|
|
| السنة - | 714 | ه - العدد | 1427 | صفر | من | 28 | - م | 2007 | مارس | من | 18 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:31:33 AM |
 |
الساعة - |
 |
3/17/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| كتب |
 |
|
|
مليكة أوفقير تعود بكتاب جديد:
اكتشاف العالم في الأربعين!
أسامة فاروق
بعد عشرين عاما قضتهم في السجن خرجت مليكة اوفقير إلي العالم بجرح كبير وكتاب.
جرحها ربما سيظل معها طويلا أما كتابها فقد تجول في العالم ليصبح الأعلي مبيعا في العديد من الدول لفترات طويلة، نقل السجينة معاناة صاحبته حتي أصبح درسا في التحمل والقدرة علي العودة للحياة وتحمل قسوتها وتحولت مؤلفته إلي الأم تريزا يسألها القراء عن تعويذتها السحرية للتغلب علي الظلم والانكسار رغم أن ما عانته سيظل يستثيرها ويؤلمها كما تستثيرها انتهاكات حقوق الإنسان في كل مكان.
بدأت فصول الحكاية في السادس عشر من شهر أغسطس من عام 1972 حين حاول الجنرال محمد أوفقير، الرجل الثاني في النظام يومها، اغتيال الملك الحسن الثاني.فشل انقلاب الجنرال أوفقير وأعدم الرجل فورا بخمس رصاصات استقرت في أنحاء متفرقة من جسده، يومها قرر الملك إنزال أبشع العقوبات بعائلة الجنرال المتمرد. فذاقت العائلة أقسي ألوان العذاب في معسكرات الاحتجاز والسجون. كانت طفولة مليكةالابنة الكبري متميزة، إذ تبناها الملك محمد الخامس وهي في الخامسة من العمر، وترعرعت مع ابنته الأميرة أمينة لتقارب عمريهما، وحين توفي العاهل المغربي أخذ ابنه الحسن الثاني علي عاتقه تربية البنتين وكأنهما ابنتاه.أمضت مليكة أحد عشر عاما من حياتها في القصر الملكي، وراء أسوار قصر قلما خرجت منه أي أنها كانت منذ ذلك اليوم سجية الترف الملكي وحين سمح لها بمغادرته أمضت عامين من مراهقتها في كنف أهل ذوي نفوذ كبير. حين وقع الانقلاب تيتمت مليكة مرتين: فقدت والدها الفعلي وعطف الملك(والدها بالتبني).
***
هنا تكمن مأساة مليكة أوفقير وحدادها المزدوج وسؤالها الكبير عن الحب والبغض. فهل للحياة معني حين يحاول (والدها الحقيقي) قتل والدها بالتبني (الملك)؟ وحين ينجح الأخير فيما فشل فيه الأول ؟ وكيف يتحول والدها بالتبني إلي جلاد بلا رحمة؟ هذه المأساة هي حياة مليكة اوفقير التي جسدتها في كتابها الأول السجينة .
ومنذ أيام صدر كتابها الثاني الغريبة ومرة أخري بجرأة كبيرة وبرغبة في استعادة الحياة تكتب عن سجن ما بعد السجينة،عن الناس الذين أحبتهم ،عن الذين ساعدوها في استعادة الحياة كامرأة حرة فقد خرجت مليكة إلي الحرية بعد عشرين عاما من السجن ولم تكن مواجهة الحرية بعد هذا الانقطاع بالأمر الهين فليس من السهل أن تعيش في عمر الأربعين مع من هم في سنك وكأنك عشت مثلهم فيما أنت قضيت 20 عاما في السجن ..ما عاد شئ كما كان لا الأصدقاء ولا اللغة المشتركة ولا حتي طريقة الحصول علي المال ولا صرفه.
تكتب مليكة في الغريبة عن الحرية تلك الكلمة التي أصبحت غريبة عنها حتي أصبحت تتساءل دوما متي لم أكن سجينة؟ ففي قصر محمد الخامس كانت أميرة لا تمس، لكنها كانت سجينة داخل أسوار القصر ومنه إلي السجن..السجن الحقيقي هذه المرة بقيت زمنا طويلا في سجن وهمي، منفرد ،كئيب، مذعر.لا تمر الدقائق بالنسبة لي بالطريقة نفسها التي تمر بها بالنسبة للآخرين:إنها طويلة، متوعدة، غامضة..لقد تخلفت بخمسة عشر عاما عن الحداثة، لولا الراديو الذي كنا نخفيه عن أي تفتيش ما كنا لنعرف أي شئ عن أخبار العالم هربت مليكه وأخوتها من السجن إلي سجن آخر داخل الوطن حيث حددت إقامتهم داخل أسوار بيت داخل المغرب لا يستطيعون السفر إلي اي مكان..ومرة أخري كان الهرب والبحث عن الحرية من خلال أختها التي استطاعت الهروب إلي فرنسا ومن هناك حركت العالم تجاه قضية عائلة اوفقير المحتجزة في المغرب.فخرجت مليكة لتواجه عالم جديد تماما.. تواجهه بعد 20 عاما من الانقطاع عن كل شئ. لم تعد الطفلة التي تدللت في قصر محمد الخامس أو حتي السجينة التي استطاعت أن تصبح لإخوتها شهرزاد خاصة تنسيهم من خلال الحكايات قسوة السجن والسجان. خرجت مليكة من السجن امرأة أخري لا تعرف نفسها وتسعي للاكتشاف لم اعد أعرف أن افعل اي شئ لا بد لي من أن أتعلم كل شئ من جديد. يشق علي أن أفهم وقت البشر. سرعتهم أو بطئهم، وضروراتهم المتعلقة بالوقت يشق علي فك الرموز والعادات والارتباط بالعيش من جديد.. السعادة كلمة مقصية عن مفرداتي. لم اعد اعرف أن أكون الحسناء الطاغية التي كانت تحتفل بعيد ميلادها الثامن عشر في حفلة راقصة باهرة.مليكة أوفقير؟! إنها امرأة أخري .
نجحت خطة الأخت الصغري إذن، وخرجت العائلة من المغرب إلي فرنسا. وفي باريس حاولت اكتشاف العالم مرة أخري لكن بعد أن تلاشي العالم الذي كانت تعرفه أصبحت تخاف من كل شئ ومن كل الناس تعودت علي أن تعيش بعيده عن الناس، عن النور فبعد عشرون عاما في السجن توطدت علاقتها بالظلام لا يصيبني أدني خوف حينما يتعلق الأمر بالنزول تحت الأرض بل يتملكني شعور غريب بالعذوبة والسكينة .
تسرد مليكة محاولاتها لاستكشاف العالم الجديد تقول أن في عالم البشر الأحرار تغير كل شئ حتي شكل المال نفسه فخلال السنوات التي قضتهم في السجن بدأ العالم في استخدام بطاقات الائتمان وغيرها من الأشياء التي لا تعرف عنها شيئا تشغل ثروتي من الآن فصاعدا قطعة صغيرة من البلاستيك فترة السجن الطويلة غيرت نظرتها للأشياء والأشخاص أصبحت أكثر اقترابا من الفقراء والمعدمين، تشعر معهم بالأمان المفتقد في عالم الأحرار ربما تشعر أنها وحدها القادرة علي فهمهم والتعامل معهم في عالم أصبح مجنون بالاستهلاك، حتي بقايا الطعام أصبح لها مكانة خاصة لديها، أصبحت تتعامل معها باحترام بالغ فلعشرين عاما ظلت هذه البقايا هي غذائها الوحيد رأيت وجبات هامبورجر بالكاد قضمت مرمية في الحاويات أمام مطاعم الوجبات السريعة وشطائر لم يقطع منها سوي لقمة واحدة لتذوقها قبل تركها هناك والغريب في الأمر أنه حتي من لا مأوي لهم لا يقربونها..في وقت ما كانت هذه الشطيرة نفسها مقضومة أم غير مقضومة لتشكل لي وليمة الحياة..
ربما ظن البعض أن مليكة ربما تنقلب علي المغرب، تكرهها وهي التي أضاعت من عمرها 20 عاما لم تر النور فيها، بالتأكيد من حقها الغضب والثورة لكنها تقول: سأحب المغرب إلي الأبد وسأدافع عنها أنا التي سرقت المغرب عشرين عاما من عمرها..وطني ليس الملك المتربع علي عرشه.. وطني هو هذا الشعب الذي يمد يده إليك دون أن ينتظر منك اي مقابل.
السجن قتلها مرتين، مرة بابتلاع عشرين عاما من عمرها داخله، ومرة أخري عندما حرمها من أن تكون أم لن أصبح أما أبدا.العقم، دوت الكلمة كأنها حكم قطعي.ترك السجن وسواسا حقيقيا للأمومة يسيطر علي وكأن الولادة كانت الطريقة الوحيدة لأغدو امرأة مستقلة تماما .
ربما لم يله مليكة عن حلم الطفولة سوي زوجها و رحلتها إلي الولايات المتحدة لتسويق كتابها السجينة . كان للرحلة أثرا كبيرا ليس فقط بالنسبة لتوزيع الكتاب حيث بيع ما يقارب ( 700000 ) نسخة بعد لقائها بأوبرا وينفري في برنامجها الشهير! ولكن لأن نجاح الكتاب في أمريكا أعطي لمليكة نشوة الانتقام الكل الآن يعرف حكايتي ..إنها هنا، إنها ثأري، انتصاري:أن أصرخ في وجه العالم..انكسر الصمت لقد دوت فرنسا أولا والعالم الناطق بالفرنسية ستة وعشرون بلدا في العالم وأخيرا القوة العظمي أمريكا بهذه الصرخة أحييت اسمي، اسم والدي.ما بوسعه أن يفعل هذا العاهل السلطاني المطلق السلطة ليحيل بإشارة من إصبعه حياة عائلة بأكلها إلي جحيم سجني؟لا شئ ولا حتي إجراء بسيط ولا توقيف عابر لا شئ .ليس بوسعه سوي أن يصغي إلي صوتي القادم من كل مكان..أتمني أن يكلفه بعضا من الحسرة والندم .
***
رغم ذلك وفي الفصل المعنون ب موت الملك تروي مليكة اوفقير أحداث يوم وفاة عاهل المغرب وكيف توافد مندوبي الصحف ووكالات الأنباء للقائها وسماع شماتتها! شرحت بهدوء أن أفكارها الوحيدة تهب نحو المغرب وأنها ليست سعيدة ولا حزينة لموت الحسن الثاني وأنها تتمني أن تصل البلاد إلي بر الأمان ولكن لم يرد أحد أن يسمع ذلك فهم هنا ليروني اقفز فرحا للخبر.. تركني الحسن الثاني يتيمة من ألمي جردتني وفاته من باعثي الوحيد للكره والكفاح والتألم ..موته كان في بعض منه موتي أنا فبرحيله المفاجئ دون تسوية حساباته، دفن معه فرصتي الأخيرة لأفهم.لماذا ؟لطالما أردت أن يجيب شخصيا، ذات يوم علي السؤال الذي راودني طيلة الحياة:لماذا نحن؟لماذا أنا التي كانت بمثابة ابنته؟!.
حصلت مليكة بعد ذلك علي تعويض عن سنوات السجن تعويض فرضه الضغط الإعلامي وبعض التحولات السياسية لكن ما كان يهم مليكه في الأساس هو رد الاعتبار وتبرئة اسم والدها وهو ما حصلت عليه المال لا يعوض الخسارة حتي وان ساعد في تضميد الجراح.شئ واحد في العالم يملك قدرة الشفاء:الحب..ولو متصنعا .
|
|
|
|