دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -697ه - العدد1427شوالمن27- م2006نوفمبر من19 الأحد
بتوقيت القاهرة 1:20:00 PM الساعة - 11/18/2006 آخر تحديث يوم
      البستان
لو لم تكن دمشق “
هلموت ريشتر
“إشعاعات المواهب السامية تخترق قلوبنا وعقولنا بأشكال عديدة. وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمن يعاصرنا منهم، وبالذي نتمكن من مواكبة تنامي نتاج موهبته الهامة بأنفسنا منذ بداياتها. إن كلماتهم وجملهم وأبيات شعرهم الاولي تشبه عدسات بصرية تخثر ضوء الموقف الذي نعيشه في لحظة ما وتشعل في بؤرة نورها لهيب معرفة الذات، بل ربما تختزل كذلك فهما لمراحل العصر. وهكذا قال فولكر براون قبل سنوات: لاتأتونا بما هو جاهز، فأحس الجيل، الذي شكت آنذاك كريستا فولف نضجه المتردد، بأنه معني بهذه الجملة وانتقل من خطوته البطيئة ليسير بخطوات أسرع قليلا.
وكان جورج ماورر، الذي سنحتفل في العام القادم بمئويته، يكرر وعظ تلاميذه دائما إن اكتساب الذات في القصيدة هو اكتساب للعالم. وهذا ماكان أيضا لدي المحتفي به اليوم. فهو يمتلك منذ البداية عددا كبيرا من هذه الحراب الشعرية التي لم يعد بالإمكان التخلص منها أو التخلي عنها. وهنا تأتي بالطبع وقبل كل شيء أشهر صوره الشعرية وأكثرها مركزية، تلك التي عنونت مجموعته الشعرية الأولي والتي كتب قصائدها مباشرة بالألمانية وصدرت عام 1978 عناق خطوط الطول. هذه الصورة الشعرية أصبحت رمزا لشعره وفكره، لحياته وعشقه. وهي في الوقت ذاته أجمل وصفة وأكثرها إقناعا لخلق عالم عادل. _ ومع ذلك أريد أن أبدأ ببيت شعر كتبه الشاعر عام 1965 واختاره نفسه بعد سبع وعشرين سنة عنوانا لمجموعة أخري لو لم تكن دمشق “. هذه المجموعة صدرت عام 1992 ، في العام الذي تم تكريمه، كما هو معروف، بجائزة شاميسو. ولكنني سأقتبس الاستشهاد من الطبعة الثالثة الصادرة عام 1999. ونحن نعرف كم هو نادر اليوم أن يعاد طبع مجموعة شعرية مرة أخري.
لو لم تكن دمشق “، يتساءل المرء، ما الذي كان سيحدث؟ من الطبيعي أن نحس فورا بشئ عائم، رقيق، هش، قابل للكسر، بشيء يحيلنا إذن إلي كينونةي شاعرية اضطرت في البداية أن يكون موطنها الغربة، ثم أرادت فيما بعد أن تكون هذه الغربة وطنا: أهو التكلم بلغتين؟ التحدث بلسانين؟
ثم نستغرب علي الفور إذ نري، كيف مازالت تؤرق هذا الرجل، هذه الصدفة السعيدة النادرة، هذا الشاعر بكل مراسيه العائلية والصداقية والشعرية والإجتماعية، أحاسيس لاتعرف الحسم وتلاحقه حتي عام 1992. إن فقدان الوطن القسري يخلف دائما جرحا لايمكن أن يندمل. وأنا أعرف عما أتكلم، رغم أن تهجيري من سوديتن لاند لم يواكبه فقدان الانتماء اللغوي الذي ولدت فيه.
لو لم تكن دمشق، لها موازيات كثيرة بالنسبة لنا، نحن الذين كونت المسيحية سماتنا. إننا نتذكر بالطبع مباشرة تلك ال دمشق التي احتضنت ساولوس الشرير، هذا الذي تحول بعد أن أوقعه الرب عن جواده من مضطهد للمسيحيين لايرحم إلي الرسول بولص. وهو حادث ايجابي من دون شك، إلا أن نتائجه كانت سلبية. إذ يقال بأن كثيرا من التغييرات الخطيرة التي طرأت علي أصول المسيحية مردها إلي الرسول بولص، هذه التغييرات التي أدت في القرون الوسطي إلي محاكم التفتيش وحرق الساحرات وإلي الحروب الصليبية أيضا “
لاتخافوا، لن يغيب المحتفي به عن ناظري لحظة واحدة. إذ أن برشت استطاع أن يستخلص من تلك الأزمنة المظلمة مسرحيته المنيرة حياة غاليليو غاليلي، ومن يقول في هذه اللحظة العالمية بريشت، لابد له من أن يقول قرشولي ولابد له أن يتذكر أن هذا الأخير ليس شاعرا فحسب، بل هو كذلك أكاديمي كتب رسالة الدكتوراه عن بريشت.
يبدأ عادل مقاله الجميل طريقي الطويل إلي بريشت الذي ضمه كتاب نصوص في الأدب كما يلي: لم يكن عمري تجاوز العشرين حين كنت قد قرأت سيرا ذاتية للورد بايرن ورامبو وهاينة. وقرأت لشعراء أمثال نيرودا وناظم حكمت ولوركا إلي جانب القرآن وألف ليلة وليلة ومزامير داؤود ونشيد الإنشاد. كما كان كتٌاب من أمثال دوستويفسكي وتولستوي وغوركي وتشيخوف وبلزاك وكافكا وسارتر وشتاينبك، وشخصيات روائية كفرتر وفاوست لغوته قريبين إلينا، حتي لكأنهم كانوا يجلسون معنا في المقاهي الدمشقية ليدخنوا نرجيلاتنا معنا. أليس هذا رائعا؟ دعونا نستمع إليه متابعا: ولكن لم يكن أحد منا، وأنا منهم، يعرف اسم بريشت. ولم أسمع بهذا الاسم سوي عام 1959، حين كنت هاربا في بيروت، إذ قرأت في مجلة الثقافة الوطنية التي كنت أنشر فيها بعض القصائد عنوانا أثار اهتمامي هو شكسبير العصر الحديث. إننا نري إذن أن الايجابي لايجر وراءه السلبي أحيانا، بل السلبي يجر خلفه الايجابي أيضا. تماما مثل مفيستو الذي جعله غوته يقول: أنا جزء من تلك القوة/ التي تريد الشر دائما/ ولكنها دائما تخلق الخير.
لو لم تكن دمشق: هي قصيدة كتبت إذن سنة 1965 ونشرت في مجموعة 'عناق خطوط الطول' عام 1978. يومها انتهت القصيدة بهذا الشكل: هنا أعيش حيث الأمنيات ليست أحلاما بلا أمل/ وجوه كثيرة تقابلني بودٌ/ حميمة كتحية العصافير/ ولو لم تكوني يادمشق/ أنت، يامدينتي الوحشية الرقيقة/ ياملحا وماء علي الجبين/ وياوردة في القلب/ أواه/ لو لم تكوني/ في مكان ما علي وجه هذه البسيطة/ بعيدة كل هذا البعد وقريبة كل هذا القرب/ لو لم تكوني/ لما أردت أن أعيش/ ولا أن أموت/ إلا هنا.
أما الآن في العام 1992 فلم يعد النصٌ يتضمن البيت الذي يقول فيه: هنا أعيش حيث الأمنيات ليست أحلاما بلا أمل. كما حذف المقطع الأخير: / لو لم تكوني/ لما أردت أن أعيش/ ولا أن أموت/ إلا هنا. _ نعم، ثمة قصائد هي دائما كما هي، قصائد نهائية، ولكن توجد قصائد أخري لاتنتهي، ولاتهدينا الراحة. فهي أدوات بيد الزمن، من دون أن تتحول إلي قصائد مؤقتة. كما أن ال هنا من عام 1965 وعام 1978 لم تعد موجودة في العام 1992 كما كانت. وهكذا فلم يختصر النص وحسب بل اختصر الواقع ذاته. ولحسن الحظ لم يحاول الشاعر التصرف ب الآن وكأنها مازالت متماهية مع ما كان.
في حوار مع صحيفة زيكزيشه تسايتونغ سنة 2003 يصاغ السؤال الجوهري ليس كما طرحه غوته علي لسان غريتشن: مارأيك بالدين ياهاينريش ، بل كما يلي: هل كنت تؤمن بأن الاشتراكية سيكتب لها الحياة؟ وكان جواب عادل: جئت إلي ألمانيا الديمقراطية أحمل معي أحلاما خضراء. وكان حلم الاشتراكية في البداية مطابقا للواقع كما رأيته، لأنني كنت أقارنه دائما بالواقع في سوريا. حين بدأت أحكم علي ألمانيا الديمقراطية من خلال قانونياتها الداخلية فقط تغير الأمر. لم يعد هناك تطابق بين التطلع والواقع. تماما كما أتيت إلي الوحدة الألمانية بمفهومي الخاص عن الديمقراطية كما ينبغي لها أن تكون. ولكن هذا المفهوم ليس مطابقا كذلك لما هو متحقق في اقتصاد السوق. إنني لم أعد أسمي تطلعي هذا يوتوبيا، بل خداعا للذات.
وهكذا كانت تلك ال هنا الأولي القطب النقيض لحبيبته دمشق، التي أرسلته إلي المنفي، لأن الجلاد ذلك الرجل بهيئته اللطيفة الراضية أراد قطع لسانه ... والآن وفي العام 1992 ليس هناك تهديد شخصي من الوطن الحبيب، بل إن هذا الوطن نفسه مهدد الآن. لنتذكر بأنه وفي العام 1991 قام جورج بوش الأب بشنٌ حرب العراق الأولي وأنهاها بانتصاري سريع. حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي شامير بشهوانية، بأن العدو الرئيس لإسرائيل هو الرئيس السوري أسد. وبأنه، أي الرئيس الأسد، لايملك مايميزه عن صدام حسين سوي أسمه. وقد قال ذلك بالرغم من أن سوريا كانت مشاركة في قوات التحالف ضد العراق يومها. ومما زاد الطين بلة كما يقولون هو قيام بعض الزملاء الكتاب الألمان، ومن بعض المشاهير مثل إينتسِن بيرجِر و بيرمان، بمقارنات ثرثارة تسمي صدام حسين تناسخا لهتلر.
وقد ردٌ عادل يومها بقنوطي قائلاّ كم أتمني لو اختفي صدام ومنذ زمن طويل عن وجه البسيطة. لقد قتل صدام أصدقاء شخصيين لي، أباد الكثير من الأكراد بالغازات السامة، استعبد شعبا بكامله .... رغم ذلك فإنني لا أستطيع أن أقول وضميري مرتاح، بأنه كان يجب فعلا دفع مثل هذا الثمن الباهظ، خاصة وأن الحرب لم ولن تحل أية مشكلةي من مشاكل شعوب المنطقة.
هذا الكلام قاله عادل إذن عام 1991، أي قبل 12 عاما من قيام بوش الإبن بحرب العراق الثانية والمشكلة االأفغانية التي مازالت قائمة. هذه الحروب الوقائية التي أدت إلي زعزعة استقرار المنطقة بأسرها وتخريبها وإذكاء نار الإرهاب من خلال تجنيد مستمر لمتحمسين جدد.
لنتذكر الآن وبهدوءي في هذه اللحظة الاحتفالية، تحت أية ضغوط ممزقة كان يعيش هذا الرجل ولعشرات الأعوام ومازال يعيشها حتي يومنا هذا. ومما يدعو للإعجاب أكثر، هو كيف استطاع تجاوزها والسيطرة عليها. ما أتذكره الآن هو الأزمة الكبيرة التي مرٌ بها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، والتي منعته يومها حقيقة عن الكتابة، هذه الأزمة التي كانت لها أسباب عديدة. وكم أنا سعيد الآن بقيام اتحاد كتاب لايبزغ يومها، وقد كنت رئيسه في العام 1985، بتكريمه بجائزة مدينة لايبزغ للأدب، فلعلنا تمكنا من مساعدته بذلك بعض الشيء علي تجاوز محنته العابرة تلك. كان عليه ألا يسكت، كنا نعرف أننا بحاجة إليه. وهكذا أفدنا أنفسنا بتكريمه.
قد تكون دمشق بالنسبة للكثيرين منا، أيها الأصدقاء، مرادفا للتحول الفجائي للإنسان. ذلك الديوان الشعري من عام 1992 والذي ترافق بكلمةي ختامية للكاتب هاينتس تشيخوفسكي، تلك الكلمة التي تبدأ كما يلي: لا يستطيع الإنسان أن يختار أصدقاءه. إن الصداقات أقدار، نادرا ماتقع، لذلك هي غالية. نعم، هذا صحيح، ولهذا فإن هذه الجملة حول غلاوة الصداقة لعادل قرشولي نفسها غالية علينا. وكم هو جميل أن يكون هذا المكان قلعة متقدمة للثقافة ولثقافة الحياة أيضا. وهنا أذكر الأرشيف الأدبي الذي شيده وأداره السيد كيل كذاكرة جيدة لمدينتنا الرائعة. وفي هذا المضمار كان جورج ماورر أستاذا عظيما لنا. جميل أن تحمل مكتبة في المدينة اسمه.
لو لم تكن دمشق، لما تعرفت علي عادل قرشولي. ياله من تصورأشكر الرب لأنه لم يحدث!
في بدايات الستينات وعندما وصلت إلي ألمانيا الديمقراطية ماسمي آنذاك بالموجة الشعرية، قادمة من الاتحاد السوفييتي، والتي أثارها الذين خلفوا ماياكوفسكي وييفتيشينكو، قدم المئات من محبي الأدب لحضوء أمسيات شعر طويلة، وسماع قراءات ألقيت بشكل سيء وبنرفزة شديدة من قبل كتاب غير متمرنين. في ذلك الحين وفي المركز الثقافي ألفريد فرانك صعد إلي المنبر شاب بشاربين وألقي قصيدة عن أخته الصغيرة في دمشق البعيدة، تلك التي يكتب الشعر ليولد لها فجرا في غربته. وتعالي التصفيق لدرجة لاتوصف. لقد تضامن الجمهور مع قدر الشاعر، الذي استطاع أن يكسبه إلي جانبه ببلاغته الخالية من كل اضطراب.
كان ديوان الشاعر الأول باسم مثل حرير من دمشق، وجاء الديوان الثاني ليكرس تلك الصورة، صورة العناقات الجغرافية. وانا لا أعرف إلا القليل جدا من الشعراء الذين استطاعوا بصورة شعرية ذاتية واحدة نابعة من أعماق الشعور أن يربطوا بهذه الدقة المقنعة الخاص بالعام ويصيبوا في نفس الوقت عصب عصرهم مثلما فعل عادل قرشولي. في الحلم تتكلم أمي معي الألمانية، وباللغة العربية تكلمني زوجتي الساكسونية. _ وهكذا أصبح شاعرنا مع الوقت ذلك الوسيط الكبير الذي نحتفل به اليوم والذي ينصب الجسور بين ثقافتين هامتين أكثر من أي وقتي مضي للتطور العالمي. لقد كتب الشعر، وكتب أطروحة الدكتوراه وترجم الشعر من الألمانية للعربية وبالعكس وأحضر العديد من شعراء لغته إلينا في لايبزغ مثل محمود درويش/ غوته فلسطين، والذي رشح عدة مرات لجائزة نوبل. ثم تأتي تحليلاته الذكية والتي أوردت بعضا منها في عجالتي هذه. تحليلات استطاعت اكتشاف الأسباب الحقيقية لتلك الحرب التعيسة، التي بحجتها ومنذ أكثر من نصف قرن تتم عسكرة وتسليح الشرق الأوسط بسابق تصميمي وإصرار.
كنا نسمع بين الفينة والأخري في الأيام الأخيرة بعض حفيف يأس تسرب إلي صوت شاعرنا القوي. غير أن الجمل الأخيرة في القصيدة الأخيرة في ديوانه الأخير الذي يقطر حكمة هكذا تكلم عبد الله مازالت تهدئ من روعنا وتقول: ويتطاول الجسر/ من خط طولي لخط طول ، إنه الأمل إذن رغم كل تلك الإحباطات.

ناقد ألماني

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: