|
|
| السنة - | 714 | ه - العدد | 1428 | صفر | من | 28 | - م | 2007 | مارس | من | 18 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:47:42 AM |
 |
الساعة - |
 |
3/17/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| سكة صدي |
 |
|
|
عزالدين إسماعيل.. بلا مبالغات
د. محمد عبدالمطلب
في عموده 'كلمة' الأسبوع الماضي كتب الدكتور صبري حافظ تحت عنوان 'مبالغات' معتبرا أن الوداع الحار للدكتور عز الدين إسماعيل يقع تحت ثقافة اذكروا محاسن موتاكم، عارضا رأيه في عطاء د. عز الدين واصفا إياه بالمتوسط القيمة أو 'المديوكر' وفي هذا العدد نفسح لهذه الردود الثلاثة علي مقال صبري حافظ..
وتنوه 'أخبار الأدب' بأن آراء الكتاب لاتمثل بالضرورة رأي أسرة التحرير، في هذه القضية أو في غيرها . وفي الوقت نفسه لاتضع 'أخبار الأدب' أية رقابة علي كتابها، إلا ما يجرمه القانون لتبقي ساحة لتعدد الآراء والأفكار. وبخصوص الراحل الكريم عز الدين إسماعيل فإن 'أخبار الأدب' تقدر عطاءه، وقد كرمته بملف خاص في حياته.
نشرت أخبار الأدب مقالا للدكتور صبري حافظ بعنوان (مبالغات) تناول فيه الراحل العظيم الدكتور عزالدين اسماعيل في قسوة بالغة، وحدة أقرب للعدوانية، حتي انه جرده من كل حسنة، ونسب اليه كل سيئة، وهذا ما يدفعنا لمحاورته انصافا للحقيقة.
أولا: اتهم الدكتور صبري الثقافة المصرية بأنها ثقافة (اذكروا محاسن موتاكم) و(أخبار الأدب) أول من ينقض هذه التهمة علي الأقل فيما يخص الدكتور عزالدين فمنذ سنوات قليلة خصصت له عددا تناولت فيه جهوده النقدية والأدبية ودوره الثقافي والتنويري، كما ان التليفزيون المصري (القناة الثقافية) خصص له سهرتين كاملتين، عرض فيهما لمؤلفاته، وعرض فيهما لدوره الأكاديمي والثقافي، كان هذا كله وعزالدين علي قيد الحياة،و كان بمقدور الدكتور صبري ان يقدم حديثه المضاد لعزالدين، حتي يستطيع الرجل ان يرد عن نفسه كل هذه التهم الظالمة.
ثانيا: يري الدكتور صبري ان الصحافة الأدبية احاطت رحيل عزالدين اسماعيل بكثير من المبالغة، ولا ندري كيف تكون مبالغة في اربع أو خمس مقالات موجزة تعتمد الصياغة الجمالية، لان الكتابة المدققة لم تكن متاحة، نظرا للوفاة المفاجئة.
ثالثا: وصف الدكتور صبري الدكتور عز بانه: ضئيل القيمة، فاقد للأصالة، منعدم الموهبة، ووصف شعره بالسذاجة والركاكة، ومسرحه بالرداءة، وترجماته بسوء الفهم، وأنا اسأل: هل مثل هذا يدخل باب النقد الموضوعي، ام باب الهجاء؟ وهل من يتصف بهذه الأوصاف يمكن ان ينال تقدير العالم العربي كله حتي يمنحه أرفع جوائزه: جائزة النقد الأدبي العراقية. جائزة التقدم العلمي الكويتية،. جائزة فيصل السعودية. جائزة مصر التقديرية، فضلا عن جائزة المحبة والاحترام التي حازها من جمهرة المثقفين باستثناء الدكتور صبري حافظ.
رابعا: يقول الدكتور صبري ان الدكتور عز الدين اسماعيل صعد الي مكانته علي اكتاف (الجمعية الأدبية المصرية) وبمساعدة الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، وهو ما يحتاج لبعض المراجعة التاريخية، فقد بدأ الدكتور عزالدين نشر شعره الحر بقصيدته (العملاق) سنة 1952 وبعدها نشر الشاعر عبدالمنعم عواد قصيدته (الكادحون) في السنة نفسها، ثم نشر صلاح عبدالصبور قصيدته (أبي) في عام 1953، أما الدراسات النقدية فقد بدأ الدكتور عزالدين نشرها عام 1948 في مجلة الثقافة والمجلة والأزهر وغيرها من المجلات المتخصصة والعامة، في هذا الوقت لم يكن نجم صلاح عبدالصبور قد لمع حتي يتكيء عليه عزالدين وليس معني هذا اني افاضل بين الرجلين، فليس هناك من ينكر القمة الباذخة التي احتلها صلاح في ساحة الشعر، لكن البدايات تقول ان كلا منهما صعد الي قمته اعتمادا علي قدرته وموهبته.
خامسا: يقول الدكتور صبري انه لولا وجود صلاح عبدالصبور عضوا في الجمعية الأدبية لما كان لعزالدين وزملائه من الأعضاء ذكر، ولما سمع بهم أحد، ولا أدري كيف يصح هذا القول في حق فاروق خورشيد وعبدالغفار مكاوي وحسين نصار واحمد كمال زكي وعبدالرحمن فهمي؟ فكل منهم حقق لنفسه حضورا متميزا في الساحة الأدبية والثقافية معتمدا علي مقدرته وموهبته الخاصة، وفي هذا السياق أتعجب لمقارنة الدكتور صبري بين عزالدين والدكتورين: عبدالقادر القط ومصطفي ناصف، فثلاثتهم وصلوا الي مرتبة رفيعة ادبيا وثقافيا، وثلاثتهم نالوا التكريم الأدبي اللائق من امتهم العربية التي منحتهم ارفع جوائزها، وثلاثتهم جمعت بينهم علاقة حب واحترام لمستها بنفسي، فقد كنت قريبا منهم قربا حميما.
سادسا: من الاتهامات العجيبة التي الصقها الدكتور صبري بالدكتور عز انه من رجال المؤسسة، وهو اتهام صحيح اذا كان المقصود المؤسسة الاكاديمية، فعندما اختاره صلاح عبدالصبور لرئاسة مجلة (فصول) كان قد مر بكل الرتب الجامعية، وتولي اهم مناصبها (عمادة كلية الآداب جامعة عين شمس) فالاختيار كان ثقة في قدرته علي قيادة المجلة الي الافق الذي كان يأمله صلاح، وهو ما تحقق عمليا، حيث اصبحت المجلة النقدية الأولي في العالم العربي، وقد ساعد علي هذا النجاح فطنة الدكتور عز في اختيار مساعديه الناقدين الكبيرين: صلاح فضل وجابر عصفور.
سابعا: ومن الكبائر قول الدكتور صبري ان الدكتور عز قد عادي كل الموهوبين المجايلين له والذين جاءوا بعده، وقد عشنا وعايشنا هذا الزمن، ولمسنا علاقة عز بكل الأسماء التي ذكرها الدكتور صبري، وهي علاقة ليس فيها الا الحب والاحترام المتبادل، بدليل ان كل هذه الأسماء شاركت مشاركة ايجابية في مجلة فصول.
واخيرا اقول للدكتور صبري ان الدكتور عز كان نموذجا في الوفاء، فعندما اسس (الجمعية المصرية للنقد الأدبي) سنة 1988، جعلها امتدادا للجمعية الأدبية المصرية، ودعا كل المثقفين والأدباء للمشاركة في نشاطها الاسبوعي، واستطاع بمن معه من الشباب الجدد والأعضاء القدامي ان يقيم ثلاثة مؤتمرات دولية للنقد الأدبي دون اي مساعدة من أي مؤسسة.
الحق اني حزنت لأني احترم كتابات الدكتور صبري حافظ، وما كنت اتصور ان يصب كل هذه التهم الظالمة علي قمة أدبية وابداعية وخلقية تندر في هذا الزمن الرديء، رحم الله عزالدين اسماعيل وعفا عن كل من أساء اليه.
|
|
|
مبالغات صبري حافظ
د.عبدالناصر حسن محمد
لقد كتب صبري حافظ في العدد السابق مقالا تحت عنوان مبالغات ، وقد صدٌّره بمقولة تشيع في الغالب بين العوام الذين عادة ما يرسلون الكلام علي عواهنه دون تمحيص أو تدبر والمقولة هي أن الثقافة المصرية ثقافة: اذكروا محاسن موتاكم .
وقد تذكر هذه المقولة حين راح يقرأ المبالغات الكثيرة التي حفلت بها الصحف الأدبية بمناسبة رحيل عز الدين إسماعيل تلك المبالغات الممجوجة _ طبقا لما رآه _ في رومانسيتها وركاكتها.
وفي إطار حديثه عن تلك المبالغات التي رأي فيها نوعا من تقديس الفقيد والمبالغة في إعطائه أكبر من حجمه، نسي هذه النقيصة _ (المبالغة) _ وراح يتخذ من المناسبة وسيلة للهجوم علي الراحل.
وليس العجيب في الحقيقة لما اعتبره حافظ من مبالغات من أناس أحبوا الرجل في إخلاصه وتفانيه في عمله، فرأوا فيه رمزا ومثالا للتجرد والنزاهة فكتبوا تسبقهم قلوبهم .
العجيب والمبالغ فيه هو ذلك الهجوم غير المبرر علي ناقد وعالم فارق الدنيا وقد ترك جيلا من تلاميذه يؤمنون بفكره، ويقدٌرون دوره، ويعتزون بالمضي علي دربه، ومع ذلك يستكثر صبري حافظ أن يكتب في سياق تأبيني بعض الكتابات التي يغلب عليها حديث القلب، لكأنه وهو الأستاذ الجامعي لا يفرق بين كتابات مرهونة بسياق خاص، وتلك الكتابات العلمية المحايدة التي لا دخل فيها للغة العواطف.
لقد دهشت حقيقة .. بل عجبت كل العجب أن يتحول الأستاذ الجامعي الذي يعرف أصول النقد الأكاديمي إلي مجرد رجل يهذي بكلام لا يمتٌ لثقافة البحث العلمي بصلة، وربما كان هجومه أقرب إلي لغة التشفٌي والحقد علي نجاح الآخرين.
ورحت أرجع بالذاكرة إلي الثمانينات .. هل ما زال الرجل يتذكر أن عز الدين قد رفض أن ينشر له مقالا أو آخر مثلا بمجلة فصول لأن ما قدمه في ذلك الوقت كان غير مناسب لموضوعات العدد، وربما كان دون المستوي ، فدفعه ذلك إلي هذا الموقف الذي لا أظن أبدا أنه منزٌه عن القصد أو الغرض، هل كان ذلك لأن عز الدين قد منعه من الالتحاق بالعمل أستاذا بأكاديمية الفنون عندما كان رئيسا لها، وكان الرجل يحمل ليسانس في غير التخصص، هل كان من المفروض أن يخالف عز الدين اللوائح والقوانين حتي يحلو في عينيه ويصير ناقدا عظيما؟
هكذا بكل بساطة يمكننا أن نصدر حكما بأنٌ نقد عز الدين إسماعيل هو نقد مدرسي محدود؟! أنٌ شعره ركيك، وأن مسرحه ردئ، وترجماته مترعة بالأخطاء وسوء الفهم، قل لي بربك إذن .. أيٌة ترجمة من الآتي وجدت فيها ما تدٌعيه؟
هل ترجمته: رحلة إلي الهند للروائي الانجليزي أي إيه فورستر (مشروع الألف كتاب).
هل ترجمته: السفينة ديربنت للروائي الطاجيكي يوري كريمون (دار الشروق).
هل ترجمته: مقدمة في نظرية التلقي ل روبرت هولب (النادي الأدبي بجدة).
أم ترجمته: نظريات الخطاب مقدمة نقدية بقلم ديانا ماكدونيل (المكتبة الأكاديمية بالقاهرة)
أم ترجمته: سوسير: دراسة في نشأة الألفية وعلم العلامات وتطورها في الفكر الحديث ل جوناثان كولر (المكتبة الأكاديمية بالقاهرة)
دعك من هذا واسمح لي أن أسألك سؤالا آخر: أي الكتب الآتي أسماؤها يمكن أن تصفه بكل أمانة علمية وتجرد بأنها كتب مدرسية محدودة لناقد متوسط الموهبة أو محدود الفكر.
هل كتابه: الأدب وفنونه الذي ألٌفه وهو معيد بالجامعة، وما زال يدرٌس حتي الآن في كثير من الجامعات العربية.
أم كتابه: الأسس الجمالية في النقد العربي عرض وتفسير ومقارنة، الذي أثني عليه الأستاذ العقاد، وهو بالمناسبة عن رسالة الماجستير في آداب عين شمس؟
هل تظن ما تظن في كتابه: قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر ؟
ألا تعدٌ معي كتابه في التفسير النفسي للأدب كتابا رائدا في مجاله، وقد أقرٌ بذلك أمامي أستاذ علم النفس المتخصص يحيي الرخاوي وآخرون في أكثر من مناسبة.
هل تعتبر كتابه الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والموضوعية كتابا مدرسيا محدودا؟ أم تعتبر ذلك ينطبق علي كتابه: في الشعر العباسي: الرؤية والفن ؟ هل تعتبر كتابه: الفن والإنسان مجرد كتابات ساذجة؟وأكثر من عشر كتب أخري لا يتسع المجال لعرضها
.... هل تعتبر كل ذلك هراء؟
هذا الثراء والتنوع العجيب .. ألم يعجبك شيئا فيه علي الإطلاق؟ حتي إن لم يعجبك كل هذا، فإن ذلك لا يعطيك الحق أن تصف كتابات الراحل الجميل بهذه الطريقة المليئة بالحقد إلا أن يكون هنالك مآرب أخري لا يعرفها القارئ، أرجو أن تفصح عنها حتي لا يصبح صدرك ضيقا حرجا.
وإذا كنت تزعم أن عز الدين نال حظا من الشهرة بسبب ارتباطه بالجمعية الأدبية المصرية أولا، وعلاقته الوطيدة بصلاح عبد الصبور ثانيا، ثم صلته الوثيقة بالمؤسسة (الدولة) ثالثا، فإنني أقول لك: الحمد لله أن هناك من أعضاء الجمعية الأدبية من هم علي قيد الحياة من أمثال عبد الغفار مكاوي، وأحمد كمال زكي وغيرهم، وبوسعك أن تسألهم عن دور عز الدين إسماعيل الريادي الذي أضاف إلي الجمعية قبل أن يأخذ منها.
أما أن تدٌعي أن صداقته لصلاح عبد الصبور أو صداقة عبد الصبور ودعمه له أدت إلي إعطائه دورا علي حساب من هم أجدر منه .. فدع هؤلاء الذين سلبهم عز الدين حقهم أن يحدثونا عن هذا فهجم أوْلي، ويجب أن تعرف أيها الكاتب أنه إذا كان صلاح عبد الصبور قد أضاف لعز الدين إسماعيل شيئا فإن صلاح وجيله من رواد الشعر الحديث مدينون لعز الدين بأشياء.
لقد كتب عن هذا الجيل في مرحلة من أخطر مراحله وهي مرحلة البحث عن الوجودالفعلي، البحث عن تنظيرات نقدية تقوم حول كتاباتهم، كتب عز الدين عن البياتي والسياب ونازك الملائكة وأحمد حجازي وخليل حاوي وأدونيس والفيتوري وغيرهم، قبل أن يضيف أي واحد منهم شيئا له.
أما عن المضحكات المبكيات فهو ما تحاول أن تصف به شخصا فارق الحياة _ لا حيلة له في الدفاع عن نفسه _ فإنه كان ربيب المؤسسة، لصيق الصلة بالسلطة، وقد قدٌّم لها خدمات كثيرة نال بسببها ما وصل إليه من مناصب.
ويعلم الله، ويعلم كثيرون من أصدقاء عز أوأعدائه، أن الرجل ظل له مواقفه الثابتة التي لا تتزعزع تجاه المؤسسة، بل ربما دفع ثمنا باهظا لاستمراره علي موقفه في الوقت الذي حقق غيره الكثير من المكاسب.
إن هذا الرجل العظيم الذي تدٌعي صلته بالمؤسسة لم ينل من الجوائز في بلده إلا جائزة مصرية واحدة في حياته وهي جائزة الدولة التقديرية عام 1985 ، في حين أنه قد نال جائزة العالم الذهبي في يوغوسلافيا 1984، وجائزة مؤسسة التقدم العلمي بالكويت في السنة نفسها، ثم جائزة فيصل العالمية في السعودية سنة 2000م وهو مرشٌح الآن _ بعد وفاته _ لأكثر من جائزة .. وبعد فياأيها الكاتب (الميديوكراتي)
لا يسعني في النهاية إلا أن أذكٌرك بقول الشاعر العربي:
كناطح صخرة يوما ليوهنهاافلم يضرها، وأوْهّي قرنه الوعل
(سكرتير الجمعية المصرية للنقد الأدبي) والأستاذ المساعد بآداب عين شمس .
|
|
|
كاتب مصري ميديوكر
د.حسن البنا عز الدين
كتب صبري حافظ في عموده الذي يوقعه ببريده الإلكتروني بما معناه __كاتب مصري__ في عدد الأحد 11 مارس 2007 تحت عنوان __مبالغات__ عن أستاذي الدكتور عز الدين إسماعيل وكيف أن ثمة مبالغات في الكتابة عن الرجل بعد رحيله علي حساب أشخاص أكثر قيمة منه من زملائه أو تلاميذه، وجعل يؤكد هذا المعني وكأن أحدا دفعه دفعا إلي هذا الكلام، أو كأنه تصور أن لن يتصدي أحد للدفاع عن الرجل دفاعا موضوعيٌا. ويمكننا تقسيم المسألة إلي شقين: الأول: اعتبار رأي صبري حافظ في عز الدين إسماعيل مجرد رأي شخصي من أستاذ في الأدب العربي لم يدرس الأدب العربي في مصر بل درسه في إنجلترا بعد مرحلة الليسانس التي حازها في الخدمة الاجتماعية. والآخر، اعتبار رأي حافظ رأيا جانبه الصواب شكلا وموضوعا بأن نفند كل ما ورد في عموده تفنيدا موضوعيٌا. وإذا ملنا إلي الشق الأول فقد نقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه حافظ فنهاجمه ونقول إنه متوسط القيمة (مديوكر) بمعني الكلمة في كل ما كتب، وأن ليس له تلاميذ يذكرون أو حتي أساتذة يؤبه لهم كثيرا. ولا شك أن لديه بعض الأصدقاء الذين قد يوافقونه علي رأيه كيدا في أستاذ رحل عنا بعد ستين عاما من العمل المتواصل في خدمة الأدب العربي وحاز علي جائزة الملك فيصل العالمية بكتاب هو في الأصل أطروحته للماجستير، علاوة علي الجوائز الأخري من مصر وخارج مصر. وإذا فضلنا الشق الثاني فسوف نضطر إلي وضع تلك الأسماء التي ذكرها حافظ بوصفها أكثر قيمة من عز الدين إسماعيل علي المحك، ومنهم بعض أساتذتي الذي كشفتج عن قيمته الإيجابية والسلبية في مقالين منشورين في أخبار الأدب وفي مجلة فصول. ومنهم بعض زملاء عز الدين إسماعيل وبعض تلاميذه ممن يمكن غربلة أعمالهم لتكشف في النهاية عن نقاد ميديوكر بمعني الكلمة. ولأننا لا نريد أن نقوم بأي من الاختيارين بشكل جدي فهذا مضيعة للوقت فسوف __ننتصر__ للتوسط وانعدام الموهبة، علي حد تعبير حافظ في نهاية عموده، ونأخذ بمبدأ الدعاء بالرحمة لحافظ، والرحمة تجوز علي الميت والحي، وغفر الله لنا جميعا.
آداب عين شمس
|
|
|
كلمة
تحية عن بعد
صبري حافظ Katibmisri@yahoo.co.uk
فمحمود العالم ناقد لامع منذ البداية، متوقد الموهبه، وحاد الثقافة، ومسلح بمعرفة فلسفية ترفد ثقافته بتلك الدقة المنهجية التي يعود إليها سحر مقولاته وقدرتها علي التأثير والإقناع
أود المشاركة عن بعد في الأنشطة الدائرة في مصر احتفالا بالناقد الكبير محمود أمين العالم، وهي أنشطة ليست مفصولة بأي حال من الأحوال عن البحث عن قيم فكريةجديدة، وثقافة بديلة غير ثقافة المؤسسة الفاقدة للدور والمصداقية. فالاحتفال بعيده الخامس والثمانين مد الله في عمرة ليس مفصولا عن البحث عن منابر بديلة، أو تنظيم أنشطة ثقافية مضادة لأنشطة المؤسسة الكرنفالية التي تكشفت في أخر مهرجاناتها مهرجان الشعر عن خوائها الفكري وإخفاقها الكارثي بكل المعاني. وهي تحية عن بعد لسببين: أولهما البعد الجغرافي الذي حال بيني وبين حضور أي من تلك الاحتفالات بدفئها الحميمي وحرارتها الانفعالية. وثانيها البعد الذي تخلق بين عدد من أبناء جيلي من النقاد وأنا منهم واجتهادات الأستاذ العالم النقدية والفكرية والسياسية، عندما بدأنا الكتابة النقدية، حول ما عرف باسم الواقعية الاشتراكية في النقد وقتها. ثم حول كتاباته النقدية غب خروجه من المعتقل في منتصف الستينات. وقد تخلق هذا البعد بالرغم من انطلاقنا معا من منطلقات فكرية توشك أن تكون متماثلة، أو بالأحري بسبب هذا القرب في المنطلقات. والواقع أن قيمة الاختلاف الفكري الجاد من القيم التي أرساها ناقدنا الكبير في مطلع حياته النقدية، حينما بدأ كتابه الأول (في الثقافة المصرية) عام 1955 بالاختلاف مع السائد والراسخ والمستقر ومع رؤي نجوم الحياة الفكرية والثقافية في مصر وقتها. بل وقبل هذا التاريخ بزمن غير قصير حينما كتب الافتتاحية البيان لمجلة (البشير) الطليعية عام 1948.
وقد ظل الأستاذ العالم وفيا لهذه القيمة ومحترما لها وحريصا في الوقت نفسه علي إفساح أكبر مساحة للحوار الفكري الجاد، والجدل الثقافي الخلاق. فقد بدأ الأستاذ العالم دراسته الجامعية بدراسة الفلسفة، وهي الدراسة التي تعلم أصول الجدل العقلي الحر والتمحيص الهادئ المستنير للرؤي والأفكار. ولا أود أن تكون هذه التحية عن بعد تعديدا لإنجاز محمود أمين العالم النقدي والأدبي والفكري، فليس هذا مجال التحية وإنما موضوع دراسات لابد من القيام بها لتمحيص إنجاز الرجل وتقدير دوره. بدءا من دوره في دراساته الفلسفية عن فلسفة المصادفة والاجتماعية المهمة، وحتي شعره في ديوانيه (أغنية الإنسان) و(قراءة في جدران زنزانة) وهو الشعر الذي لم يحظ بغير دراسة جيدة واحدة قام بها الراحل الكبير بدر الديب زميل العالم في مجلة (البشير) وقتها، وأهم من هذا كله دوره النقدي والثقافي العام الذي بدأ من افتتاحية (البشير) واستمر حتي العدد الأخير من مجلته الشهيرة (قضايا فكرية) مرورا بكتبه النقدية المتتابعة والتي حفرت مسارها المنهجي في النقد العربي. وهي كلها أعمال وأدوار لانستطيع أن نوفيها حقها في مقال احتفائي من هذا النوع. ولكن مكانها دراسات عديدة لابد أن تكتب إذا ما كان لثقافتنا أن تبني فوق انجازها العقلي، وأن تشحذ ذاكرتها الثقافية والنقدية، وأن تصحو من كبوتها التي طالت.
كل ما استطيع أن أقوم به في مقال قصير كهذا هو أن أوجه تحية خاصة للأستاذ العالم تحتفي بالكثير من القيم الإيجابية التي أرساها في حياتنا الثقافية ودافع عنها بصلابة ودأب وإخلاص. وكانت أولي هذه القيم كما ذكرت هي قيمة الاختلاف، بالمعني الفولتيري الشهير للدفاع عن حق الآخرين في الاختلاف والتعبير عن رأيهم، مهما كانت معارضته لهذا الرأي. وكانت القيمة التي رافقتها هي الأصالة والإخلاص لفكره وموقفه. فمحمود العالم ناقد لامع منذ البداية، متوقد الموهبه، وحاد الثقافة، ومسلح بمعرفة فلسفية ترفد ثقافته بتلك الدقة المنهجية التي يعود إليها سحر مقولاته وقدرتها علي التأثير والإقناع. فمع أنه بدأ حياته جامعيا، حتي طرد من الجامعة في منتصف الخمسينات، فإنه ليس من الجامعيين المدرسيين الذين يقتصر تأثيرهم علي نقل ما تعلموه وتلقينه لطلابهم. وإنما من تلك الحفنة القليلة التي تتمتع بالموهبة الحقة التي تمكنها من أن تضيف إلي ما تعلمته، وأن تبدع فيه، وأن تشغل به الرأي الثقافي العام. هذا الحس الإبداعي الذي يتجسد في شعره بقدر ما يتجسد في كتاباته النقدية هو سر تأثير محمود أمين العالم حتي في الذين يختلفون معه. لأنك مهما اختلفت معه لاتملك إلا احترام أصالة فكرة، والاعتراف بجدة كشوفه، والتعامل مع استنتاجاته بروح عقلي نقدي خلاق.
أما القيمة الثالثة والمهمة عندي فهي حرص محمود أمين العالم علي استقلال المثقف ونزاهته. استقلاله عن المؤسسة السياسية وحرصه علي الانحياز لقضايا العدل الاجتماعي والحرية. فباستثناء عدة سنوات لاتتجاوز الخمس، وهي فترة قصيرة في مسيرة ثقافية طويلة تمتد من الأربعينات وحتي اليوم أي ما يقرب من ستين عاما لم يعمل محمود العالم في قلب المؤسسة، ولم يتوحد مع توجهاتها باستثناء تلك السنوات الخمس الأخيرة من عمر التجربة الناصرية. وشتان بين تلك المرحلة وما تلاها من مراحل وفساد. ومهما كانت مبررات الاختلاف معه في هذا الأمر، فإن ما يشفع للرجل أنه كان يخدم تصوراته الفكرية التي عبر عنها وهو داخل المعتقلات الناصرية والتي التقت وقتها مع توجهات النظام الناصري. وأنه كانت ولازالت له فلسفته التي يفصل فيها بين الدولة المصرية، العابرة للأنظمة والتي يمولها الشعب المصري، وبين المؤسسة السياسية وتحيزاتها الطبقية والأيديولوجية والتي حرص علي النأي بنفسه عن أدرانها. وهذا الاستقلال عن المؤسسة والحفاظ علي قيمة الكلمة وكرامة المثقف هو ما مكن محمود أمين العالم من أن يكون جزءا حيا من ضمير الثقافة المصرية والعربية، وأن يكون نموذخا للمثقف الحر المستقل الذي لابد أن نحتفي به في كل العصور.
|
|
|
|