دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -705ه - العدد1427ذو الحجةمن25- م2007يناير من14 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:10:14 PM الساعة - 1/13/2007 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
النائم
طارق إمام
في الصباح أيقظه الدجاج من ميتته. لم يكن الجزء الأكبر من جسده قد تحلل بعد، وبشكل أدق، لم يكن الموت الطويل المتقطع قد أتي بعد علي الأشياء التي لايستطيع الحياة بدونها.
كان علي مدون مذكراته أن يظل مقرفصا بجانبه، بلا نوم، محدقا، في انتظار واحدة من يقظاته الحادة المفاجئة حيث كان ينتصب فجأة بينما يغادره اللون الأزرق وتقفز كرتان حمراوتان علي وجنتيه.. ليملي جملا تلغرافية قصيرة.. أو سطورا موزونة من الشعر.. أو حكاية من 'ألف ليلة وليلة'.. وأحيانا ينخرط في إلقاء صفحات طويلة من طفولته كانت معها يد مدونه توشك علي التوقف تماما، قبل أن يغمض عينيه فجأة كما فتحهما فجأة عائدا لسباته العميق في العالم الآخر دون أن يعلم أحد متي سيقطعه من جديد.
كان يعود كل مرة بتشوهات أكبر وبنظرة رعب لاتقهر. يدندن بأغنية، أو يلقي بنكتة إباحية، وأحيانا كان يتكلم كل ذلك لحظة إلقائه وبنفس السرعة اللاهثة للشفتين وإلا فسيضيع الكلام للأبد، وكان عليه أيضا أن يظل بلا نوم حقيقي حيث كان الميت يستيقظ بلا إنذار، ولن ينسي تلك الفترة الكابوسية حين ظل الميت نائما لثلاث سنوات متواصلة لم يتحرك له فيها عضو، واستيقظ ليقول عبارة واحدة: اين أنا ؟.. دونها بهدوء، قبل ان ينام الميت من جديد لعام ونصف.. بعدها لم تعد أطول ميتاته تتجاوز الأربعة أشهر.
كانت لحظات الإثارة الحقيقية تأتي حين يستيقظ فجأة ليسرد­ ببطء جميل بعد أن يطلب سيجارة­ واحدة من قصص حبه التي لاتجحصي ، بذاكرة حادة لم تغب عنها أتفه التفاصيل، ولكن واحدة فقط من هذه القصص كان يكررها كل عدة أعوام، بنفس الطريقة، بالحركات والسكنات وتلونات الصوت، دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا.. وكل ما كان يفعله المدون أنه كان يراجع فقط خلفه مايقول ليتأكد أن لاشيء يحتاج للإضافة أو الحذف، بينما ينصت باستماع لحكاية حبه مع الفتاة التي كانت تماثله في السن لحظة بلحظة اذا خرجت شهقة بكائها الأولي للدنيا­ تماما­ مع شهقة بكائه. ويسأل المدون: ألا تعرف شيئا عنها؟ فيهز المدون رأسه بالنفي، لينخرط الميت في بكاء طفولي حاد ملتاث وصاخب يظل يخفت تدريجيا بينما تنسحب كرتا الدم من وجنتيه ويبدأ اللون الأزرق في احتلال جسده من جديد.
كان كلما استيقظ ينظر بإحباط وهو يكتشف انه عاد ليتنفس هواء الأرض الساخن الخانق، وتبدو نظراته كأنها تخص طفلا أخذوه من سريره عنوة ليطلعوه علي شكل مقبرته.. ولكنه ­ وللمرة الأولي­ لم يستيقظ بشكل طبيعي في هذا الصباح. أيقظه الصراخ الرفيع الحاد المخنث للدجاج.
كان هناك بشر قليلون بالخارج توقفوا عن السير لالتقاط الأنفاس في هذا الصباح الذي سطعت شمسه مبكرا. كانوا يصطفون في طابور قصير تسري بينهم همهمات خافتة ملولة، ومد وجهه ليري الضوء لأول مرة منذ أعوام طويلة، وسأله المدون: هل تعرف الميت؟ فأجاب بوجه خال من أي انفعال: نعم .. اعرفها. واستدار للمدون قائلا بلهجة آمرة: يمكنك الآن ان تنصرف. وقبل ان يهم بإبداء أي استفسار قاطعه بحسم: أخبر أبنائي أن يأتوا علي عجل قبل أن تفوح الرائحة.. واحرق هذه المخطوطات قبل هبوط الليل..


القاهرة

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: