|
|
| السنة - | 703 | ه - العدد | 1427 | ذو الحجة | من | 11 | - م | 2006 | ديسمبر | من | 31 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
1:29:46 PM |
 |
الساعة - |
 |
12/30/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
نداء إلي ماركيز:
عجد إلي ماكوندو
خوان كروث
ترجمة :
أحمد عبداللطيف
في يوم السادس من ديسمبر 2006 ، في وسط النهار ، كان شبح يتجول في الكوريدور دي لاس بيجونياس، امام السرير الذي ولد فوقه ماركيز في الساعة الثامنة و النصف صباح يوم السادس من مارس سنة 1927. كان الشبح ، تيقننا بعد ذلك ، إمرأة من لحم ودم .
فبينما كنا نبحث بعيوننا عن العلامة التي تذكرنا بالمكان الذي ولد فيه مؤلف " مائة عام من العزلة " صادفتنا امرأة ذات عينين واسعتين وفارغتين ، رأيناها تدخل الممر يدفعها الهواء ببطء غير طبيعي . كانت تسير بجانبنا ، ثم هربت كما لو كانت تطير ، ناحية المكان الذي كان جابو ( اسم التدليل لماركيز ) يجلس فيه ليستمع لحكايات الف ليلة وليلة .
عندما اختفت المرأة ، وتملكنا الاضطراب الذي تركه فينا الشبح ، سألنا روبييلا ، الفتاة السمراء التي تصحبنا في البيت المتحف الخاص بماركيز :
أرأيت السيدة ذات الشعر الأبيض التي مرت بجانبنا دون أن تنظر لنا ؟
نعم ، إنها سوليداد نوتشيس ، التي عادة ما تسير هكذا .
إنها سيدة تتجول عادة في بيت ماركيز من ركن لاخر ولم تكن شبحا. .
إن الذين قرأوا " مائة عام من العزلة " يعرفون التفسير لهذا الحدث ، فالرواية مليئة بنساء من هذا النوع ، يتجولن بنفس الصورة ، حيث قد شاهدهن ماركيز في احدي رحلاته لمشاهدة الثلج و نقلها بسيريالية سحرية في روايته ، بالرغم من ان النقاد و القراء أسموها واقعية سحرية .
داخل قرية ماكوندو ، او اراكاتاكا ،كانت الناس تحكي لنا قصة الثلج الذي هو المكان الذي يسيرون فيه للعودة للقرية ، وهي رحلة من الرخاء الي البؤس و العكس .
كان مكان الثلج علي بعد قوسين او ادني من بيت ماركيز ، ولقد اصبح الان خاليا من الثلج ، من التاريخ ، من مصانع الثلج التي كان يعمل بها جد جابو ، وصار مكانه ساحة لانتظار السيارات المتهالكة ، كالساعات الملقية به و الاثاثات القديمة التي تملئه ، والكراسي التي لا يجلس عليها حتي الاشباح . لكن مازال هناك نهربه احجار كبيرة ومياه صافية يحيط بماكوندو ، وكثير من الاشباح التي مازالت تتجول بفضل كتابات ابن عامل التلغراف .
الان نري بأعيننا النفايات التي تركتها " الشركة المتحدة للفواكه " وهي رمز لما نحن مقدمين عليه و اشارة للكابوس الذي نعيش فيه . الان تاتي استراون ،وهي سيدة في الثامنة و الخمسين من عمرها ، لتحكي لنا ما فعلته السلطات ، حيث سمحت بدخول القطارات و الضجيج الي بيتها ، وحولته لصالة امامية لمقبرة .
مازالت الطرق التي حددت ماكوندو في سنوات ازدهارها ، تتميز بخصائص ارض الكاريبي التي تقع بداخلها . تلك السنوات التي شاهدت ازدهارها عندما كان ياتي لزيارتها كل العالم من كل الجنسيات . ومازال اهل ماكوندو ينظرون للافق ، كما كان اوريليانو ينظر في الرواية التي تعد اشهر روايات القرون الاخيرة .
عندما كنا نقرأ " مائة عام من العزلة " كنا نتصورها تحدث في عالم غير عالمنا ، لكننا الان داخل هذا العالم الموجود بحذافيره داخل هذه الارض ، وبنفس اسماء الشخصيات الحقيقية التي وردت في الرواية .مرت بجانبنا فتاة وقالت : انا احد شخصيات الرواية واسمي امارانتان .
وهناك سمعنا الاساطير الكثيرة التي تدور حول عودة ماركيز لارضه ، منها ما تقول ان ماركيز عاد الي ماكوندو عدة مرات بعد حصوله علي النوبل . وهناك الاسطورة السوداء التي تحكي انه لم يعد ابدا ، اما اسطورة اهل ماكوندو فتقول ان ماركيز لم يفعل شيئا لارضه . وهنا يقدم ماركيز دليلا علي انشغاله بهذه الارض ، مقدما اهداء احدي رواياته قائلا : " الي رفائيل ، بلدياتي ، الذي لم افعل شيئا من اجله سوي تقديم هذا الكتاب و كتب اخري " .
وبعد حصوله علي النوبل ، قال عبارة صارت كالنقش :" لم انس ابدا تحت اي ظرف انني في حقيقتي لم اكن و لا اكون ولن اكون الا احد الابناء الستة عشر لاب عامل تليغراف باراكاتاكا . "
لقد عاد ماركيز الي ماكوندو بشهادة داريو اريثميندس ، الذي كان صحفيا شابا عندما حصل ماركيز علي نوبل في اكتوبر 1982. وفي الرحلة الي ماكوندو رافقه ايضا ، حيث استقبله الناس بالاحضان و القبلات ، لكنهم طلبوا منه اموالا و منحا و هدايا و جوائز ، فشعر ماركيز بصعقة كتمها بخجله .
وعندما حكي اريثميندس قال : " فهمت حينئذ لماذا لم يعد ماركيز الي اراكاتاكا مرة اخري " .
تقول الاسطورة الكاريبية " إن الذين يمسحون اثار اقدامهم يموتون مبكرا " وتعلق روبييلا ، المسئولة عن المتحف ، إن جابو يؤمن بالخرافات ، لذا ، فلن يعود الي ماكوندو ليمسح اثار خطواته بعودته .عند الخروج من ماكوندو ، كان مصنع الثلج قد ذاب ، وكانت الفراشات الصفراء تجول فوق النهر الذي يعكس اجنحتها .
وكانت ماكوندو مازالت تدعو ماركيز للعودة ، لكن ماركيز لا يريد ان يمسح خطواته ، بالرغم من ان خطواته ابدا لا تمحي .
|
|
|
نيران المخيم
يوليا فرانك
ترجمةعن الالمانية: خالد عباس
"نيلي زنف" تمر عبر جسر
تساقطت أيدي الطفلين متعبة بعد أن أخذا يلوحان طوال الوقت، في البداية فعلا ذلك بحماس شديد رغم انعدام الاستجابة، ثم استمر تلويحهما بحكم العادة أو بسبب الطموح الطفولي، بالتأكيد إنهما قد لوحا ما يقرب من ساعة كاملة، كانا يضعان فميهما علي الزجاج المغطي بالبخار لرسم حواف قبلات ويضغطان بأنفيهما فوق الزجاج، أخذا يلوحان حتي قالت "كاتيا" لأخيها:
"لن أتحمل أكثر من هذا، دعنا نتوقف عن ذلك"
وهز "الكسي" رأسه موافقا علي ذلك وكأنه من الأفضل أن يمتنعا عن التلويح حتي يضعا نهاية للوداع.
تحركت بنا السيارة مسافة أخري إلي الأمام، وانطفأت أضواء المكابح الخلفية للشاحنة الصغيرة أمامنا، ووقف رجل مرتديا زيا عسكريا علي الطريق أسفل بناء عالِ، كان اقترابه نحونا يعني رفع كلتا يديه بقوة إلي أعلي محركا إياهما في الهواء، توقفنا بشكل مفاجئ فكركر محرك السيارة ثم تراجع ليصمت تماما، نتقدم علي الطريق منذ أربع ساعات، قد نكون قطعنا فيها ثلاثة أمتار أو عشرة، المهم أنني أعرف أن جسر "بورن هولمر" علي بعد أمتار قليلة منا، كل ما في الأمر أننا لم نره، لأن بناية عريضة ذات طراز بناء بسيط قطعت طريق السفر الضيق المار أسفلها فحجبت رؤية كل ما هو آت. لوٌح بالإشارة للشاحنة الصغيرة حتي تقف جانبا في طريق مجاور، أعمدة الإنارة أضاءت، واحدا تلو الآخر، بقي واحد منهم مظلما علي الجانب الأيمن.


هل سيحل يوم علي هذا المكان بميعاد للإصلاحات؟
ربما في الليل ما بين الساعة الثانية عشر والثانية صباحا، رأينا اقتراب الظل نحونا حتي اختفي ثانيا أسفل غطاء المحرك، بعد لحظات تسلق مرة أخري فوق الغطاء ليزحف فوق الزجاج الأمامي للسيارة ثم فوق وجوهنا ملتهما العربة بأكملها، لا يعبأ بكل ما يلتهمه وبالطريقة التي يلتهم بها الأشياء، هذا الظلٌ، ظلٌ هذا السطح العريض وهذه البناية التي قطعت طريق السير واختلست منا الرؤية، بناية من الورق المقوي والصفيح، غرقت الشمس أمامنا بين البيوت لتظهر منيرة مرة أخري عاليا فوق الألواح الزجاجية لأبراج الحراسة وكأنها ترغب في غوايتنا، أو أن تتوعدنا غدا بلقاء جديد في الغرب إذا ما تتبعناها، تختفي وتتركنا وحدنا مع قدوم الليل مخلفة وراءها خطوطا نارية في السماء لتبتلعنا الظلال، بعدها ستبتلع الشمس المدينة بأكملها في ظهيرتنا. قال لي "جيرد" حينما أطفأ سيجارته وتنفس بعمق محتفظا بالهواء في رئتيه إنه كان يسأل نفسه طيلة عشر سنوات متي سوف أجيء إلي هنا، أخرج صوت صفير من بين أسنانه، لكنني منذ عشر سنوات لم أعرفه جيدا، والآن أجلس في سيارة وليس أمامي غير السير في هذا الطريق والاتجاه المواجه ولا يمكنني العدول عنه أو النزول من سيارته، حيث لم يعد أمامي غير ذلك، بينما هذا الشخص نفسه الذي أعرفه منذ عشر سنوات يضحك ويقول لي كم قد تخيل احتضاني عارية بين ذراعيه.
وضع جيرد سيجارة أخري في فمه بعد أن أحاطها من أسفل بلسانه تحت الفيلتر، أدار المحرك ثم أوقفه ثم أداره مرة أخري، امتلأت المطفأة عن آخرها، جمعت أعقاب السجائر بيدي ووضعتها في كيس بلاستيكي كنت قد أحضرته معي من باب الحيطة إذا ما أجصيب الأطفال بالغثيان، لكن الغثيان قد أصابني أنا، لم أرغب أبدا أن أكون عارية بين يدي جيرد، هذا التخيل الذي نجحت في صده حتي تلك اللحظة التي استهزأ فيها من مسعاي بصفير خافت وبكلمات تافهة، وحتي هذا الظرف نفسه لم يكن مثيرا، حال وجودي في سيارته وجلوس أطفالي علي المقعد الخلفي وتقبيلهم للزجاج وبوعي بأننا متجهين نحو الجسر.


أمسكت كاتيا بأنفها و طلبت فتح النافذة، تغاضيت متعمدة عن سماع زفير جيرد المتأوه، كنت أظن لفترة طويلة إنه سيوفر عليٌّ سماع أمانيه علي أساس أنه يعرف أنني لا أرغب في لمسه لي، ثم تمنيت مرة أخري أن يكون قد نسي جسدي بقدر المستطاع، الشيء الذي لم يفعله بطريقة جيدة، لكنه حاول بقدر المستطاع، كم قدرته علي محاولته هذه، محاولة شرع فيها لكنها فشلت في تلك اللحظة، إن هذا الرجل الذي لم ينس اسمه بالتأكيد حتي الآن ولم يذكره بلسانه كان قد أصبح أبا لأولادي، إلا أن هذا لم يكن السبب في اشمئزازي المفاجئ منه، لقد قزٌزني نسيانه للسبب الذي جعلنا نجلس معه في السيارة، لقد جلسنا معه هنا حتي نعبر فقط هذا الجسر، ربما يكون هناك سبب آخر، لكن هذا السبب لم يكن له علاقة إطلاقا بأن نكون معا دون إزعاج من أي شيء، أو لكي نجلس في هذا المكان الصغير سويا. تسحب تيار بارد إلي الداخل، أتي معه برائحة بنزين وقليل من الهواء الصيفي، كانت هذه الرائحة هي بالأحري رائحة الليل والصقيع المرتقب. لحظات الغروب. أتي الشرطي ناحية السيارة وانحني ناحية جيرد إلي أسفل حتي يستطيع أن ينظر إلي الداخل، وأشع مصباح جيبه بعضا من الضوء فوق وجوهنا، تجهم المصباح بشكل خافت مرتعشا وكأنه يرغب في محو تلك اللحظة، فحص أسماءنا ووجوهنا بالترتيب، نظرت إلي وجهه الشاحب ذي الجبهة العريضة المنخفضة، عيناه انحصرتا في محجريهما بسبب ضخامة عظام الخدين، وجه لم يعد شابا رغم أنه شاب، كان يشبه وجوه أهل "بومرن" في الشرق.


دق بمصباح الجيب علي الباب الخلفي للسيارة وقال إنه لا ينبغي أن نسير بنوافذ مفتوحة من الخلف، ويجب إغلاقها من أجل دواعي الأمن، وبعد فحصه لأوراق كاتيا والكسي قال فجأة:
"انزلا!"
انحشر الباب فأخذت أرجه حتي انفتح فنزلت، لكن الشرطي صرخ فيٌّ عبر سطح السيارة:
"لست أنت المطلوبة، الأطفال فقط "
دخلت مرة أخري إلي السيارة والتفت إلي الخلف ورددت قائلة "انزلا" ولمست يدي يد الكسي ثم أمسكتها بقوة، وعندما تحرك بسرعة تهاوت يدي في الفراغ، فقط في هذه اللحظة شعرت في جسدي بارتعاشة، انغلق الباب وقال الرجل شيئا لأطفالي لم أستطع فهمه، أشار نحو السيارة وهز رأسه في استياء وربت علي كتف الكسي الصغير، ثم رأيتهما يتبعانه نحو المبني المنخفض، مصباح النيون أنار عبر النافذة المظلمة، انتظرت حتي تفتح الغرفة لكن النافذة بقيت سوداء، قد يكون هناك ساتر خاص يمنع النظر من الخارج، فقط من بالداخل يستطيع النظر إلي الخارج، مثل القبة النحاسية في قصر رئاسة الجمهورية في برلين الشرقية، حينما يراقب الملك شعبه من الداخل بينما لا تري الناس بالخارج غير الزجاج الأعمي وتجخطف أبصارهم من البريق فلا يستطيعون النظر إلي الداخل، لو كانوا فقط علي نفس درجة الارتفاع التي يجلس عندها الملك، وجها لوجه عند انعكاس الزجاج لاستطاعوا حتي رؤية أنفسهم ومواجهة نظرتهم المجوفة ذات الشبق، لكنهم وقفوا أسفل، تحت عند الميدان، وعاليا عند الزجاج لم تنعكس إلا السماء. لم يكن هناك أي ارتداد لنظرتي، لكن زجاج هذه النافذة كان أسود، شديد السواد مثل الفحم، مثل سواد الغربان، وكلما طالت رؤيتي إلي هناك، كلما بدا لي الأمر كله غير طبيعي، لا يوجد بريق، ليس هناك لون برتقالي، لقد تم اختزان الضوء كله وامتصاصه، لم يكن هناك فحم أوغربان ولا حتي أي عمق، فقط اللون الأسود. وأصبحت النافذة شبه مصطنعة، جيرد أطفأ السيجارة وأشعل واحدة أخري.


"جميل هذا الهدوء"
استمتع بوجوده وحيدا معي لعدة دقائق، بالتأكيد إنهم سيسألون كاتيا والكسي عن السبب وراء عبورهم للناحية الأخري، سيذهبون مع كل واحد منهما علي حدة إلي غرفة خالية من النوافذ ليضعوا كلا منهما فوق كرسي ويقولون لهما:
"نريد منكما أن تقولا لنا الحقيقة، هل تفهمان ما نقصده"
كاتيا ستهز رأسها والكسي سينظر نحو الأرض في اتجاه حذائه، وسيقول رجل الأمن لالكسي:
"انظر إليّ يا الكسي حين أتكلم معك"
سيربت فوق ظهره بخفة وكأنه صديق له أو زميل صغير أو أحد المقربين له، لن يدرك أنه حتي عندما يرفع الكسي رأسه إليه فهو لن يستطيع أن يراه بوضوح، لأن نظارته لم تعد تمكنه من ذلك، وربما كان ينظر إلي حذائه، لأنه أبعد ما يكون منه عن نظره ويعرف شكله تماما، ربما يهدده رجل الأمن بشيء ما، أو يقرص ذراعه مثلا حتي لا ينسي الكسي مدي القوة التي يتمتع بها واحد مثله، ربما يقف منهم ثلاثة رجال أمام الكسي وربما خمسة، وقد تمتلئ الغرفة كلها بهم، رجال الأمن بزيهم الرسمي، شرطة الشعب، أقارب أمن الدولة وجنود الحدود والعسكريون بدرجة الرواد والمتدربين والمساعدين، لكن في هذه الحالة سيفقد كل منهم سلطته التي تكون له عندما يكون وحده، ماهو هدف أمكم من العبور إلي هناك؟ هل تعرف هذا الرجل منذ مدة طويلة؟ هل هي تحبه؟ هل رأيتم ذلك؟ هل يقبلها وتقبله وكيف يقبلون بعضهما؟ هل حقا ترغبون في أب من الجزء الغربي؟ هل أحضر لكم هدايا معه؟ أي هدايا؟ إذن فهو رأسمالي، صحيح أم لا ؟ قليل من السكوت، فالكسي لا يستطيع الإجابة علي كل هذه الأسئلة، فهو لا يستطيع أن يعطي غير الإجابات الخاطئة، شيء ما يمر فوق عمودي الفقري بالتهاب، شيء أسميه الخوف، لكنه لم يكن أكثر من لسان لهب متسارع، إجابات كلها خاطئة. الكسي لم يعرف حتي لو أنهم سيحتجزوننا، ربما خمن بذلك فقط.


ما هي قيمة الورقة أو التصريح إذا ما جعلوني أغرب عنهم تماما وبكل بساطة ، بعدها سيضعون الأطفال في ملجأ، أو سيوزعونهم علي أسر في تبني إجباري، هناك إشاعات تدور حول هذه المسألة، خصوصا فيما يتعلق بأعداء البلاد أو أعداء الديمقراطية الاشتراكية، وأولهم هؤلاء الذين خرجوا عن النظام وهربوا، أولادهم كانوا يوضعون تحت حماية الدولة، بشكل لا يرتجع أو يمكن الوصول إليه، وفي المستقبل بعد أن يكبر الأطفال سوف يخبرونهم أنني مت متأثرة بتجلط في الرئتين، فبإمكانهم إدعاء أي شيء عن أي شخص، قصصهم لم تختلف كثيرا عن بعضها، فقط كان لأبطالها أسماء مختلفة، فما هو الداعي الذي يجعلهم يبتدعون أشياء لها خيال مقنع، لا يوجد من يستطيع أن يثبت عليهم شيئا، لأن الحقائق هي بدع وأشياء متفق عليها بالإجماع، ولن يعرف أحد غير جيرد أنني لم أخرب ولم أكن مريضة، هذا إن لم يكن هو نفسه معهم، لكن وجودي معه في السيارة هو شيء جيد، أجلس في سيارته، أحاول إيقاف ألسنه الخوف الملتهبة، فقط حتي لا أحترق. لن يستطيع أن يختفي فجأة هكذا، لأن الملك سيواجه صعوبات كبيرة، لم يكن لنا أهمية بالنسبة لهم، حتي الكسي أو كاتيا، لم نكن أكثر من أسماك صغيرة تافهة، صحيح أننا ابتعدنا عن بقية مجموعات الأسماك وخرجنا عن المسار، إلا أن تفاهتنا جعلتهم يغضون النظر عنا. منذ عدة أسابيع طلبت المعلمة في المدرسة الحديث مع كاتيا بانفراد بعد انتهاء الحصة في الفصل وقالت لها:
"وماذا يصور لك خيالك أكثر من الرأسمالية! ألا تؤمنين بالسلام في العالم؟ ألا ترغبين في مساعدة الأطفال المساكين في فيتنام؟ ومن كان الجاني، من؟ من هم الذين يتركون الأطفال تجوع في العالم؟ ألم تتعلمي أي شيء في المدرسة أو في الحضانة؟ أو في المهد؟ ألا تعرفون أن الرأسمالية هي عدوتكم؟"


رجعت كاتيا إلي البيت بعينين متورمتين، لم ترغب في أن يجوع أطفال آخرون بسببنا، لم ترغب في الذهاب إلي هؤلاء الذين يججوِعون الأطفال، لقد بكت في هذا اليوم نصف الليل بأكمله، بالتأكيد أنه قد تم التحقيق معهم الآن بنفس الطريقة، ما هو عمل والدكما المستقبلي مرة أخري؟ ألم يكن نجارا، لا هذا غير صحيح، هو رأسمالي، نعم، عدو، لكن ماذا عن والدكما الحقيقي؟ ماذا حدث له؟
دققت علي الزجاج، قال جيرد:
"لماذا تدقين علي الزجاج، كفي دقا علي الزجاج!"
استند جيرد بظهره للوراء وتجنب نظراتي، ربما كان متخوفا أن يفقد أعصابه، دققت مرة أخري علي الزجاج:
"كفي!"
دققت مرة ثانية، دققت بعد كلامه، أخذ يصرخ فيٌّ، هبطت يده المنبسطة من فوق الزجاج، وتساءلت بعيني المتصلبتين وأنا أنظر تجاه النافذة السوداء لغرفة التحقيق:
"منذ متي وهم بالداخل"
"لا أعرف، لم أنتبه إلي الساعة وقت دخولهم، ربما يكونا قد دخلا منذ عشرين دقيقة"
" أكثر من ذلك"
لم يجبني جيرد وأخذ يدخن، منذ أن اختفي موظف الأمن مع أولادي داخل الحجرة لم أر الباب يفتح مرة واحدة، لم يدخل أحد ولم يخرج أحد، لقد ظل الباب محكم الغلق حتي ظننت أنني قد أخطأت في تتبعي للأولاد وأنهم ربما يكونوا قد دخلوا إلي غرفة أخري لم ألحظ بابها منذ البداية، أو أنهم قد دخلوا نفس الغرفة ولكنهم انتقلوا إلي أخري بشكل غير ملحوظ عن طريق باب خلفي مثلا، وقد يؤدي مدخل أسفل الأرض إلي معسكر شرطة بعيد عن المكان، وربما مباشرة إلي قبو مكاتب التحقيق الرئيسية لأمن الدولة في لونها الداكن ما بين الأخضر والأزرق.


ومن هناك لا يوجد غير طريق واحد يؤدي إلي غياهب سجن القصر النحاسي، وربما توجد أسفل القصر أيضا دهاليز متفرعة، بها سجون مخصصة لحبس الأطفال الهاربين الذين في حاجة ماسة إلي الإصلاح، ذلك حتي يصبحوا في حالة تؤهلهم للاندماج داخل أسر اشتراكية، أو مع مواطنين مخلصين وموالين للدولة، هذه الأسر التي ربما لا يكون لها وجود من الأساس.
مازلت أنتظر أولادي هنا بدون جدوي:
"هل شاهدت دخولهم من هذا الباب أيضا، من هنا، عند مبني التحقيق؟ بالتأكيد هما بالداخل"
تعلق بصوتي نوع من الحيرة، وأشرت بإصبعي نحو مبني صغير به شيء كالنافذة.
تابع جيرد إصبعي وضحك وأخرج الهواء بقوة سريعا، هز كتفيه متعبا إلي أعلي وقال قبل أن ينظر حوله:
"لا أعرف، كلهم يشبهون بعضهم"
الغرف بنيت بجانب بعضها البعض علي طول خط مستقيم، باب صغير علي يسار كل غرفة، وعلي اليمين شبة نافذة يعلوها مصباح من النيون، عدا الغرف الخارجية، التي ظهرت علي قدر رؤيتي بدون أشباه نوافذ، بل بنوافذ حقيقية أضأت منها الأنوار نحو الخارج، أخرج جيرد صوتا لاهثا أثناء إخراجه لزفيره وسأل:
"هل تظنين أنهم سيتحفظون علي الأطفال بالداخل!"
بالداخل، إن جيرد ما زال يعيش بأفكاره علي الناحية الأخري من الجسر، لكنني أعيش هنا علي أرض الواقع، ضحك جيرد وقال:
"أنت تمزحين فعلا، تعتقدين أنهم ليس لديهم ما يفعلون غير القبض علي الأطفال الصغار!"
"ليس فقط القبض علي الصغار"
حاولت أن أضحك معه لكنني لم أفلح:
"الواحد لا يعرف عندنا بحقيقة الأمر!"
ضحك جيرد وقال:
"عندنا!"
شعرت فجأة بالدموع ترتفع في عيني فالتفت بوجهي للناحية الأخري حتي لا يري شيئا.


"سأدعوكم عندنا أولا للطعام، سنأكل البطاطس المحمرة "البومفريتس"، كم أنا جائع!"
مسحت دموعي بكمي وبقيت أنظر بوجهي ناحية النافذة حتي لا يضحك جيرد عليٌّ ذلك حتي طل وجه فاتح اللون يشبه العجين، رجل آخر يرتدي الزي العسكري، دق من الخارج علي الزجاج وسمعته يقول:
"النافذة"
أشار إصبعه بشكل مستمر إلي أسفل، أدرت الذراع فنزل زجاج النافذة إلي أسفل وهو يصرٌ:
"افتحوا حقيبة السيارة!"
نظرت إلي جيرد الذي ظل مبتسما ببلاهة ثم سحب مفتاح تشغيل السيارة من مكانه لكي يأخذه الرجل وقال:
"تفضل!"
فرد ذراعه عبر وجهي فأخذه الرجل من يده المبسوطة ثم اختفي ثانيا، كان الهواء دافئا ومنعشا ولطيفا، لكني رفعت زجاج النافذة مرة أخري، سمعنا فتح حقيبة السيارة، ورفع بعض اللوازم، صوت دق علي السيارة من الخلف، بعد لحظات سار رجلا أمن بحقائبنا متجهين داخل المبني.
طنت ذبابة حائمة في الركن السفلي من النافذة الأمامية للسيارة، اصطدمت مرات عديدة بالزجاج، كانت ترفع جسدها الصغير بثقل وصعوبة، لكنها لم تستسلم، أخذت تطن ثم توقفت للحظة في مكانها، ثم طنت وحامت حول الزجاج، توقفت في سكون، ثم طنت من جديد للتحرك إلي أسفل، اتجهت بيدي نحو لوحة مسلتزمات السيارة حتي شعرت بجسدها المتعب ذي الطنين تحت تجويف يدي، تركت كفي يتسطح ببطء فوق لوحة المستلزمات حتي شعرت بدغدغتها لإصبع السبابة والوسطي، حركة سريعة ومستمرة لجناحيها الرقيقين تدغدغني بشدة، حتي أغلقت الإصبعين سويا، وضغطت بأقصي قوة فوق لوحة المستلزمات، زحفت بقليل من الصديد، لكنها لم تستطع أن تحرر نفسها، فالمساحة الموجودة بين الأصابع وسطح اللوحة كان كبيرا، شعرت في تتالي زمني متفرق بنضال جناحيها، وكنت أتذكر المادة السائلة البيضاء التي خرجت منها عندما ضغطت فوقها، فجأة سمعت صوت دق عال فوق الزجاج.


لم أر أي وجه، فقط الزي العسكري، فجتح الباب، كدت أسقط فوق الرجل، أمسك بي وقال:
"هل لابد أن ألح حتي تأتين!"
"ماذا"
"أنزلي!"
أمسك ذراعي العاري من أعلي بفظاظة وسحبني بجانبه، تعثرت أقدامي في الدرج المسطح، بالداخل امتد من أمامي دهليز بدا لي شديد الطول مقارنة بحجم المبني، ربما كان امتداده يصل بالداخل بين مبنيين أو ثلاثة، ثم طرح بي علي اليسار في غرفة كان فيها من ينتظرنا علي أهب الاستعداد، جلس رجلان شديدي الشبه خلف طاولة رفيعة، كانا يرتديان زيا رسميا، لم يكن زي الشرطة الجمهورية، ما فائدة التفكيرالآن في رواتبهم ومناصبهم، لعبة الاختفاء والتمويه تدخل بشكل مباشر في إطار ارتداء الأزياء والملابس، لابد أنهما توأمان، لقد كانا متشابهين بشدة، أو علي الأقل هما أخوان:
"أنت ترغبين في الهجرة للزواج من السيد بيكر"
"نعم"
"هل ستتقاسمان شقة مشتركة، صحيح؟"
"طبعا!"
"وزوجك المستقبلي جهز كل شيء، صحيح؟"
"هو يسكن منذ مدة طويلة في الشقة، صحيح؟"
أومأت برأسي بنوع من الرجاء ثم قلت:
"نعم، طبعا"
أخذ أحد الأخوين في تصفح بعض الملفات، بدا أنه يبحث عن شيء، بينما أخذ الأخ الآخر علي اليمين في إدارة التحقيق:
"لقد سجل كل هذا في الطلبات المقدمة وكنت في الأسبوع الماضي في مكتب أمن الدولة، ودار الحديث عن السيد بيكر فقط"


"نعم، أي تحقيق يا آنسة، أقصد يا مدام "زنف"، نيلي زنف، لقد سبق لك الزواج من قبل؟"
"نعم، اعتقد انك تعرف ذلك"
" أيضا لم يكن زواجك من والد أطفالك، أليس كذلك؟"
حركت رأسي يمينا ويسارا:
"لا"
"لكنك تحاولين الزواج بالتحديد الآن!"
قلت لنفسي، بالتحديد الآن يجب أن أكون صبورة، لا يجب أن أفقد صبري أو أعصابي، وأجبت قائلة:
"نعم أنا أريد ذلك"
"وماذا عن والد أطفالك"
ضاعت صلة القرابة مع الأخ الجالس علي اليمين، قلت:
"حضرتك تعرف ذلك"
"ماذا نعرف ألا ترغبين في الإجابة"
قلت لنفسي أنهم يرغبون في مضايقتك، لن يؤذونكِ، فقط يرغبون في مضايقتك، لكن تري إلي أي حد يمكن أن تكفي أسئلة وإجابات هذا الموظف الصغير والكبير علي حد السواء، قال:
"الرجل الغربي يصلح في هذه الحالة أحسن، صحيح أم لا"
هززت رأسي موافقة ثم رفعت كتفي متعجبة، وما الذي أعرفه أنا عن الرجال في الغرب غير معرفتي بهذا الرجل تحديدا، وفيما يصلحون، ولأي غرض لا يصلحون، إن جيرد لم يساهم إلا في تضليلي، لقد كان رائعا في هذه المسألة تماما:
"أمك أيضا لم تتزوج، يبدو أن هذا الأمر هو مسألة عادية في عائلتكم، صحيح، ارتباط همجي وأطفال غير شرعيين، وتريدين أن نصدق بكل سهولة هكذا أنت ستتزوجينه هناك، أليس كذلك"
"لم يكن ذلك ممكنا بالنسبة لها"
"ماذا؟"
"لم يكن ذلك ممكنا بالنسبة لأمي، أيامها كانت هناك قوانين أخري وبالتالي عادات أخري، في البداية لم يجسمح لها بالزواج من أبي وبعد ذلك لم يرغب الاثنان في الزواج"


نظر إليٌّ التوأمان بدون أي تفهم حتي قال الذي علي اليمين دون أن يحرك رأسه:
"يهودية"
أخذ الذي علي اليسار في تصفح الأوراق ودق بإصبع السبابة فوق أحدي الصفحات ثم همس:
"شيء لا يعقل، فعلا شيء غير معقول!"
"أمك كانت يهودية"
نظر الذي علي اليمين نحوي بفم مفتوح:
"هي مازالت، نعم أقصد، إنها ليست متدينة، علي الأقل هي لم تعد مؤمنة، هي تؤمن فقط بالشيوعية، أعتقد أن حضرتك تعرف ذلك"
"هل كنت تعرفين ذلك، هل كانت مشهورة"
بمجرد أن يسمع الألمان عن شخص يهودي لا يزال علي قيد الحياة، يظنون في الحال أنه مشهور، ويبدو أن هذه الشهرة المزعومة كانت هي الإمكانية الوحيدة للفرار من استراتيجيات القتل الموجه ضد النفس، فالذي نجا من القتل كان عليه أن يصبح مشهورا بعد النجاة، لكن ليس فقط لأنه قد نجا.
قلب الذي علي اليمين الصفحة ونظر الذي علي اليسار إليٌّ بدون تعجب:
"جدتك سافرت مع أمك حينما كانت حامل إلي برلين وهناك تمت ولادتك"
لم أجب علي أشياء كهذه لأنها مدونة في الملفات:
"لماذا إلي برلين بالتحديد؟"
"لقد قلت من قبل إنها كانت تؤمن بالشيوعية"
قال الذي علي اليمين مؤكدا:
"إن الشيوعية ليست مسألة إيمان"
"أليست كذلك!"
"هي مسألة قناعة واختيار سديد، ألم تدرس في مدرسة اشتراكية! في أي مدرسة كنت تذهبين"


قلت لنفسي ماذا يظن، إلي أي مدرسة يمكنني أن أذهب، مدرسة مخصصة لليهود! أم يعتقد أن اليهود لا يذهبون إلي المدرسة، قال الذي علي اليسار بعد أن ربت علي كتف أخيه وضحك مسددا له لكمة:
"مدرسة مارشيل كوتيف"
استعاد الأخ ثقته بنفسه عن طريق نظرة إلي الملف مرة أخري، يبدو إنه لم يرغب في تصديق الموقف، همس الذي علي اليمين:
"يبدو أن أمامنا خمسة أعوام حتي ننتهي من هذا التحقيق"
هناك شهادة حسن سير وسلوك في المدرسة الاشتراكية، ربما لم يكن هذا النوع من الشهادات موجودا في وقتي، كاتيا حصلت علي العديد من هذه الشهادات، شهادات لحسن التعلم والانضباط في الأعمال الاجتماعية والنشاطات الخارجة عن نطاق الحصص المدرسية، وأصرت علي أن تأخذ معها كل الشهادات إلي الغرب حتي وإن كانت لا تمثل أهمية لبناء مستقبل بطولي كما تراه طفلة صغيرة، علي أية حال فإنها وضحت ليٌّ أن جمعها لهذه الأوراق القديمة لم يأت هباء، لكنها لم تستطع أن تجيب عن سؤالي المتكرر حينما سألتها لماذ اتعتقد أن هذه الشهادات سيكون لها أهمية.
وضعت ساقا فوق أخري ولم أرد علي المحققين بشيء:
"لكن شكلك لا يبدو يهوديا"
"معذرة ماذا تقول"
"يعني لا تبدين وكأنك يهودية، أليس كذلك أم يمكن القول أن هيئتك مختلفة عنهم، لكنك يهودية طالما أن أمك يهودية"
"وكيف تبدو المرأة اليهودية"
"إنك أقدر منا علي معرفة شيء كهذا يا أنسه زنف، زنف هذا اسم يهودي أليس كذلك"
لم أستطع أن أكبح صوت التنهد الذي أخرجته حينما قلت:
"هذا هو اسم أمي"


همس الذي علي اليسار بكلام ثم غرق بتركيزه ثانية داخل ورقة حمراء في الملف الموضوع أمامه:
"لكن الاسم يبدو ألمانيا!"
أخذت أعض فوق شفتي وأخرجت زفيري بأقصي ما يمكن اعتقادا مني بأنه حينما لا يستطيع المرء التنفس لضيقه أو اختناقه من شيء ما فإنه يحاول علي الاقل أن يخرج كل الهواء من رئتيه لطيهما حتي يتجنب أي انفجار يمكنه أن يحدث بداخله، أو علي الأقل يصعب بذلك إمكانية وقع هذا الانفجار"
وقف الذي علي اليسار ومعه الملف ثم غادر الحجرة فلم يبق إلا الذي علي اليمين، غير أنه لم يعد الذي علي اليمين بل الوحيد الجالس أمامي خلف الطاولة، وعلي جانبينا وقف ثلاثة آخرون يقومون بالحراسة، خمنت إنهم ذوي وظائف ورواتب متدنية، كانوا يتابعونني من زوايا عيونهم في ثبات ودون أدني حركة أو التفات بالرأس، أغلق الجالس الوحيد الملف وأخذ قسطا من الراحة مستمتعا بالصمت الذي أملاه علينا ثم ابتسم ناظرا بعينيه ذواتا العروق الحمراء اللتان اختفتا حينما نظر إليٌّ:
"يا سيدة زنف، الشيء الذي لم أفهمه هو لماذا تأخذين معك معجون الأسنان والصابون إذا ما كنت ستصلين اليوم إلي شقتك أو شقتكما المشتركة المستقبلية، نحن سنضيع وقتا في الهراء إذا ما استمر تعطيلك لنا بهذه القصص التي تحكيها، أليس لدي خطيبك السيد بيكر صابون "
نظرت نحو هذا الرجل غير المحدد في زيه الرسمي وشعرت باندفاع الدم في رأسي، شعرت بدفع الدم لفمي، لكن لساني تصلب والتصق في الحلق:
"هل تعطل لسانك عن الكلام يا سيدة زنف، تعالي معي الآن!"
وقفت وتتبعت الرجل الوحيد من خلال ممر ضيق نحو غرفة أخري، جميع الغرف التي مررنا بها كانت بدون نوافذ والأرضيات البلاستيكية كان لها رائحة حادة وحلوة، أخذ كعب حذائي يصر بشكل غريب فوق الأرضية، كانت الرائحة تذكرني بالملفات المدرسية لألكسي وكاتيا، نوع من تقليد الجلد، مادة صناعية واضحة موجودة منذ أعوام ولها ثلاث اشكال والوان ثابتة، غالبا ما كان هناك لونان متوفران منهما، الأخضر والبني وكان اللون الأصفر المختلط بالبرتقالي نادرا، ومنذ سنوات طويلة كان الأحمر متوفرا أيضا.
 فصول من رواية ( نيران المخيم) للكاتبة الألمانية يوليا فرانك تصدر قريبا عن دار شرقيات بالقاهرة
|
|
|
أقطاب الصوفية
علي نسيج الخيامية
أحمد وائل
99 لوحة تستحضر 14 قطبا صوفيامع أسماء الله الحسني التسعة والتسعين.. في تجربة مشتركة بين التشكيلي وفنان الخط الجزائري رشيد القرشي والحاج محمد هاشم أحد آخر حرفيي الخيامية بمصر. العمل أقرب إلي الأوراد أو حالة طويلة من الذكر، يستخدم فيها نصوصا لمحي الدين بن عربي، جلال الدين الرومي، حافظ الشيرازي، عمر بن الفارض، شهاب الدين السهروردي، عبد القادر الكيلاني، الحلاج، ابن عطاء الله السكندري، سيدي بومدين، النفري، رابعة العدوية.
بدأت التجربة حينما زار المصور الفوتوغرافي الفرنسي أرنو ومعه الفنان الجزائري رشيد القرشي الخيمي محمد هاشم، رشيد كان يسعي للاستعانة بقماش الخيامية كوسيط في أعماله لأنه يري أن هناك تماسا بين الخيامية وحياة أجداده، وذلك لأنهم حينما وفدوا من صحراء الحجاز إلي الصحراء الجزائرية سكنوا الخيام لأن البيت المبني من المواد الصلبة بالنسبة لهم ليس إلا قبرا، ولتناسب الخيمة مع حياتهم كبدو رحل فهي لا تجرح الطبيعة ولا تشوهها..من ناحية أخري يعتبر رشيد أن المشروع تكريما لأمه التي أعتاد أن يجلس إلي جوارها وهو صغير وهي تطرز القماش وينظر بشغف إلي مخطوطات التفصيل وقطع القماش الخاصة بها.
والمشروع يتفق مع نظرة رشيد القرشي للفن كعمل جماعي، وهو هنا يجمع بين الفنان والكاتب الصوفي ومبدع الخيامية..لذا كانت نتيجة اللقاء الأول مثمرة فشهدت ورشة محمد هاشم (الخيمي) عمليات الإعداد لمشروع القرشي الجديد والذي سيستغرق عاما كاملا برعاية المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة..( يقوم مصطفي قاسم من المركز الفرنسي رشيد بالترجمة بينهما)، يقوم المشروع علي وضع كل منهما خبرته تحت تصرف الآخر، وهو ما أوجد علاقة ما تتمثل في رؤية رشيد لرسومه بيدي هاشم وعماله، و صياغة هاشم علي نسيج الخيامية خطوطا أخري غير ما يحب من نقوش إسلامية، وهي رسوم أبدعها رشيد علي ورق (كلك) بالحبر الشيني.
شعوذة
يعلق محمد هاشم علي المشروع قائلا :"أول ما رأيت الرسوم لم أفهمها، كانت غريبة علي عيني، لكني عندما عرفته جيدا وفهمت الطابع الصوفي الخاص بها بدأت أحبها، فكلما انتهينا من لوحة ثير إعجابي، لتأتي اللوحة التالية لها فتعجبني أكثر"..كان عدد من العاملين مع الحاج يعتبرون اللوحات حجابا أو شعوذة و أعمال تحضير للجان، ولكن هذه الصورة تغيرت مع مرور الوقت حينما تفهموا طبيعة أعمال رشيد، وفي أخر زيارة له للخيامية كان هاشم يتحدث معه عن مشايخ الصوفية، خاصة عمر بن الفارض..باعتباره سلطانا للعاشقين، و أخذ يسرد له الحكايات عنه وعرض عليه زيارة ضريحه ولكن رشيد سافر إلي باريس من دون أن تتم الزيارة.
يوزع رشيد قرشي لوحاته التسعة والتسعين بين 14 قطبا صوفيا، للقطب الواحد منهم سبع لوحات بجانب لوحة واحدة ستخصص لأسماء الله الحسني التسعة والتسعين.. وتجمع اللوحة الواحدة بين نصوص الصوفية ورسوم رشيد الأقرب لطواسين الحلاج، وحروفه المقلوبة التي طالما حرص علي وجودها بأعماله، يوضع اسم القطب بمثلثات تذيل اللوحة، وفي محاولة من جانب رشيد للاقتراب من مشايخاه الكبار يضع توقيعه بأحد المثلثات.. مقلوبا!.
سألت رشيد: ما سبب حرصك علي أن تكون هناك حروفا ورموزا مقلوبة بلوحاتك؟ فأجاب قائلا:" تجد بالمساجد اسم الله في بعض الأحيان مكتوبا بالمقلوب علي الجدارن وداخل المحراب كأنه منعكس علي سطح مرآة، وهي طريقة للتقرب من الله، وبنفس الكيفية يمكننا أن نري أنفسنا جيدا إذا ما نظرنا في المرآة فعندما ينعكس الشيء قد يكون مجال رؤيته أوضح".
ربما تكون هذه وسيلة جيدة لنري أنفسنا علي حقيقتها. ولكن رشيد يجعل من الإنعكاس سمة أساسية لكل شيء ففي أحد اللوحات توجد أرقام من واحد حتي ستة مقلوبة، ويقوم رقم واحد بدور المرآة فيعكس الأرقام كلها..ربما للتأكيد علي فكرة النظر للحياة عبر مرآتنا الخاصة.
حرص رشيد علي معايشة التجربة كاملة، فتابع مع أصحاب الحرفة مراحل العمل المختلفة، ويصف أصابعهم بأنها تمتلك ذاكرة، حيث تحمل حركات مبدعين سابقين وطرقهم في التعامل مع القماش والأبرة و الخيط، دون أن تبعد هذه الذاكرة صفة الإبداع عنهم..(كان رشيد يتفقد العمال وهو يحيكون قطعة نسيج من فن الخيامية، دقق في حركة أصابع أحد العمال..ثم نظر إلي حسام هاشم، ابن الحاج محمد، وقال له:"أنه يحرك أصابعه كما يفعل فنانو شمال أفريقيا"، فرد عليه حسام قائلا:"لابد أنهم تعلموا مننا..فهذه الطريقة ورثناها من عمال المماليك").
الخوف من الحكام
يقول رشيد:"قد يتساءل البعض عن سبب العمل علي تراث ديني بينما هناك إمكانية للعمل علي الناحية الجمالية البحتة، وإجابتي علي ذلك أننا لم نأت من العدم، وإذا بحثنا عن سلسلة ننتمي إليها فلن نجد إلا سلسلة أجدادنا، خاصة وأننا في الجزائر لدينا تجارب قديمة قدم التاريخ في فن الرسم، وأنا أقصد بذلك الرسوم الموجودة علي صخور جبل تاسيلي أقصي جنوب الجزائر منذ آلاف السنين، ومبدعيها هم مرجعيتي الفنية الحقيقية وليست المراجع التقليدية لفن الرسم الزيتي"..ويضيف أنه كان يريد أن يقدم مشايخ الصوفية الذين اضطهدهم الحكام العرب، ولكنه تراجع عن هذه الفكرة خوفا من غضب الحكام الحاليين، فاختار كبار مشايخ الصوفية!.
أربعون يوما
يقوم محمد هاشم بتصوير لوحات (الكلك) ثم يكبرها، ولينقل الرسوم علي القماش بدقة يثقب حدي كل رسمه ليحدد مساحتها علي القماش بآثار الفحم المطحون توضع كمية منه (بقماشه) ليتساقط عبر الفتحات علي القماش الخيامية القطني الأبيض، لتحدد فيما بعد بالقلم الرصاص، بهذه الطريقة ينتقل ما رسمه رشيد كما هو إلي سطح القماش، لتبدأ عملية جديدة، وهي حياكة القماش لتنتهي اللوحة.
تستغرق اللوحة الواحدة 40 يوما لتنفيذها، ونتيجة لتوسع المشروع استعانوا بعمال اضافيين قسموهم إلي مجموعتين، تضع الأولي القماش وتحيكه علي الخلفية البيضاء، تليها مجموعة تعيد حياكته وتتأكد من صحة مواضع الرسم..هناك جانب من الاتفاق بين رشيد وهاشم بعدم إطلاع أحد علي اللوحات، وإحاطة المشروع بسرية تامة حتي لا تسرق فكرته، ونتيجة لذلك أكد هاشم لرشيد بصدق:" لن أقوم بعمل نسخة من أي لوحة من أعمالك حتي إذا طلب مني أي زبون ذلك"، وتقبل بتفهم شديد تحذير رشيد من خطورة اقتراب نقطة ماء من أوراق (الكلك) المرسومة بالحبر الشيني لسهولة محوه.
سألت محمد هاشم: ما الفرق بين هذه التجربة و عملك المعتاد علي نسيج الخيامية؟ فقال:(شغل) الخيامية الجيد هو المستوحي من الفن الإسلامي، له أشكال محددة لا يفهمها الكثير من العاملين بها.. القطع المستوحاة من الفن الإسلامي هي القطع الأكثر فنية وحتي أوضح لك سبب تميز هذه النوعية، فلتنظر إلي الشعر علي سبيل المثال فحينما تستمع إلي شاعر ما تجد قصائده جميلة، ولا تعجبك قصائد شاعر آخر، رغم أنهما يعتمدان علي مصدر واحد هو الأبجدية، وبالمثل توجد أبجدية خاصة بالخيامية منها أشكال خاتم مسدسة..ورباط زهرة..ولوزة وسمبوسك.. وبلحة، والتنويع بين هذه الأشكال هو ما أقوم به..وجودة عملية التنويع هو ما يميز قطعة خيامية عن الأخري.
ولكن لايوجد إقبال من الناس علي الخيامية!
نسبة الإقبال قلت منذ حادث الدير البحري.. أصبح الناس أكثر حذرا، ويحاولون الإبتعاد عن المناطق الأثرية، الأمر لا يتعلق بالمصريبن فحسب بل إن السياح أيضا أصبحوا حذرين في تواجدهم بأي مكان أثري.. وبما أننا نقع بمكان خطر تقل فرص وجود زبائن، خاصة أننا نعتمد علي الزبون المقتدر ماديا، وهذا الزبون يخاف علي نفسه أكثر من أي شخص آخر..والسياح الذين يتجولون أمام المحل أعرف أنهم لن يشتروا شيئا، فهم أقرب إلي الذاهبين للقناطر في رحلة..(أي أنهم علي قد حالهم).
|
|
|
|