دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
سكة صدي
السنة -714ه - العدد1428صفرمن28- م2007مارس من18 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:31:53 AM الساعة - 3/17/2007 آخر تحديث يوم
      البستان
محمد البساطي يعود مجددا إلي بئره الأولي:
جوع ادخلوها بسلام آمنين
رواية: محمد البساطي
في السنوات الأخيرة اعتاد محمد البساطي أن يقوم بزيارات خاطفة الي المدينة الواقعية في 'ليال أخري' والمدينة الأسطورية 'الخالدية' والمدينة البين بين 'دق الطبول'.
ولكنه بين زيارة وأخري يفضل العودة إلي بئره الأولي، ومستودع حكاياته في القرية.. العالم الذي بني منه نحو مائة قصة ورواياته 'بيوت وراء الأشجار'، 'صخب البحيرة' 'ويأتي القطار' و'فردوس'.
وفي هذه الرواية 'جوع' يعزف البساطي سيمفونية من ثلاث حركات: الزوج، الزوجة، الابن، مع استهلال وخاتمة.
فيها، كما في إبداعه كله، تلك الحفاوة بالصمت ورهافه الحوار ونعومة الكتابة عن العوالم الخشنة.
ننشر هنا الحركة الأولي 'الزوج' من الرواية التي ستصدر كاملة قريبا في كتاب بقطاع الثقافة عن دار أخبار اليوم.

واجهة البيت من الطوب الأحمر . انتفخ أسفلها بسبب الرطوبة ، وتساقطت بعض حِجّارتها . فجوات كبيرة جري ترقيعها بالأسمنت . الباب من الخشب السميك ، كتب علي الحائط فوقه بفرشاة في لون أبيض:
ادْخجلجوهّا بِسّلاّمي آمِنِينّ
اللون مازال زاهيا ، والكلمات رغم السنين مكتملة الأطراف . الولد الصغير في البيت كان يرعاها ، هو لا يفك الخط إنما أعجبه شكلها . منذ تفتحت عيناه علي الدنيا يراها كلما هم بدخول البيت . كان يتسلق الباب لينظفها من الغبار ويغسلها بخرقة .
جدران البيت الجانبية والداخلية من الطين . الحجرة الوحيدة مسقوفة بعروق الخشب ، والحوش نصفه بدون سقف مما يسمح لضوء النهار والليل بالدخول . النصف الآخر معرش بخليط من فروع الأشجار والجريد وقطع صفيح وخرق تتدلي أطرافها لا تختلف في شكلها كثيرا عن الثعابين التي تتلوي جنبها .
المصطبة تأخذ تجويفا عريضا أشبه بكهف أمام الباب ، تكفي العائلة حين تشتد الحرارة وينامون فوقها خِلفْ خِلاف .
الزوج . .



كعادتها حين ينفد العيش من البيت تصحو سكينة في البكور وتقعد علي المصطبة ، والطرحة ملمومة في حِجرها ، وتكون غسلت وجهها ولبست الجلباب الوحيد لديها ، عاش معها سنوات ، نحل كثيرا واختفي لون وروده . هي لا تنام به ، تكتفي بالقميص الداخلي بما فيه من رقع .
يلحق بها زوجها والولدان والنعاس لم يفارقهما ، كانا في الثانية عشر والتاسعة ، الصغير رجب يرمي بنفسه ورأسه علي فخذها ويروح في النوم . الكبير زاهر يقرفص جنب حلق الباب ، وزوجها بالطرف الآخر من المصطبة يجسلك أسنانه بعود قش .
تغمغم بهمس لا يسمع :
­ آه . يسلكها . أكل الزّفر ويسلكها .
غير أنها تدرك ما يرمي إليه بتسليك أسنانه . هو جائع ويجذكٌرها بأن تسرع للبحث عما يسكت جوعه ، الأربعة ناموا ببطون فارغة ، كان نومهم متقطعا ، أحست بالولدين يقعدان أثناء نومها ، ويتلفتان هنا وهنا ثم يعودان للرقاد . وما بيدها أن تفعل ؟ آخر ما كان مع زوجها صرفه من يومين . اشتري به سيجارة . هو لا يدخن .
­ انما آهو . اللي حصل .
رجع ليلا والسيجارة مشتعلة في فمه .
حين رآها والولدين مكومين علي المصطبة ضغط طرف السيجارة المشتعل بين إصبعيه ودسها في جيبه . هي في قعدتها علي المصطبة مثل كل مرة تنتظر طلعة النهار لتمر علي بيوت من تعرفهن تستلف رغيفين، أحيانا تجد ، وأحيانا لا تجد ، ترد دائما ما تستلفه . قد تتأخر غير أنها ترده . لا تنتظر أن يطلبن منها . أوقات تلتقي بواحدة منهن . الواحدة لا تقول . غير أن وجهها يقول . وترد عليها سكينة:
­ هانت . كلها يومين وأخبز .
ويظل وجه الواحدة علي ما هو عليه ، وكأن سكينة لم تقل شيئا .
ويوم الخبيز لا تلوح له بشائر . زوجها لا يتزحزح من سكونه ، يعمل يومين ويبطل عشرة ، ما تريد أن تقوله له تغمغم به لنفسها . وآخرتها . كل الرجال في الحارة يعملون ، ولا ولد في البيت جعان أو عريان ، وهو ولا علي باله . ليل نهار إما راقد في المندرة أو قاعد علي المصطبة أو يتسكع في السوق . يتسكع الليل بطوله ، يقعد مع القاعدين علي المصاطب وفي الزوايا ، ويقف مع الواقفين ، لا يهش ولا ينش ، يضحك مع من يضحكون ، ويوافق بهزة من رأسه حين يراهم يوافقون علي ما يقال ، يختار الأكثر عددا ويتبعهم حتي يتفرقوا فيعود باحثا عن آخرين .
­ وإيه عاجبك في ده كله يا زغلول ؟
تسأل نفسها .
حفظت طبعه . ما أن تراه يفرد طوله علي المصطبة ويداه داخل فتحتي السيالة يتحسس بطنه وينظر يمينا وشمالا حتي تعرف أنه زهق من القعدة ونوي رؤية الدنيا وما يجري فيها ، ولن يعود إلا علي وش الفجر بعد أن تخلو المقاهي وشارع السوق الذي يفضله عن كل الشوارع حيث يزدحم بكل من هب ودب ، وتكثر الدكاكين والأنوار .
­ واللي زاد . مزاجه الجديد . المْعزيّ.
تكلم نفسها .
ما من مّعْزي في البلدة إلا وقصده ، يمشي إليه ما يمشي ، ويظل بالسرادق حتي يختم المقريء ، ويساعد في جمع الكراسي ، حين يراه عمال الفِرّاشة متحمسا يتركون له جمعها ورصها علي العربتين الكارو ، ويتفرغون لفك قماش السرادق ، ولا يتعب ، رغم ما يبدو عليه من نحول وهزال إنما عظامه ناشفة وشديدة ، رأته مرة يحمل علي ظهره دولابا بأربعة أبواب ، وسار به من عربة زفة الفرش إلي بيت عروس من الجيران .
­ آه . كان يوم . والناس مابتنساش .
قبلها بسنتين . نفس الشارع وأيضا زفة فرش عروس.
­ سامية بنت خليل . ومن ينساها ؟
الدولاب منصوب علي عربة كارو ، يمسك به رجلان من كل جانب ، ومرآته الكبيرة تبرق ، ويظهر بها كل شيء ، حتي النسوان علي السطوح ، أكثر من واحدة تقرفص في قعدتها وتنسي نفسها ، وتظهر سيقانهن من الداخل خطفا في المرآة ، ولا تظهر رؤوسهن . وتعلو صيحة :
­ غطي نفسك انت وهية علي السطح .
والأولاد تعلقوا بالعربة ومدوا وجوههم ، وانفجرت صيحاتهم حين رأوها في المرآة .
­ آه . كان يوم .
الحارة ضيقة حيث بيت العريس ، لا تدخلها العربة . أوقفوها علي رأس الحارة . أنزل الرجال الأربعة الدولاب من فوق العربة ، وساروا به إلي داخل الحارة . كانوا محنيين تلامس وجوههم الدولاب وقد شمر كل منهم جلبابه وعقده حول وسطه ، ينقلون أقدامهم في حذر والعروق نافرة بجباههم .
­ وسبحان الله لماٌ يريد .
واحد منهم انفكت عقدة جلبابه . تعثر في ذيله وسقط علي ظهره . اختل توازن الثلاثة الآخرين ، هوي كبيت يقع . تناثر . ثماني حتت هنا وهناك . والمرآة ولا شبر واحد سليم بها . وصلت شظاياها لعمق الحارة ، وتحولت الزغاريد إلي صراخ وعويل ولطم علي الخدود.
­ آه . وفي ليلة دخلتها . فال وحش وكان اللي كان .
العريس لم يقل كلمة . جاء جريا وألقي نظرة علي الدولاب المبعثر وعاد إلي بيته ، وتبعوه بباقي الفرش . والفرح وتم . زغاريد والعيون تدمع . الكل يتوقع مصيبة ولا يعرف من أين تأتي .
ودخل العريس بعروسته . واستحمت وضفرت شعرها .
وفي اليوم الثاني بعد الزواج أعادها إلي بيت أبيها .
خليل أبو العروس كان اشتري نصف فرش ابنته بالدين .
قال لصاحب محل الموبيليات:
­ علي القطن بإذن الله .
والقطن أمامه سبعة شهور . وصاحب المحل وافق ، وأخذ إيصالات أمانة علي خليل ، والقطن في أرضه لن يكفي . قال يومها :
­ لما ييجي يوم السداد يحلها ربنا . المهم نستر البنت .
والبنت ورجعت لبيت أبيها .
­ واللي علي لسانه كلمتين قالهم .
وكثر الكلام . عروس وتعود لبيت أبيها بعد يوم من زواجها ؟
­ لأ . فيه حاجة .
خليل وربما لم يبلغه ما يتهامسون به وإلا كان له تصرف آخر لا يعلم به إلا الله قال:
­ أشتري دولاب تاني والسلام .
والقطن لن يكفي أبدا .
خطف رجله لبيت خليفة العريس . قال :
­ آخده معايا . يختار اللي يعجبه .
خليفة استقبله واجما مطرق الرأس . قال :
­ ولا عايز دولاب ولا غيره .
خليفة رجل يعرف الله ، وختم القرآن ، ويفتي أحيانا في أمور الدين ، ويسمح للبعض بتقبيل يده مغمغما :
­ أستغفر الله .
وحين يمر بمصلي وقت الصلاة يقوم بالأذان ويؤم المصلين بها ، غير أنه لم يحاول أن يؤمهم في الجامع ، فيه مشايخ قادرون علي صده .
خليل غير فاهم ، نظر إلي خليفة حائرا ويداه منقبضتان في حجره :
­ وغضبك ده كله ؟ حصل اللي حصل . قضاء وقدر .
انفعل خليفة بشدة .
­ آه . قلتها . قضاء وقدر . كل ما حاجة تحصل تقولوها .
خليل زادت حيرته ، يتلفت حوله وينظر لباب الحجرة المفتوح :
­ والله ما فاهم حاجة . دولاب وانكسر . وحانجيب غيره .
خليفة مازال في انفعاله :
­ موش فاهم ؟
­ والله يا ابني ما فاهم .
ثم فجأة خطر له ما أثار الشك في نفسه ، تجمدت حركته ، واستطال وجهه وغمغم:
­ قل لي يا خليفة . انت دخلت بالبنت ؟
­ طبعا دخلت .
­ والبنت سليمة ؟
­ أستغفر الله . دماغك شطحت .
­ الحمد لله .
وسكت مزيلا بإصبعه ما انبثق من قطرات عرق علي وجهه ، وتساءل :
­ هو فيه إيه ؟
­ يا عم خليل . يا عم خليل . اللي حصل ده رسالة . لو كان الدولاب وقع بعيد عن هنا كنا قلنا آه ، إنما قرب البيت بخطوتين . وفي يوم الدخلة . تفهم إيه يا عم خليل ؟ تفهم إيه ؟ دي إشارة ، بتقول حاسب عندك .
­ حاسب من إيه؟
­ حاسب من الجوازة دي . موش تمام . موش مضبوطة . فيها حاجة غلط . تبان النهاردة . بكرة . بعد سنة . إنما موجودة .
­ وإذا كان ده اللي في دماغك دخلت بالبنت ليه ؟
­ عايز أعرف يا عم خليل . عايز أعرف إن كان الغلط فيها . القصد . زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف . وأنا تحت أمرك في أي حاجة .
وخرجوا بالمعروف .
أسبوع والثاني والهمس لا يتوقف . الناس لا تصدق أن ذلك ما جري . يعرفون أن خليفة صحيح متطير . إنما هو أيضا رجل صالح ، وربما أراد أن يستر علي البنت بعد أن اكتشف عطبها فقال ما قاله وأخلاها .
البنت حائرة من نظرات الناس . ولا تخرج هنا أو هنا . وحتي من يدخلن بيتهم يتجنبن النظر أو الكلام معها . وعندما تقف بباب البيت تحس بعين الواحدة منهن التي تمر صدفة تحتويها من فوق لتحت وفمها يلتوي جانبا .
أم البنت من كثرة ما بلغها من كلام شكٌت في الأمر ، البنت بنتها ، وتعرف كل خطوة مشتها . إنما . . قالت :
­ يا مصيبتي . ليكون اللي بيقولوه . .
اختلت بالبنت في حجرة أغلقتها بنفسها واستدارت إليها . وجهها المتجهم ، وعيناها المشتعلتان :
­ قولي لي بقي . الكلام ده اللي باسمعه من أسبوع .
البنت ولا علي بالها . وكانت صدقت ما قاله خليفة لأبيها . ردت علي أمها :
­ كلام إيه ؟
وفتحت الأم في الكلام . قالت وقالت . والبنت تسمع وتسمع . وجهها راح منه الدم ، وارتعشت ساقاها ، لم تتحملاها فسقطت من طولها .
لم تقم بعدها . يوم بليلة وراحت لحالها .
وتدور الأيام . وزفة فرش أخري . نفس الشارع . والحارة أيضا ضيقة علي بعد حارتين من بيت خليفة . والأربعة الذين يمسكون بالدولاب علي الكارو رفضوا أن يحملوه إلي بيت العريس ، تذكروا ما فات . الكل من لحظة ما دخلوا الحارة افتكر . والبعض همس :
­ رحمة عليها . راحت في شربة ميه .
زحمة في الشارع وعلي نواصي الأزقة ، ينتظرون ، والكارو وقف علي رأس الحارة التي بها بيت العريس ، وكان واقفا أمام بابه المفتوح في انتظارهم ، والأربعة علي الكارو مترددين ، وأهل العروس يكلمونهم ، وآخرون دخلوا في الكلام ، والأربعة يرمقونهم من فوق العربة صامتين ولا يتحركون .
زغلول كان قادما من حيث لا يدري أحد . سمع وشاف . خلع جلبابه ورمي به إلي أحدهم ، سكينة لمحته ، واندفعت تشق طريقها إليه ، تريد أن تنبهه إلي المزق بسرواله من الخلف والذي بين جانب من إليته العجفاء ، والبعض من الواقفين يداري ابتسامته ، وسكينة ابتعدت مكسوفة .
تقدم زغلول من الكارو ، وتكلم مع الأربعة ، التفتوا إليه ووزنوه بنظراتهم ، ربما كانوا وحدهم من بين الجميع الذين عرفوا قدره .
استداروا بالدولاب ومالوا به في حذر حتي استقر علي ظهر زغلول ، ومشوا علي جانبي الدولاب وأيديهم متأهبة لتمسك به .
الكل ساروا وراءهم حتي غصت بهم الحارة ، يتوقعون حدوث ما حدث من قبل .
الدولاب وكأنما يتحرك وحده ، زغلول كان مختفيا تحته لا يظهر شيء منه ، وفي لحظة لمحت سكينة قدميه تدبان في بطء ، ثم رأت ساقيه ، عروقهما النافرة تكاد تخرج من جلده ، توقف مرة واحدة ، والكل حبسوا أنفاسهم ، ظنوا أن اللحظة جاءت . الأربعة عدلوا من وضع الدولاب وكان قد مال خفيفا جانبا .
وصل أخيرا ، ودخل الدولاب البيت ، وضجت الحارة بالزغاريد ، ولا أثر لزغلول ، تلفتت هنا وهناك ولم تلمحه ، ثم رأته بجوارها ينفض جلبابه . سألها :
­ بتعملي إيه هنا ؟
­ شجفتك .
هي علي المصطبة ترمقه بطرف عينها ، وكان يجسلك أسنانه بعود القش .
­ إيه يا سكينة . حاتفتكري إيه ولا إيه .
لا يظهر عليه التعب إلا حين يعود إلي البيت ، ظهري ، جنبي ، طيب . الحمد لله علي كل حال . تسأله وهي تدعك ظهره :
­ والمعْزي وشيل الكراسي؟
­ أيوه الحته دي .
منتصف ظهره ، ويتأوه :
­ بالراحة .
يدها علي عموده الفقري تروح وتأتي . تسأله مرة أخري . ويقول :
­ أيوه المعْزي وشيل الكراسي . ماله ؟
­ وعلي كده قبضت حاجة ؟
­ أستغفر الله . ثواب يا ولية . ثواب .
­ ثواب ؟ يعني مافيش حاجة ؟
­ حاجة إيه يا ولية . بقول لك ثواب .
­ وأولادك برضه ثواب .
­ ولادي ؟ مالهم ولادي يا بنت الكلب .
نتر يدها عن ظهره وقعد . هو لم يضربها أبدا . إنما يخيفها غضبه . تبدو عيناه وكأنما لا تريان ما أمامه ، سرعان ما يتعكر مزاجه إن كلمته عن حالهم الذي يصعب علي الكافر .
ما أن يأخذ كفايته من الكسل والتسكع حتي يبحث عن عمل . هو يجيد أي شيء . قهوجي ، مبيض نحاس ، شيال . أعمال بناء ، سمكرة . لا يبحث طويلا . يقبل بأول ما يقابله ، يشتغل بثلاثة رجال . في المقهي يعمل ورديتين متواصلتين ، وينظفها في الفجر بعد السهرة ، وينام داخلها ، ساعتان كل ما ينامه ، يوقظه المعلم صاحب المقهي قبل طلعة الشمس :
­ إيه يا زغلول . لسه نايم ؟
لا تراه في أيام عمله ، يرسل لها غلاما يعمل في المقهي ، يعطيها النقود ويطلب غيارا نظيفا له . من يسمع الولد يظن أن غياراته خمسة أو أكثر ، وهو غيار واحد لا تذكر إن كانت غسلته . لم يدخل الصابون بيتها من آخر مرة اشتغل فيها ، ربما كعادتها اكتفت بشطفه بالماء ، تزيل ما به من تراب وطين .
تطبق يدها علي النقود والبهجة تغمرها . زمن طويل لم تدخل جيبها ولا لمستها . تعطي ظهرها للولد ، وقبل أن تعدٌها تلتفت برأسها وتري الولد لا يزال واقفا . ترمقه متعجبة :
­ يعني واقف ؟
­ الغيار .
­ غيار إيه ؟
غيار زوجها . نسيت . ترددت . لم تصبر علي عد النقود ، وعدتها . تحسبها وهي تدخل البيت لتأتي بالغيار :
­ الخبيز . النهارده . ودلوقتي . يتبقي قرشين . شوية سكر وشاي . وقرص جبنة ، كفاية نص قرص . وطبق عسل أسود . ويمكن شوية رز وعدس . طب لو الرز وبلاش العدس .
ترمق الولد يبتعد حتي يختفي عن نظرها .
الطحين لم يأخذ منها وقتا . خطفت رجلها لتاجر الحبوب ، اشترت . وقصدت وابور الطحين ، طحنت وعادت . هي قصيرة مربعة ، ممتلئة ، ثدياها الكبيران متهدلان ، يلامسان بطنها ، هرولت باتجاه فرن أم سيد ، أعلنت هناك أنها ستخبز الآن . ومن تريد أن تشوي سمكا ، أو تحمر صواني أكل عليها أن تنتظر إلي ما بعد الخبيز ، ولا تسمع اعتراضا ، وتنفض طرحتها وترمي بها إلي كتفها . عادة ما يكون الفرن خاليا في هذا الوقت من الصباح . امرأة أو اثنتان تقعدان مع أم السيد التي ترمق سكينة دون كلام . وتعود بعد أن قالت ما قالت ، في عودتها وقد انتشت بالزهو ، تشمر الجلباب من جانب فتكشف عن ساقها السمينة ، وتثبتٌ طية الجلباب بكوعها إلي وسطها ، تبدو في مشيتها بحركة ذراعيها وقدميها مثل بطة بلدي تقترب من الترعة .
نصف الخبيز تلتهمه الديون ، تعد ما تبقي من أرغفة.
­ مستورة والحمد لله .
يكفي أنها ستسدد ديونها التي طال زمنها ، تستطيع أن تستلف حين يضيق بها الحال . تحفظ عدد أرغفة كل منهن ، ما أن تعود من الفرن حتي تبدأ السداد . تذهب بنفسها ، كما أخذته ترده ، عيب أن ترسل الولد به ، ماذا يقلن عنها ؟ تلف أرغفة الواحدة في طرحتها وتمضي إليها ، هي لا تخفيها عن العيون ، وما يخيفها منها ؟ مجرد أن تحميه من التراب والذباب.
­ وبرضه العين وحشة .
وربما استاءت الواحدة منهن عندما تري أرغفتها مكشوفة علي زراعها . تحفظ ما تبقي في قفص جريد تعلقه بواسطة حبل في السقف ، وتعقد طرف الحبل في مسمار بجوار الحوش . تبعده عن الفئران وعيون زوجها والولدين . يكون الواحد منهم شبعان وحين يري العيش في متناوله يأكل ما يأكل . زوجها في قعدة واحدة ينهي عليه .
لا تطول أيام عمله ، تراه قادما والجلباب ملقي علي كتفه ، ينقبض قلبها لمجيئه ، وكانت تفكر في الخبيز بعد أن كاد العيش في القفص أن ينفد ، يبدو من وجهه المرهق أنه يسعي للنوم ، تلحق به في المندرة ، يحب أن تدعك ظهره قبل أن يروح في النعاس ، تسأله مترددة :
­ وعاجبك إيه في قعدة البيت ؟
لا يرد .
تميل عليه ويلامس صدرها كتفه . تسأله مرة أخري . يغمغم :
­ ما حبش حد يشتم أمي .
­ ومين شتمها ؟
­ الزباين مرة . والمعلم صاحب القهوة مرة . آهو .
­ ويشتموها ليه ؟
­ اسأليهم . شتيمة الأم مزاج عندهم .
يومان بليلتين يظل نائما . أخفت له رغيفين في هدمة بجوار الفرشة . تسمع قرقشة العيش حين يصحو ليأكل ثم يعاود النوم .
أحيانا يسألها إن كان هناك غموس ؟
وتقول : منين ؟
­ طيب بصلة ؟
­ منين ؟
­ ولا حبتين ملح ؟
تعطيه الملح ، ويتجرع الماء وينام .
راحت الفورة . كل مرة يكون عنده سبب يقوله . وماذا لو شتموا أمه أو أباه؟ انهدت الدنيا؟
­ الواحد بيسمع شتمته ويسكت .
أسبوع . كل ما اشتغله . يكفي الخبيز مرة . لم يبق غير ثلاثة أرغفة في قفص الجريد للولدين ، وتعود للسلف والمرور علي البيوت . لو أسعفها بأسبوع آخر ، أو حتي أربعة أيام ، كانت خبزت مرة أخري .
­ القصد . اللي حصل .
رجع في ليلة من تسكعه ، وأخذ قعدته علي المصطبة في الطرف الآخر محدقا في ظلمة الحارة ، قال:
­ يا سلام لو سيجارة .
نظر إلي رجب الراقد جنب ساقها يغالب النعاس ، فهمت ما خطر له ، يريد أن يرسله إلي البقال ليأتيه بسيجارة علي الحساب . قالت:
­ انت من دون الناس موش حايبيع لك شكك .
­ عارف .
الليل هاديء . والقمر طالع . ولا صوت . الكل نائم . ومن في الحارة غيرهم يسهر إلي هذا الوقت . مغص الجوع يطرد النوم . كلها ساعة زمن وتهدأ بطونهم . المغص لا يدوم ، قرصة والثانية ويسكت .
زوجها مد ساقيه مسترخيا ، هو في مزاج رائق لا تعرف سببه ، ولا تريد أن تعرف . يكفيها ما بها . ولا واحدة من الجارات إلا واستلفت العيش منها ولم ترد ما أخذته بعد ، لو ذهبت إليهن مرة أخري ؟ اثنتان منهن ربما لا يردانها . الجميع يعرفن أنها تسدد ما تستلفه ، أول ما تفعله يوم الخبيز .
طال بقاؤه في البيت هذه المرة .
­ ولا علي باله أي حاجة .
جاءها صوته خافتا :
­ آه يا سكينة .
وتنهد وسكت .
التفتت إليه متعجبة . قال :
­ التعليم حلو .
ازداد عجبها : تعليم إيه ؟
­ التعليم يا ولية . المدارس .
­ مدارس ؟ طيب .
­ مدارس وجامعات . الليلة . تلاميذ من البلد في الجامعة جايين في أجازة . سهرانين في القهوة بالبر التاني . القهوة الكبيرة . حواليها سور خشب .
­ عارفاها . وشفتها .
­ وأنا قاعد علي مصطبتها جنب السور . وأسمعهم بيتكلموا . آه . كلام إيه . أفهم شوية . وما أفهمش شوية . ويبقي نفسي أسألهم .
­ وإيه اللي ما فهمتوش ؟
­ يعني حاتفهمي يا سكينة . اسكتي .
­ سكت .
­ بيقولوا الواحد المفروض ما يشتغلش كل يوم زي الجاموسة في الساقية . لابد يكون عنده وقت يفكر . طب يا جماعة يفكر في إيه ؟ ما قالوش . وعايز أسألهم ، وأبص عليهم ، وأسكت .
­ وطبعا عجبك الكلام ده وفهمته ؟
­ قالوا كلام كتير . آه . الواحد عايش ليه ؟. وأقول في نفسي إلا عايش ليه ؟ عايش وخلاص . ويقولوا يجوز ويخلف أولاد ؟ طب وبعدين ؟ وأسأل نفسي عايزين الواحد منا يعمل إيه أكتر من كده ؟ كلام كتير . وبعد ما مشوا أنا مشيت . ودماغي فيها زيت بيغلي ويطرطش . وأقول ناس راضية ، وناس موش راضية ، آه . دنيا غريبة .
­ وإيه الغريب فيها ؟
­ آهو .
سكت . طوي ساقيه ورقد علي جنبه ، بعدها تمدد علي ظهره ، وراح يهرش بين فخذيه .
­ طول اليوم وأنا بهرش .
وسألها إن كانت نظفت سرواله مما به قبل غسيله ؟
­ نظفته يا زغلول . كوم براغيث وقمل . شوف بتقعد فين ولا بترميه فين .
­ ما بقعدش مع غيرك . ولا بيخلعه عني غيرك .
­ مين يسمع ؟ امتي ؟ من شهر ؟
­ يا ولية ؟ والخميس اللي فات ؟
­ ودي تحسبها ؟ غيرك يكٌسف يقولها .
­ ما كانتش مرة خابت .
­ مرة واحدة ؟ طول الليل يمشي هنا وهنا لغاية ما ينهد حيله . أقول له إيه ؟
رفسها . وجاءت الرفسة في فخذها . المرة الأولي التي يرفسها ، انطوت وسكتت ، وهو قام وسار مبتعدا.
كان يوم أسود يوم عرف التلاميذ . يخرج كل يوم وقت الغروب ويعود علي وش الفجر ، يبحث عنهم بطول البلد وعرضها حتي يعثر عليهم ، ويقعد غير بعيد بحيث تصله أصواتهم ، لا يريد أن يلفت نظرهم إليه فيضايقهم وجوده ، ومرات ينتبه إلي أنه كان يضحك عندما يضحكون ، أو يهز رأسه موافقا حين يسمع شيئا فهمه وأعجبه ، أحيانا لا يجدهم ، ويظل في تجواله حتي يفقد الأمل ، فيكتفي بأي تجمع يلقاه ، ويستكين بجواره ويستمع . لم يعد يعجبه ما يقولونه ، نفس الكلام الذي قالوه من قبل ، فلان ذهب ، فلان عاد ، فلان ضرب امرأته ، أو غضبت وراحت بيت أهلها ، وفلان سجرقت بهيمته ، وأسعار الحاجة التي تزايد يوم بعد يوم ، وبقال التموين وما يسرقه كل شهر. لا يتحمس لما يسمعه ، وأكثر من مرة يأخذه النعاس ويصحو حين يهزه واحد منهم ليوقف شخيره . أين هم من أصحابه التلاميذ ، صحيح أنه لا يفهم الكثير مما يقولونه غير أن بعض الذي يفهمه يشغل دماغه وقتا طويلا ، وحتي ما لا يفهمه يجد نفسه منجذبا إليه ، مستمتعا بحيرته وهو يقلبه في ذهنه . آه . وحماسهم أيضا وهم يتحدثون ، تختلط أصواتهم ويعلوا صياحهم ، ويهز رأسه وهو يسمعهم مغتبطا ، أعجبته كلمة أصحابه ، فراح يرددها مع نفسه ، عددهم خمسه ، ومرات يزيد أو ينقص واحد . قعدتهم دائما في المقهي الكبير ، نفس الركن المطل علي الشارع ، حين لا يجدهم يبحث عنهم هنا وهناك ، أحيانا يلمحهم يمشون علي الطريق الزراعي ، تصله أصوات ضحكاتهم المرتفعة ، هو علي بعد ، لا يقترب ، ولا يسمع ما يقولون ، ويضيق بذلك ، غير أنه يستريح لوجوده بالقرب منهم .
أحيانا لا يعثر عليهم في أي مكان ، فيمر علي بيوتهم بعد أن بحث وعرفها ، ويجدهم مجتمعين في واحدي منها ، يستطيع أن يميز أصواتهم من مئات الأصوات . ينصت قليلا ، ويعرف من كلامهم أنهم لن يخرجوا الليلة ، ويمضي باحثا عن آخرين .
وكان قاعدا في مرة علي مصطبة المقهي الكبير بجوار السور ، وهم في الداخل . كانوا ساكتين ، وانتظر، يدخنون الشيشة ويسعلون ، سعالهم شديد .
وقال لنفسه صغار علي التدخين ، لو انتظروا خمس سنوات كان أفضل لصدورهم .
تكلموا في صوت خافت ، لم يستطع سماع ما يقولون ، ثم ارتفعت أصواتهم قليلا قليلا ، يحكون عن بنات ونساء عرفوهن هناك حيث جامعاتهم . القاهرة . الإسكندرية . حلوان . واحد منهم يؤجر حجرة في شقة بدون باب من حجرتين بالدور الأرضي، الحجرة الأخري تسكنها امرأة في الأربعين تقريبا ، تقيم وحدها ، تخرج أول الليل وتعود في ضحي اليوم التالي . وتأتي أيام تبقي في حجرتها ، لا يسمع لها صوت ، ولا ضجة تأتي من ناحيتها . ملابسها محتشمة ، ولا تضع ألوانا بوجهها ، وشال أخضر بأسود دائما علي كتفها . يتبادلان تحية عابرة ، ولا كلام . كل منهما يغلق باب حجرته علي نفسه ، هو خجول منها ، ولا يعرف عنها شيئا . دورة المياه مشتركة ، اعتادا دون اتفاق أن يسعل الواحد منهما في صوت مرتفع لينبه الآخر إلي أنه في طريقه لدورة المياه ، وبعد الانتهاء يغلق باب حجرته في صوت مسموع معلنا عودته . ويعلق قائلا :
­ عيشة كرب .
ويسألونه إن كان نام معها ؟
­ أنام مع مين ؟ دي في عمر أمي .
­ النسوان الكبيرة حلوة .
­ إلا حلوة . وطيبة كمان .
­ اسمعوا الباقي .
ويعود ليحكي .
خرج في ليلة لسبب ما بعد خروجها مباشرة ، رآها علي بعد خطوات أمامه ، تمهل حتي سبقته بما يكفي ، ووصلا إلي الشارع الرئيسي ، وعبرته إلي الجانب الآخر ، لمحها تدخل مقهي بالميدان هناك . دفعه الفضول فذهب وراءها ودخل المقهي ، فوجيء بها تجلس إلي منضدة في مواجهة الباب ، وجاءت عيناه في عينيها ، نظرتها الصارمة ، اضطرب وجلس علي أول مقعد قابله ، هي تجاهلته بعد ذلك ، لم تنظر ناحيته أبدا ، وهو أختلس النظر نحوها . معها رجل في الخمسين أو أكبر قليلا ، يده تسقط مرات علي يدها فوق المنضدة ، يتحرك اصبع منها خفيفا بين أصابع يدها ثم يبعدها ، والجرسون حين جاءهما بالطلبات مال قليلا ليضع الصينية علي المنضدة واستند بيده الخالية إلي كتفها ، بعدها خرجت والرجل وركبا تاكسي.
صاحوا من حوله :
­ واحدة من اياهم .
­ أول ما قلت شال أخضر في أسود عرفت . ولا واحدة جت عندي إلا ونفس الشال علي كتفها .
­ وبعدين ؟
وعاد يحكي .
قال أنه في ضحي اليوم التالي كان خارجا للكلية ويغلق باب حجرته ، ورآها قادمة من مدخل الشقة ، وقفت في الطرقة بين الحجرتين ، كانت مشدودة من الغضب ، وقالت دون زعيق :
­ لو سمحت تقول لي كنت ماشي ورايا امبارح ليه ؟
هو اضطرب .
قال انه لم يمش وراءها ، وأنه دخل المقهي صدفة ، وما كان يعرف أنها بالداخل .
ظلت في غضبها وعيناها علي وجهه ، وقالت في حسم :
­ أيوه أنا كده . عايز تعرف إيه تاني ؟
هو حائر ومبلل بالعرق ، اندفع دون كلمة خارجا .
صاحوا حين سكت : وبعدين ؟
­ آه وبعدين .
­ ولا حاجة .
وضحك .
قال أنهما عادا كما كانا ، يتبادلان التحية بلا كلام ، وكلج في حاله .
­ وما دخلِتش عندك ؟
­ لا دخلتْ ولا كان في نيتها تدخل .
­ ولا أنت حاولت ؟
­ أحاول مين يا صاحبي .
وقال إن كل ما كان يخشاه أن يأتي واحد من البلد لزيارته ويراه في هذا الوضع وتكون فضيحة ، لذلك أخذ يبحث عن مسكن آخر . ويوم نقل العفش فوجيء بها تفتح باب حجرتها وتتقدم إليه ، تلبس الروب فوق جلباب البيت . وجهها هاديء وحزين .
سألته في صوت مبحوح إن كانت فعلت شيئا ضايقه ؟
­ أبدا .
­ وماشي ليه ؟
وصارحها .
قال إنها لابد سمعت عن عادات أهل الريف ، أبوه أو واحد من اخوته لابد سيأتي يوما لزيارته ، أو قضاء مصلحة ، والمبيت عنده يومين لحين انتهائها ، ولن يخلو الأمر من معرفتهم بوجودها ، ويكون وضعها حرجا ، سواء نظراتهم إليها ، أو محاولاتهم الكلام معها وتقديم النصائح ، وهو موقف لا يرضاه لها .
غمغمت دون أن تنظر إليه :
­ فهمت .
واستدارت إلي حجرتها وأغلقت الباب .
حكي كل منهم بعد ذلك حكايته مع النساء ، كيف يتعرفون بهن ، ويضاجعونهن بمقابل أو بدون ، وعدد مرات المضاجعة في الليلة الواحدة ، وأوضاعها .
­ أكبر كدبة اللي بتسمعه عن إن النسوان شبه بعض في العتمة .
­ دا صحيح . الواحدة غير التانية في كل حاجة .
­ أحلي لحظة عندي وأنا بخلع هدومها حتة حتة .
­ آه . شغل سينما .
­ سينما . سينما . إنما مفعوله أكيد .
­ أقطع ذراعي انك ما لمست واحدة لغاية دلوقتي .
­ شوفوا . بعد تجربة طويلة لا يوجد ما هو أفضل من العادة السرية . وحدك مع نفسك ، متعانقان في لحظة توهج .
­ بتقول فيها . أعرف واحدة كانت تحكي لي أن زوجها يتركها في السرير ويدخل الحمام يمارس العادة السرية .
­ كلام عبيط . وامرأة مستوي منحط . مفيش راجل في الدنيا يعمل كده .
كل منهم يقول كلاما ، ويعلو صياحهم . شباب . هو كان مثلهم . عرف التدخين مبكرا ، في العاشرة من عمره ، ثم تركه ، وعرف النسوان بدري عنهم ، وهو في الخامسة عشر ، وقبلها كان يتلصص عليهن ساعة الفجر علي ضفة النهر ، حين تقرفص الواحدة منهن بين أشجار الشاطيء وتتعري إلا من قميص داخلي علي اللحم ، وترمي بنفسها في المياه ، وينتفخ القميص أثناء عومها وينزاح إلي كتفها ، ويري جسدها عاريا يتلوي تحت سطح الماء ، وتخرج لتقعد علي بلاطة ، والقميص ملتصق لا يخفي شيئا ، وتدعك نفسها بعودين قش ، كان مثلهم يلهث ، ما أسهل الحصول عليهن هنا في البلدة ، ولا يأخذن فلوسا مثل من عرفوهن من نساء المدن ، يستطيع أن يحكي لهم الكثير من الحكايات مما رآه وسمعه ، أحواض الذرة في الليل ، الخرابات علي أطراف البلد ، والساقية المهجورة ، وبين الشجر خلف وابور الطحين ، وإلا وابور الطحين ، تترك الواحدة طحينها مع واحدة لتحتفظ بدورها ، وتمضي إلي كومة الشجر ، ويكون هناك من سبقها ، تأخذ وقتها وتعود وهي تلم الطرحة حول رأسها . كل الأماكن التي لا يقربها أحد في الليل لكثرة ما يشاع عن العفاريت التي تظهر بها ولهوها المزعج .
هو في قعدته بجوار المقهي ورأسه فوق ركبتيه المثنيتين يغالب النعاس ، لم يكن راضيا ولا مندهشا كل ما قالوه يقوله أي واحد ، كان يود أن يسمع ما لا يعرفه ، وسهرتهم توشك أن تنتهي . بعد قليل يجغلق المقهي وينصرف الجميع ، لم يقولوا كلاما يحيره مثل كل مرة ، ويفكر فيه طول غيابهم عنه ، في المرة السابقة أيضا تكلموا فيما سموها السياسة ، طول السهرة ولا كلام لهم إلا عنها . أحوال البلاد وما تعانيه وما عانته مئات السنين ، يحس أنهم يتكلمون عن بلاد أخري لا شأن له بها ، ويتساءلون :
لِمّ بلادنا دون بلاد العالم التي رأت سنوات طويلة من الاستعمار ، وأسوأ أنواع الاستعمار ، تركي ، فرنسي ، انجليزي ، وما سيأتي بعد ذلك . لابد أن العيب فينا نحن أهل البلاد ، نرضي بأي وضع وبأي حكم ، أين الثورات الكبري التي قرأنا عنها في بلاد أخري التي طردت المستعمر وأطاحت بنظم الحكم الفاسدة ، انظر ماذا لدينا . بعض المظاهرات في الشوارع ، وتكشر السلطة وتدفع بعساكرها المدرعين ، تتفرق المظاهرة في الشوارع وتنفض ، ثورة عرابي، 1919 ، هذا كل ما لدينا ، بتاريخنا الطويل وحضارتنا كما يقال ، وتأتي ثورة 1952 ، ثورة العسكر . وأين كان الناس وقتها ؟ موجودون والحمد لله في بيوتهم ، استيقظوا في الصباح علي من يقول لهم انتهي الحكم الفاسد إلي غير رجعة ، وجئنا لنرعاكم . علي خيرة الله . وهو في السماء شاهد علي كل شيء . اذكروا لي بلدا واحدا حكمه العسكر لما يقرب من ستين عاما . هذا ما أقوله . العيب فينا نحن أهل البلد .
ويغضبون ، وينتظر حتي يذهب غضبهم . صمت طويل لا يسمع فيه غير صوت رشفات من مشروباتهم ، ثم فتحوا في الكلام عن الأغاني التي يفضلونها . أم كلثوم . عبد الوهاب . فيروز . هو يحب من ذكروهم من مطربين ، غير أنه لم يتوقف مرة ليسمع أغنية حتي نهايتها .
ومضت السهرة دون كلام آخر .
وجاءوا بعد ليلتين إلي المقهي ، شربوا ودخنوا الشيشة ، تكلموا قليلا . فهم من كلامهم أن واحدا منهم مريض . أرهف أذنه مائلا برأسه إلي جوار المقهي ، هم ينتظرون عودته من عند الدكتور لزيارته . قالوا انها غالبا متاعب في كبده . البلهارسيا . أيهم ؟ . لا يعرف . سمع أسماءهم من قبل وحفظها ولم يعرف أصحابها .
خرجوا من المقهي وتبعهم ، ساروا من شارع لآخر ، ودخلوا بيت صاحبهم وكان مجضاء بالكلوب ، انتظر في الخارج ، شجرتان علي جانب الطريق ، قعد تحت واحدة منهما وأسند ظهره لساقها ، يقذف بما تلتقطه يده من حصي إلي جوف الطريق المعتم .
قال أنه سينظر في وجوههم لدي انصرافهم ويعرف ، ثم سمع صوت ضحكاتهم تترامي إليه ، وسمع أيضا قهقهة صاحبهم العالية . نهض ونفض جلبابه وسار مبتعدا .
ثم سافروا .
وعاد إلي تسكعه في شارع السوق حتي كان لقاؤه مع الشيخ رضوان .
كان أستاذا للفقه والشريعة بالجامعة ، ويأتي في الأجازات إلي البلدة ، يري أطيانه ومصالحة الأخري التي لا يفصح عنها ، الأهالي يكتشفونها بالصدفة ، من كان يصدق أنه صاحب محل قماش النهضة بالسوق ، ويقوم بإدارته واحد من أقارب أمه وكانت من بلدة أخري ، أو أنه يشارك في تربية العجول ، يشتريها صغيرة ويتركها للصيادين لتربيتها ، وتكبر فيبيعها ويشتري أخري صغيرة ، ما يزيد عن ثمنها في صغرها يقتسمه مع الصياد الذي يتكفل بأكلها ، عرف الأهالي بالأمر حين لمحوا ثلاثة من الصيادين قاعدين لصق الجدار الأمامي لبيته ينتظرون قيامه من النوم ، وكان هناك من استبد به الفضول فذهب وقعد معهم ، الصيادون ليسوا بمهارة أهل البلدة في الكلام ، خلال الدردشة معه لم يخفوا شيئا ، ولم يكن بالأمر ما يسيء إلي أحد . كانوا قد جاءوا من عزبهم غير البعيدة لشراء عجول من سوق الماشية ، وما تركه الأستاذ معهم من نقود لا يغطي ثمن العدد الذي اختاروه ، دفعوا عربونا وقالوا نقصد الأستاذ نأتي منه بباقي الثمن ، ومنها أيضا يبصمون علي أوراق ملكيته لها ويريحونه من مشوار للعزب .
وسألهم من ذهب وقعد معهم عما يكلفه أكل العجل الواحد في اليوم ؟
­ قليل .
­ كام ؟
­ قليل .
­ يعني كام بالتقريب ؟
لحظتها تملك الصيادين الثلاثة الحذر ، ورد من كان بكلمة :
­ ولا حاجة .
­ مفيش خالص ؟
­ قليل .
حين بلغ الأستاذ ما دار من كلام ، ضحك كثيرا ، وقال لو أنه جاء وسألني لأخبرته وقلت له إن أراد أسماء الصيادين الذين أتعامل معهم .
بيته من دورين بمدخل البلدة ، حوله حديقة صغيرة بها أشجار ورد وبرتقال وليمون ، لا يقربها أحد حين تثمر حتي في غيابه ، يسقط الثمر تحت الشجر ويتعطن وينشف وتذروه الرياح بعد أن يخف وزنه . العربة التي يؤجرها في مجيئه تقف علي رأس الطرقة الممهدة المؤدية لباب البيت ، هو في المقدمة تتبعه امرأة طويلة وثلاث بنات أقصر منها ، ثم السائق الذي يحمل الحقائب ، المرأة والبنات منقبات ، ثقوب صغيرة بغطاء الوجه تظهر منها لمعة عيونهن ، وطوال وجودهن في البلدة لا يخرجن ، لا يزرن أحدا ، ولا يزورهن أحد . نوافذ البيت مغلقة دائما في النهار ، وتفتح علي سعتها في الليل والأنوار مطفأة ، كان المارة يلمحون بها خيالات داكنة لرؤوس وأكتاف ، وما أن تسطع أنوار سيارة قادمة حتي تختفي .
البيت ساكن ، حتي صوت الراديو لا يسمع ، وقد فوجيء القريبون منه وفزعوا حين انفجرت ذات ليلة صرختان متتاليتان من داخله ، أعقبها نهنهة ، ثم ساد الصمت ، وظلوا وقتا حائرين يترقبون ، لا يجرؤون علي الاقتراب والسؤال ، وقالوا انه صوت المرأة ، كان ممتلئا مشحونا بالألم ، وبه بحة ثقيلة ، صراخ البنات عادة ما تصاحبه سرسعة .
قال القريبون منه في ذكر محاسنه ومن باب الشفقة عليه أنه يتمني الصبي ، والله لا يعطيه ، وهو صابر .
باح لهم في قعدة انه يفكر دائما فيمن يرثه ويحمل اسمه .
وقالوا له إن الأيام قادمة .
قال عن قناعة إن البطن التي تمتليء بثلاث إناث متتاليات لا يأتيها الصبي أبدا . وأصبح قوله حكمة يتم تداولها وإن جهل الكثيرون مصدرها ، وأحيانا كانوا ينسبونها إلي بعض الأئمة .
أحس الذين باح لهم بشكواه أنه ينتظر منهم أن يقولوا كلاما فقالوه :
­ تزوج يا شيخ رضوان ولا أحد يلومك . طلبك مشروع .
حدق في وجوههم لحظة ثم أطرق ساكتا .
همس واحد منهم أثناء انصرافهم :
­ إما أنه فعلها سرا ، أو سيفعلها ، الشيخ رضوان وأعرفه من سنين .
وعاد ليهمس بعد أشهر قليلة حين أنكشف المستور :
­ قلتها لكم . متزوج من ثلاث .
­ حقه المشروع .
­ وسبحان الله . لم يأت الصبي . والرابعة أكيد عن قريب .
ما كانوا في حاجة إلي البحث أو السؤال ، جاءت وحدها ، لاحظوا أنه في كل أجازة يأتي كانت المرأة التي تتبعه يختلف حجمها عن المرتين السابقتين ، ومرة يرافقها بنتان صغيرتان ، ومرة بنت واحدة أصغر منهما ، والجميع منقبات .
ما أن يستقر به المقام حتي يهرول إليه شيخ الجامع ليعرض عليه أن يباركهم بخطبة الجمعة ويؤم الصلاة .
­ طبعا . طبعا . هذا الجامع له مكانة كبيرة عندي . أول صلاة لي كانت به . وعمري ست سنوات .
يزدحم الجامع علي آخره ، وتفرش الحجصر خارجه لتستوعب المصلين الذين جاءوا من بعيد وتركوا الجوامع القريبة منهم ، ويكون أعيان البلد تبرعوا لشراء حجصر جديدة وحنفيات ، والسباكون قاموا بتسليك مواسير الصرف التي تطفح دائما وتنساب بروائحها إلي الشارع.
ويأتي الشيخ رضوان بصحبة اثنين من معارفه ، مصقولا ، لامعا ، يتهادي في مشيته ، يلبس الجبة والقفطان ، وشال العمامة ناصع البياض ، ما أن يعتلي المنبر حتي يصبح رجلا آخر غير الذي عرفوه ، تفارق البشاشة وجهه ، ويتخذ طابعا منذرا ، خطبته عنيفة ، يهاجم فيها أعداء الإسلام ، والذين يسيئون إليه بقصد أو بدون ، ويتوعدهم بعذاب الآخرة ، ويفيض في الحديث عن جهنم ونيرانها التي لا تنطفيء ، ويتطرق إلي من يجهلون دينهم ويكتفون بفروضه ، يؤدونها وهم يتثاءبون أو في عجلة فلا يشعرون بما فيها من جلال وسمو .
يتزاحم المصلون حوله عقب الصلاة ، يسألون وهو يرد مبتسما ويشق طريقه في نفس الوقت خارجا ، زغلول بينهم يحاول الاقتراب منه ، ويمد عنقه ليسمع في وضوح ، ويكتشف أنها أسئلة لمجرد الكلام ، كان يستطيع هو نفسه أن يجيبهم عنها ، أخطاء في الصوم والوضوء ، والشيخ يغمغم بسعة صدر :
­ الخطأ غير مقصود ، والله غفور رحيم .
واقترب واحد منه مرة وهمس في أذنه بكلام ، توقف الشيخ مطرقا ، وارتفع صوته قليلا :
­ وزنيت بها ؟
­ حصل يا أستاذنا .
­ تصوم ثلاثة أيام عسي أن يغفر الله لك .
­ وبعد الصيام أقدر أزني بها تاني ؟
التفت الشيخ في حدة ، ورأي وجها يكتم الضحك ، انفجر الشيخ صائحا :
­ بسيوني ؟ خدعتني يا رجل .
وأخذه بين ذراعيه ثم أفلته :
­ اشتقت لقعدتك كثيرا . الليلة بعد صلاة العشاء . المقهي الكبير . نتذكر ما فات ونضحك قليلا .
وقف زغلول أمام الجامع ينظر هنا وهناك ، يتزاحمون ويسألون ، وليس هناك ما يسألون عنه ، وهو بدلا من أن يتجاهلهم يجيب علي أسألتهم ، وتذكر أصحابه من التلاميذ . لو كانوا هنا ، أو واحد منهم ، لأستطاع أن ينكش الأستاذ بأسئلة من نوع آخر . معرفته كما يبدو واسعة . استشهد في خطبته بأقوال كثيرين ، ما أثار عجبه هزاره مع بسيوني وعلي مسمع من الجميع ، لم يتوقع أبدا أن يكون صاحبا لواحد مثله . الكل يعرف من هو بسيوني ، ولا أحد في البلدة يأخذه مأخذ الجد . نفس الحكاية مع التلاميذ ، أكثر من قعدة لهم يقولون كلاما يتركه مبلبلا حائرا ، وفكره يروح هنا وهناك ، ثم يجدهم في قعداتهم الأخيرة يتكلمون عن النسوان ، وكلام يقوله أي واحد ، ويتحمسون أيضا ، ويصيحون .
انحني والتقط حجرا قذف به إلي النهر ، واكتشف أنه يتبع الشيخ رضوان ، كان علي بعد خطوات برفقة أثنين ، ثم سار بعد ذلك وحده في شارع السوق ، توقف أمام محل أقمشة النهضة ، صعد العتبة وتربع علي دكة بالطرقة أمام المحل ، الدكة تسع اثنين ، غير أنه تربع بفخذيه السمينتين ولم يترك فراغا بجانبه .
مشي زغلول أمام المحل ورجع ، ثم مشي ورجع ، رأي الشيخ ينتهي من كوب الشاي ويضعه تحت الدكة ، زبائن قليلون أكثرهم من النساء يصعدون إلي المحل ، بعضهم يبقي داخله . الخاطر يلح عليه ، لو تكلم معه ؟. مجرد أن يسأل ويسمع ما يقوله ، وبحث في ذهنه عن الأسئلة التي حيرته ووجدها راحت ، ربما حين يبدأ الكلام معه تأتي من نفسها ، قد يفلت سؤال أو اثنان غير أن الكثير يلبد في رأسه . مرت به امرأة وصعدت عتبة المحل ، وكان يقف علي بعد خطوة مترددا . المرأة ممتلئة ، وجسمها الطويل ينساب متناسقا ، الملاءة انزلقت عن رأسها ، وكشفت عن شعر ناعم فاحم السواد وجانب من منديل رأس زاهي اللون وبطرفه ترتر يتألق في ضوء الشمس ، ثنت زراعها اليسري واستقر ساعدها تحت ثديها الأيسر فنهد ممتلئا مشدودا ، وبانت رجرجته ، دخلت المحل وكأنها تغزوه ، زغلول رمقها سريعا ثم عادت نظراته إلي الشيخ الذي انحني خفيفا للأمام محدقا في ظهر المرأة . قرفص زغلول غير بعيد عنه ، تقلص خفيف برقبته ، كان يحركها من جانب لآخر . لمحه الشيخ وتمتم متعجلا :
­ مين دي ؟ الست اللي دخلت ؟
التفت زغلول ولم ير أحدا . عاد ينظر إلي الشيخ الذي استقر في قعدته وعيناه علي باب المحل . قال زغلول وكان ينبش الأرض بين قدميه :
­ أول ما شفتك يا أستاذنا . قلت أنت اللي يفتيني .
رمقه الشيخ في ضيق وتمتم :
­ هش . بعدين .
زغلول كان مستغرقا مع نفسه لم يسمعه . قال :
­ أسئلة كتيرة . تروح وتيجي في دماغي . وقلت انك تشرح لي .
أغمض الشيخ عينيه لحظة ، ثم نظر في حدة إلي زغلول الذي استمر ينبش بين قدميه ويقول :
­ الله سبحانه خلق الدنيا ، والناس ، وكل حاجة ، وأمرهم أن يعبدوه ، أقول لنفسي إذا كان خلق ده كله عايز عبادتهم في إيه ؟ وإذا لم يعبدوه يغضب ويتوعدهم بالعذاب .
الشيخ علي الدكة أفاق تماما ، واتسعت عيناه ، نظر حوله مأخوذا .
قال زغلول وهو يلم الجلباب حول ركبته :
­ آه . خذني علي قد عقلي وفهمني . إن كان سبحانه عايزهم يعبدوه . طيب ، يبان بالشكل اللي عايزه ويقول أنا خلقتكم اعبدوني . وساعتها ما حدش حايقول لأ .
سكت ، ومسح فمه بظهر يده ، نظر للشارع والناس تذهب وتأتي ثم أحني رأسه وعاد ينبش الأرض ، والشيخ علي الدكة مشدود الظهر ووجهه يتلون بالغضب ، مد قدميه يبحث بهما عن حذائه وكان منزويا في جانب تحت الدكة . وقال زغلول :
­ طب أنا فهمي شوية ، إنما برضه بفكر . أقول لنفسي هو سبحانه أرسل أنبياء كتير ، كل كام سنة واحد . أعرف منهم ثلاثة . موسي وعيسي ومحمد . عليهم الصلاة والسلام . الثلاثة بيدعوا لعبادة الله . وكل دعوة ولها طريقتها ، واللي معاها يقولوا إنهم الأفضل عند ربنا ، ويكدبوا غيرهم . وييجي الزمن ونشوف الثلاث دعوات في وقت واحد ونازلين في بعض ضرب وقتل ، وأقول لنفسي طب ليه ؟ إذا كان ولابد ، نبي واحد كفاية .
يتكلم ساهيا عما حوله ، وأدهشته الرفسة قبل أن توجعه ، أطاحت به خطوات للوراء ، وقلبته علي ظهره ، ثني ركبتيه ورفعهما كساتر لحمايته ، صيحة الشيخ أوقفت الحركة في الشارع ، ودفعت الزبائن بما فيهم النسوان إلي خارج المحل .
­ بتعدٌل علي ربنا يا ابن الكلب .
تفادي زغلول ضربة قدمه وكانت مصوبة إلي بطنه ، ووقف ، احتوته قبضة الشيخ ، يجره متراجعا للأريكة ، يمشي والشراب في قدميه وعيناه تبحثان عن الحذاء ، وربما أراد أن يستخدمه في ضربه بعد أن أوجعته يداه . غمغم :
­ هو راح فين ؟
لمح زغلول الحذاء ، وأشار إليه بيده مترددا ، والشيخ لمح إشارته ورأي الحذاء ، وانفجر في الصياح ويده تهوي علي زغلول :
­ يا كافر يا ابن الجزمة .
جاء البعض جريا من الشارع ، وصاحوا :
­ سيبه لنا يا أستاذنا .
ونزلت ضرباتهم عنيفة علي زغلول الذي كاد يختفي بينهم ، واحدة من الزبائن خلعت شبشبها وصاحت :
­ هو فين ؟ كان بيسرقك يا سيدنا الشيخ ؟
كان بكعب فردة الشبشب مسمار ، طرفه المدبب خارج من الكعب ، انغرز في رأس زغلول ، شده الشيخ من صدر جلبابه :
­ يا كافر يا ابن الكفرة .
صوت زغلول ضائع وسط الصياح :
­ الجلابية . حاتقطع الجلابية .
جذبه الشيخ وكفه الممتلئة مرفوعة تتأهب لصفعه ، بإصبعها الوسطي خاتم بفص كبير ، سطع لحظة في ضوء الشمس ، وهمست المرأة المليحة وكانت تقف بباب المحل :
­ ذهب عيار 24 . لمعته . أعرفه ولو علي بعد مترين .
فوجيء الشيخ بالجلباب ينشق بسهولة في يده ، بدن زغلول العاري شديد الشحوب ، وعظام صدره بارزة ، وسرواله بلون الطين ، دفعه الشيخ بعيدا عنه ، وقعد لاهثا علي الدكة :
­ الكافر . أنا . أنا اللي يتقال له الكلام ده .
كف الآخرون عن ضربه . أنفه ينزف ، ورأسه به ورم في حجم البلحة ، وشفتاه منتفختان ، وحول عينه كدمة حمراء :
­ قطعتٌ الجلابية .
ضم جانبي الشق الطويل حول جسده .
صاح الشيخ بقريبه الذي يدير المحل :
­ اقطع خمسة متر وارميها في وشه .
استدار زغلول ومشي من بين الواقفين .
صاح به قريب الشيخ أن ينتظر حتي يقطع له القماش .
استمر زغلول في مشيه . عّبر الشارع واختفي في الحارة المواجهة .
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
ضواحي الفضفضة
رسائل
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
جسر الحنين
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: