|
|
| السنة - | 697 | ه - العدد | 1427 | شوال | من | 27 | - م | 2006 | نوفمبر | من | 19 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:20:34 PM |
 |
الساعة - |
 |
11/18/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
مقالاته العلمية أصدرتها 'سطور' في ثلاثة اجزاء:
مستجير ...
الرجل الذي حول العلم إلي قصيدة
ياسر عبد الحافظ
مثل معظم الناس تتوقف علاقتي بالثقافة العلمية علي الضروريات التي تتعلق بحياتي أما غير ذلك فهي مصطلحات ومعادلات معقدة لاسبيل إلي فك طلاسمها، ثم أنه لا حاجة لذلك أصلا، غير أن تلك الرؤية تغيرت تماما عندما تعرفت علي كتابات العالم الراحل د.أحمد مستجير، ففهمه لما يحدث علي ساحة العلم ومتابعته الدائمة لمستجداته لم يمنعاه من تقديم المعلومة لقارئه بشكل غاية في البساطة دون أن يخل هذا بقواعد العلم، ساعده في هذا أنه ليس عالما فقط بل هو كذلك له تجاربه في عالم الشعر واللغة (له ديوانان إضافة إلي دراسة حول العروض، كما أنه كان أحد الأعضاء الفاعلين في مجمع اللغة العربية). وإذا كان مستجير قد توقف في عالم الأدب عند حدود الهواية فإنه قد استطاع الاستفادة من ذلك في مجال العلوم فمقالاته العلمية لمن لم يقرأها مزيج من الأثنين العلم والأدب وهو ما يمنحها قيمة اضافية...وهو يعبر عن علاقته بين العالمين بقوله أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس علي شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر، وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في ال نحن وأحن إلي الأنا وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة، فأنا مطمئن أرنو إلي القلق........
هذه الأيام _وفي لمسة وفاء اختفت من حياتنا حتي كدنا ننساها اصدرت دار سطور ثلاثة كتب تضم المقالات العلمية للدكتور أحمد مستجير الجزء الأول يأتي تحت عنوانإبادة العالم الثالث والثانيبيولوجيا الخوف والثالثلغز اسمه الألم يتصدرهم مقدمة واحدة موجزة تتناول اسلوبه في كتابة المقال العلمي الذي أبدع فيه شكلا جديدا ذلك أنه كتبه شاعرا عاشقا لموضوعه. يبدأ وقد أدمج الأنا ونحن ويتغني بوحي من موضوعه، ثم يفصل بينهما ليدقق، ويقيم، يروي ويعلق، ويعرض دقائق الموضوع..كل ذلك باسلوب ثري مفعم، سلس، سهل ممتنع. يلمس منا الأحاسيس، يداعب الخيال، ثم يوقظ الفكر ويتوجه للعقل، يدعونا للتفكير والتأمل والاستيعاب، ويلج بنا إلي عوالم كل ما هو جديد مدهش في آفاق العلم، والهندسة الوراثية تحديدا.
كما تتناول المقدمة منهجه في التعامل مع الموضوعات والقضايا العلمية حيث توضح أن معياره لتقييم الانجاز العلمي هو نفعه للبشريةيحابي من يعمل لخيرها جميعها، ويفضح من العلماء من يستخدمون أدواتهم للسيطرة والاستغلال وتجريد البشرية من انسانيتها، للوصول إلي السوبر مان مثلا، أو الدفع بأبحاث اليوجينيا، تارة بزعم أن العلم من أجل العلم، وأخري من منطلق عقيدة أن البقاء للاسمي، للأبيض الغربي.
إبادة العالم الثالث هو أحد المقالات التي يضمها الجزء الأول، وليس كما يتبادر إلي الذهن بأن الكتاب كله يدور حول هذا الموضوع.من خلال المقال يلقي مستجير الضوء علي مصطلح اليوجينيا قائلا أن معظم الناس ربما لم يسمعوا عنه أو في أحسن الأحوال ظنوا أنه قد انتهي مع هزيمة هتلر عام 1945، غير أن ذلك لم يحدث فالمصطلح الذي صاغه السير فرانسيس جالتون عام 1883 قاصدا به أن جنس البشر في حاجة إلي نوع من الانتخاب الاصطناعي وأطلق علي ذلك اسم اليوجينيا فهو علم تحسين الإنسان عن طرق منح السلالات الأكثر صلاحية فرصة أفضل للتكاثر السريع، مقارنة بالسلالات الأقل صلاحية، ويتتبع مستجير مسيرة اليوجينيا واليوجينيين منذ نشأتها وكيفية تطور فلسفتها التي تري أن هناك عشائر بشرية لا جدوي منها وهي الفكرة التي جرت علي البشرية الدمار وأهدرت كرامة الإنسان. ثم يفاجئنا بعد عرض تاريخي ممتع وسلس بأنه إذا كانت اليوجينيا وبعد نهاية عهد هتلر قد سقطت إلا أن اليوجينيون لم يسقطوا غير أن ما حدث أنهم وبعد أن كانوا يعملون في العلن انتقلوا إلي الظلام ليمارسوا اليوجينيا الخفية يسعون بمزيج شرير من العرقية والدارونية إلي تحقيق نفس الأهداف القديمة، من الاجهاض ووأد الأطفال، إلي القتل الرحيم للمرضي المسنين، إلي التعقيم، لكنهم في طريقهم لهذا يلجأون للحديث العقلاني فيستبدلون بكلمة الانتخاب التي كان يستخدمها يوسف مينجله في اوشفيتز كلمة الاختيار والقدرة المعرفية بدلا من معامل الذكاء، والجمعية الأمريكية لليوجينيا تصبح جمعية دراسات البيولوجيا الاجتماعية، ويستغلون الغموض والثغرات بالقوانين ليمكنوا الأطباء اليوجينيين من موالاة النشاط اليوجيني علي أنه إجراءات طبية طبيعية تتم بناء علي رغبة المريض، وهدفهم النهائي تخفيض أعداد سلالات بذاتها وتحويلها إلي شظايا عقيمة.
خطوة خطوة يتتبع د. مستجير وكأنه محقق في جريمة قتل معقدة سياسات اليوجينيون الجدد لتحويل الأرض إلي مكان للإنسان الأبيض فقط، الهدف الذي يمكن في إطاره فهم الكثير مما يجري في العالم.
هكذا فإن مستجير يهدف من خلال كتاباته ليس إلي شرح العلم وتبسيطه وإن كان هذا في حد ذاته هدفا نبيلا لكنه يسعي إلي التنبيه علي ما يجري باسم العلم، ليس ضدنا فقط كعرب أو مسلمين أو حتي ضد شعوب العالم الثالث وإنما هدفه ما يجري ضد البشرية كلها فهو يري أن تلك الممارسات موجهة ضد الإنسانية بشكل عام.
الكثير من مقالات مستجير لا تتوقف علاقته بالأدب عند حدود كيفية صياغة الأفكار واللغة المستخدمة، إنما هناك مقالات تتراوح موضوعاتها بين العالمين يكتب تحت عنوان تلك الرائحة عن الأنف قائلا إن وظيفته لا تتوقف فقط عند حدود التمييز بين الروائح المختلفة لكنه أيضا يحدد بشكل ما من سيدخل القلب ومن يستحيل عليه ولوجه، وأنه يبدو أن هناك ثمة حاسة سادسة في أنوفنا لا نعرفها بعد مثل التي توجد لدي الثدييات ويشرح أن ذكور الحشرات وإناثها تتواصل فيما بينها عن طريق الفيرومونات وهو ما تم كشفه عام 1959 والفيرومون كلمة تعني حامل الإثارة ووظيفتها داخل الحشرات ارسال الرسائل والأوامر، فالنحل إذا تعرض لتهديد يذيع فيرومانا بناء عليه يتجمع البقية للدفاع عن المملكة، وتصدره ملكة النحل للشغالات لبدأ عملية التكاثر أو تأجيلها قليلا أو لبداية موسم التزاوج، ويتساءل مستجير هل يملك الإنسان هذه الخاصية، هل يطلق الإنسان فيرومونات حقا؟ ومن أين؟ وما هو الجهاز المخصص لاستقبالها والتفاعل معها؟ ويمضي متتبعا الدراسات والأبحاث العلمية التي تؤكد وجود هذه الخاصية لدينا.
وفي مقال أشبه بالحكاية البوليسية يكتب عن حكاية الأميرة الفارسية والتي تم العثور عليها في منزل أحد مهربي الآثار بباكستان وكان الاكتشاف مدهشا: مومياء رائعة لأميرة فارسية قديمة ترقد في تابوت من حجر منقوش داخل ناؤوس خشبي، ترتدي تاجا ذهبيا رائعا وقناعا وجسدها الملفوف بالقماش يحمل مصنوعات ذهبية. وتوقع الجميع أن هذا الكشف سيهز الدنيا مومياء في باكستان: اكتشاف القرن الجديد بلا شك.
الإعلان عن الكشف أعقبه حالة جدل تعدت باكستان ووصلت إلي إيران التي أعلنت أن المومياء تعود لأحد أفراد العائلة الملكية الفارسية وأنه ستتخذ كل الاجراءات لضمان عودتها إلي بلدها، بينما تمسك الباكستانيون بأميرتهم وخرجت عدة نظريات حول طريقة تحنيطها المصرية فقيل أنها أميرة مصرية تزوجت أميرا فارسيا عام 640 950 ق.م وبعد وفاتها تم تحنيطها وفقا لعادات بلدها.
ومضي الأمر علي هذا النحو غير أنه وبعد شهور من البحث والفحص اكتشف الأثريون أمرا دفع الشك إلي قلوبهم فرغم أن المومياء محنطة علي الطريقة المصرية إلا أن القلب غير موجود وهو ما يخالف تماما التقاليد المصرية في التحنيط فالقلب لابد أن يكون موجودا لأنه الوسيلة التي يفكر بها الميت في العالم الآخر حسبما كان يؤمن المصريون القدماء، وكان اختفاء القلب من جثمان الأميرة الفارسية نقطة البداية لاكتشاف جريمة قتل قاسية لامرأة شابة فقد تم قصم فقرات عنقها إلي قسمين عام 1996 أي قبل الاكتشاف بأربع سنوات ثم تحنيط جسدها علي الطريقة المصرية بفعل فريق محترف يعرف التاريخ المصري والفارسي. بعد ذلك ظهرت في السوق مومياوتان أخريتان وكان السعر المطلوب ستة ملايين دولار أي نصف ما كان مطلوبا في الأولي...ويبدو والكلام لمستجير أنه كان هناك خط انتاج للمومياوات الفارسية!
هكذا تمضي مقالات مستجير، من مشروع الجينوم البشري إلي علم الضحك، من الهندسة الوراثية إلي قصة الموسيقي وقصة الأرض، من ثورة التكاثر اللاجنسي وصدمة دوللي وأطفال الأنابيب إلي مشاكلنا العلمية وحلولها، مقالات كافية لتشعرك بالامتلاء العلمي إن صح التعبير فبعد انتهاءك منها تفهم الكثير من كل القصص العلمية المعقدة التي تظن أنك لن تفهمها أبدا دون صعوبة ما، فهو ينزع عن العلم جفافه ويقدمه للقارئ وكأنه قصيدة شعر.الكتاب: مقالات علمية
المؤلف: د.أحمد مستجير
الناشر: سطور
|
|
|
|