|
|
| السنة - | 705 | ه - العدد | 1427 | ذو الحجة | من | 25 | - م | 2007 | يناير | من | 14 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:14:31 PM |
 |
الساعة - |
 |
1/13/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| ساحة الإبداع |
 |
|
|
الثأر والليل
مهاب حسين مصطفي
1
كنت أعلم اني اواجه مصيري بكل ضراوته وعنفه، وأعلم أيضا انني مدفوع الي تلك المواجهة دفعا لا أستطيع منه فكاكا لكنه قدري أنا وحدي.
كانت الساعة الثانية ظهرا والميدان مكتظ، والموعد كما تلقيته دون أي تفسير. عند توهج الزحام وذروة الصخب، بينما اتجول علي الطوار اقترب مني شخص يرتدي زيا فرعونيا.. لا أعلم من أين جاء؟ كأنما انشقت عنه الأرض لتو اللحظة.. وبقدر ما اخذتني غرابة ملبسه.. شدني إليه بوجهه الهاديء.
- الموعد قد تأجل
- لماذا؟
- لن يستطيع الحضور وعليك ملاقاته في سكنه الخاص
- لكن هذا ليس بعدل
- لا تنس العدل هو مبتغانا الأساسي
وهو يولي ظهره ناحيتي.. مستقبلا هدير العربات والمارة:
فلتكن متأهبا.
2
أخبرني أبي أنني اتدرج من أسرة فاطمية وأن أحد أجدادي كان واليا في الباب العالي تذكرت هذا وأنا أدق بقدمي ذلك البناء العربي المظهر.. المعبق برائحة مسك عتيق فلتكن تلك المقابلة حدا لعذاباتي القديمة والجدية، وبمجرد أن دنوت من نهاية الردهة التي انفسحت لحديقة ضخمة.
ترامي إلي سمعي أنغام عزف ناي قديم فجذبني حنين غامض و وتوق للأيام الغارقة في الظلام.. ونشوة أفقت منها علي رجل يرتدي جبة وقفطانا وعمامة بيضاء يخبرني أن الموعد قد تغير.
- أظن المزاح قد فاق الحد
- لابد التأني إن اردت الخلاص
- لن اتركه
- لا تخف هو أيضا لن يتركك
كيف أخاف وأنا أول من بحثت عنه في نسل العائلة قبل أن يبدأ هو في البحث عني.
3
أوصافه في مخيلتي كما تلقيتها عن أبي الذي تلقاها بدور عن جده وأن لم يره أخذ منهم.
ملامح حادة.. جبهة عريضة.. أنف مدبب.. وشعر داكن السواد 'احترس فهو بارع في التنكر، وتلك احدي حيله للايقاع بغريمه' أعلم يا ابتاه أن الأمر ليس بالشيء الهين، ولكني أخذت العهد أن أثار لكل الاجداد وأن يسلم نسل العائلة من هذا الوغد الاثيم.. لكنه يراوغني وتلك بلاشك أولي بوادر النجاح.
- هل تظن إنك قادر علي النيل منه رغم تاريخه الطويل
لاتنس.. أطفالنا سيقدر لهم من الحياة الكريمة مالم يتح لأجدادهم.
ابتسمت لي في شحوب وهي ترمق صور الاجداد المتوسدة للجدار قربت علي وجنتيها في حنو وضممتها الي صدري وأنا أرقب من نافذة الغرفة.. انعقاد السحاب وتكاثفه.
4
أطأ بقدمي الباب المفتوح.. يلطم وجهنا عبق زمان سرمدي يترنح علي البوابة القديمة.. أعبرها ومن حولي تتقافز أنسمة فجر جديد أسعي للقائه وجدتني عند المكان المقصود كما تلقيت الرسالة، شهقت بعمق وزفرت طاردا كل مخاوفي.
وتجلت لي الحياة جديرة بأن نصطلي في عذاباتها.. وانفجرت أمامي عوالم لم أكن أدري روعتها من قبل.
رأيته مقبلا من بعيد.. يتلحف الظلام.. ارتعدت مفاصلي لم أصدق أني أول من يراه لأي العين من نسل العائلة المنحدر من عصور سحيقة، وتجلت لي في نفس اللحظة كل عذابات الماضي فبدوت أكثر.. بدت ملامحه تحت ظلال القمر المنعكس خلف النبايات تتضح شيئا فشيئا.. راقبت نافذة تفتح في بيت قديم.. وطفلا يتبول بجانب حائط مرسوم عليه بالطباشير خروف بلا رأس.. وتقدمت نحوه.
5
قديما كان جدي يقول لي: 'العتمة غول مابيشفش حد'.
كنت أخشي العتمة، وأخشي أن ألعب مع أقراني أربط عصابة فوق عيني وأظل أدور وأدور أفتش عنهم وهم يتغامزون من حولي هاربون كنت ساعتها أمد يدي لا لقف أحدا منهم فلا يجاوبني غير الخواء وأحيانا ارتطم بشخص، أو اتعثر في حجر، وحين افلحت في الامساك بأحدهم واحكمت عليه قبضتي كي لا يفر أخلعت العصابة عن عيني فأجدني ممسكا بكلب ضخم أجرب.
6
استقبل وحدي كل الشياطين وتجابهني الخيالات، تنازعني ذكري أبي، ويهزني لقاء الرجل.. وعبق حكمته وصوفية حديثه فالرجل أوصافه مغايرة تماما لوصف أبي، بل اخبرني أن أبي هو الذي ظل يتعقبه فلم يجعل أمامه خيار. ولا يمكن أن يكون مثل هذا الرجل قاتل أو لص:
- يا ولدي اياك وأن يخدعك بتقواه وورعه المصطنع فقدرته علي التلون هي ما جعلته يحيا كل هذا العمر.
- لا أريد أن أصيبك بسوء إلا اذا اخترت أنت
يدق الليل بعصاته أرضية الغرف. فأري أبي يتيه عاريا في أرض خاوية.. مترامية.. خالية من كل أثر وأراني أرقبه من بعيد من قمة تل وهو يلهث، ولهاثه كأنما يضخ من قلبي ويسري كالخدر في عروقي، وأراني اتجرد من ثيابي أنا الآخر واهبط التل وأظل ألهث معه.. حتي يغمرنا الضباب.
7
أنسيت وصية أبيك أيها الجاحد؟
لم أعد أدري عند من ثأري وعند من ثأر أبي؟
- ثأرك عند الرجل.. أتخشاه؟
- فلتخبرني أنت يا عمي عن الحقيقة،فقد عشت العمر أتوهم ملاقاته وعندما رأيته ادركت انني اضعت العمر هباء ........ فلماذا خدعني أبي؟
- طالما بدأت تسأل فلن تؤدي ما عليك
- لماذا تريد تعذيبي؟
- إنما أريد لك ولأبيك الخلاص.. ولكن لا جدوي، فقد نال الرجل منك ماذا في الليل يهزني الي هذا الحد!! ارتطم بالسواد أينما توجهت، طفلي الصغير يسألني وهو ينظر للسماء : 'فين يا بابا بيروح الليل بعد ما يمشي؟'
8
لابد أن أؤمن بجرم الرجل كي أنال منه، اذا توكدت فلن أبالي بالعواقب وسأنفذ المطلوب مهما كان.
لكن أبي طالما راوغني كلما استنطقته عن سبب العداء إنما كان يكتفي بايداع بذرة الغل في صدري طوال مراحل عمري حتي كبرت الشجرة وقبل أن تثمر وافاني الرجل بهييته الوقور، فقطع الشجرة من الجذور وتركني اتخبط كأنما اقتلعت من أصولي وخرجت عن القضبان التي عشت العمر أتدرب علي السير عليها، لاجدني اجهل طريق السير وطريقته!
يا أبي إن كنت ضحية الرجل فأنا بربك ضحية من؟
لو استطيع انطاق الموتي؟
9
- فوق أرض طباشيرية تداهم الجنود أبواب القلعة وتسقط آخر حصون الدولة الأيوبية، وتجتر النساء سبايا وتداهم العسس بيوت الأمنين فيسلبون الدفة من المخادع والأمن من النفوس، وتهرع الجمال إلي أعالي التلال وتلقي بنفسها منتحرة، ويغيض الماء في الابار ويرتع الليل بكل واد في الطرقات ويبكي الرجال.. وتترهبن النساء وتلطم الدهشة وجوه الأطفال فيشيخون قبل الاوان.
وأري أبي طفلا فوق كتف جدي يسأله عقب انصرافه من دار الوالي:
- اسمع الجمع يتكلمون عمن يبيعون أنفسهم للوالي.. فما الخيانة يا أبتاه؟
يرد جدي وهو يهرول مسرعا:
- الخيانة يا ولدي أن يظهر الناس عكس ما يبطلون.
وأبصر الرجل يهبط من فوق جواده يقف أمام جدي وأبي متأملا ثم يشهر سيفه.
10
اخترق أكوام الناس والعربات وزركشة الوجوه المتداعية من حوالي، أمثل في المقهي المواجه للقلعة حيث يقضي صديق عمر أبي أوقاته المتلاشية في لعب النرد:
- أهلا بالحبيب ابن الحبيب
- فاض بي الكيل فلم اجد غيرك
- كنت اعلم بانك ستأتي.. فلم ينسك أحد
- لا أحد يريد إنبائي بالحقيقة!
يتهافت الي سمعي تقاسيم قانون غير بعيدة فتجابه روحي أنام فضفاضة وأنا أهم بمغادرة المقهي تعجبت فرغم مرور الزمن مازال الليل يجيء تماما كما يجيء النهار.
11
أمضي أنا وطفلي وسط الميدان المزدان بالاضواء والصخب وسط الاضواء المنهمرة من نوافذ البنايات المتحلقة بالميدان الواسع.. والهواء الراكد يقاوم باصرار الهواء المنعش القادم من سحابات بيضاء.
وبينما الميدان نافورة من الضوء تسيل علي وجوه الناس والاسفلت والطور. يطلب مني طفلي الصغير أن احمله فوق كتفي لانه تعب، فاحمله واخترق الميدان في ثبات واصرار اطارد سحابة شفافة تولي منوشة عن عالم ذهبي الملامح ناعم الملمس.. رقيق الحواشي.. ويتراءي لي الليل مناصفة في النهار بلا أدني تداخل.
يهبط الرجل من عربته الانيقة الواسعة.. يقف أمامي يتأملني أنا وطفلي و...............
القاهرة
|
|
|
|