|
|
| السنة - | 705 | ه - العدد | 1427 | ذو الحجة | من | 25 | - م | 2007 | يناير | من | 14 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:08:33 PM |
 |
الساعة - |
 |
1/13/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
ورطة الأفندي
خالد إسماعيل
الساعة كانت حوالي الثالثة صباحا في 'عز الشتا' وجاكت 'البدلة' الذي كنت أرتديه فوق 'الجلابية' لم يكن في جيوبه سوي 75 قرشا وعلبة سجاير 'كليوباترا'.. دفعني المخبر 'التخين' فوجدتني علي الكرسي بجوار شباب آخرين، ميزت وجوه بعضهم، لكنني لم أتذكر أين رأيتهم، كانوا خائفين، وأنا لا أدري لماذا انتابتني حالة استهتار بالموقف كله، رغم أن ما قرأته من كتب الشيوعيين عن السجون 'الناصرية' من المفترض أن يجعلني أخاف أو 'أموت من الخوف'.
مضت بنا سيارة الشرطة عز البرد، وأنا بمرور الوقت بدأت أشعر بالجوع، والرغبة في التدخين، دخنت سيجارة بعد استئذان 'المخبر'.. وصلنا مكانا لم أعرفه ولم أره من قبل، نزلنا، وفجأة سمعنا صوتا يهتف:
لعنة الله عليكم يا ظّلمة.
ثم سمعنا أصوات ضرب بالكفوف، ونحن وقوف في صالة واسعة، والصول أمرنا بأن نقف صفا، وجاء صاحب الصوت وعلي وجهه آثار الضرب، همست في أذن الواقف بجواري:
تعرف الأخ ده؟
إيوه.. الأخ 'حسين جعفر' من 'إدفو' في رابعة 'تجارة'.
الأخ 'حسين' أسمر الوجه، له لحية طويلة، يرتدي جلبابا مثلنا، فكل الطلبة تقريبا قبض عليهم من البيوت وكلهم 'جماعة إسلامية'، وسبب هذه الحملة، هو رغبة 'أمن الدولة' في أن يمر يوم انتخابات اتحاد الطلبة بهدوء، لصالح مرشحي 'الوطني' الذين هم طلبة يعملون 'مخبرين' يكتبون التقارير، ويسلمونها للضباط في مكتب أمن الجامعة، وأنا واقف في هذا الموقف الغلس، استرجعت صورة 'حسين جعفر' وهو يقود مظاهرة منذ عامين، كانت المظاهرة تهتف 'أمن الدولة يا جبان.. يا عميل الأمريكان'، 'خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود'.. 'إسلامية إسلامية.. لا شرقية ولا غربية'، وفي ذلك اليوم يوم المظاهرة احتشد الآلاف من الطلبة، وهرب الضباط وجروا علي كورنيش النيل، وكل ما يهم الواحد منهم ألا يضيع سلاحه الميري فتتم محاكمته ويسجن ويفصل من الخدمة!
وشاركت في المظاهرة، ورأيت 'الطلبة' الذين يحاولون كسر عزيمة المتظاهرين بتخويفهم من الفصل والرفت والسجون، ثم جاء عميد التجارة ووقف خطيبا علي سلم الكلية:
أنا باقولها لكم.. 'زكي بدر' ادي أوامر بالضرب في المليان.. أمن الدولة أخذ أوامر بالقتل.. فاهمين يعني إيه قتل؟!! روحوا بيوتكم وسيبكم من لعب العيال ده.. مش هيفيدكم بحاجة.
وفي يوم 'المظاهرة' تعلمت درسا، هو أن استنشاق 'البصل' يبطل مفعول القنابل المسيلة للدموع، عندما اقتحم قادة المظاهرة مطبخ الجامعة واستولوا علي كميات البصل المخزنة فيه ووزعوها علينا، وأطلقت قوات 'الأمن المركزي' عشرات القنابل، نجح بعض الطلبة في إمساك بعضها وإلقائه علي الجنود الواقفين وراء سور المستشفي التعليمي، وصلي المتظاهرون 'صلاة الخائف' جماعة يصلون، وجماعة يقومون بحراستهم، ونادي الضباط الكبير بالميكروفون، وطلب من الطلبة الخروج من 'حرم الجامعة'.. وظهر فجأة 'نبيل بهادر' عضو حزب 'اليسار' وسلم علي، واصطحبني من يدي، وخارج الجامعة حاول أحد الضباط أن يقبض علي فقال له 'نبيل' بهلجة مهذبة:
لا يا باشا.. دا معايا.. تبعي.
ولم أكن أفهم ما يقوله 'نبيل' لكنني بعد سنوات، عرفت أنه ترك 'اليسار' واحترف النصب علي 'العمال' الراغبين في السفر الي دول الخليج وأنه مطارد من قبل العشرات من أهالي قري مركز 'سوهاج'، وأنه عضو قيادي في أمانة الحزب الوطني!
المهم.. سجلوا أسماءنا، وفوجئت بالصول يسألني عن اسم أمي، فخجلت قليلا، وأخبرته باسمها، وكانت تلك المرة الأولي التي اكتشف فيها حكاية 'الملف'، ومعني أن يكون للواحد ملف في 'أمن الدولة'.
***
زاحونا في 'زنزانة'، مثل التي تظهر في الأفلام، لها باب حديدي، به فتحة لها ثلاثة قضبان، و'دورة ميه' ضيقة تقرف الكلب، وعددنا زاد علي العشرين، كان معنا 'إخوة' ملتحون ينتمون الي 'الجماعة الاسلامية' التي كانت تسيطر علي الجامعة، فقد فازوا باتحاد الطلبة في جامعة أسيوط وفروعها، ومنعوا النشاط المسرحي، واللقاءات بين 'الفتيات' و'الشبان'، وأصبحت مقادير كل شيء في أيديهم، لم يعد الطلبة يعرفون 'الشيوعية' و'الرأسمالية' أو 'القومية' لكنهم يعرفون جيدا أسماء دور النشر السلفية، ويعرفون تحركات وأخبار الشيخ 'عمر عبدالرحمن' ويعرفون 'اخوة' الجامعة الذين كانوا يصلون في جامع 'التوحيد'، ثم انتقلوا الي جامعة الحاج 'سيد' في 'عرب الأطاولة' وسيطروا علي مسجد الجامعة، واستطاعوا ضرب الطلبة 'الاخوان المسلمين' ومنعهم من الصلاة فيه، ووقعت معركة بالأسلحة البيضاء في المسجد بسبب النزاع علي الامامة، وترك 'أمن الجامعة' الفريقين يتقاتلان ثم تدخل في اللحظة المناسبة، وسيطر أعضاء الجماعة علي الموقف وهزم 'الاخوان' في الجامعة حتي تخرجت فيها.
حاولت أن أكسر جهامة الموقف بكلمات ضاحكة، ولم يستجب لي أحد، وعندما فكرت في اشعال 'سيجارة' منعوني، وكنت أدخن 'سرقة' في دورة الميه، و رغم هذا عرفوا أنني أدخن من دون علمهم وأشبعوني نظرات ريبة ولوم واحتقار!
ونظموا مسابقات دينية، لم أستطع الاجابة عن سؤال واحد منها، لأنها أسئلة تستلزم إلماما بتفاصيل 'البخاري' و'مسلم' و'ابن تيمية' ومقولات 'الجهاد' و'الجماعة الاسلامية'، طبعا المقصود بهذه المسابقات قتل الفراغ، واستقطاب عناصر جديدة.
استعملت ذكائي السياسي لأول مرة.. فخضعت للجماعة، وأصبحت وأمسيت أصلي معهم علي بلاط الزنزانة، مرة من أمام 'الزنزانة' ولد صغير يبيع الصحف فاشتريت 'الأخبار'، وظللت أقرأ فيها حتي أنهيت قراءتها كلمة كلمة وأعدت قراءتها ثلاث مرات أو أكثر في الأيام الثلاثة.
استهتاري بالموقف جعلني أنام علي طريقة المحتجزين من النشالين واللصوص الصغار، وضعت 'الشبشب' تحت رأسي وأدخلت رأسي في الجاكت وزررته واتخذت وضع الجنين ونمت.. حتي أصبح الصبح فاكتشفت أن هذه 'الزنزانة' تقع تحت الأرض، لأن 'الشباك' الذي يقارب سقفها كان مغطي بأسلاك، ويسمح لنا برؤية أحذية العابرين من الناس، واشتركت مع 'الاخوة' في الطعام حتي انتهت فلوسي، والأكل عيش وطعمية فقط.. ثم دخل ضابط برتبة 'النقيب' وقال:
ماعلهش يا رجالة.. سامحونا.. حد فيكم عاوز دوا.. عاوز حاجة من بره.. أي حاجة أدوية فلوس.. تحت أمركم.
وكانت علي جبهته 'زبيبة' واضحة، ثم جاء 'شاب' وكلم 'الاخوة' من فتحة الباب وعرض علينا خدماته فطلبت منه أن يتصل برقم تليفون صديقي 'نبيل بهادر' ليخبره بأنني محتجز في سجن 'مركز سوهاج'، وهذا ما عرفناه اسم المكان في ظهيرة اليوم التالي، وهي الظهيرة نفسها التي اقتادونا فيها إلي 'أوضة الفيش'.
كلبشوا كل واحد منا في ذراع 'عسكري مجند'، وأثناء سيرنا ناحية 'الأوضة' رأيت سيدات يشبهن أمي، فشعرت بفرحة، لأنني رأيت وجوها وناسا آخرين غير 'الاخوة' المحتجزين معي في 'الزنزانة'، فرحتي برؤية هؤلاء السيدات لم أشعر بفرحة مثلها في عمري.. فرحة كنت أجربها لأول مرة.. ومازلت أذكرها وكأنها وقعت منذ ساعة!
كلنا وضعنا أيدينا وأقدامنا في شحم أو حبر 'الفيش' وبصمنا علي الأوراق، والتقط لنا مصور شاب كل واحد صورتين، واحدة بالمواجهة والثانية 'جانبية'، وعلقوا لكل واحد منا رقما معدنيا في جيبه.
كنت أضحك أثناء هذا كله، فزاد حذر الاخوة مني، الخطر الحقيقي بدأ عندما جاء 'نبيل بهادر'، وكلمني من فتحة الزنزانة وكلمهم وعرفهم بصفته عضوا في حزب 'اليسار'، وهم يعرفون أن 'اليسار' حزب الشيوعيين الكفار!
***
جاء 'نبيل بهادر'، وكأنه جاء بمأساتي، لأن أعضاء 'الجماعة' عندما عرفوا أن لي علاقة بحزب 'اليسار' وجريدة 'الجماهير'، اجتنبوني، حتي عندما قال لهم نبيل:
لو فيه تعذيب أو أي حاجة حصلت معاكم، أنا معايا محامي، وممكن نقدم باسمكم بلاغات للنيابة.
كان رد الأخ 'حسين':
لا.. إحنا مش عاوزين منكم حاجة.
قالها بحدة فابتسم 'نبيل بهادر'، وقال 'السلام عليكم' وانصرف، بعد أن أعطاني 'علبتين سجاير' وكيلو عنب وبرتقال، وعندما بدأت في توزيع الفاكهة علي بقية 'الاخوة'، منهم من قبل الهدية، ومنهم من رفض، الذين أخذوا مني، كانوا طلبة عاديين وريفيين ينتمون الي قري سوهاج الواقعة في الصحراء الغربية والشرقية، وكانوا يعيشون حالة خوف ورعب، وإن كانوا متوائمين تماما مع حالة الصلاة بانتظام ودخول المسابقات والاجابة عن الأسئلة التي تطرح فيها.
وفي المساء تقريبا بعد صلاة المغرب جاء 'صول' مسيحي علي ظهر يديه 'صليب' واضح، وفتح باب الزنزانة وقال لنا:
مع ألف سلامة.. اخرجوا روحوا.. اوعوا تورونا وشكم هنا تاني.
لم نصدقه في البداية، لكنه أكد ما قاله، وفتح الباب، فأعطيته علبتي 'السجاير' هدية بمناسبة خروجي ومشيت في الشارع تائها، سعيدا برؤية الناس المارين بجواري منبهرا بأي شيء تقع عليه عيني.
أبلغت 'الجماهير' تليفونيا بما حدث لي، وربطت بينه وبين ما كتبته ضد ضابط المباحث بعد موضوع 'عرب الخور'، وقبلها موضوع مصنع الطوب الأسمنتي.. ووعدني الزملاء بنشر 'خبر' عن الواقعة، ومر اسبوعان، ونشرت 'الجماهير' خبرا صغيرا لا يزيد علي خمسين أو ستين كلمة.. تحت عنوان 'الجماهير رهن الاعتقال في سوهاج'!
***
.. في اليوم الذي حددته ادارة قسم 'الصحافة' لاجراء اختبارات 'القبول'، رأيت أجمل فتاة في حياتي كلها، فلم أكن رأيت امرأة أو بنتا تجتمع فيها كل هذه الصفات مرة واحدة، الطول، الشعر الأسود الذي يكسو المؤخرة، الوجه الخمري، العينان الواسعتان، الابتسامة الساحرة التي لا أستطيع وصفها إلا بكلمة 'الساحرة'.. نادي العامل وأنا واقف في مواجهة باب رئيس القسم:
سعاد منصور قناوي.
فأخرجت ورقة وقلما، وكتبت اسمها بسرعة ووضعت الورقة في 'المحفظة'، كنت قبلها بساعة قد تعرفت الي 'محمد عبدالعال'. اقتربت منه وسألته:
الأخ من طما؟
لا والله من قنا.. مركز قفط.
ثم سرت محبة من جانبي تجاه هذا الشاب الذي أنا واثق من أنني رأيته قبل ذلك في مكان ما، ملامحه، ليست غريبة أبدا أبدا، لكنه عندما ذكر أنه من 'قنا' اندهشت، وتقبلت الوضع مرغما، وقلت لنفسي يخلق من 'الشبه أربعين'.. ثم عرفني الي شابين آخرين هما 'جمال اسماعيل' و'أشرف الكيلاني'، وكلهم يرتبطون بصلة القرابة والدم، وظللنا نتبادل السجاير، والمعلومات حول القسم والصحافة والمستقبل والجمهورية والأخبار والأهرام، وفي آخر اليوم، عدت الي بيتنا، وسألتني أمي:
إيه هيه الصحافة دي يا وليدي؟ زينة ولا وحشة؟!
هوه فيه أحسن من الصحافة؟
طيب يا وليدي يعني هتقدر توكل روحك وما تعوزش لاخواتك منها الصحافة دي ولا هتلف وترجع وتقول لاخواتك ادوني ووكلوني؟!
الصحافة دي أهم حاجة في مصر.. طيب أنا هنقول لك علي حاجة.. انتي شايفة ورقة الجرنان دي.. احنا اللي هنكتبوها ويدونا فلوس كتير ومش هنعوز لاخواتي ولا لغيرهم.
سال دموع أمي، فأحزنتني رغم أنني كنت سعيدا باكتشاف أصدقائي الجدد وسعيدا بالآنسة 'سعاد منصور قناوي' التي فجرت بداخلي مشاعر لذيذة لم أعتدها من قبل، رغم انني كنت أبص وأختلس النظر، وتعجبني صدور بنات 'السوق' وبنات الحلب اللاتي 'يضربن الودع'، ومؤخرات الموظفات في 'الوحدة الصحية' والمدرسات.. 'سعاد' وضعتني في حالة 'طيران' أو علي الأقل رغبة في الطيران رغم أنني لم أكلمها كلمة واحدة.
في الشهر الأول، كان كل اهتمامي منصبا علي 'سعاد'.. كنت أرقبها وهي تمشي في طرقة 'مبني الفصول' ومبني 'القاعات'، حاولت كثيرا أن أكلمها وفشلت.. و عرفت من 'محمد عبدالعالي' و'أشرف الكيلاني' أنها أصلا من قرية 'العويضات' في 'قفط'، انتقلت أسرتها الي 'أسوان'، ولها أخ يعمل مراسلا للأهرام، الي جانب عمله في 'الارشاد السياحي'.
في السنة نفسها، تفجرت عندي موهبة 'الشعر'، وكتبت فيها عشرات القصائد، ثم بدأت الخلافات بيني وبين 'أشرف الكيلاني' بسبب 'الغيرة'، فأناأحبها، وهو أيضا يحبها، وكان عدوانيا معي،، وانتهت العلاقة، ظلت بيننا قطيعة طوال سنوات الدراسة تقريبا.
وفي مرة بعد التخرج، قابلت 'سعاد' عند محطة السكة الحديد في سوهاج، وامتلكت الجرأة، وكلمتها، وكانت مهذبة، وحكييت لها عذابي في السنوات الماضية، وتعلقي بها، وسعادتي لأنني استطعت أخيرا أن أكلمها.. فابتسمت وقالت:
أنا يسعدني ان يبقي لي أخ زيك.. محترم.
ففهمت أنها تبعدني عنهابرفق، وأنها لم تفكر في يوما.. رغم أنني كنت أنظر اليها نظرات العاشقين، وأتأملها وتبدو علي حالة العشق، باختصار.. أنا عشت مع 'سعاد' قصة حب من طرف واحد، ونسيتها، وفكرت في 'سامية' ابنة عمي 'علي' المقيمة مع أسرتها في 'بني سويف'.. كانت تصغرني بعامين، تدرس في قسم اللغة الانجليزية بكلية التربية بالفيوم، ولها أخ يعمل في المحاماة 'خالد' والثاني 'محمود' يعمل سائقا في 'مجلس المدينة'، وعمي 'علي' كان مقاولا في مشروعات التوسع علي مياه السد العالي، وأصيب بخسارة فادحة في احدي العمليات، وحجزت مصلحة الضرائب علي كل السيارات والمكتب، واعتزل العمل في المقاولات، وبقي يعمل عند المقاولين في مهنة 'مساح' حتي يستطيع أن ينفق علي البيت، ثم التحق باحدي شركات القطاع العام وبقي فيها الي أن مات.
طرأت علي ذهني فكرة ارسال 'جواب' الي 'سامية'، ونفذت الفكرة.. كتبت لها 'جواب'.. وانتظرت اسبوعا، وأرسلت الثاني.. ومر اسبوع.. وجاءني خطاب من أخيها المحامي 'خالد' يقول فيه:
مش أختي اللي يتبعت لها جوابات.. وانت لو مش ابن عمي.. كان هيبقي لي معاك تصريف وشغل تاني.. فعيب عليك.. ما تعملش كده تاني.
.. وعشت 'الصدمة' بكل أبعادها.. احساس بالخجل من نفسي.. احساس بالعار.. والخوف من أن يتطور الموضوع، ويحكي عمي لأبي عن هذه 'الجريمة'.. وقضيت أياما قلقا، لا أنام تقريبا، وحالة تأنيب ضمير تتملكني وتفسد علي حياتي، وفي الوقت نفسه، رأيت أن 'سامية' لا تستحق هذا 'الحب'، فهي لو كانت تبادلني الشعور، ما كانت أعطت 'الجوابات' لأبيها، أو أخيها، ولهجة 'الخطاب' الذي أرسله أخوها، لهجة اهانة وتهديد، لم أفكر يومها في العادات والتقاليد، ولكن كل ما دفعني الي هذه الخطوة عدة أسباب منها أنني كنت في زيارة عندهم ذات مرة وسلمت عليها ورأيتها.. طويلة، بيضاء، شعرها أصفر ناعم، تضع علي عينيها نظارة طبية شفافة، جلست دقائق ثم دخلت 'الأوضة'.. عندما جاء الليل وجلست مع عمي، أبديت اهتماما بها وسألته عن السكن في 'الفيوم'، واقترحت عليه أن يجعلها تقيم هناك بدلا من السفر اليومي من 'بني سويف' الي 'الفيوم'.. وفي الصباح صحوت من نومي علي صوت عمي وهو ثائر:
انتي ايه اللي طلعها في مخك.. ولا عشان 'حامد' قال كده؟!
فشعرت بزهو، لأنها سمعتني وأنا أطرح الاقتراح علي أبيها بالأمس واستجابت لي، وفسرت هذه الاستجابة بأنها 'القبول' أو 'الارتياح' المشجع لي علي مواصلة 'الحب'!
لكن صدمة 'الخطاب' الذي أرسله أخوها، جعلتني أشعر بالضيق والحرج.. وانشغلت بالعمل في جريدة 'الجماهير'. وبدأت علاقاتي مع الزملاء في الجريدة تزداد عمقا، وبدا الأستاذ 'صلاح يوسف' يعرفني الي زميلات وزملاء.. فكانت زياراتي الشهرية الي 'القاهرة' فرصة لكي أتعرف الي 'حنان كامل'، وهي زميلة كانت تدرس في كلية الاعلام بجامعة 'القاهرة' وتعمل في جريدة 'الطليعة العمالية' التي تصدر شهريا عن مؤسسة 'الجماهير'.. كانت سمراء قصيرة نوعا، شعرها محلوق علي طريقة 'الأولاد'، ترتدي 'الكوتشي'، خفيفة الحركة، فيها نموذج المناضلات اللاتي قرأت عنهن مثل 'إنجي أفلاطون' و'فاطمة زكي'.. وعشت هائما في حب 'حنان'.. وقررت أن أفاتحها في الموضوع.. في مقر حزب 'اليسار'.
أنا عندي عاطفة ناحيتك يا آنسة 'حنان'.
فضحكت ضحكة خافة وقالت:
بصراحة يا 'حامد' أنا يسعدني اني يبقي لي 'أخ' زيك!
نفس العبارة التي سمعتها بعد سنوات من 'سعاد' لكن الفارق بين 'حنان' و'سعاد' كبير جدا، 'حنان' يسارية مناضلة متحررة، أعطت عمرها لليسار وقضايا 'العمال' و'الكادحين'.. و'سعاد' آنسة تقليدية، جاءت لتدرس في الجامعة، ولا علاقة لها بالعمل السياسي، لأن الجامعة في ذلك الوقت كانت واقعة تحت قبضة 'أمن الدولة' من ناحية، و'الجماعات الاسلامية' من ناحية، وأفكار الأساتذة المتخلفين العائدين من جامعات دول النفط من ناحية ثالثة، وكنت غريبا في الجامعة مغتربا، علاقتي مقصورة علي 'محمد عبدالعال' و'جمال اسماعيل' وهما شابان من أسرتين محافظتين، كل ما يشغلهما المنافسة الحامية بين الشيخ 'محمود صديق المنشاوي' والشيوخ الآخرين الذين يحيون ليالي الذكري السنوية وذكري الأربعين للموتي في 'قفط' وغيرها من بلاد الصعيد!
***
.. بعد خروجي من 'حبسة' مركز سوهاج، اكتشفت انني هدف لأمن الدولة وأعضاء 'الجماعة الاسلامية' وبالتحديد الأخ 'حسين جعفر'، 'أمن الدولة' أطلق علي عددا من الزملاء في قسم الصحافة يزورنني في أوقات متباينة، كأنهم يوزعون الأدوار فيما بينهم، لدرجة أن أحدهم زارني في عصر ذات يوم صحاني من النوم وسألني عدة أسئلة 'عبيطة' حول الشيوعية وموقفها من الدين، والاتحاد السوفيتي وتمويله لجريدة 'الجماهير' والثروة الطارئة التي هبطت علي أمين حزب 'اليسار' في سوهاج!
وفي احدي الليالي زارتي زميل طيب القلب اسمه 'السيد عبدالمتعال' وقال لي بلهفة وخوف:
خلي بالك يا 'حامد' من نفسك.. أنا النهاردة كنت عند جماعة بلدياتي تبع الجماعات.. وسمعتهم بيقولوا 'فيه واحد في قسم الصحافة شيوعي وعاوزين نضربوه'.. اوعي تمشي وحدك وما تتأخرش بالليل بعيد عن السكن.
و'أمن الدولة' الي جانب الطلبة المخبرين، بدأ حملة استفزاز ضدي، فقد اكتشفت أن شابا أسمر، لا يزيد عمره علي '25 سنة' يتبعني مثل ظلي، لدرجة أنني كنت أدخل 'المطعم' فأجده ورائي، بل أحيانا يدخل قبلي، ويحاول أن يصطدم بي.، وعندما أخرج من الجامعة أفاجأ به واقفا أمام بابها، ويمشي معي حتي يوصلني الي 'الأوضة' التي أسكنها في 'عرب الأطاولة'، وفي يوم كنت ذاهبا الي محاضرة، وفوجئت بزميل اسمه 'محمد عبدالعزيز' يناديني ومع 'الشاب الأسمر' إياه، وا ستوقفني أمام سور مدينة البنات الجامعية، وانطلق منه سيل أسئلة حول الاشتراكية والاسلام، والناصرية، وحزب 'اليسار' وأسئلة كثيرة لم أعد أتذكرها، لكنني بمجرد أن انتهي 'الحوار' كرهت 'محمد عبدالعزيز' وقاطعته مقاطعة تامة، رغم أنه كان مشهورا في الجامعة، ويحاول أن يجعل من مجلة 'المطرقة' الحائطية الساخرة التي كان يحررها وسيلة ليبدو في هيئة المناضلين المعارضين للنظام الجامعي والمطالبين بالديمقراطية؟
ولم أعد أتحرك وحدي بعد التحذير الذي حمله الي 'السيد عبدالمتعال'، ولم أهنأ بنوم، فقد كان هاجس يسيطر علي وخوف يجعلني أتخيل أن 'حسين جعفر' وعددا من أعضاء 'الجماعة الاسلامية' قد اقتحموا علي 'الأوضة' وضربوني بالجنازير والمطاوي.. وهذه عادتهم، كانوا يضربون بالجنازير والمطاوي كل من يكلم 'فتاة' في كافيتريا الجامعة أو يسمعون عنه أنه يتحدث أحاديث ضد أفكارهم، و'حسين جعفر' كان متحدثا رسميا باسم الجماعة الاسلامية في 'الصعيد'، وكنت أري صوره في مجلات الحكومة وأقرأ أحاديث صحفية أجريت معه وآراء له يقولها تعليقا علي الأحداث الدموية التي بدأت في الصعيد في ذلك الوقت.
مجتزأ من رواية تصدر للكاتب
قريبا عن دار 'الدار للنشر والتوزيع'
|
|
|
|