا وكاتبا وباحثا جادا ومترجما أمينا عن الألمانية، لم أعارض في نشر ترجمته للمجموعة. وقد حدثت مفارقة طريفة. في هذه المجموعة حوالي عشر قصائد كتبت أصلا بالعربية، ثم أعيدت صياغتها بالألمانية. والآن أعاد الدكتور مكاوي نقلها ثانية إلي العربية. هذه الترجمة لن تتطابق بالتأكيد مع صياغتي العربية لها مهما تكن هذه الترجمة دقيقة وجيدة. والأمر هنا لاعلاقة له بالضرورة بجودة الترجمة أو عدم جودتها، وإنما يتعلق بكون الترجمة دائما إبداعا جديدا للنص بلغة أخري. ومن حق المترجم أن يختار للمفردة الأصل مفردته هو وأن يصوغ جملته هو وأن يستخدم ايقاعه الخاص به. أماحين أقوم أنا بترجمة قصائدي بنفسي، فأنا أستطيع أن أختار عندئذ مفردتي و جملتي وايقاعاتي الخاصة بي.
 ألا تحب أن يتلقي القاريء العربي قصائد عبد الله وكأنها مكتوبة باللغة العربية؟
هذا هو الطموح الأكبر لكل ترجمة. أنا أحاول أن أكون عادة عند ترجمة نص من لغة إلي لغة أمينا للنص الأصلي بقدر الإمكان. ولكنني قد أسمح لنفسي بالنسبة لقصائدي بإعادة صياغة نفسي باللغة الأخري، بإضافة مفردة أو صورة أو فكرة يفرضها التاريخ المعرفي والحسي للمخاطب الآخر أو لضرورة ايقاعية خاصة بي أو لأنني أشعر أحيانا أنني مضطر لكتابة قصيدة جديدة، الأمر الذي أحاول تجنبه حين أترجم قصيدة لشاعر آخر إلا لضرورة قصوي.
 ماذا تعني الغربة للشاعر عادل قرشولي؟
إنهما ياصديقي غربتان.
 ألا تتمني أن تعود إلي الوطن لتلقي هذا الآخر عنك؟
التمني شيء وتحقيق التمني شيء آخر.. أعترف دون مواربة أنني أتمني أحيانا لو أنني لم أغادر الوطن أبدا، ولو أنني لم أكتب حرفا بالألمانية. لكن الرياح تجري غالبا كما تعرف بما لا تشتهي السفن. ونحن لن نستطيع أن ندير عجلة الزمن إلي الوراء. ولعلنا حتي لو استطعنا أن نفعل ذلك، فقد نعيش حياتنا ثانية كما عشناها وقد نفعل مجددا مافعلنا. في مقال لي بعنوان الرابسوديا الرمادية وردت جملة أقول فيها: عندما أكون في لايبزغ (بألمانيا) أشتاق إلي دمشق، وعندما أكون في دمشق أشتاق إلي لايبزغ . أعرف أنني لن اصبح يوما ذلك الآخر، لكن بعض ألوانه تسربت بالتأكيد إلي قوس قزحي. ولم يعد بإمكاني أن ألقيه عني كلية حتي لو عدت نهائيا إلي الوطن.
 إذن أنت الآن في شوق إلي لايبزغ، وهي بذلك لم تعد مدينة أخري.. إنها مدينتك علي ما أعتقد؟
أكذب إن قلت إنني لم أشتق قليلا إلي لايبزغ عندما استيقظت هذا الصباح. أنت تعرف أنني أعيش في تلك المدينة منذ أربعين سنة. ولي فيها زوجة مازالت تتحمل تقلبات مزاجي منذ سبع وثلاثين سنة. ومازالت علاقتي بها تتمتع بقدر كبير من الحميمية. وأنت تعرف أن زوجتي تعلمت العربية وقامت بتدريس أدبها وترجمت كثيرا من أعمالها الأدبية إلي الألمانية. كما أنها تمكنت من أن تنبت لي ذات يوم في بيتنا هناك شجرة ليمون صغيرة تعهدتها لفترة طويلة بالرعاية. وهذه حقيقة وليست صورة شعرية، رغم مافيها من رمز. ذبلت هذه النبتة فيما بعد. لكنني فوجئت منذ فترة أنها تعيد الكرة. شجرة الليمون هذه تكبر اليوم إذن مجددا رغم التقدم في السن أو بسبب هذا التقدم في السن. ولدي بنت وابن وأحفاد وطلاب وأصدقاء وقراء. ولكنني مع كل ذلك، لكي أتمكن من العيش في لايبزغ اضطررت لتحويلها إلي دمشق صغيرة، وان كان علي أن أعيش في دمشق لابد لي من تحويلها إلي لايبزغ صغيرة. هذه الجملة وردت أيضا في الرابسوديا الرمادية وكثيرا ما يستشهد بها الألمان. حنيني إلي دمشق لم يفتر يوما، إلي الجذور، المنبت، التحرك في مساحات الثقافة واللغة التي زرعت نفسها في الخلية. هذا الحنين هناك إلي هنا وهنا إلي هناك إدمان لاشفاء منه. وأنت لن تستطيع التحايل علي حالة التأرجح هذه، علي حالة النوسان بين عالمين ولغتين وشجنين وغربتين، إلا إذا حاولت أن تجعل، كما يقول المثل الألماني من القبيحة مليحة، وأن تعمل علي أن تقطف من تفرعات هذه الحالة ثمرة ما، وإلا أصبت بدوار مستديم ينغص عليك حياتك. المرء يحتاج دائما إلي حلم ما، إلي يوتوبيا. لايوجد مجتمع أو علاقة مهما كان أو كانت دون منغصات. وأنت حين تتخاصم مع زوجتك قد تفكر في الحبيبة الأولي، وقد تعطي هذه الحبيبة كنوع من التعويض صفات قد لاتكون فيها. حبيبتي الاولي حقيقة واقعة موجودة علي وجه هذه الكرة الأرضية، وأنا مازلت أستطيع أن أضمها كل لحظة. عندما يشتد ضغط الغربة علي العنق ويطفح الشوق في الروح ولاتعود زوجتي تتحمل تعكر مزاجي، تدفعني دفعا للسفر إلي دمشق، فهي ولله الحمد لاتغار من هذه الحبيبة، بل تكاد تحبها أحيانا أكثر مني، فأعود إلي دمشق لأعايش للحظات صورتها كما ترسمتها لي ذاكرة الطفولة وأحزان الغربة. كلا، لم يعد في مقدوري الإنفصال كلية لا عن الهنا ولا عن الهناك، لاعن الهذا ولا عن الذاك. إنهما هنا معا، في الصدر، في الداخل، يتنافران ويتواصلان، يتصارعان ويتعانقان، وأنا مازلت أحاول تحقيق المستحيل، مازلت أسعي لتزويج الشمس بالثلج..
 تزويج الشمس بالثلج؟
هذا بيت من قصيدة في مجموعة وطن في الغربة“
 وماذا تقول فيها؟
أقول فيها: قدماي راسختان بين بين/ يداي مشدودتان كوتر/ مصلوب أنا وأنا الصليب// هكذا أحفظ توازني/ هكذا أتجذر في مركز العالم/ هكذا أحلم بعقد قران بين شمس وثلج.
 ألا يحز في نفسك أن اسمك يخبو قليلا عند الحديث عن شعراء العربية ؟
بالتأكيد. لكن الذنب ليس ذنب من يتحدثون. إنني مقل في الكتابة ومقل أكثر في نشر ما أكتب. لدي عدد لابأس به من القصائد العربية لم تجد طريقها إلي النشر. وقد ذكرت أكثر من مرة أن العيش في مدينة كمدينة لايبزغ، خاصة قبل الوحدة، يختلف عن العيش مثلا في باريس أو لندن. لم يكن يوجد هناك أي منبر حقيقي أستطيع أن أطل من خلاله علي مخاطبي العربي. لم تكن توجد صحيفة ولا فضائية ولا انترنت ..وكنت مضطرا إلي اقتطاع جزء كبير من طاقتي للحاق بزملائي الألمان في كتابة القصيدة الألمانية والتمكن من وضع قدم في الساحة الثقافية الألمانية.. لكن الجرح لم يعد علي كل حال بنفس العمق الذي كان عليه فيما مضي. فأنا لم أعد منذ زمن أعطي كتاباتي الأهمية التي يعطيها آخرون لما يكتبون. ولم تعد الرغبة في إرضاء الغرور تلعب الدور الذي كانت تلعبه من ذي قبل. ولم يعد الوصول إلي الآخر يشكل منذ مطالع الثمانينات الهاجس الأول أو الأوحد. ولعل محاولتي لإبعاد المخاطب قدر الإمكان عن اللحظة الإبداعية واعطاء قصيدتي وظيفة تتوجه إلي الداخل أكثر من توجهها إلي الخارج هو الذي منحني نوعا من الاستقلالية والرضي والبطء. ولعله كذلك هو الذي جعل الآخرين يهتمون بشكل متزايد بما أكتب. أمسياتي وندواتي تلقي قبولا لابأس به. قصائدي تدرس اليوم في بعض الجامعات والمدارس وتكتب عنها رسائل جامعية وأعمال أكاديمية. وأنت قلما تجد في الآونة الأخيرة أنتولوجيا عن الشعر الألماني المعاصر لاتضم قصيدة لي. لاأنكر أن هذا النجاح النسبي باللغة الأخري التي مازال يومي يتحرك في إطارها يمنحني بعض العزاء وقدرا لابأس به من الإعتزاز. ومع هذا فأنا مدرك كل الإدراك أن ما أقوله قد يكون أحيانا أيضا من قبيل رش الملح علي الجرح. لأن ذلك كله لايعوض كلية عن الرغبة في الوصول إليك“
 إذا أعطيتك باقة من ياسمين دمشق.. فماذا تفعل بها؟
سأحملها معي إلي زوجتي، لأنني أعرف أنها تحب دمشق وتحب أهلها وياسمينها.. وهي تستحق أن أقدم هذه الباقة لها..
 هل أنت ياسمينة من دمشق؟
صدقني أنك حين ذكرت قبل لحظات كلمة ياسمين مرت بذاكرتي فسحة بيتنا الدمشقي القديم. كانت فيه بحرة ودالية عنب وأحواض فيها النارنج والفل والورد الجوري، وفيها ياسمينة لي صورة تحتها وأنا شاب يافع.. والآن، في هذه اللحظة أكاد أشعر بملمس أزرار الياسمين المخملية الناصعة البياض المشوبة بلطخات من لون الشفق، وأكاد أشم ذلك العببير الذي لاينسي .. ليتني كنت ياسمينة من دمشق. الياسمينة الدمشقية لاتهرم، تتجدد كل ربيع، تمنح الهواء عطرها غير آبهة بضجيج أو تلوث. لكنني إنسان من لحم ودم. والإنسان في هذا العالم يضطر أن يتحول أحيانا إلي صبار بآلاف الأشواك. أعترف أنني لم أعد تلك الياسمينة الدمشقية التي كنتها. لو كنت كذلك لذبلت منذ زمن. لكنني أزعم أنني مازلت أحمل تلك الياسمينة معي حيثما ذهبت، في القلب وفي الخلية. وليس من قوة تستطيع بعد اليوم أن تذبلها في الروح. وأنا آمل أن يتمكن قرائي من الألمان علي اقل تقدير من تنشق عبيرهذه الياسمينة الدمشقية في هذه القصيدة أو تلك.
|
|
|
|