|
|
| السنة - | 703 | ه - العدد | 1427 | ذو الحجة | من | 11 | - م | 2006 | ديسمبر | من | 31 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
1:49:23 PM |
 |
الساعة - |
 |
12/30/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ضواحي الفضفضة |
 |
|
|
أحمد عبدالله.. وعبء القلب
عبدالخالق فاروق
بموت أحمد عبد الله رزة ، ونبيل الهلالي، يمكننا أن نقول دون أدني مبالغة 'أن الاخلاص قد مات' في هذا البلد.
وفي هذا الزمن، وبين هؤلاء الناس. عرفته قبل أن التقيه، وأحببته قبل أن أراه، كان هذا قبل ثلاثين عاما أويزيد، وتحديدا في عام 1972، حينما أشتعل غضب مصر كلها، وفي طليعتهمطلبة الجامعات، ردا علي خطاب 'الضباب' الشهير الذي تذرع فيه الرئيس السابق أنورالسادات بعدم خوض الحرب في عام الحسم (عام 1971)
بسبب اندلاع الحرب بين الهند وباكستان وأنشغال صديقنا ومورد سلاحنا (الاتحاد السوفيتي) بهذه الحرب.
كانت النفوس حزينة، وكانت القلوب كسيرة، منذ هزيمة يونيو عام 1967 وكاد الناس بخطاب السادات هذا أن يفقدوا الأمل في إزاحة الكابوس ومشاعر الحزن والغضب.
وقتها كنت لا أزال طالبا في مدرسة المحمدية الاعدادية، تعلقت مشاعري هناك: وتركزت انظاري كغيري من اولاد عمرنا إلي الجامعة مرآة الحقيقة، وكعبة الحرية ونقاء النفوس، وقررت أن أشد الرحال الي هناك.
وفي أحدي الليالي، وبصحبتي زميل دراستي 'علي' وأخيه الصغير الذي لم يتجاوز عشر سنوات من عمره، أخترقنا شوارع الحلمية الجديدة، فميدان السيدة زينب، ووجدنا أنفسنا في حي المنيل ثم كوبري الجامعة وبعدها وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام سور جامعة القاهرة.
نعم. كان سوار الجامعة المعتصمة بطلابها وطالباتها، وفي هذه الليالي الشتوية، كعبة للراغبين في الحرية والعاشقين للخلاص، مهما كان عمرهم، ومهما صغرت تجاربهم في الحياة.
طوفنا نحن الصغار، حول سور الجامعة دورة كاملة، ثم عدنا لنتوقف خارح بواباتها الحديدية الضخمة، نختلس النظرات علنا نجد من طلابها من يشدنا إلي الداخل لننضم إلي هؤلاء.
كانت قوات الأمن، قد حاصرت الجامعة تماما، وأبعدت أي شخص يحاول الإقتراب منها، كانت نظراتهم حائرة مابين كراهية هؤلاء الطلاب المشاغبين علي حد وصف السادات وحيرة تنتابهم من تخبط الساسة والحكام خاصة بعد ماجري من صراع 15 مايو في العام الماضي.
مرت علي هذا اليوم عدة سنوات، وظل عقلي وقلبي هائما هناك، باحثا ولاقطا لكل خبر أو حكاية عن القائد البارز لهذا الاعتصام 'احمد عبد الله رزه' حتي بعد أن التحقت بنفس كلية 'الاقتصاد والعلوم السياسية' عام 1975 مشاركتي في قيادة الحركة الطلابية منذ ذلك التاريخ وحتي تخرجي عام 1979، كنت أبحث عن أخبار هذا الشاب النحيل الذي ذهب بعد تخرجه الي بريطانيا للإعداد لرسالة الدكتوراة التي أختار أن تكون عن 'الحركة الطلابية المصرية' فتقدم فيها أفضل خبراته ورؤيته الفكرية .
  
كانت أخبار 'احمد عبد الله' المتساقطة علينا بين الحين والآخر، تقدم صورة متناقضة عن الشاب، فهو في نظر جماعات الشيوعيين مجرد شخص فوضوي متمرد ليس أكثر، وهي في نظر جماعات الناصريين، صورة لشخص معاد للتجرية الناصرية وجوانبها الا ستبدادية، وهو في نظر الليبرالية مجرد شاب شيوعي أوناصري متخف.
أما الأمن المصري، فهو شخص مثيرللمتاعب، غير مأمون الجانب، ومن ثم ينبغي استبعاده في كل مكان يمكن أن يكون مؤثرا فيه ببلاغته وحماسه، ومن هنا جاء رفض تعيينه في الجامعات المصرية، وترصد له بعض الاساتذة المتعاونين مع الأمن المصري ومنهم من تولي مناصب وزارية فيما بعد.
كما تولي بعض اصدقائه القدامي، من أمثال مدير أحد مراكز الابحاث السياسية بأحدي الصحف الحكومية بقية المهمة 'الحقيرة'وحظر علي الدكتور احمد عبد الله التحاقه بهذا المركز باحثا وخبيرا ليس بسبب ضعف كفاءته، بل الحقيقة لفرط كفاءته ومتانة موقفه ورؤيته السياسية الوطنية، في نفس الوقت الذي كان هذا الصديق القديم وأمثاله فد عرضوا أنفسهم في سوق المتاع السياسي الاقليمي والعالمي.
  
كان 'احمد' ولازال خنجرا في خاصرتهم، بسبب من اخلاصه المفرط وحفاظه علي نقائه الشخصي، وعدم تلوثه. وزهده عن 'الشو' SHOw الفضائي الذي جذب باضوائه الباهرة عشرات ومئات الافراد الاقل موهبة من 'احمد عبد الله'
وهكذا ظل مركز 'الجيل للدراسات الشبابية' بمنطقة عين الصيرة الشعبية هو بيته وحلمه ومشروعه فعمل الرجل في صمت بين 'أطفال الشوارع' و'أطفال المهن والحرف'، فتحول المبني البسيط الي كعبة وقبلة يؤمها كل الاطفال الفقراء الذين بلا مأوي وبلا هدف.
وعند فرض أطفال احمد عبد الله عليه الترشيح للانتخابات التشريعية الاخيرة (سبتمبر 2005) كان هم العقل قد أخذ منه مداه، وكان جرح القلب قد بدأ في النزيف الحاد، لم يتحمل قلبه المفعم بالحب والاخلاص ومناورات الساسة، وعملاء الأمن بين قادة الاحزاب، وبعضهم يتخفون تحت يافطة اليسار، كما لم يتحمل قلبه أن يري الناس الفقراء الذين حارب من أجلهم وضحي من أجلهم، غير ماكان يحلم ويتمني فقد حال طغيان المال السياسي والرشاوي المالية للناخبين الفقراء من أن يلتفوا حول أبنهم الحقيقي، فطالهم الفساد والافساد، وخرج أحمد من المعركة كما أظن وأتصور مكدودا حزينا علي ماوصلت إليه مصر وعندها أخذ في قلبه الرهيف وسكت، وكان سكوته هو نهاية الرحلة.
|
|
|
تثقيف الخيانة
محمود قرني
ذهب بلا رجعة، ذلك الزمن الذي كان يتباهي فيه زعماء تاريخيون ببزاتهم الشعبية التي تماهي بينهم وبين المستقبل الأفلاطوني لشعوبهم، كما ذهب ذلك الزمن الذي كان يبحث فيه الاغنياء عن موطيء قدم بين الفقراء، فشرف الانتساب للمقهورين كان مطلبا يعضد تاريخا وفلسفة وتوجها إنسانيا صاحبته صعدات عميقة لهويات وقوميات وعسكرتارية ضمدت الكثير من جراح البشرية، ومنحتهم صكوكا واسعة للغفران والأمل، لكن الصكوك نفسها للأسف باتت سببا كافيا لاقتيادهم الي محارق رمزية أحيانا، وفعلية في معظم الأحايين، وبات علي أشياع الزمن الجميل أن يتحسسوا لسانهم علي الدوام قبل أن ينبسوا، فزلة واحدة كافية لقطعه حتي الحلقوم. وعلينا ألا ننسي أن هؤلاء هم الذين اكتشفوا أن أناقة السلعة وعذوبة مظهرها ليس بديلا عن دموية جوهرها، ربما لذلك بدت الحاجة ملحة للنظر في مفردات فقدت بريقها وإن لم تفقد جدليتها، مثل الهوية والتاريخ والمستقبل، والنظر فيما تبقي من خصوصية في مواجهة داهمة قرر الآخر فيها مصيرنا المحتوم. فلم يكن تحذير 'هنتنجتون' من تحول الصراع الطبقي ببعده الاجتماعي إلي صراع حضاري يتمحور حول الدين والهوية هوالمرجعية الوحيدة لهذا الهلع والتحوط، بل علينا أيضا أن نتذكر مايتوقعه 'كابلان' من أن الإسلام سيكون أكثر جاذبية للبشرية كلها بسبب تأييده المطلق للمقهورين والمظلومين وهوالأمر الذي يرشحه منفردا للمنازلة والكفاح، وهي في مجملها أسباب تدفع بالمواجهة الي منتهاها.
إذن بات علي من ينظر بعين الارتياب إلي هذا التحذير أن يتأمل المحرقة القادمة التي قادت الملايين حول العالم إلي الجوع والحروب العبثية، وليس مفاجئا تحت هذه الوطأة وصول مخزون الحبوب في كل صوامع الإنسانية إلي مايكفيها لمدة تسعة وأربعين يوما فقط وذلك لأول مرة في التاريخ، وهو ماتؤكده التقارير الدولية واسعة النطاق. أما هؤلاء الذين فطمتهم أمهاتهم علي جوع مبكر خلف مدار السرطان، فحدث ولا حرج، وفي المقابل لن تجد دولة الرفاة والرعاية الاجتماعية سوي القمع حلا لمعضلاتها القادمة، كما حدث في الكثير من بقاع الرفاه في أوروبا.
إن احتراب الجغرافيا الذي انتهي إلي أوامر قطعية بإزالة خطوطها الرمزية علي الخارطة، ثم علي أرض الواقع، بات يمثل هاجسا آخر للاختراق المنتظر الذي تتنافس فيه تكنولوجيا وأفكار وأطماع لا نملك من أمرها شيئا.
لابد إذن لكي يدخل الواحد منا العصر الجديد أن يعتذر عن ماتبقي من سلاف قوميته معلنا انتماء غير مشروط للنص الإنساني المفتوح، متجاهلا رطانات الأممية والقومية وما شاكلهما، وعلينا جميعا أن نلبس لبوس رامبو المناهض للعائلة والكاثوليكية دون أن تقشعر جلودنا من أجل جلود أهلنا التي سالت تحت قاذفات اليورانيوم المنضب، فليس ثمة اعتبار علي مايعتقد رفاقنا لأطفالنا الذين ولدوا فلم يجدوا دفاتر المواليد، لأنهم ببساطة لم يجدوا أوطانهم.
فقط تبقي الأسئلة حائرة بفعل التعريفات المشوشة والغائمة لما نحن مختلفون عليه، لكن ستظل هناك فواصل حادة وقاطعة بين من يقرنون القومية بالتخلف، والهوية بالإرهاب، والمرجعية بالكهنوت، واللغة بالشوفينية والنوستالجيا المريضة.
أما ما لايستحق النقاش، هذا الذي يعتقد أن أطباق الفضائيات معادل موضوعي لاكتشاف الهوية اللغوية للإنسانية الضائعة، وأن ثمة قفص كبير يضم كل الأسود الاقتصادية المروضة سوف يأخذنا، عما قريب، إلي هذا الرفاه الافلاطوني المنشود الذي فشل أمامه الأسلاف.
ورغم أننا لا نملك الجرأة والنطاعة الكافيتين لأن نتهم مثل هؤلاء بالخيانة، إلا أنه من الواجب تذكيرهم بأن إحصاءات المنظمات الدولية لم تتوقف فقط أمام كارثية الازدواج الثقافي، والتفرقة العنصرية القائمة علي الإثنيات الدينية والعرقية في قلب أعتي قلاع الديمقراطية في العالم، بل ثمة كارثة أكبر تتحصل في تحول أكثر من ثمانين بالمائة من سكان العالم إلي عاطلين، لن يتمكنوا من العيش في أحسن الأحوال سوي من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير، فما الذي تبقي لنا بعد ذلك، سوي أن نبحث عن طريقة لن تكون مهذبة بالتأكيد لتثقيف خيانتنا، حتي لو كان ذلك علي جثث إخوتنا في الإنسانية.
|
|
|
فؤاد كامل أول مترجم لكتاب هنري كوربان:
'الخيال المبدع عند ابن عربي'
د. أنور محمود عبدالواحد
أسعدني أن أطالع في العدد 702 (الأحد 24 من ديسمبر 2006م، من مجلة 'أخبار الأدب' ما نشرته عن قرب صدور الترجمة العربية لكتاب 'الخيال المبدع عن ابن عربي' للمستشرق الفرنسي المعروف هنري كوربان، مع النص الكامل لترجمة الفصل الثاني من الكتاب، وهو الفصل الذي يتناول ديوان ابن عربي الشهير 'ترجمان الأشواق'، والترجمة بقلم الأستاذ فريد الزاهي الذي سبق أن قدم للمكتبة العربية كتاب 'الصورة' لريجيس دبرييه.. والواقع أن هذه الترجمة، استنادا الي الفصل المنشور منها، تبدو دقيقة قوية السبك، محافظة بقدر الامكان علي مضمون النص الفرنسي. وعلي أية حال، فمن السابق لأوانه أن نبدي رأيا نهائيا في ترجمة الكتاب بأكمله قبل أن نطلق عليها منشورة بين ضفتي كتاب.
وبما أن هذا الكتاب للمستشرق كوربان يعتبر من أهم الكتب التي صدرت عن التصوف الاسلامي بصفة عامة، وتصوف 'الشيخ الأكبر' و'ابن أفلاطون'، وهما من الألقاب التي عرف بها ابن عربي، بصفة خاصة، فإنني أحيي الأستاذ فريد الزاهي مسبقا علي قيامه بترجمة الكتاب، محققا بذلك أمنية غالية و رغبة ملحة لجمهرة كبيرة من متابعي ترجمة كتب التصوف الاسلامي التي نشرها المستشرقون طوال العقود الماضية.
وفي الوقت نفسه، واحقاقا للحق، وتأدية لواجب الذكري والتاريخ، فلقد رأيت أن أسجل هنا ما قد تابعته ولمسته شخصيا عن قرب للترجمة العربية التي سبق أن قام بها الأستاذ فؤاد كامل رحمه الله لهذا الكتاب. وهو غني عن التعريف فله أكثر من ستين كتابا في الترجمة والتأليف، بما في ذلك الموسوعات الفلسفية والدراسات الفكرية والمسرحيات العالمية وغيرها. ولقد حرص الأستاذ محمد ابراهيم أبوسنة، الصديق الحميم للمرحوم الأستاذ فؤاد كامل، بتصدير ترجمته لكتاب 'الطفل الموهوب' تأليف الكاتب الألماني الشهير هيرمان هيشه، بمقدمة مركزة تحت عنوان 'فؤاد كامل شاعر الفلسفة والترجمة'، أودع فيها خلاصة معلوماته ومشاعره الصادقة عن صديقه الفقيد، مع سرد موجز لأهم انجازاته واصداراته. ولقد صدرت ترجمة كتاب 'الطفل الموهوب' في العدد 565 من 'روايات الهلال' بتاريخ يناير .1996 ورغم هذا الجهد المشكور والوفاء الصادق من جانب الأستاذ أبوسنة، فإن تراث المرحوم الأستاذ فؤاد كامل لا يزال في حاجة ماسة الي دراسة مستوفاة وحصر كامل وتقييم نقدي له.. ولكن هذه قصة أخري..
  
شرفت بالتعرف علي فؤاد كامل في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وكثرت لقاءاتنا في الاجتماعات التي كانت تدعو اليها مؤسسة فرانكلين بمقرها في حي جاردن سيتي بالقاهرة، حيث كان كلانا يقوم بترجمات لحساب هذه المؤسسة تحت اشراف مديرها الراحل الأستاذ حسن جلال العروسي رحمه الله.. ثم تواصلت اللقاءات العابرة بعد ذلك في مبني الاذاعة والتليفزيون بماسبيرو، حيث كان يقود العمل مديرا لاذاعة البرنامج الثاني في عهدها الذهبي.
وفي مؤسسة فرانكلين، في السبعينيات، كان فؤاد كامل يأتي دائما الي اجتماعاتها متأبطا النسخة الأصلية لكتاب 'الله في الفلسفة الحديثة' تأليف جيمس كولينز (ولهذا الكتاب طبعتان: انجليزية وأمريكية)، الذي كان يقوم وقتئذ بترجمته مما جذب انتباهي الي اهتمامات فؤاد كامل المتشعبة. وكنا نتناول في حديثنا ترجماته العديدة للكتب الفلسفية الرائدة، وهذه الترجمات تعتبر بحق من أرقي وأدق الترجمات التي صدرت في مصر، بل وفي العالم العربي، لهذه الطائفة من الكتب رفيعة المستوي.
وفي السنوات الأولي من التسعينات، شرع فؤاد كامل في ترجمة كتاب 'الخيال المبدع في تصوف ابن عربي'، وكنت أداعبه عند لقائنا بتساؤلي عن موعد انتهائه من الترجمة، فيؤكد لي أنه جاد فيها، باذل كل جهده للفراغ منها في أقرب وقت. ثم زف الي بعد ذلك نبأ انتهائه تماما من ترجمة الكتاب، وأنه قد قام بتسليم أصولها لدار الشروق. وقد ظللت لفترة طويلة أواصل الاستفسار من المسئولين في هذه الدار عن موعد اصدار الترجمة، وكانت الردود دائما مطمئنة ومؤكدة حسن سير العمل في صف الكتاب تمهيدا لطباعته واصداره. ولقد سرني بالفعل أن أطلع علي قائمة اصدارات (كتالوج) دار الشروق لعام 1999 (أي بعد نحو أربع سنوات من وفاة الفقيد في العاشر من شهر يناير 1995)، متضمنة أي القائمة قرب صدور الترجمة مع ذكر اسم المترجم فؤاد كامل.. ولكن السنوات تمر دون أن تنشر الترجمة، بل حجب أيضا أي ذكر لها في قوائم اصدارات دار الشروق بعد العام .1999
وأذكر أنني في فترة قريبة (سبتمبر 2006) التقيت بالصديق والزميل الكريم المهندس ابراهيم المعلم، مدير عام دار الشروق، وكان اللقاء في مناسبة اجتماعية، فاستفسرت منه عن السبب في عدم اصدار الكتاب حتي الآن، فأخبرني أنه لا يتذكر كافة التفاصيل، ولكنه يعتقد أن أسبابا وجيهة هي التي حالت دون ذلك. وعموما فالأستاذ ابراهيم المعلم لن يبخل علينا باستقصاء السبب وافادتنا به، احقاقا للحق وأداء للأمانة العلمية والأدبية..
والي أن يتم التعرف علي الحقيقة الغائبة عن ملابسات عدم نشر ترجمة الأستاذ فؤاد كامل في دار الشروق حتي الآن، فإنني أود أن أسجل هنا بعض فقرات وردت في مقدمة هذه الترجمة، مع الالحاح الصادق علي الأستاذ ابراهيم المعلم بالمبادرة بإصدار الكتاب. وأعتقد أنه لا ضير من إصدار عدة ترجمات للكتاب الواحد من الكتب الرصينة، ففي ذلك إثراء واضح للمكتبة العربية، خاصة أن كتاب 'الخيال المبدع عند ابن عربي' يحتوي علي آلاف من المصلطحات الصوفية والفلسفية الصعبة، والفقرات الغامضة، ولاشك أن تعدد الترجمات يرشدنا الي أفضل المقابلات العربية لتلك المصطلحات، وييسر فهمها، كما أنه يلقي الضوء علي كثير من فقرات الكتاب المعقدة.
  
وأرفق هنا صورة من الصفحات الأولي من الكتاب ويتضح منها : أن الطبعة الأولي كان مخططا لصدورها عام 1995، ومما جاء بالمقدمة 'فضلا عن أنه عمل علمي متخصص، فإنه موجه الي جمهور متخصص.. فهي خدمة علمية تقوم بها دار الشروق لكل من أنصار وخصوم الفكر الباطني..' فهل هذه الكلمات تنم عن بعض السبب في عدم اصدار الكتاب؟!
|
|
|
الخجل من الغناء
يوسف صادق
لم يعد الطرب العربي كما كان سابقا أسلوبا لحياة البشر ووسيلة لرفع المعاناة عنهم، كما كان أيام النكسة في عام 1967م، عندما توجهت الكلمات الغنائية لأم كلثوم مثلا وعبدالحليم ومحمد عبدالوهاب وغيرهم من فناني الحقبة القديمة للشعوب العربية، كوسيلة لرفع الروح المعنوية بعد الهزيمة التي منيت بها جيوش العرب أمام جيش الاحتلال الاسرائيلي.
لقد تأثر الغناء العربي سابقا كما غيره بسياسة الدول، فكانت هناك أغاني تحث، الأنظمة العربية علي التآخي بينها وبين شقيقاتها، ولهذا كانت للأغنية معني.
ونعترف جميعا، إن أنظمتنا العربية المختلفة لم تلامس واقع شعوبها، ولا تشعر بما يشعرون من نكبات وهزائم مختلفة، فاتجه الغناء كما تحول سياسة تلك الأنظمة الي، كلمات تعبر عن الطبيعة أو الحيوانات المختلفة أو الأزهار والبحار وسكون الليل حتي يطير المفكر والانسان العربي في فضاء الأحلام المختلفة.. فمن 'بيع الجمل يا علي' الي 'ركبنا علي الحصان'، كانت الحيوانات آنذاك لها قيمة اعتبارية علي ما يبدو أكثر من الانسان العربي ذاته، وما يحمل هذا الانسان من مآس ألقت بظلالها علي واقعه ومستقبله بعد نكستنا الأخيرة.
رغم ذاك التوجه الهابط والمهزوم، وفي الجانب الآخر من تلك الحياة، علت أغاني وكلمات المقاومة خاصة بعد معركة الكرامة، وكان لها أثر كبير علي المواطن العربي الحر، وحولته من مياه راكدة الي بحر هائج ضد المحتل، وسرعان ما لمسنا هذا الواقع علي أراضي الطوق مع الاحتلال الاسرائيلي من المحيط الي الخليج، لتجد عشرات بل مئات وآلاف المقاتلين مع الفلسطينيين في خندق واحد. وبات مارسيل خليفة مطرب المقاومة هو والكلمات الرائعة التي تخرج من فمه.
أما في زمننا هذا، فتغيرت الأحوال بعد الاتفاقات التي أبرمت بين أقطار عربية بما فيهم منظمة التحرير الفلسطينية وبين الجانب الاسرائيلي، وخلالها رأينا ما لم نكن نتوقعه من كلمات وأغاني باتت دفيء لغرائز الجيل الشاب من الفتيات والشباب، حتي يبتعد الجيل الصاعد عن التفكير الطبيعي والمنطقي نحو تحرير البلاد العربية من دنس الأعداء، ويصب جل تفكيره في متعة الحياة وملذاتها، ويلهو كما لهت تلك الأنظمة.
ومع كل كلمة تخرج من أشباه المطربين في الوقت هذا الزمن، يخجل المرء منا أن ينتمي لهذه الحقبة الزمنية.
|
|
|
|