|
|
| السنة - | 705 | ه - العدد | 1427 | ذو الحجة | من | 25 | - م | 2007 | يناير | من | 14 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:01:32 PM |
 |
الساعة - |
 |
1/13/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ضواحي الفضفضة |
 |
|
|
مات الشاعر الذي يحبه الجميع ولا يكره أحدا
أحمد وائل
رحل من كان يلتقط الدهشة من اليومي، من كان يبكي عندما تمرق فتاة أو صديقة بين طاولات المقهي، من كان يبحث عن فتاة أرستقراطية ترتدي بنطالا ضيقا وحذاءا رياضيا تتعلق فجأة في ذراعه، بخفة يشوبها الألم رحل أسامة الدناصوري.
كما لو كان يحيك لحظة رحيله ، كان الدناصوري يعمل علي كتابه الأخير كلبي الحبيب كلبي الهرم بدأب وإصرار وكأنه يشعر بالمصير، كنا نشاهده باستمرار يعمل عليه بالنادي اليوناني، وبعدما انتهي منه ونشرته أخبار الأدب أضاف إليه جزءا حول ممرضته التي قرأت اسمها في الجريدة..وجد في ذلك تفصيلة تقترب من خيط الكتاب.
ورغم محاولات اسامة للتمهيد لهذا الحدث وطرحه بإلحاح لفكرة الموت من خلال كتابه إلا أن خبر رحيله (عن 46 عاما) كان صدمة بالنسبة لنا جميعا، خاصة لمن قرأوا كتابه الخامس والأخير الذي يشكل المرض عموده الفقري من دون أن يشعرك بالألم، فسخرية اسامة تجعل من المرض سمة من سماته، صديق يرتبط به وهو يتعامل مع هذا الارتباط بأريحية.
لم يصدق أحد موته فوجوده في المستشفي كان أمرا طبيعيا له ولنا اصدقاؤه كانوا يقولون: سيخرج قريبا..فنحن اعتدناه زائرا للمستشفيات ووحدات الغسيل الكلوي ..ولكن هذه المرة كانت زيارته الأخيرة لها.
كان للدناصوري حسابات غير تلك المعتادة، وذلك ما أضفي عليه فرادة، نشر ديوانا ضمن مطبوعات الجراد إلا أنه لم يعتبر نفسه ولو مرة واحدة ضمن أي جماعة.
ولأنه كان مبدعا متسقا مع مشروعه لم يسمح لنفسه بهفوات صغيرة، فمثلما حذف ديوانا لا يراه متسقا مع تجربته الشعرية لم يغامر بنصوصه لتقع ضمن إصدارات المؤسسة..ربما ليحافظ علي سمة الابتعاد، فضل الحفاظ علي مساحة بينه وبينها منعا لأي شبهات، فكانت نتيجة هذه المساحة الخاصة به تماما أنه قدم دواوينه في طبعات محدودة قللت من فرص القراءة لكنها حمت قصائده من التواجد ضمن سلاسل لا يرضي عن سياستها، ولا عما تتضمنه من نصوص..
أنا تحت الشجرة/ أقرأ، وأفكر في الحياة والموت/ أنا فيلسوف الشلة:/ المجقعد الذي يحب الجميع/ ولا يكرهه أحد..
من ديوان مثل ذئب أعمي
تعامل اسامة الدناصوري مع تجربته الشعرية علي اعتبار أنها وحدة متكاملة، فبقدر ما كان يختلف من ديوان لآخر إلا أنه كذلك كان يؤكد علي ارتباط الجديد بما سبق لهذا نجده ينقل بعض القصائد من ديوان لآخر،زارعا إياها وسط حالة مختلفة مما يمنحها سياق جديد ومغاير ويؤكد علي وحدة تجربته بشكل عام.. أفراح البيرة المهداة إلي علاء خالد، ظهرت لأول مرة ب حراشف الجهم ، ثم تكررت في مثل ذئب أعمي ، قصيدة تحت الشجرة ظهرت في مثل ذئب أعمي ، ليأتي ظهورها الثاني في عين سارحة وعين مندهشة ، كل تجربة منفصلة، ولكن هناك قصائد تشكل الجسر من مرحلة إلي أخري.
|
|
|
مرفوعة إلي مدينة في القلب
كريمة الابراهيمي
بخفة طائر خرافي ولجت الطائرة القادمة اليك من مدن ضيعت كل تعاويذها فغزاها البرد والدم القاني ليميت ياسمينها.
جئتك وقد سلبتني المدن المحترقة اياه.. ترك لي أشياءه ورحل.. مازال يأتيني كل ليلة.. أشعر بيده توقظني، وحين أفتح عيني أري جسده المفتت المكسو برداء يتقاطر دما فأصرخ رعبا.. واذا أنا كنت أحلم!
من الجارح أن تتحول المدن التي نهبها عشقنا الي بقايا مجازر! وأن تتحرك وجوه الاحبة الي كوابيس!
ووجهك صار يطاردني.. أراك حتي في خطوط يدي مبتسما وصوتك الذي يشبه آلة عود حزين يتسرب الي دواخلي فأنام.. وجهك يتراءي لي في واجهات المحلات المتلألئة الالوان وفي عيون المارة فأركض اليك لكني اتعثر فجأة فأجدني مشدوهة الي العيون ولا أراك.. وحين يأتي الليل يتحول الحلم الي كابوس!
ها أنا ادخلك أيتها المدينة الطافحة بالعشق
ها أنا اقرب اليك دفاتر حزنه وعشقه
ها ليلك الارجواني يحضنني دون يداه
اقف من علي كوبري قصر النيل فلا يحتضني الا المكان بضوضاء عشاقه ومريديه.
وها هو النيل يتلألأ في عيني باتساعه وصمته
هل تعلمين؟ رحيله أحرق كل صباحاتي وحولني الي كائن عزلة ترفضه المدن.. والأحلام!
منذ رحيله أدركت أن كل الاشياء قابلة للموت فقررت أن ادفن بقايا شتاتي في بقايا ديوانه الوحيد!
كان حلمه أن يضمنا النيل معا
قال لي يوما وهو ينهي آخر قصيدة له 'أحبك.. والقاهرة تشهد'!
أحلم دوما أن نغرق في النيل معا.. ونتحول الي كائنات بحرية لا تعرف أبدا معاني الرصاص والقنابل والحواجز المزيفة!
يومها قلت له سيسعد النيل بنا قرابين لنعيد له قداسته الاسطورية ايها الكائن البحري!
كان يبتسم مثلك أيتها القاهرة
أيتها المدينة المفتوحة علي كل احتمالات الجنون والألم!
أيتها المتألقة كصباح لازوردي
أدخلك بكثير من التشظي.. وقليل من الفرح
من آتيليه الادباء والفنانين.. الي مقهي زهرة البستان اقطع شوارع الشوق ووجهه يلوح لي..
اتحرك في حروف قصائده وأنا اتأبط ديوانه الوحيد 'أحلام قابلة للموت' وكأني اتأبط عالما من ورد مذبوح!
ألف به شوارع القاهرة الخاصة بالوجوه والأشياء
ادخل دار نشر عربيات فتستقبلني الابتسامة المنمة عن سرور كبير..
قادمة من الجزائر أقول..
بلد جميل والله! يرد مدير الدار..
ابتسم وأضم الديوان الي صدري وأنا اجلس أمام فنجان القهوة البارد..
جئت أنشر كتابا!
تتسع نظرات الرجل أكثر لتغوص في تضاريس جسدي الذي بدا لي حينها منهكا من الركض والخوف وشظايا الزجاج المكسور في حلقي..
ويقول : لنا شرف النشر لأديبة جميلة مثلك..
أرد علي كلماته المغلفة بابتسامة ملونة : إنه ديوان الزوجي.. وأضغط علي الكتاب بيدي المتجلدتين في مكتبه الفاخر ذي الالوان الخضراء المشعة بريقا ينعكس علي صورته المعلقة علي الجدار.. يأخذ الديوان.. يمر علي صفحاته بلا اهتمام وهو ليجد نظارته عن عينيه ويضعه أمامه.. أشعر من حركة يده في وضع الكتاب انه سيعتذر عن نشره.. ينظر الي ويقول: آسف.. الناس ليسوا بحاجة الي أوجاع أخري.. نحتاج لنشر كتب مليئة بالحب والالوان.. أنت تعرفين أن .. تغزوني سحابة سوداء تحجب عني صوته الذي تحول الي صفارات انذار وضجيج مقزز.
أسحب الديوان من أمامه بشدة وقد غابت كل البروتوكولات التي تعلمتها.. أحسست أن شررا يتطاير من عيني ليحرق هذا الرجل وكل ما حوله وخرجت مسرعة.. استقبلني شارع طلعت حرب بضجيجه الحاد واتجاهاته المتعددة.. لم اشعر بقدمي إلا في آخر شارع قصر النيل قطعت مفترق الطرق الي كوبري النيل كنت غاضبة جد الالم.
وكان النيل صاخبا كعادته.. وها هو وجهك الليلكي يرتسم لي علي سطحه فأشعر برغبة في أن تضمني في هذا الليل القاهري البارد.
أرغب في أن يغوص بنا مركز في هذا النهر الخالد وليحترق العالم بعدها.. أعود الي غرفتي بفندق تيوليب تسبقني يداك الي سرير الوجع فأتوسد صدرك وأنام.. أستفيق علي صرختي واشلاء جسدك.. واذا الكابوس نفسه يلاحقني.
منذ خلفتني وأنا اركض في أقاليم الوجع وحيدة.
هل هو قدري ألا أكون معك في المسرح تلك الليلة؟ هل هو قدري أن تنحاز تلك القنبلة اليك وتتركني هنا اتفقد الشوارع الحزينة وابكي غيابك المدمر؟
كان العرض الاول لمسرحيتك وانهم يقتلون الحب!
قتلك الحب يا خالد أم قتلتك أحلامنا المؤودة في الزمن المر؟
وها هو مدير 'عربيات' يصر علي نشر كتب في الحب وهو لا يدري أن أوطاننا المشروخة قد قتلت الحب مع سبق الاصرار!
من دار 'عربيات' الي دار 'جدل' الي دار 'أمل' أحمل ديوانك الوحيد وفي كل مرة اخرج مهزومة.. وباردة في كل مرة اتجرع مزيدا من الخيبة في مدينة تصورتها أكثر المدن احتواء لمن لا فرح لهم.
ها هي القاهرة يا خالد ككل مدننا قادرة علي قتل أحلامنا ها هي قد طردتك برفضها.
لا فرق يا خالد مدينتنا اهدتك قنبلة والقاهرة اهدتك أهدتني خيبة ومزيدا من احتمالات الموت علي طريقتها!
الجزائر
|
|
|
|