|
|
| السنة - | 705 | ه - العدد | 1427 | ذو الحجة | من | 25 | - م | 2007 | يناير | من | 14 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
10:54:13 AM |
 |
الساعة - |
 |
1/13/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| الصفحة الرئيسية |
 |
|
|
بهاء طاهر في حوار شامل:
الأدب المصري زوبعة في فنجان
حاوره: حسن عبدالموجود
ينتمي بهاء طاهر إلي نوعية المثقف الذي يؤمن بالدور الاجتماعي للكتابة، للكاتب ،ولهذا فهو دائما في طليعة من يبدون الرأي في الأحداث التي تقع علي مختلف الأصعدة.
ولكن يبدو أنني التقيته في لحظة غير مناسبة لأنه يري الواقع الأن من منظور اكتئابي: 'لا أملك الحل ولكنني متأكد من أن الأمور تسير إلي الأسوأ'.. ذهبت إليه لأحاوره حول أحدث أعماله "واحة الغروب لكنني وجدت نفسي أحاوره أيضا في الأحزاب والإخوان وأحوال مؤسسات الثقافة وتراجع التعليم وحوادث المجتمع وعودة اليسار ومنزله وأصدقائه وزوجته وابنتيه.. وهو في كل هذا كان حريصاكعادتهعلي إبداء الرأي دون مواربة ودون حسابات.
مؤخرا بدأ بهاء في الانصراف عن الواقع الثقافي،بدا زاهدا وربما يائسا من أحوال المثقفين ونميمة المقاهي فاختار المنزل والتواصل مع أصدقاء معدودين عبر الهاتف.. وقد اخترقنا عزلته تلك لنقترب من عالمه..
- 1 -
لماذا لجأت إلي أسلوب الرواة المتعددين في 'واحة الغروب'؟
الحقيقة حينما أقول أن الروايات هي التي تفرض نفسها لا أكون مبالغا بأي شكل من الأشكال.. مثلا لقد بدأت الرواية بالضمير الثالث، الراوي الذي يعرف كل شيء أي أنني لم أكتب علي لسان أحد ثم شعرت وأنا أعيد القراءة أن هذا ليس مقنعا جدا وأن الشخصيات لابد وأن تتحدث بنفسها.
بالنسبة لي كما أكرر دائما الكتابة هي إعادة الكتابة،أنا أعيد كتابة الرواية أكثر من مرة،إعادة الكتابة تمثل هاجسا حقيقيا بالنسبة لي،في أحد الأيام قلت لفاروق عبد القادر وكتب هذا في أحد مؤلفاته: إن مسودات رواية قالت ضحي تفوق في حجمها رواية تولستوي الحرب والسلام .
الرواية عملية بحث شاقة،من يجلس ليكتب رواية جاهزة في رأسه إما عبقري مثل شكسبير الذي لم يشطب سطرا كتبه في حياته،أو حرفي جدا، وطبعا الذين يشبهون شكسبير قليلون جدا.
لقد كتبت هذه الرواية أكثر من مرة،في المرة الثانية كتبت فصلا علي لسان محمود،وآخر علي لسان كاثرين، وغيرهما،وموضوع الرواية هو الذي فرض مسألة تعدد الشخصيات والرؤي فهذا لكن لم يكن بقرار مسبق.
ألم تخش حين اخترت الكتابة بأسلوب 'الرواة المتعددين' من تكرار التفاصيل وهل تري أنك تغلبت علي تلك المشكلة ؟
أعتقد أنني تغلبت عليها ولا أدري إذا كان هذا ميزة أو عيبا، ما حدث أنني حاولت أن أجعل كل شخصية تحكم علي الأخري، لم يحدث هذا في تلك الرواية فقط لكنه حدث أيضا في قالت ضحي ،حتي في القصة القصيرة أهتم بالكتابة الخالية من أية ثرثرة أو تزيد،بالنسبة لي حاولت أن أجعل كل شخصية تحكي تصورها للأخري لا أن تكرر تفاصيل المشهد الذي عايشه الاثنان مع بعضهما.
لو رأيت أن هناك مشهدا من الممكن حذفه أقوم بذلك فورا أثناء إعادة الكتابة،المشكلة عندي تكمن في الحذف لا الإضافة.
وأنت مقدم علي كتابة الرواية هل كنت تعرف أنك ستستخدم فيها جزءا تاريخيا.. وارتباطا بهذا هل كان هناك نوع من البحث والتخطيط للعمل قبل تضفير التاريخي في الفني؟
استغرق التحضير لهذه الرواية عدة سنوات،بصدق أعمل عليها منذ أربعة أعوام،زرت سيوه وعددا من الواحات الأخري ولو ذكرت لك كل الكتب التي قرأتها حتي أستطيع أن أرسم بورتريه الإسكندر الأكبر لملأت صفحة كاملة،اشتغلت شغل الحرفية الذي لا تشعر به ولكنك تحس روحه،التخطيط استغرق سنة كاملة وكتابة الرواية ثلاث سنوات متصلة.
بمناسبة الإسكندر الأكبر هل كان وجوده أشبه بمرآة لشخصيات العمل؟
بكل تأكيد،ويسعدني رأيك هذا..فالإسكندر هو مرآة لشخصيات أساسية..بالذات شخصية محمود،مرآة لتيمات موجودة في الرواية،تيمة الخيانة،تيمة الطغيان،تيمة الاحتلال،مرآة لموضوعات تشمل الرواية بأكملها.
هل كان في ذهنك الإسكندر الأكبر تحديدا أم كان هذا لأن له قصة كبيرة في سيوه؟
ترددت تماما في الكتابة عن هذه الشخصية.كنت أخشي أن أقطع السرد والحياة وتساءلت: هل سيساهم في تعميق أفكار الرواية أم أنه سيعوق القراءة والمتعة؟ عموما كتبت وبعد أن قرأ عدد من الأشخاص الذين أثق في رأيهم قالوا لي إن فصل الإسكندر من أجمل فصول الرواية،وآخرون قالوا:لا هو معطل أو ممل. هو بالنسبة لي كان ضرورة فنية وحتي لو كنت رأيت أنه فصل ضعيف كنت سأضيفه أيضا،لأن ما كان يهمني أن يكون مرآة للشخصيات وبلورة للموضوعات التي تتحدث عنها الرواية وهذا لا يعني أنني لم أحاول إضفاء جانب المتعة عليه.
شخصية الإسكندر مزيج من المتناقضات،يبني المدن الجديدة ويحرق مدنا أخري بناسها كأنه يمنح الحياة ويسلبها.يقرب جنديا أنقذه في الحرب منه..ويعود ليقتله بحربة في جنبه وفي كل مرة يفعل هذا يغلق علي نفسه الباب ليبكي بحرقة ويفكر في الانتحار.. هل حاولت تقديم جانب آخر من الإسكندر لا يعرفه الكثيرون؟
معظم من كتبوا عن الإسكندر كتبوا عن عبقريته وأمجاده العسكرية وقليل جدا من المؤرخين خاصة كورتيوس هم اللذين اهتموا أن يدققوا في جوانب حياته الإنسانية.. لقد تعبت كثيرا وأنا أبحث عن الإسكندر الشاب الصغير الذي مات وهو في سن 33 حتي عثرت علي كتاب كورتيوس : حياة الإسكندر ووجدت فيه جانبا مختلفا تماما ،علي الأقل لأنه ذكر المؤامرات التي حيكت حوله وردود فعله عليها.
هل يمكن اعتبار الرواية بغض النظر عن المشهد الأخير رواية عن الموت؟
أعترف أن معظم الشخصيات كانت مسكونة بهاجس الموت.
هل يخشي بهاء طاهر الموت؟
يرافقني منذ الطفولة،أفراد أسرتي ماتوا بطاعون الملاريا في الصعيد،وقتها كان عندي سبع سنوات،قسوة الموت ترافقني طوال عمري،فقد صادفت موت أقارب وأحباء في ظروف مأساوية رغم أن كل إنسان يعرف منذ مولده أن نهايته حتمية، لكنه يظل لغزا يطاردنا أبدا، وهو بالنسبة لي سؤال جوهري،ليس بمعني أني أخاف الموت أكثر من غيري، ولكني مشغول بالتفكير فيه وأظن أنه يظهر في كثير من رواياتي أو حتي في القصص القصيرة لاسيما الموت المفجع أو المفاجئ.
مثل انتحار آن ماري في بالأمس حلمت بك ؟
نعم..أو مثل موت سمية في نقطة النور موتها بمرض بسيط كان يمكن أن تعالج منه.كان موتها مأساويا ومفجعا،الموت سؤال غريزي مطروح علي كل إنسان وعلي الكاتب بشكل خاص وأظن أن هيمنجواي قال إن كل قصة تنتهي بالموت.
محمود كان شجاعا وشجاعته كان من الممكن أن تغير مصيره،صمت لمدة عشرين سنة وأراد أن يثبت لنفسه في المقام الأول أنه شخص جيد ولهذا كان مشهد انتحاره أمرا غريبا، ألم يكن من الممكن أن يذهب باتجاه آخر بخلاف الغروب؟
بمنطق الرواية مصير محمود كان حتميا.أحب فيولا حبا يائسا ورآها تموت أمام عينه وهذا الحب وحده كان كفيلا بدفعه إلي تلك النهاية لأنه حب مستحيل بكل المعايير،ثم إن حياته الوظيفية انتهت بوشايات وصفي،بالإضافة إلي أنه أحس بالذنب لموت مليكة ولإصابة إبراهيم ولهذا فإن أحداث الرواية هي التي قررت نهايته.
هل كنت تقصد استخدام لغة متقشفة خالية من البلاغة والكلاشيه؟
حاولت علي مدار حياتي أن أحقق أشياء كثيرة في اللغة، وأعتقد أنها تحققت في تلك الرواية..وهي أن يكون الكلام موجزا جدا ومكثفا ومعبرا في الوقت نفسه.يوجد إحساس لديٌ بأنني استطعت أن أصل لأقصي ما أستطيعه في اللغة بهذه الرواية، والقارئ الحصيف سيشعر أن هناك فرقا كبيرا بين لغة كاثرين ومحمود والشيخ يحيي وصابر،سيشعر أنه بالرغم من طابع التكثيف إلا أن هناك لغات مختلفة علي مدي الرواية،الذي يمكن أن يؤخذ علي واحة الغروب وهذا لا حيلة لي فيه وأشار إليه صديقي بلال فضل ،أن الرواية لا يوجد بها حس السخرية الذي كان قادرا علي التخفيف من جهامة الواقع،كنت واعيا بهذ أثناء الكتابة لكن لم أشعر أنني أستطيع إضفاء أي نوع من خفة الدم علي الواقع المأساوي،كان سيصبح شيئا مفتعلا جدا لأن الروايات تكتب نفسها،من الصعب أن يقارن بلال فضل بين هذه الرواية و نقطة النور التي يوجد بها مناطق كثيرة للبهجة بعكس الحالية، نقطة النور من الممكن أن تساعد علي خلق هذه الحالة ففيها شخصية الباشكاتب المحب للدنيا،لكن في رواية مأساوية وعصر مأساوي وواقع أكثر مأساوية صعب جدا أن تتواجد السخرية.
هل كنت تقصد إضفاء طابع التشويق البوليسي علي الرواية؟
هناك أمر أعتز به منذ بدأت الكتابة ، كثيرون يقولون لي حينما نبدأ قراءتك لا نستطيع التوقف إلا مع آخر سطر.لم أكتب أعمالا كثيرة جدا لكن أظن أن معظم أعمالي فيها عنصر التشويق وفي رأيي أن الرواية إذا لم تكن ممتعة للقارئ فالأفضل عدم كتابتها.إذا لم يشعر القارئ أنه يريد مواصلة القراءة لأنه يتوقع جيدا ما سيأتي فالأفضل أيضا عدم كتابتها.
اختيارك لسيوه هل كان بهدف إلقاء الضوء علي المناطق المنسية في مصر؟
قرأت كتب الدكتور أحمد فخري وتخيلت أن مأمورا في الواحة فوق الخامسة والأربعين لا بد وأن يكون قد عاصر الثورة العرابية في عز شبابه وانعكست عليه هزيمة العرابيين. تلك الفترة تستهويني جدا،وهناك شخصية أتمني لو أكتب عنها هي شخصية محمد عبيد..كان فلاحا مصريا ووسيما، أراني حفيده صورة قديمة جدا له،كان بطلا من أبطال مصر اللذين لابد أن نفخر بهم جدا.
بعض الشخصيات الرواية كانت مضببة مثل شخصية طلعت والبنت التي كان يحبها محمود في شبابه ولا أعرف إذا كان هذا مقصودا أم أن الرواية لم تهتم برصد تفاصيل مثل هذه الشخصيات؟
طلعت تحديدا يمثل الثورة العرابية،كان متحمسا جدا لها ومع هزيمة الثورة هو نفسه انهزم،وكان من الواضح أنه يحسد محمود الذي كان يمتلك جارية وحينما أمسك الانجليز البلد وعاد الشراكسة لعهدهم السابق كانت فرصة لأن يلتحق بالركب.
- 2 -
كنت أحد المشاركين بقوة في الحركات الشعبية ولو حتي بالكتابة..الآن كيف تري المستقبل؟مستقبل الجماعات الشعبية والحركات الوطنية؟
كنت أتمني ألا تسألني هذا السؤال في تلك اللحظة لأن معنوياتي ليست بخير ورؤيتي للأمور ليست جيدة في الوقت الراهن وأظن أنني عبرت عن إحساسي بالرسالة التي كتبتها لرئيس تحرير العربي عبدالله السناوي،جربنا التظاهر السلمي،جربنا الكتابة الملتزمة،جربنا الانتخابات،جربنا حكاية أدباء من أجل التغيير لكن للأسف أري الآن أن الواقع متكلس سواء علي صعيد الحياة الرسمية أو الحياة الشعبية والبحث عن مخرج أصبح شغلانة ،أنا أبحث عن مخرج يؤدي لنوع من التغيير في نطاق التجمعات التي تتحدث عنها،يؤدي إلي نوع من تصور المخرج،حتي هذا ليس موجودا،علي العكس..هذه التجمعات مليئة بتبادل الاتهامات والانقسامات لذلك أنا متشائم في تلك اللحظة.
هناك عودة قوية لليسار في أمريكا بعدما اعترفت الكنيسة بأهمية فصل الدين عن الدولة كما أن حركات اليسار ترتبط بالطبقات الدنيا مثل العمال والفلاحين ولكن المسألة كانت مقصورة لدينا دائما في الأغلب علي طبقة المثقفين وخريجي الجامعات وأشخاص قليلين ينتمون للطبقات التي نتحدث عنها.. كيف تري أحوال اليسار الآن؟
كتبت ذات مرة مقالا قلت فيه إحنا رايحين الحج والناس راجعين ،بمعني أننا نجرب الآن سياسة السوق الحرة مع أن الذي ضرب أمريكا اللاتينية هي هذه السياسة.. سياسة الحفاظ علي التوازن المالي مع إغفال البعد الاجتماعي للسياسة الاقتصادية هذا بالفعل هو الذي أضر بأمريكا اللاتينية،خصخصة كل شيء وتراجع الدولة عن القيام بدورها الاجتماعي وإطلاق يد المستثمرين،مستثمري القطاع الخاص لتحقيق أقصي أرباح في اقصر وقت ممكن،الناس هناك يقولون الآن ليس مهما أن تكون الميزانية متوازنة المهم أن نأكل لقمة عيش،لماذا نجرب ما سبق فشله؟ لا أعرف،لماذا نجرب شيئا جربه سوانا واكتشف أن له نتائج كارثيه؟ لا أعرف!
وكيف تري الحقبة الحالية في تاريخ المجتمع؟
الناس كانوا يقولون لي كيف تؤيد عبد الناصر الآن وهو ديكتاتور؟ أقول لهم إنه في عهد عبد الناصر كان كل من يتخرج يعمل ومرتبه يكفي لأن يسكن ويأكل ويتزوج،أنا عشت أكثر من عصر ولم أر أن هذا تحقق إلا في عهد الناصرية،كان لدي الدولة إحساس ناحية الطبقة المحرومة والفقراء ولم تطلق عليهم أبدا مصطلح محدودي الدخل لأنه نوع من اهانة الناس، لم أكن ناصريا أيام عبد الناصر ولم ألتحق بالاتحاد الاشتراكي،لكن بعد رحيل ناصر قارنت ما حدث بعده وما كان قبله فأصبحت ناصريا،لا يعني هذا أني أوافق علي أخطاء الناصرية وأنا لست عضوا في الحزب الناصري ولكن أتمني لو كان هناك تيار ناصري في المستقبل يعرف كيف يتلافي أخطاء الفترة الحالية حتي يصبح مشروعا مبنيا علي أسس قوية جدا.
بما أنك تكلمت عن الحزب الناصري.. دعنا نعرف رأيك في بقية الأحزاب؟
حزب الوفد مأساة وأنا طالب في المدرسة السعيدية الثانوية كنت شايف الشعب المصري كله وفدي. لم نكن أعضاء في هذا الحزب ولكن كل عواطفنا كانت وفدية النحاس باشا كان شخصية أبوية ودودة ولهذا كنا نقدره ونحبه ولا تتصور فرحتنا حينما جاء الوفد للحكم عام 50 كان عندي تقريبا 15 سنة..
كنت واعي باللي بيحصل؟
أظن كتبت في مقدمة خالتي صفية والدير أن الفصل كان في المدرسة الثانوية السعيدية عبارة عن برلمان. كان جزء كبير من الفصل ينتمي إلي الوفد،وجزء صغير'يضحك' يمثل أحزاب الأقلية اللي هما السعيديين..أولاد الأغنيا، وجزء إخوان مسلمين،وثلاثة أو أربعة شيوعيين،كان الفصل في الحقيقة عبارة عن برلمان تحدث فيه مناقشات رهيبة،كان الطلاب يأتون إليه وهم يحملون الجرائد التي تعبر عنهم،منهم من يأتي وهو يحمل جريدة "الكتلة أو الملايين بتاعة الشيوعيين،أو "المصري بتاعة الإخوان.حينما أري أولادي الآن أو زملاءهم بدون وعي سياسي من أي نوع يصيبني الإحباط وأشعر بالحزن.
يصمت لحظة ويعود للنقطة الأولي نفسها:حينما كانت توجه دعوة للإضراب،كان كل شخص منا يقف ليلقي بكلمة الحزب الذي يمثله ثم نخرج جميعا في كتلة واحدة يعني لم يكن تعدد الأحزاب يؤدي كما يحدث حاليا إلي تناحر وانقسامات وأشياء أخري.
ولماذا في رأيك لم تكن هناك انقسامات؟
ربما لأنه كانت توجد حرية،الحرية هواء صحي لا يؤدي إلي أمراض،يطرد جميع الأمراض التي يجلبها الاستبداد..كانت هناك حرية تعبير وليس حرية أن تكتب لأن الحرية الأخيرة مالهاش أي لازمة إذا لم تكن حرية الكلمة مقترنة بحرية الفعل..
وأنا أندهش الأن حينما أقرأ عن منع طلاب الجامعة من ممارسة النشاط السياسي،طبعا هم يقصدون منع طلبة الإخوان المسلمين من هذا،مع العلم أنهم هم الذين سمحوا للإخوان بالعمل وحرموا جميع التيارات الأخري ،وهذا نوع من اللعب السياسي الرخيص جدا،وأنا شبهت الحكومة والإخوان في أكثر من مناسبة بأنهم وجهان لعملة واحدة..
بشكل عام.. هل فقدت الأحزاب الكلاسيكية دورها؟
كتنظيمات نعم.. لكن كتيارات هي موجودة في المجتمع،يعني التيار الناصري موجود في المجتمع ،الوفدي الليبرالي يعني موجود.. وكذلك اليساري.. لكن كلها تيارات تحتاج إلي أشكال تنظيمية للتعبير عنها لأن الأشكال الحالية لاتعبر عنها.
وما رأيك في الصراع الدائر بين الدولة والإخوان وإلي أين سيؤدي ال...
أنا لا أريد أن أتحدث في هذه الموضوعات تماما لأنني أخشي أن يؤدي كلامي لاعفاء الحكومة من المساءلة،رأيي شخصيا أن السلطة هي التي مهدت لأن تكون البلد كلها مقسومة بينها وبين الإخوان لكي يكون الإخوان فزاعة للشعب والغرب،بمعني أنهم يريدون أن يضعوا الجميع أمام الأمر الواقع:نحن أو هم، وأنا لست مستعدا أن ألعب لعبة السلطة وأتحدث عن الإخوان،ثم أن الحلول الأمنية التي يفعلونها لا تؤدي إلا لزيادة سلطة الإخوان.تضييق الخناق علي هذا وحبس ذاك يحول الإخوان إلي أبطال ويظهرهم في صورة من يضحون لأجل مبدأ،فالسياسة الأمنية أيضا جزء من خدمة الإخوان.
وما رؤيتك للصدام المفتعل الذي وقع بين فاروق حسني والإخوان؟
أنا مش مصدق هذه القصة من أولها لآخرها..
وتم التراجع وأعلن فاروق حسني إرضاء للإخوان عن إنشاء لجنة دينية في المجلس الأعلي للثقافة؟
ولكنهم عادوا أيضا في كلامهم،أنا لست مستعدا للدخول علي الإطلاق أن أوقع نفسي في فخ الحديث عن علاقة الإخوان بالسلطة إيجابا أو سلبا لأنني اعتقد أنهما وجهان لعملة واحدة.
هل تأثرت العلاقة بين المسلمين والأقباط بالحوادث الوافدة من الغرب كما حدث في واقعتي الصحيفة الدانمركية وتصريح بابا الفاتيكان؟
العلاقة أكثر متانة وتجذرا من أن تؤثر فيها هذه الأحداث،كل ما ذكرته أمور سطحية،هناك أشخاص يهاجمون الآخر بكتابات عنصرية وهم ينتمون إلي الجانبين،لكن التعايش المشترك في هذا الوطن بين المسلمين والمسيحيين تعايش جذوره عميقة جدا ولا يمكن أن تؤثر فيه هذه الأحداث وليس معني ذلك اغماض العين وعدم رؤية ما يحدث حولنا وسأذكر هنا بكل اعتزاز أن أستاذي الكبير محمد عودة كان يري ضرورة تكوين جبهة من المثقفين من المسلمين والمسيحيين لكي تتصدي للظواهر السلبية التي نتحدث عنها وياليت أن تكون هذه اللجنة من ضمن أنشطة المنتدي الذي سنقيمه باسم عودة.
فقدت الإيمان بأهمية العمل الثقافي؟هل هذا ما يمنعك من العودة إلي اتحاد الكتاب؟
عاصرت كل الأجيال في اتحاد الكتاب بدءا من أول لبنة، وشهدت معظم الصراعات الموجودة حتي الآن.. وكلها ناتجة عن هيمنة وزارة الثقافة علي هذه المؤسسة،مع الأسف الشديد كلما تقدمنا خطوة نعود للخلف خطوات والثمن الذي تشتري به الوزارة.. الاتحاد رخيص جدا وهو دفع أموال المعاشات،تعطي كمنحة أو منة لا كحق..إلغاء هيمنة الوزارة علي الاتحاد كان مطلبا أساسيا لنا ونحن نؤسسه،هذه المسائل مر عليها أربعون عاما وما تزال تلك الهيمنة تفسد كل جهد لكي يقوم الاتحاد بنشاط مستقل وبما أن ذلك لم يتغير أنا لن أكون شريكا في خداع الناس بإيهامهم أن هناك اتحادا يسعي لجمع شمل الناس والتعبير المستقل عن الحركة الثقافية لأنه ليس كذلك..
وما رأيك في ورقة الوزير هاني هلال بشأن تطوير التعليم الجامعي؟
لم أدرس الموضوع تماما،لكنني أري أنه يسير في اطار الخصخصة المقنعة لنظام التعليم الجامعي،الأهداف المعلنة جميلة جدا وهي ضرورة النهوض بمستوي هذا التعليم لأنه أصبح منهارا بالكامل هو والثانوي والابتدائي.
ثم إنك لن تقوم بتأسيس نظام تعليمي نموذجي إلا إذا بدأت من أول السلم،لن تمسك القالب فجأة من نهايته وتبلوره،لابد أن يكون الإصلاح متكاملا..الهدف كما قلت صحيح وجميل،ولكن كل الناس متخوفة أن يكون الطريق لتحقيق هذا الهدف هو زيادة الأعباء وتآكل حق التعليم المجاني للفقراء،سنعود إلي زمن ما قبل الثورة حينما كان علي من يرغب في التعليم أن يقدم شهادة تثبت أنه فقير.
التعليم سيصير حسب الوزير أشبه بمنحة أو منة وليس حقا وأنا أري أن هذا متسق مع سياسة الدولة في القطاعات الأخري،وهي السياسة التي أصابت الناس ب "الكوليرا .
ثم أن سياسة أي تعليم لا بد وأن تكون نابعة من فلسفة وفي رأيي لا يوجد مسؤول بالتعليم لديه رؤية متكاملة مثل تلك التي قدمها طه حسين،كلها عمليات ترقيع نعمل الثانوية سنتين ولا تلاتة؟ التعليم حق للقادرين، أم نعمل للأغنياء جامعات خاصة ممتازة والفقراء جامعات غلابة؟ ثم ما حدود التعليم الأجنبي بجوار الوطني؟ أنا شايف إن فيه ناس مبسوطة من وجود جامعات ألماني وإنجليزي وأمريكاني وفرنساوي..هذه كارثة أن نعمم هذا النوع من التعليم علي حساب الوطني وأن نجعله مقتصرا علي القادرين فهذا معناه خلق طبقة فوق الطبقات.هل يعلم أحد أن بعض المدارس الأجنبية في المراحل الأولي تعلم الهولوكوست للتلاميذ؟ وكيف كان اليهود ضحايا النازية؟تعلمهم المبرر الشائع جدا لوجود إسرائيل. هناك كوارث تحدث بسبب تخلي الدولة عن أدوارها في جميع القطاعات.
أري أنه لا وجود للتنسيق يجعل الجامعات الأجنبية قادرة علي تخريج مواطنين مصريين ولهذا فهي تخرج مواطنين ألمان أو فرنسيين أو أمريكان. هذه الجامعات موجودة كما لو كانت علي أرض فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا.. أي مستقبل نحن ذاهبون إليه؟
وهل المثقفون غائبون؟
مغيبون.
ألا يوجد ما يمكن أن يفعلوه؟
ما الذي يمكن أن يقوموا به بخلاف الكلام؟ ما السلطة المخولة للمثقف التي تجعله قادرا علي أن يكون مؤثرا في المجتمع.
حتي علي مستوي الكلام بعض المثقفين لا يعلن رأيه؟
لو عرف أنه لن يكون هناك ضرر فسيقول ومن مثلي سيصمت في النهاية فما الجدوي أن تتكلم وتتكلم وتتكلم وكل شيء يمضي في طريقه المرسوم دون أن يكون للكلمة أية أهمية أو دور؟
هل تؤدي مراكز البحث وحقوق الإنسان الأدوار المطلوبة منها؟
دعني أسألك: هل رأيت أي تغيير حدث في أي من المآسي التي تنتقد منظمات حقوق الإنسان مرتكبيها؟حتي المنطمة الحكومية تتحدث عن التعذيب ولا شيء يتغير علي الإطلاق..
هل تحتاج إلي تغيير طريقة عملها لتكون مؤثرة؟
في كل بلاد الدنيا منظمات حقوق الإنسان تقوم باصدار بيانات تفضح فيها ما يحدث، عندنا هايعملوا إيه؟ هايمشوا شايلين بوسترات؟ ولكن في الخارج ما ينشر لاسيما لو كان مقترنا بوقائع محددة يتسبب في حدوث تحقيقات ومساءلة،هنا لدينا إدارة اسمها إدارة النفي موجودة في كل الوزارات، نفي أي عيب حصل..
وما رأيك في جوائز الثقافة المستحدثة مثل جائزة ساويرس..هل دخول رجال الأعمال لحقل الثقافة مفيد؟
والله كتر خيرهم.. هذا موجود في كل الدنيا أن تقوم مؤسسات خاصة بإنشاء جوائز للثقافة،المهم ألا تستخدم هذه الجوائز لترويج فكر خاص أو لقمع آخر..
وما رأيك في الأسماء الحاصلة علي الجوائز هذا العام؟
ماليش رأي.
- 3 -
أريد أن أتحدث عن عزلتك..أنت تشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية بإبداء الرأي كتابة،ولكن الملاحظ أنك منعزل واخد جنب ولا أحد يراك تقريبا في الفترة الأخيرة؟
الكاتب يحتاج إلي مثل هذه العزلة ثم إن السن له أحكام..
(يصمت)أظن أن التجمعات الثقافية أصبح فيها جميع أمراض المجتمع..أذكر أنه في أيام الشباب حينما كنت أجلس في مقهي مع سليمان فياض وغالب هلسا وأبوالمعاطي أبوالنجا والبساطي وأمل دنقل والطاهر عبدالله كانت هناك مشاحنات ولكن لم تكن روح الغل موجودة ولا النميمة السامة موجودة، الآن أنت تخرج من أي تجمع ثقافي وأنت تتمني ألا تلاحقك السهام،الغريب أنهم يقولون ما لم تقل، بالأمس فوجئت بفاروق عبد الوهاب وأنا بالمناسبة مبسوط جدا من ترجمته لرواية الحب في المنفي يقول لي إن أحد أصدقائك أخبرني بأنك مستاء من الترجمة.. قلت له: لا أريد أن أعرف اسم هذا الصديق ولا تفاصيل ما قاله.. أنا مبسوط من الترجمة ولا أقول رأيين في الشيء نفسه، عمري.
هل فقدت رغبتك في الإصلاح؟
خلاص.. لو استطعنا إصلاح أشياء صغيرة يكون كفاية،وأنا أعول علي منتدي محمد عودة وأشكر من اختاروني لرئاسته،كلهم أصدقاء لعودة ومحبون له وليس لهم أي هدف،لا يريدون شهرة أو أضواء ولكن يريدون الحفاظ علي تراث عودة،هدف محدود جدا.. وهذا يدل علي أنه ما يزال هناك أشخاص نفوسهم بريئة ولكن العثور عليهم صعب جدا..
ماذا عن جلستك يوم الجمعة في الأتيليه..لماذا لا تواظب عليها؟
في معظم الأحيان أذهب إلي هناك إلا في حالات السفر أو المرض لمقابلة الأصدقاء.. معظم مواعيدي آخذها هناك..أصبحت مرتبطا بأصدقائي عن طريق التليفون،أعز أصدقائي هو الدكتور نصار عبدالله من سوهاج،لا يأتي إلي القاهرة إلا علي فترات متباعدة حتي البساطي وتوفيق عبدالرحمن لا يربطني بهما إلا التليفون لأنك لكي تنتقل من حي إلي آخر في القاهرة فأنت تحتاج إلي فيزا ،المواصلات أصبحت لعنة ولكنها محتملة يوم الجمعة ولهذا اخترته لمقابلات الأتيليه.
ولكن هناك صديق لي جار لي منذ أكثر من أربعين سنة هو جلال لطفي،رجل ليس له علاقة بالحياة الثقافية ويزورني في المنزل بالإضافة إلي بعض الشباب للأسف معظمهم هاجر،هناك كذلك صديقي عبدالله السناوي الذي ألتقي به في مقهي بالزمالك..لم يعد هناك تبادل للزيارات كما كان قديما.
ما اللغة الأقرب لمنزلك؟ هل العربي أم الفرنسي؟
مزيج من العربي والفرنسي،لكن زوجتي تحب أن تتحدث العربية..
وما العلاقة مع البنتين..هل هما حريصتان علي قراءتك؟
جدا،لا استطيع نشر أي شيء بدون أن أعرضه عليهما. وهما دائما ما تبديان ملاحظات هايلة يسر الصغيرة لغاية سن 16 سنة لم تقرأ لي حرفا،وفوجئت وهي في سنة أولي اقتصاد وعلوم سياسية بأن أحد أعمالي مقرر عليها،سألتني ماذا تريد أن تقول من هذه القصة؟ فشرحت لها..وبالمناسبة لم تقل لأستاذها أنني بنت فلان وكانت النتيجة أنها حصلت علي أسوأ "نمرة بسبب كلامي!! والذين حصلوا علي الدرجات النهائية هم من كرروا كلام الأستاذ،فقالت لي: عمري ما هاسألك تاني،ولكن دينا كانت تقرأ أدبا منذ كانت صغيرة أما يسر فكانت دائما تسخر من المثقفين،حينما تراني خارجا تقول لي: انت رايح حفل تأبين لواحد من زمايلك؟ لكنها فجأة بدأت تهتم بالقراءة، قرأت لآخرين خلافي، ثم قرأتني. أعجبتها جدا الرواية الأخيرة واحة الغروب وقبلها شرق النخيل ثم إنها دائما ما تأتيني بعمل وتسألني: هل هذا الكاتب جيد؟ ولكني أقول لها: هذا العمل لم أقرأه ،خوفا من الموقف السابق.
ما القيمة التي كنت حريصا علي غرسها فيهما؟
الأن تأثير الأباء والأسرة علي الأبناء أقل جدا من المجتمع،أعتقد أنني رغم حبي لهما إلا أن تأثير زملائهما أكبر بكثير،حكاية السلطة الأبوية أو الأمومية لم تعد موجودة في هذا الجيل،القيم أصبحت في صالح المجتمع لا صالح الأسرة.
وكيف تري جيلك؟جيل الستينات؟
أري أنهم جيل شجاع جدا لأنهم يواصلون العمل والتجريب رغم أن الأدب في مصر كله عبارة عن زوبعة في فنجان،ليست له أية أهمية،أعظم كاتب يوزع ثلاث أو أربعة آلاف نسخة، زمان كان التوزيع محدودا أيضا ولكن التأثير كان كبيرا،التوزيع له عناصر مكملة،الإعلام،التعليم،هذه العناصر أصبحت مضادة للثقافة،نفسي أفهم: ما دور وزارة الثقافة في خدمة الثقافة؟بصراحة لا أعرف..غير أنها تقيم المهرجانات والاحتفالات،ما دورها في تشجيع الإبداع المكتوب؟في تنمية الإبداع المسرحي لا في حرق المبدعين كما حدث في بني سويف؟في تشجيع الإبداع الموسيقي؟للأسف هذا لا يحدث..أليس من المؤلم أنه في ظل وزارة منوط بها رعاية المثقفين في البلد أن نقرأ كل يوم عن كاتب يموت وهو يتسول العلاج من وزارة الثقافة،ألم يكن من الأجدي توفير أموال المهرجانات لرعاية المبدعين أولا ونشر إبداعهم ورعايتهم صحيا؟
تحدثت عن ضعف توزيع الأدب فما الذي يعنيه الجمهور بالنسبة لك؟
مع احترامي الشديد لأراء النقاد والصحافة الترمومتر الحقيقي هو الجمهور، حينما يقول لي بائع الجرائد القريب مني أن رواية كذا نفدت أعرف أن الأمور جيدة،وأنني نجحت في الامتحان الأول،كل عمل إبداعي له امتحانان،امتحان الجمهور،وامتحان الزمن.
ممكن الجمهور يقبل علي عمل ويموت؟
نعم.. هذا واقعي جدا.
وما طموحك في الانتشار؟
طموح إيه يا أستاذ حسن؟ أنا عندي 70 سنة..
يعني هل تنتظر جائزة مثل نوبل؟
لا أفكر فيها ولا أعتقد أنها ستعبر علي منطقتنا قبل قرن.. نوبل جائزة مسيسة جدا..
"يصمت طموحي في الانتشار أن تعود الأمور كما كانت،كتاب يصدر في بيروت تجده في الأسبوع نفسه بالقاهرة،لا أريد للأدب أن يصل للعالمية،إنما للقراء الطبيعيين العرب أذكر أن شخصا قال لي إن القيود علي الكتاب العربي أكثر من القيود علي الأمور غير المشروعة،أليس من العار أن ننتظر بلهفة معرض الكتاب حتي نعرف ما الذي صدر في الدول العربية؟!
حينما صدرت 'السد'كتب عنها طه حسين في "الكاتب المصري ذلك لأنه قبل الوحدة السياسية كانت هناك وحدة ثقافية وهي التي تستطيع أن تمهد لأي وحدة، ليست وحدة إزالة حدود.. ولكن شيء أقرب إلي الوحدة الأوروبية القائمة علي الثقافة.
الآن لدينا تشرذم ثقافي،كل قطر عربي عايش علي مبدعيه و خلاص كانت مجلة الآداب البيروتية مقروءة في كل البلدان العربية،كان صلاح عبد الصبور،عبدالوهاب البياتي وشعراء من مختلف الأقطار يرسلون إليها.. كانت بوتقة.. هذا طموح.
|
|
|
|